ذات فجرٍ ضبابي .. اعترته السفرة .. وانقسم في تنفسه إلى قسمينِ من الغموض ..
كانت تقف تلك الوحيدة , إلا منها .. تقف يحدوها أمل الموعد القريب .. ويستحيل فكرها موت اللقاء الجاثم حول دائرة النسيان .. وتتنفس الساعات .. وتسابق الزمن الى الزمن .. وتعانق شالها الذي لازال يعج بعطر العاشق " على حد علمها " .. وتحلم بالإجتماع معه تحت أسقفٍ نُصِبت من عشق ..
كانت الأفكار تتدافع إليها .. وتستجمعُ بعض كُليماتٍ لتلقيها على مسامع فارسها .. وتلملم شتات بعضِها لتقف امامهُ مستعمرةً الجرأة .. لتحدثه عن شوقها وضعفها حين رحيله عنها .. كانت تقضي ذلك الفجر بتدحرجاتٍ نحو الصدمة القادمة .. " ياليتها علِمت "
ومن بين صخب الوقت .. وجنبات ضوضاء الإستعداد .. كانت تقف امام خزانة الملابس .. وتسرقها الحيرة .. ماذا تلبس .. ؟؟ وأيهما انسب .. ؟؟ وهل هذا الفستان سيعجبه ام لا .. ؟
وهكذا راحت تشوي جسدها بالتغيير حد البكاء .. وفي نهاية المطاف التساؤلي .. قررت ارتداء البذلةُ السوداء .. التي ارتدها عند اللقاء الأول به .. وترخي على عنقها شالاً كانت تدس وجنتيها به خجلاً من مداعبات الخليل .. وتُعطرُ العطر ببرآئتِها .. وتصففُ الشعر الحريري بِأنامل ذهبيةٍ رقيقة .. وتمسح من على وجنتيها خجلاً إعتادت على وجوده ..
وفي إرتحالات العقارب ودورانها .. يطرق العقرب الطويل ابواب الإثنى عشر .. فيما يتمخطر العقرب القصير على مشارف الثامنة " مساءاً " .. وتحين الرحلة العشقية وتطلقُ ابواق الخطى بداية التعثر .. في الموانئ البرية .. بإتجاه المكان المعلوم ..
فتحت باب شقتها .. ودلفت اول قدماها .. وراح يحتضنها الشارع .. وتمازحها زخات المطر الحنونة حد الملاطفة .. وتستقبلها انوار السيارات بلون المطر .. وتتفنن الأرصفةِ اوتاراً من قيثارةٍ قديمة ..
المكان : ساحة العشقِ المهجورة
الزمان : إحتراق نظرةٍ يتيمة
المقصد : اللقاء
المقصود : مقهى
القادم : حسناءٌ تبحث عن منتظر
المنتظر : أوهامُ الحسناء
هاهي الآن تبدد نظراتِها فوق عتبات المكان .. وتنزلِقُ مجموعةُ أشلائِها على أجزاءٍ من الزمان
وتتبعُ قدماها إلى حيث أمرتهما أشواقها الحالمة .. وتصبِحُ حد كبِدِ المقهى .. وتقفُ تنظرُ إلى الطاولة الخشبية المعهودة .. وترى الفراغ يتربعُ كرسياً متصدع .. وتسترق النظر إلى الزوايا .. فلا تجد إلا بقايا اللقاء الأول ..
استقلت خطاها واستعمرت طاولةً في زاويةٍ تحدوها أشعةُ شمعةٍ نحيلة .. وألقت بيديها صدر الطاولة .. وقذفت برأسِها يديها .. وراحت تطهر طاولتها بدموعِها اليائسة ..
استغلت الثواني هذه اللحظة .. وراحت تسردُ عليها أكوام الذكرى .. ومجموعة الضحكات .. وحضور الموعود دون وعود .. والاختلاف الذي جرى بين " هناك وهنا "
النادل يقاطعُ الفيلم السينمائي ..
. عفواً .. هل تحتسين القهوة .. ؟؟
. نعم .. نعم .. لو سمحت فنجانٍ من القهوةٍ المرة
. حسنا
تعاودُ وقتها رحيلها إلى ما كان .. وتزتنزفُ المزيد من الطهارة .. وتـسأل الجدران المتشققة .. وتخاطبُ الهواء .. وتناجي العشيق في القدوم .. " وكل هذا بصمت "
النادل يقاطع المذكورين الإجابة ..
. إليكِ سيدتي الفنجان
. شكراً
تضعُ فنجانها أمامها .. تطرق النظر إليه .. ترفعه ببطء شديد .. ترتشفُ أول رشفة .. تتذكر الطعم كيف كان وإلى أين كان ..
تعودُ على حالها .. تغفو دون شعور .. قد تغفو العقارب معها .. قد تتوقف الكرةُ الأرضية عن دورانها .. قد تتمزقُ الروزنامات عندها .. ويضيع التاريخ .. بضياعِ اللقاء .. ولكن ..
النادل يجعل حداً للكارثة ..
. عذراً سيدتي
.
. عفواً .. هل تسمعينني .. ؟؟
.
. أنتِ أيتها السيدة
.
. اعتذرُ .. سوف نغلق المقهى الآن
. نعم .. نعم .. هل تكلمني .. ؟
. نعم يا سيدتي .. سيُغلقُ المقهى خلال ثواني .. أريد الحساب
. نعم .. اعلم .. اعلم .. كم الحساب .. ؟
. الحساب : زيارةٌ أخرى
تبتسم ابتسامةً حزينة .. تقاطعها دمعتان .. وتُمسح الدمعتان بتنهيدةٍ متحسرة .. وتستجمعُ ما آتاها ربها من ضعف .. وتخرج إلى حيث الطريق ..
ماتت اللحظة مقتولة ..
والحسناء ذهبت تجر معها أطراف الهزيمة .. على أمل اللقاء في الغد .. ربما يأتي


تعليق