بستان الذكريات
دار وانت تمر من الطريق المحاذي له تشعر بالجاذبية تجاهه فأشجار
"الباباي" السامقة التي تتدلى منها الثمار الصفراء والخضراء, وشجر
المانجوا والموز والجوافة والليمون والبرتقال واليوسفي والجريب
وغيرها تأسر عينيك فلا تطيقان النظر الى غيرها من فوق ذاك السور
المتوسط الطول الذي يسور ذلك الدار. هذا قبل ان تلج اليه.
يقع هذا الدار في وسط مدينة تحتضنها جبال رواسي ويشقها
نهرموسمي سرعان ما يتحول الى وادي رملي ناصع لونه.
.
أما اذا دلفت الي هذا الدار داخلا من بابه المزين بخلفيات الخضرة
فأنت على موعد مع جنينة ارضية.
فدخولك من الباب الكبير يجعل نظرك يصطدم بجدار ساتر لاصحاب
البيت يسترهم من العيون المتطفلة للمارة من وراء باب الشارع ثم
بعده تهنئ عيناك بعروش العنب الاسود والاخضر الثمار التي أثقل
دلوها او تدليها دعائم عرشها. فإذا جلست في الارائك الممدة تحتها ما
عليك الا ان تمد يدك الطويلة تجاهها لتقطف ما شئت اخضرا او اسودا ثم
ان اصحاب البيت تجدهم يرسلون اليك باطباق من "البابايو" البارد وبعض
انواع الفواكه. وكل هذا من هذه الروضة الغناء. ثم يأتي الشاي فإذا
صاحب البيت يقوم ويقطف من ورق النعناع والليمون ويغسلها
جيدا تحت ذاك الصنبور ويضعها في السحن الحاوي لاكواب الشاي
ثم ينادي يا فلان خذ هذا الى داخل البيت, انه ثمار الخضروات
المقطوف لاعداد الغذاء.
فإذا التفت يمنة وجدت الورود تكحل عيناك ويسرة شجر الدباء الذي
افترش الارض حاضنا ثماره الثقيلة وكذلك البطيخ الزاحف مواريا
الارض الشبه رملية التي تكاد لا ترى بسبب طغيان بساط الخضرة.
اذناك تعطرهما اصوات الطيور الصفراء والحمراء وغيرها من
الالوان كأن الوان الطيف اقتصر عليها. وهناك عصافير رابضة
على شجرتي الجوافة الحمراء والبيضاء.
اما الحمام الزاجل يفضل المكوث هناك في البيوت الخشبية المعلقة
بجوار سقف احد الغرف والتي صنعت له خصيصا فيهمهم فيها وفي
خارجها كما شاء.
هناك في الركن مصلى صغير للاطفال بنوه بانفسهم وهو بمثابة
حائط قصير مزخرف بعدة الوان والارضية مفروشة برمل ابيض.
بين ساقيك يمر بهدوء وانسياب الديكة والدجاج التي أخرجت من
اقفاصها لتأخذ قسطا من الحرية كما يبدوا الا انها تأبى الا ان تعيش
فسادا في الحديقة مقابل سماد طبيعي تمد به لبعض الاشجار وكذلك
القضاء على بعض الحشرات المضرة وتهوية تربة بعض النبات
وهذا ما نغفل عنه.
كل الجيران يصيبون شيئا من هذه النعم بين الحين والاخر فالاواني
ترسل اليهم ملئى بالثمار المتنوعة وما فاض يباع الى التاجر الايطالي
الذي استوطن تلك البلاد مع كثير من امثاله بعد انهزام الجيش الايطالي
امام الحلفاء وبعد معارك طاحنة شهدتها تلك المدينة بين الانكليز والطليان.
هنا ربيع دائم فالجو عليل على مدار العام بين 25و30 درجة.
لذلك تجد الاريج الفواح ينبعث من الورود والريحان "والناترام"
(نوع من النباتات العطرية) فيقطفون منه كل يوم الجمعة ليرسلوا
به في سلة مليئة به الى المسجد الكبير فيوضع أمام بابه الرئيس
ليتعطر به رواده.
كما ان الضيف لا يبخلون عليه باوراقها المعطرة التي يضعها
وراء اذنه.
هنا نشأ طفل كان يخاف الطائرات الحربية التي يصدر منها صوت
مزعج فكان....
ولهذه السطور تتمة بإذن الله
في:
طفل وطائرة (للاطفال في سوريا)
رسالة الي ثوار سوريا
هل يمكن قهر الطائرات الحربية؟
.........
راجي

تعليق