في السنوات الأخيرة تفشّي مصطلح سياسي لا أدري من الذي تفتّق عقله عنه، وأطلقه ببراءة، أو بسذاجة، أو بخبث، ليحّل بدلاً من مصطلح (الجماهير)، وليتلقّفه صحافيون، وكتّاب، وقادة أحزاب، وصائغو بيانات محترفون، أو هواة، هو: الشارع العربي!
المقصود بالشارع العربي هي الجماهير، وبالتحديد الجماهير التي يفترض أن تتدفّق إلي الشوارع كالسيل العرم، مكتسحة في طريقها كل ما يهدد حياتها، أو يحتل (وطنها)، أو يحرمها من حريّة الحركة والتجوال في شوارع يفترض أنها لها.
مصطلح الشارع العربي تسيّد الخطاب السياسي مشرقاً ومغرباً أثناء حرب الخليج العدوانية الثانية، حرب التحالف الأمريكي الثلاثيني علي العراق، في معرض الحديث عن تغييب الجماهير وقمعها، والبطش بها، وحرمانها من حقّها في الصراخ والتعبير عن رفضها واستنكارها للحرب التي انتهت بالعراق إلي بلاد تذابح، وصراع علي رفع العلم الوطني ،أو إنزاله ورفع أعلام علي أشلائه!
قبل أيّام، وفي أوج تصاعد سخط (الشارع) الفلسطيني، وإضراب (الموظفين)، وبخّاصة المعلمين الذين أضربوا قبل سنوات لتدنّي أجورهم وانحزنا لهم آنذاك، فما بالك وقد فقدوا حتي راتب الخبز الحاف في زمن الحصار.. نشرت صحف عربيّة صورة الرجل الطيّب إسماعيل هنيّة وهو يكنس أحد الشوارع في (غزّة)، مرتدياً قميصاً رياضياً، وقد أحاط به صحافيون ومواطنون، أي إنه يوجّه بالمكنسة رسالة للرأي العام المحلّي، والعربي، والدولي.
لا يحتاج إسماعيل هنيّة لمن يشيد بتواضعه، وحسن سيرته، فهو ما زال يعيش في نفس الحارة الشعبيّة بين ناسه وجيرانه وأهله، لم يغيّر سكنه، شعاره : بكرامة مع الزيت والزعتر.
شخصيّاً أقدّر نزوله إلي الشارع لتنظيفه من (الزبالة) التي تستدرج الذباب والأمراض الفتّاكة، والنظافة كما يقال من الإيمان، ولكن ليس المقصود (نظافة) جيوب المعلمين والموظفين الفقراء الذين ما زال هناك من يقودهم ويشتري بالملايين قصوراً في دول عربيّة و..بالملايين !..والله علي ما أقول شهيد، ولولا الخشية من رفع دعاوي قضائيّة علي القدس العربي لأفصحت عن الأسماء والمبالغ التي بالملايين، و..فرق بين من يختطفون ويزّج بهم في السجون، رغم أنهم منتخبون (ديمقراطيّاً) و..من يعيشون خمس نجوم، ولا همّ لهم سوي التآمر لاستعادة سلطة لا سلطة لها!
هنا أستذكر المثل: شو بدّو يعمل الكحل بأم عين عورا! يعني يستحيل أن يجمّل الكحل العين العوراء، وهذا صحيح في الحالة الفلسطينيّة، فالكحل ليس العلاج المطلوب والمناسب لحالة العماء.
استدعي مشهد الشيخ إسماعيل هنيّة لذاكرتي عنوان آخر كتاب للراحل الكبير يحيي حقّي كناسة الدكّان ، والذي جمع فيه آخر كتاباته، وبعد ذلك بوقت قصير رحل الكاتب (حقّي) ليلاقي وجه ربّه نظيفاً، هو الذي اتصف بالموهبة الكبيرة والتواضع وعمق الإيمان.
كناسة الدكّان عنوان بسيط، ينّم عن زهد، وجاهزية لملاقاة وجه الله، وهو رسالة للناس أجمعين: نحن راحلون عن هذه الدنيا، ولا بدّ أن نصفّي حساباتنا قبل الرحيل، فلا أحد يأخذ معه سوي كتابه بيمينه أو بيساره، ويا عيني علي يميننا و..يسارنا!
في حالتنا الفلسطينيّة، هناك من جعل ثورتنا (دكّاناً) للغّش والبضاعة الفاسدة، وشارعنا ملعباً للبلطجة والاستعراض، كأنما لا يكفينا قبح الاحتلال وبشاعة ما تقترف يداه.
وأنا أتابع إضراب الموظفين الجوعي، والمعلمين، تمنيّت لو أن كل قطاعات شعبنا تنزل إلي (الشارع) بحماس، مهتبلةً الفرصة، معلنة انحيازها للمضربين، رافعةً شعارات تجمع الجوعي في الضفّة والقطاع، طبعاً باستثناء نفر قليل مّمن أتخموا سرقةً وكنز أموال من دم شعبنا.
لو حدث هذا لاقترحت بعض الشعارات: أيها الجوعي الفلسطينيون اتحدوا، أمريكا تجوّعنا وتسلّح عدونا بكّل وسائل إبادتنا، الاحتلال اللص يحتجز ملايين (دولاراتنا) من الضرائب والجمارك ونحن نجوع، نحن جوعي لأن الدول العربيّة تشارك في محاصرتنا، نحن جوعي لأن البنوك العربيّة مذعورة من العقوبات الأمريكيّة، سنبقي في الشوارع حتي نوفّر الزيت والزعتر وحقائب المدرسة لأولادنا وبناتنا، تفو علي سلام التجويع، لا لسلطة حاميها حراميها، دود الخّل منو وفيه، رجّعوا المصاري يا حرّاميّة وإلاّ فأيام الحساب جايه ! جايكم يوم مثل دّق الثوم ..الخ!
ليس للفلسطينيين جميعاً سوي احتلال الشوارع في قطاع غزّة، والضفّة الفلسطينيّة، وتواصلهم في (انتفاضة) تكنس الاحتلال وتقتلعه من شروشه.
أعرف أنّ هناك من ينتفعون من حركة الإضراب، ولكن هذا لا ينتقص من صدقية مطالب أخوتنا وأخواتنا، وأنا شخصيّاً لو كنت في (الداخل) لانضممت للمضربين، دون أن تؤخذ علي شبهة أنني ضد الحكومة، ولماذا أكون ضدّها؟ أنا ضد التحالف الذي يجوّع الشعب الفلسطيني في الضفّة والقطاع، فهو الذي يدمّر حياة شعبنا (الإدارة الأمريكيّة، الاحتلال، دول عربيّة معروفة مواقفها، و..منتفعو السلطة المنهمكون في الشغل ليل نهار لاستعادتها وحلبها بجشع).
قبل أيّام قرأت خبراً عن حادثة وقعت في (جاكرتا) بأندونيسا، بطلها (زبّال) ، مفادها أن كنّاساً أندونيسّاً، بينما كان منهمكاً في رفع الزبالة المتراكمة اكتشف مخزناً للأسلحة !
هنا أتوقف عند جوهر ما قاله السيّد المسيح: يمكنكم تنظيف أجسادكم، ولكن كيف يمكن أن تنظّفوا وتطهّروا أرواحكم؟
الزبّال الأندونيسي اكتشف مخزناً للسلاح تحت أكوام الزبالة، وفي فلسطين يا رجل يا طيّب، يا شيخ إسماعيل، هناك من يريد دفن السلاح وقضيتنا وحياتنا تحت الزبالة!
دعك من المكنسة يا شيخ إسماعيل، وامض وإخوانك مع المضربين والجوعي الغاضبين في الشوارع، فهذا هو السلاح الذي سيكنس الحصار ...
إبق مع شعبك في الشارع، ففيه تتحقق الوحدة الوطنية، ولا تضيع وإخوانك في وهم (حكومة وحدة وطنيّة). لن ينتظروا علي (حكومتكم) أربعة أعوام، فحلف الأعداء سيقضمكم وزيراً وزيراً، وعضو مجلس شعب إثر الآخر . لتكن انتفاضة الخبز والحريّة تجديداً لانتفاضتين مغدورتين بيعتا بأبخس الأثمان، فلا دولة، ولا سيادة، ولا أمن، ولا خبز، ولا ديمقراطية في ظّل احتلال غاشم مجرم!
ارم المكنسة واحمل الحجر يا شيخ إسماعيل، فهذا الوسخ ليس (شويّة) نفايات أمام أبواب البيوت يسهل أن تزيله المكنسة ..صدقني، وبلاش تضييع وقت، إلي الشارع يا شيخ إسماعيل، ولا تنس أن تكسّر كرسي رئاسة وزراء موهومة لتحرم منه المؤخرات التي تتزاحم للجلوس عليه!







تعليق