مرعلى قريتنا شهر من الحزن و الأسى بسبب وفاة " زايد ". هذا الفلاح الهادئ ، الصامت ، البالغ من العمر 63 عاما، فبالرغم من عزلته عنا و عدم اختلاطه بنا- و كأنما أغلق عليه ألف باب – و لكننا عشنا معه ما يقرب عشرين عاما. فهذا هو طبع أهل هذه القرية الصغيرة . فهم يتأثرون من فراق أحد و لكن يغضبون جدا إذا دخل شخص جديد ليفرض نفسه وسطنا في القرية.
طوال هذا الشهر كانت أرض الفلاح " زايد" تزداد فسادا بسبب عدم اهتمام أحد بها ، فهو كان وحيدا و كان يقطن بمفرده.و بعد مرور عام ، تلاشت ذكرة هذا الزايد من أذهاننا و أصبحت أرضه قطعة صحراوية وسط منطقة زراعية. و لكن … إذ بنا نفاجأ بظهور ابنه في قريتنا . فأصابنا الذعر و الغضب و لكننا لم نستطع فعل شئ ، فهذه أرضه و هذا بيته.
لم يكن" ممدوح "مثل والده ، بل كان ودودا و يحب معاشرة من حوله و لكن … ( ديل الكلب عمره ما يتعدل ) فقد كان يقول كلاما منطقيا و واضحا لاثبات حسن نيته ، فنسمعه نحن بطريقة مختلفة . و كنا نبعد عنه رغم مساعدته لكل أهل القرية . و يكفي انه جعل أرضه تنبض بها الروح من جديد و تصبح أكثر أراضي القرية اخضرارا . لم يغضب قط هذا الشاب مننا بل كان يحبنا ، و لم يتأخر أبدا عن مساعدتنا .
و بالرغم من تقارب سننا ، و لكني كنت لا أختلط به أيضا ، فهذا طبعي الذي تعودت عليه . و لكنه كان يزورني كثيرا و يهديني كتب فكرية و فلسفية . بدأت أحبه و لكني كنت قلقا بسبب كلام الناس فبالرغم من زيارته لي ، كنت لا أزوره أبدا و اصبح الحال كما هو عليه بمرور الوقت.
و فجأة رأيته يدعوني إلى بيته بإلحاح حتى أرى مكتبته و كتبه التي يقرأها ، و وجدت نفسي - و بدون دراية- أوافقه و أزوره.
كان بيته جميلا رغم صغره ، و كانت مكتبته رائعة رغم كونه فلاح ابن فلاح، و لكنه كان يشتري الكتب من أبعد مما نتصور.جلسنا معا ، و تحدثنا عن كل شئ بداية من أهل القرية و شعورهم نحوه ، حتى مشكلة الانتخابات الأمريكية و الانتفاضة الفلسطينية . وجدته واع بكل ما يدور حوله ، و على دراية كاملة بكل ما يدور في القرية.
و لكنه قطع الحديث و سألني :"سامع الصوت ده؟ " فقات له لا أسمع شيئا و لكنه أكد لي سماعه صوت خرير ماء.
و كان ذلك خطيرا جدا ، فهذا يعني أن الماء قد حطم السد و سيغرق كل الأراضي.فخرجنا و ركضنا إلى المكان ، و كلما اقتربنا من السد أزداد صوت خرير الماء.
و إذ بنا نفاجأ بوجود فتحة ضخمة في جسم السد يتدفق منها الماء. وجدت "ممدوح" يجري و يسرع بسدها- مؤقتا- مستعينا بالحجر و البوص ، و كان ملئ بالحماسة رغم بعد أرضه عن مكان السد. ووجدته يقول لي "أذهب و أطلب النجدة من أهل القرية" . فأسرعت إلى القرية ، و أثناء ركضي – فجأة – لم أسمع صوت الماء ، و بدا لي هذا السكون مقدمة لعاصفة. فجريت بأسرع ما عندي و كأني أسابق نبضات قلبي و ازدادت نبضاته عندما سمعت صراخ ممدوح مصطحبا بصوت الخرير من جديد. و مع ازدياد سرعة الإيقاع أسرعت أنا و من معي للإغاثة و كأننا نقفز رعبا أثناء جرينا. و لكن عندما وصلنا إذ بنا نجد الماء قد حطم السد، و جثمان" ممدوح" تحته.
فأدركنا انه قد رقد إلى السد ليسد الفجوة و لكن مع قوة تدفق المياه لقي مصرعه. و عندما أخرجنا جثمانه من تحت الأنقاض أحسست برعشة عظيمة تتغلغل داخل جسدي عندما وجدت ابتسامة على وجهه ، هذه الابتسامة البسيطة و كأنها ترد به الروح من جديد...
…فلم تكن إلا غطاء يخفي تحته معنى عظيم…
طوال هذا الشهر كانت أرض الفلاح " زايد" تزداد فسادا بسبب عدم اهتمام أحد بها ، فهو كان وحيدا و كان يقطن بمفرده.و بعد مرور عام ، تلاشت ذكرة هذا الزايد من أذهاننا و أصبحت أرضه قطعة صحراوية وسط منطقة زراعية. و لكن … إذ بنا نفاجأ بظهور ابنه في قريتنا . فأصابنا الذعر و الغضب و لكننا لم نستطع فعل شئ ، فهذه أرضه و هذا بيته.
لم يكن" ممدوح "مثل والده ، بل كان ودودا و يحب معاشرة من حوله و لكن … ( ديل الكلب عمره ما يتعدل ) فقد كان يقول كلاما منطقيا و واضحا لاثبات حسن نيته ، فنسمعه نحن بطريقة مختلفة . و كنا نبعد عنه رغم مساعدته لكل أهل القرية . و يكفي انه جعل أرضه تنبض بها الروح من جديد و تصبح أكثر أراضي القرية اخضرارا . لم يغضب قط هذا الشاب مننا بل كان يحبنا ، و لم يتأخر أبدا عن مساعدتنا .
و بالرغم من تقارب سننا ، و لكني كنت لا أختلط به أيضا ، فهذا طبعي الذي تعودت عليه . و لكنه كان يزورني كثيرا و يهديني كتب فكرية و فلسفية . بدأت أحبه و لكني كنت قلقا بسبب كلام الناس فبالرغم من زيارته لي ، كنت لا أزوره أبدا و اصبح الحال كما هو عليه بمرور الوقت.
و فجأة رأيته يدعوني إلى بيته بإلحاح حتى أرى مكتبته و كتبه التي يقرأها ، و وجدت نفسي - و بدون دراية- أوافقه و أزوره.
كان بيته جميلا رغم صغره ، و كانت مكتبته رائعة رغم كونه فلاح ابن فلاح، و لكنه كان يشتري الكتب من أبعد مما نتصور.جلسنا معا ، و تحدثنا عن كل شئ بداية من أهل القرية و شعورهم نحوه ، حتى مشكلة الانتخابات الأمريكية و الانتفاضة الفلسطينية . وجدته واع بكل ما يدور حوله ، و على دراية كاملة بكل ما يدور في القرية.
و لكنه قطع الحديث و سألني :"سامع الصوت ده؟ " فقات له لا أسمع شيئا و لكنه أكد لي سماعه صوت خرير ماء.
و كان ذلك خطيرا جدا ، فهذا يعني أن الماء قد حطم السد و سيغرق كل الأراضي.فخرجنا و ركضنا إلى المكان ، و كلما اقتربنا من السد أزداد صوت خرير الماء.
و إذ بنا نفاجأ بوجود فتحة ضخمة في جسم السد يتدفق منها الماء. وجدت "ممدوح" يجري و يسرع بسدها- مؤقتا- مستعينا بالحجر و البوص ، و كان ملئ بالحماسة رغم بعد أرضه عن مكان السد. ووجدته يقول لي "أذهب و أطلب النجدة من أهل القرية" . فأسرعت إلى القرية ، و أثناء ركضي – فجأة – لم أسمع صوت الماء ، و بدا لي هذا السكون مقدمة لعاصفة. فجريت بأسرع ما عندي و كأني أسابق نبضات قلبي و ازدادت نبضاته عندما سمعت صراخ ممدوح مصطحبا بصوت الخرير من جديد. و مع ازدياد سرعة الإيقاع أسرعت أنا و من معي للإغاثة و كأننا نقفز رعبا أثناء جرينا. و لكن عندما وصلنا إذ بنا نجد الماء قد حطم السد، و جثمان" ممدوح" تحته.
فأدركنا انه قد رقد إلى السد ليسد الفجوة و لكن مع قوة تدفق المياه لقي مصرعه. و عندما أخرجنا جثمانه من تحت الأنقاض أحسست برعشة عظيمة تتغلغل داخل جسدي عندما وجدت ابتسامة على وجهه ، هذه الابتسامة البسيطة و كأنها ترد به الروح من جديد...
…فلم تكن إلا غطاء يخفي تحته معنى عظيم…



تعليق