قرار محمد جبر

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • YANNI

    #1

    قرار محمد جبر

    * قرار محمد جبر *
    منفذ الحدود السعودية الاردنية 2 كم ، هذه هي اللوحة التي كان ينتظرها .
    أوقف سيارته بعد مسافة غير بعيده من اللوحة ، فتح درج السيارة واخرج مرآة مكسورة ، ثم التقط ورقة بيضاء من جيبه كانت ملفوفة بإحكام .
    وبحركة آليه فتح الورقة ، وصف المسحوق الأبيض الذي فيها على شكل خط رقيق فوق سطح المرآة ، و بكل الرغبة الجامحة اندفع يستنشق المسحوق ، وما إن انتهى حتى قام بإعادة الكره مستخدما هذه المرة ثقب انفه الآخر .
    وضع أغراضه جانبا وثنى مرتبة السيارة إلى الخلف ، ومد يده ليأخذ "علبة قطرة" ، اخذ يضع بعض النقاط في عينيه وانفه علها تخفف من شدة احمرارهما ، ثم وضع القطرة بجانب باقي الأغراض.
    أطلق تنهيدة حارة وهو مستلق على المرتبة ، الأصوات التي كانت تتعالى في داخله بدأت حدتها تخف وبدأ يسرح في تأملاته .
    تذكر آخر حديث دار بينه وبين صديقه ، كان صديقه يتحدث في مواضيع متشابكة ، كانت هذه من إحدى العلامات التي يعرف عن طريقها أن صديقه متوتر .
    ارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يتذكر حديث صديقه كان كمن يحاول تهدئة شخص وهو خائف اكثر منه .
    صديقه : صدقني كل شي تمام ، السيارة ومرسدس جديده ، وأنت وما عليك أي مشاكل أو حتى سوابق ، والتخزين حق البضاعة شوفة عينك و أتتحدى أحد يجيب خبر.
    ثم اخذ صديقه في الضحك لكنه لم يجد التجاوب الكافي منه .
    صديقه : ترى ما اكلم جدران وراك ما ترد .
    بهدوء التفت إليه …
    وقال له كلمتين كانتا سبب توتره في الموضوع كله
    قالهما بصوت هادئ :
    محمد جبر
    لم يكد صديقه يسمع هذا الاسم حتى زالت الابتسامة من وجهه ولم يعد قادرا على إخفاء قلقه ، بل لم بعد قادرا على الجلوس ، واخذ يجمع أغراضه مستعدا للخروج وقبل أن يخرج التفت إليه و قال له :
    شف يا حبيبي أنا ما قد قابلت بها الدنيا أحد ظروفه أردى مني إلا انت عشان كذا بقولك اياها بصراحه بالنسبه لموضوع محمد جبر ما له الا حل واحد هو انك تدعي ربك ، والله كريم .
    ثم حمل صديقه حقائبه وخرج حتى دون ان يلتفت إليه .
    وعلى صوت شاحنه مرت بجانبه استيقظ من غفوته بالسيارة مفزوعا .
    نظر إلى الساعة كان خائفا من انه تأخر ، لكن بعد أن رأى الوقت ارتاح لان غفوته لم تستمر ألا دقائق .
    غادر بسيارته من جديد إلى الطريق نظر إلى الورقة التي بها المسحوق الأبيض ، كان قد بقي فيها ما يكفي لجرعة اضافيه ولكنه تردد في تعاطيها لان الجرعة السابقة كانت قوية أصلا و خشي أن يسيء التصرف .
    قذف بالورقة إلى الشارع مع باقي الأغراض ، كان يحس بالحسرة على رميها ولكنه لا يريد أن تفسد هذه الأشياء الصغيرة أشياء أهم .
    وصل إلى منفذ الخروج من الحدود الأردنية وعند الجوازات نزل من سيارته كان الجو حارا ، والزحام شديد وهذا جعله يستنج أن منفذ الدخول للحدود السعودية سيكون بنفس الحال ،أحس بالارتياح عندما وصل لهذا الاستنتاج لان ذلك كان مدرجا ضمن الخطة فبذلك سيكون تفتيش السيارة اسهل من المعتاد .
    رغم الزحام في الجوازات الأردنية إلا انه استطاع أن ينهي إجراءاته بسرعة ،وقد استطاع فعل هذا الشيء ببعض الكلام المعسول مقرونة بمبلغ مالي لموظف الجوازات .
    انطلق قاصدا منفذ الدخول للحدود السعودية وما أن وصل حتى علق في زحام من السيارات منتظرا دوره في الدخول ، بدا نبضه يتسارع ولا شعوريا اخرس المسجل ، خيالاته بدأت تنطلق في كل اتجاه لكنها تعود لترتكز على ذلك الشخص محمد جبر .
    كان قد نجح هو وصديقه في ترتيب الموضوع بسرية هائلة ، وكان الشخص الوحيد الذي يعرف بالأمور الهامة غيرهما هو محمد جبر .
    فقد احتاجا إلى شخص موهوب لتخزين البضاعة في السيارة ، لا بل احتاجا إلى شخص أكثر من موهوب.
    وبعد المشاورات إستقرا على محمد جبر ، كانا يعرفان مدى حساسية الموضوع لإنهما يعرفان أن هذا الشخص سيعرف من هم أصحاب البضاعة والسيارة المستخدمة ومكان التخزين وبالتأكيد أن موعد العملية سيكون قريبا.
    أتفق صديقه مع محمد جبر على الموضوع وعلى المبلغ الذي سيتقاضاه عن عمله وكان عشرين ألف ريال على أن يقبض نصفها قبل العملية .
    لكن ما خشي منه قد وقع .
    كان يتذكر بوضوح تلك النظرة على وجه محمد جبر عندما رأى البضاعة ، تلك البضاعة اللتي تقدر قيمتها في السوق السعودي بقيمة تتجاوز المليونين ريال بينما نصيبه منها لم يتجاوز العشرين ألف.
    كان يعرف هذه الفئة من الناس ، ربما كان يعرفهم أكثر من اللازم ، ولم تكن إلا دقائق حتى بدء محمد جبر بالكلام عن حقه المهضوم ، وأن الموضوع أكبر مما تخيل ، وأنه لو تعاون مع الشرطة فسوف يكون نصيبه أكبر وأضمن مما سنعطيه .
    بعد هذه العبارات التي نطق بها محمد جبر أضطر إلى التدخل لمنع صديقه من التهجم عليه . وبعد أن هدأ الجو نظر إلى محمد جبر وقال له :
    - شف يا أبو منيره ، أنا أوعدك بكل خير بس أنت أنهي الموضوع .
    لم تكن هذه هي طريقته في التعامل مع الآخرين ، ولم يكن هذا هو التنازل الأول الذي يقدمه ، ولكنه قطع شوطا كبيرا ولا مجال للتراجع .
    وبعد أخذ و رد وافق محمد جبر على زيادة المبلغ إلى خمسين آلف على أن يستلم عشرة آلاف الآن والباقي بعد العملية .
    آآآآآآآه هل من الممكن أن أثق في محمد جبر ؟
    هذا هو السؤال الذي يراوده دائما .
    دخل إلى مكتب الجوازات ، كان الطابور طويلا ، انخرط في الطابور الطويل بصمت ، كان يتأمل في الوجوه ، أحس أن الجميع يعلم بأمره ، أحس انهم يعطونه المزيد من الوقت ليحس بمزيد من العذاب ، قبل أن يقبضوا عليه في الأخير.
    ابتسم عندما خطرت على باله تلك الفكرة ، وبدأ يقول في نفسه ما أحوجني الآن إلى تلك الجرعة التي رميتها .
    أنهى إجراءات جوازه ، ركب سيارته متوجها إلى نقطة الجمارك ليسلمهم السيارة لتفتيشها ، كان هذا هو الأجراء الأخير .
    اقترب من نقطة الجمارك ،هذا هو خط اللا عوده ، بعد هذا الخط ستتغير حياته إلى الأبد.
    أشار له مشرف التفتيش بالاتجاه لكاونتر التفتيش رقم سبعه ، هز رأسه وهو ينطلق بسيارته إلى الموقع ، كان يتمتم :
    سبعه ، سبعه
    استرجع ذكرياته مع هذا الرقم ، لاشيء يذكر.
    اهو رقم النحس أم رقم الحظ ، لم يجب على سؤاله وأسر في داخله :
    بنعرف بعد شوي .
    استقبله مفتش الجمرك عند الموقع ، كان اسمر وطويل ولم يحلق ذقنه منذ فتره ،لمح أسمه مكتوبا على صدره ، كان ينتمي إلى قبيلة بينها وبين قبيلته خصام أزلي ،أشاح بوجهه جانبا وقال :
    هذا اللي حنا ناقصينه
    وما إن نزل حتى سأله المفتش :
    معك ولاعه .
    فأجاب بهدوء :
    لا والله ما ادخن .
    رد المفتش بسخرية :
    احسن لصحتك .
    ابتسم مرغما وأسر بداخله :
    - أيه أنا مره محافظ على صحتي .
    ذهب المفتش لأخذ ولاعه من راكب آخر ، بينما قام هو بإخراج حقائبه من السيارة ووضعها على الطاولة وفتحها من اجل تفتيشها كان يريد أن يوفر الوقت.
    عاد المفتش لبدء عمله بينما اخذ هو جريدة كانت معه وجلس غير بعيد عن السيارة ، كان يعرف بعض الحيل التي قد تساهم في تخفيف حدة التفتيش ، كانت إحداها هي عدم إزعاج المفتش أو تبادل الحديث معه .
    الحر الخانق والزحام الشديد كلها ظروف تصب في مصلحته ، ولكن يظل محمد جبر حاضرا كلما لاح الأمل له بالنجاة.
    تأفف وهو يتذكر هذا الاسم ، اخذ يقلب صفحات الجريدة ثم توقف عند إحداها واخذ يحملق في الصفحة بينما باله بعيدا تماما عنها .
    اختلس النظر إلى المفتش كان منهمكا بالتفتيش داخل السيارة ، نظر بطرف عينه إلى الموقع الذي خزنت فيه البضاعة ( كان خارج السيارة من الأسفل ) .
    تذكر محمد جبر وهو يعمل أمامه ، كان قد نزل اسفل السيارة وبحركة خبير فتح ثقبا معقولا في إحدى جوانب السيارة من اسفل من ثم قام بتغليف البضاعة بشكل خاص ومناسب ووضعها في الثقب ثم لحَمه .
    ثم تذكر نفسه وهو يلقي نظره نهائية على العمل ، لقد كان عمل محمد جبر بحق تحفة فنية ، لم يساوره الشك في عمل محمد جبر ، لقد كان يشك في ولائه حتى صديقه كان يعرف هذا ، لكن لا مجال للتراجع الآن .
    لمح مفتش الجمرك للكاونتر رقم سته وهو يشير للمسافر بانتهاء إجراءاته ومن ثم أعطاه جواز سفره وقال له :
    تفضل .
    تنهد بعمق لما سمع هذه الكلمة ، لقد غامر بحياته كلها من أجل أن يسمع هذه الكلمة .
    فجأة أحس بيد على كتفه ، التفت بسرعة ، فإذا بمفتش الجمرك أمامه وكأنه ملك الموت يقول له :
    لو سمحت ممكن تودي سيارتك للكاونتر الأرضي عشان ابغى افتشها من تحت .
    رد بسرعة :
    إن شاء الله .
    ركب سيارته ليتوجه إلى الموقع المطلوب ، لم يكن بعيدا .
    شعور القلق الذي يحس به لا يوصف ، وبحكم معرفته لبعض مفتشي الجمرك كان يعرف ما معنى أن يطلب منه هذا المفتش مثل هذا الطلب ، كان أغلب الذين يتعرضون لهذا الإجراء هم من الناس الذين قدمت عليهم بلاغات مسبقه .
    أوقف سيارته في المكان المخصص لهذا الإجراء .
    أنتظر قليلا قبل أن يأتي مفتش الجمرك الذي أنشغل بتفتيش حقائبه ، أقبل المفتش عليه وقال له :
    - تقدر تستلم شناطك.
    نزل المفتش تحت السيارة وكان يحمل في يده مصباحا كهربائيا بينما باليد الأخرى يحمل حديدة صغيره.
    بدأ التفتيش بمقدمة السيارة و كان ينقر بالحديدة الصغيرة على جوانب السيارة ليتأكد من أن الصوت طبيعي .
    وشيئا فشيئا بدأ يقترب من مؤخرة السيارة حيث مكان البضاعة ، ومع إقترابه كانت حدة تفتيشه تزداد ، الآن تأكد أكثر من أي وقت مضى أنه تعرض لبلاغ .
    نهض من الكرسي الذي كان جالسا عليه ، و أدار ظهره إلى السيارة وأبتعد بخطوات هادئة عنها ، لن يستطيع أحد إجباره على مشاهدة نهايته بعينيه .
    إرتسمت إبتسامه غريبه على وجهه ومن ثم تحولت الإبتسامه إلى ضحكة مكتومة ، رفع وجهه إلى السماء وقال
    بهدوء :
    الله يلعن أمك يا محمد جبر .
    رأى أمامه حوضا من الماء ، ولا شعوريا تقدم من الحوض وفتح الصنبور وخلع شماغه ووضعه جانبا وبدأ يغسل ي
  • reg

    #2

    تعليق

    • بقايا جروح
      عضو فعال
      • Mar 2000
      • 877

      #3
      سلمت يداك اخي العزيز..
      اسلوبك اكثر من رائع في السرد..

      ------------------
      من يشتري قلبٍ همومه ملايين...
      ويبيعني قلبٍ من الهم خالي..
      من يشتري قلبٍ همومه ملايين...
      ويبيعني قلبٍ من الهم خالي..

      تعليق

      مواضيع مرتبطة

      Collapse

      جاري العمل...