إبراهيم البليهي
ما الذي جعل الازدهار يصاحب الأوروبيين أينما ذهبوا؟! لقد انتقلوا إلى أمريكا الشمالية في أقصى الغرب فتعاظم ازدهارها في كندا والولايات المتحدة الأمريكية ورافقهم الازدهار إلى استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق ليس هذا فحسب بل رغم أن الأوروبيين أقلية في جنوب أفريقيا فقد استطاعوا أن يجعلوا المجتمع بكل فئاته مزدهراً وسط طوفان التخلف الأفريقي ولا يخفى ما في هذا التميز من دلالة بالغة على وجود امتياز ثقافي بعد أن استبعد العلم الامتياز العرقي..؟!
ما الذي جعل الازدهار يصاحب الأوروبيين أينما ذهبوا؟! لقد انتقلوا إلى أمريكا الشمالية في أقصى الغرب فتعاظم ازدهارها في كندا والولايات المتحدة الأمريكية ورافقهم الازدهار إلى استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق ليس هذا فحسب بل رغم أن الأوروبيين أقلية في جنوب أفريقيا فقد استطاعوا أن يجعلوا المجتمع بكل فئاته مزدهراً وسط طوفان التخلف الأفريقي ولا يخفى ما في هذا التميز من دلالة بالغة على وجود امتياز ثقافي بعد أن استبعد العلم الامتياز العرقي..؟!
إن الشعوب التي أدركت سر التفوق الغربي وأخذت به مثل اليابان وسنغافورة وماليزيا والصين والهند وكوريا الجنوبية قد استطاعت الافلات من قبضة التخلف وراحت تزاحم الغرب في الابداع والانتاج وتشاركه في اقتسام الأسواق وتتبادل معه الاحترام والتأثر والتأثير أما نحن العرب والمسلمين فما زلنا نستهلك ولا ننتج ومع ذلك لا نحس بفداحة التخلف بل نملأ عقول أبنائنا وأجيالنا بالافتخار الزائف والادعاء الأجوف ونشحن نفوسهم بمشاعر الخوف والغبن والاستياء من الآخر والكره له والحقد عليه ونربك عقولهم بوسواس التآمر ونصرف أذهانهم عن إدراك الخواء الشامل الذي يثوي في كل جوانب حياتنا ويجعلنا أقل الأمم تفاعلاً مع ما يجيش به العصر من أفكار وإبداعات ومن علوم ومهارات ومن فنون وتقنيات.
إننا أعني العرب والمسلمين لن نتجاوز مرحلة الدوران في خنادق التخلف الغائرة حتى نكف عن المكابرة ونتعرف على مقومات الازدهار ونسعى للمزاحمة ونؤهل أنفسنا للمنافسة ونبذل الجهد لامتلاك إمكانات الصراع المتكافئ لذلك حاولت في المقالة السابقة التذكير بالتفوق الهائل الذي أحرزته حضارة الغرب الحديثة فالصراع العقلاني لا يقوم على الاستهانة بالخصم إن كان لابد من اعتبار الغرب خصماً وإنما على التقدير الموضوعي لإمكاناته ومقارنتها بالامكانات المتوفرة لدينا فتحقير الخصم جهالة وغرور ورعونة وانتفاش أجوف وذكرت بأن حضارة الغرب هي الحضارة الوحيدة التي انعتقت من خطوط الدوران التاريخي وتجاوزت المسارات الثابتة التي ظلت تدور فيها الحضارات القديمة وأرجعت هذا الانعتاق الفريد والاستمرار في التطور وتحقيق هذه الانجازات المدهشة إلى أنها توصلت إلى امتلاك آلية فكرية فريدة ضمنت لها استمرار النمو والازدهار وحصنتها من عوامل التوقف أو التراجع وتساءلت في آخر المقالة عن العامل الحاسم الذي انفردت به هذه الحضارة فمنحها كل هذا الاندفاع وبنى فيها كل هذه القدرات وكون في ذاتها كل هذه المناعات التي لا تزداد مع الزمن إلا مزيداً من القوة والسيطرة والازدهار والآن نحاول أن نجيب عن هذا التساؤل المحوري.
لقد أثبتت علوم الغرب نفسه بأن تفوقه الباهر ليس له أي أساس عرقي بيولوجي وراثي وإنما يعود هذا الاختراق الظافر إلى أسباب ثقافية محضة فالأمم متماثلة في القابليات الفطرية وهذا هو الذي يدفعنا إلى الاهتمام بالتعرف على سر تفوقه فهذا التماثل الفطري يجعل باب التقدم مفتوحاً لبقية الامم لان أية أمة تستخدم نفس الأسباب سوف تحقق الازدهار في كافة المجالات وسوف تكفل لنفسها استمرار التطور وعدم التوقف أو التراجع لذلك ينحصر البحث في الجانب الثقافي بعد استبعاد العامل العرقي ويحق لنا أن نتساءل عن الاسباب الثقافية التي انفرد بها الغرب وميزت ثقافته عن الثقافات الأخرى؟!!.
لقد اطلعتُ على إجابات متنوعة قدمتها الاتجاهات الفكرية والفلسفية والدراسات الاجتماعية والتاريخية المختلفة وقد تباينت تلك الاجابات بمقدار اختلاف منطلقاتها الفلسفية أو الأيديولوجيات التي تحركها أما الاجابة التي توصلت إليها بعد تأمل عميق مستمر وبحث واسع متصل فهي أن الثقافة الغربية قد انفردت بالفكر الفلسفي وأن هذا الانفراد هو وحده الذي ميزها عن الثقافات الأخرى فهذا الفكر هو الذي حرر عقلها من الاستكانة وأطلق فكرها من التقييد وحماها من قبول السيطرة على التفكير والتعبير وهو الذي ارشدها الى توزيع السلطات حتى لا تنفرد سلطة واحدة بتطويع عقل الانسان وبرمجته وإسكاته فبفضل الفكر الفلسفي النقدي نشأت سلطة الفكر وسلطة التشريع وسلطة الرقابة والصحافة مقابل سلطة القوة فلم يعد الفكر تابعاً للقوة وإنما أصبح يقوم بالمواجهة السلمية الدائمة معها يسدد خطواتها ويمنعها من الانحراف ويحميها من أعاصير الأهواء كما أن الفكر الفلسفي هو الذي جعل السلطة العليا للقضاء وهو الذي ولد عند الناس في الثقافة الغربية النزعة الفردية وخلق فيهم النظرة الموضوعية وحفزهم على البحث عن الحقيقة وكون فيم شغفاً شديداً إلى المعرفة وكرس قيمة التفكير الحر وملأ ذواتهم إحساساً بالمسؤولية الفردية والجماعية ورفع شأن الواجب وزرع حب العمل وغرس في الانسان الثقة بإمكانية الفهم وقدرة التغيير ووجه عقله إلى النظر في الآفاق والأنفس وعموماً فإن الفكر الفلسفي وخصوصاً الفكر النقدي هو الذي ألهم الحضارة الغربية إلى أن تصير إلى ما صارت إليه وهو الذي مكنها من التجدد المستمر والتقدم الدائم وهو الذي عصمها من الانقطاع والتوقف وحماها من التراجع والنكوص.
إن الفلسفة التي أبدعها اليونانيون ابتداء من القرن السابع قبل الميلاد والتي بلغت ذروة ازدهارها في القرن الخامس قبل الميلاد والتي أحياها الأوروبيون في العصر الحديث تمثل طفرة ثقافية هائلة على المستوى الانساني كله فهي أول انطلاقة ذاتية للعقل البشري خارج السائد والموروث فقد كان الناس قبلها وما زالوا في المجتمعات التي لم تستفد من الفكر الفلسفي يستسيغون أن يبقوا نسخاً مكررة وكلما تماثلوا ازدادوا إعجاباً بأنفسهم واقتناعاً بواقعهم والتفافاً عليه مهما كان رديئاً فهم مأخوذون بالمألوف ومستكينون للواقع ومستسلمون للسائد بل هم يظلون مغتبطين بالمألوف ولا يتطرق الشك إلى أي شيء منه وهذه الغبطة بالسائد هي قوام استمراره وهي أيضاً من أقوى حصون التخلف فمن يكون مغتبطاً بشيء فإنه يحرص على دوامه ويدافع عنه ويعتبر أنه محظوظ به ومن هنا تستميت المجتمعات المتخلفة في الدفاع عن موروثاتها والافتخار بتقاليدها والتغني بماضيها والتمسك بما هي عليه ومقاومة التغيير حتى لو كان نحو الأفضل والأنبل.
أما الفكر الفلسفي فقد أيقظ الأفراد في اليونان ثم في أوروبا الحديثة وامتداداتها في أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا إلى فردياتهم وعلّمهم كيف يفتخرون بأنفسهم وليس بالأموات من أجدادهم كما علمهم كيفية الخروج من عمى التقليد ودفعهم إلى المراجعة والتحليل وحثهم على استنفار العقل من أجل فهم ما سبق أن جرى في الماضي وما يجري في الحاضر وما هو متوقع أن يحصل في المستقبل إن الفلسفة في أي عصر ليست دينا ولا عقيدة بل هي مجرد طريقة في التفكير لذلك فإنها لا تستهدف أن تحل محل السائد ولكنها تنتقده وتدفع الانسان فرداً ومجتمعاً إلى مراجعة ذاته وتصحيح أخطائه والتخلي عن عيوبه والارتقاء باهتماماته وتهذيب أخلاقه وترويض وحشيته كما أنها تدفعه إلى العناية بالحقيقة والحرص على اكتشافها وبذل الجهد من أجل الالتزام بها إن الفلسفة ليست مجموعة تعاليم وليست أيديولوجيا وإنما هي منهج لكيفية استخدام العقل ودعوة لكل فرد بأن يستخدم عقله الذي وهبه الله له وأن لا يظل مأسوراً بعقل غيره إن الفلسفة لم تكن تأمر الناس بشيء ولا تنهاهم عن شيء ولا تستخدم أية سلطة إنها ليست ديناً ولا هي ضد الدين وإنما هي منهج تفكير وهي منذ وجودها تدعو إلى التمسك بالدين بعد تخليصه من التشويهات التي لحقت به كان سقراط مثلاً يسخر من الوثنية ويدعو إلى التوحيد ويؤكد على ضرورة تحرير الانسان من أسر الخرافات التي اختلقها الناس وأضافوها إلى الدين.
إن الفلسفة تستنفر الناس ليستيقظوا من الغفلة وهذا الايقاظ جزء أساسي من المهمة التي كان ينهض بها الأنبياء عليهم السلام إن الفلسفة تدعو الأفراد للتفكير والتدبر وتوجه أنظارهم إلى جهالاتهم ونقائضهم كما توجههم أيضاً إلى الطاقات الابداعية الكامنة في ذواتهم فهي جهد نقدي تحريضي موصول فبالفلسفة انطلق العقل الأوروبي منذ عصر النهضة خارج القوالب المغلقة وراح يرسل أشعته في كل اتجاه لقد أيقظته الفلسفة وانشغل بالتأمل والتفكر والتدبر في المخلوقات المدهشة وهبّ ينظر إلى السماء وما فيها من كواكب ونجوم وينظر إلى الأرض وأشيائها وما فيها من جماد وماء وأحياء وينظر إلى نفسه ككائن فريد فاكتشف أنه رغم فرادته فإنه متناقض ففي الشخص الواحد تجتمع الحكمة والحمق والخير والشر والذكاء والغباء والنبل والوضاعة والنجدة والعدوان والشفقة والوحشية والكرم والبخل وبهذا الاكتشاف التأسيسي وباتساع معرفته ومثابرته على الاستقصاء أدرك أن هذا التأرجح الفاضح يمكن تخفيفه أو إصلاحه بإصلاح طرق التفكير لديه وتدريبه على نقذ ذاته وتربيته على المراجعة الدائمة والتصحيح الموصول.
لقد اكتشف العقل الفلسفي بأن الانسان يرتفع بالمعرفة وبالصدق والعدل والضمير وبمزاياه الفاعلة إلى عنان السماء وأنه يهبط بالجهل والظلم وبالأنانية والكذب وبالنقائص الكثيرة التي جبل عليها إلى أسفل سافلين كما اكتشف أن مزاياه لا تنمو إلا بالتحدي وبجدل الأفكار وتبادل التغذية بين الاتجاهات المختلفة فلا شيء يتغذى من داخله وإنما التغذية لا بد أن تأتي من خارجه أما نقائص الانسان فإنها تنمو تلقائياً لأن الجهل والظلم والتوحش والعدوانية والخطأ والأثرة صفات أصيلة في الانسان فالمزايا طارئة أما النقائص فهي أصيلة كما أن كل شيء يكون نموه من جنسه لذلك تنمو النقائص وتتغول بمقدار غياب الفكر النقدي فالمألوف يلتف ويبسط هيمنته على العقل والسلوك ما لم يغربل بالمساءلة الدائمة والنقد الأمين والمراجعة الفاحصة فالنقائص البشرية لا تتضاءل إلا بالكشف والتعرية والادانة.
إن الانسان بالفكر الفلسفي الخلاق سواء أثناء الازدهار اليوناني أو في أوروبا والغرب عموماً منذ النهضة الحديثة قد استعاد الدهشة الفطرية ونفض عن عقله التراكمات غير الممحصة في القرون الخالية وتخلص من تحذير الألفة فصار ينظر إلى الكون بوصفه خلقاً مفهوماً وسكناً حميماً وصديقاً نافعاً وبات الانسان يدرك أن الكون يعمل بنظام دقيق وبأداء منضبط وأنه لهذا السبب قابل للفهم وللتسخير فلم يعد الكون يرعب الانسان باتساعه وغموضه ولا يربكه بظلامه وأعاصيره وتقلبات أجوائه وإنما أصبح يثير فضوله ويدفعه إلى التساؤل الدائم ويحفزه إلى اكتشاف أسراره ليس هذا فحسب بل عاد العقل يتفحص ذاته ويتأمل في أدائه فأطربه وحيره إنه يراه يبدع ويبتكر بل يراه يحتال ويراوغ ولديه قدرة على حل ما يواجهه من مشكلات بالحق أو بالباطل أو بخليط منهما ولكن كيف تأسره الجهالات المألوفة؟! وكيف يخضع خضوعاً أعمى للموروثات مهما جانبت العقل؟! بينما أن المعرفة قريبة منه ومتاحة له وما عليه إلا أن يتأمل ويتفكر ويمعن التأمل والتفكير في أعماق ذاته وفي أحوال الناس من حوله وفي الأشياء والأوضاع المحيطة به فتنكشف له الحقائق وتضاء له الدروب.
كانت المعرفة البشرية غير ممحصة لأنها تعتمد على ثقافة المشافهة وعلى الخبر السائر وما يتلقاه الناس ويتناقلونه فيما بينهم وما يتوارثونه من خبرات وتقاليد وقيم وكان الناس في كل المجتمعات لا ينتابهم الشك في صحة ما يتوارثونه وما هو مألوف لهم لذلك بقيت المعرفة البشرية غير نامية بل ظلت راكدة ضمن نطاق محدود وتحت سقف واحد لا تتجاوزه فالأمة التي تتوهم الكمال في أسلافها وتؤمن بأن المعرفة حالة تراجع دائم وتعتقد أن أفراد الأجيال اللاحقة ليسوا سوى مسوخ من الأجيال السالفة إن أمة هذا شأنها لا يمكن أن تنمو معارفها ولا أن تتطور قدراتها لأنها لا تتوقع من نفسها إلا العكس فمحال أن تحاول التطور وهي واقعة بقبضة هذا الوهم فالأعمال مرهونة بالتوقعات والنتائج مرهونة بالأعمال فمن يتوهم الكمال في ماضيه لا يحاول ان يتجاوزه ولا يمكن أن يسعى الى تغيير ما وجد نفسه عليه فهو لا يتوقع إلا التآكل والنقص في حاضره ومستقبله فضلاً عن ان يتوقع الاضافة والابداع او ان يعمل لهما لذلك فهو طبقاً لتوقعاته الرديئة عن نفسه وتصوراته التفخيمية عن ماضي اسلافه يكون في حالة تراجع دائم.
لقد فطن الفلاسفة اليونانيون منذ القرن الخامس قبل الميلاد بتفكيرهم الحر وعقلهم الفلسفي الخارق لهذه الآفة البشرية الفظيعة وأدركوا انها كانت السبب الرئيسي لعجز الحضارة الانسانية عن التطور والانطلاق فالاستغراق في تعظيم الماضي يخنق أنفاس الحاضر لذلك رأوا أنه لا بد من تكريس الطاقة الفكرية لشفاء العقل البشري من هذه الآفة ولا يتحقق ذلك إلا بكشف أن السابقين بشر مثل اللاحقين وأنهم كانوا غارقين في النقائص البشرية وأن البعد الزماني هو الذي أضفى عليهم هذه الهالات وأنه ليس لهذه الهالات أي سند موضوعي وأن اعمال العقل كفيل بالتخلص من هذه الآفة المقعدة لذلك كانوا يثيرون أمام الجميع ذلك التساؤل الملح: لماذا يبقى اللاحقون مأسورين لنمط تفكير السابقين ومقيدين بأسلوب حياتهم ويخضعون خضوعاً مطلقاً لأحكامهم وأقوالهم ويحتذون تجاربهم وممارساتهم مهما كانت خاطئة او جائرة إن اللاحقين كانوا يرددون ولا يضيفون ويتعاملون مع الأسلاف بتبجيل زائد ورهبة قامعة مما عطل فاعلية العقل الانساني واستبقاه أسيراً راضياً بأسره.
فلأول مرة في التاريخ البشري يكتشف العقل الفلسفي في اليونان بمحض جهده فظاعة الوهم الذي عاشته الأجيال البشرية في مختلف الأزمان والبقاع وهو الوهم الذي كرر الأنبياء عليهم السلام على مر العصور كشفه ونقده فأشعل الفلاسفة الحوارات وألهبوا الجدل ورأى الناس في الساحات العامة بأِثينا وغيرها كيف يتعرى الجهل عن أدعياء العلم وكيف تنقشع الهالات عن الموروثات وكيف تتساقط الأوهام فتنطلق بعد انقشاعها وتساقطها اشعاعات العقل وراحوا يفكرون بأنفسهم ويمعنون النظر والتأمل فيما هو فوقهم وفيما هو تحت أرجلهم وفيما يحيط بهم او يشاركهم في الزمان والمكان واكتشفوا أن المجتمعات غارقة بالأوهام وأن الأفراد مأخوذون بأوهام مجتمعاتهم وأن الفكر النقدي الأمين هو مفتاح الخلاص من هذا الأسر المزمن.
إن الأدلة تؤكد أن الفكر الفلسفي بشكل عام والفكر النقدي بشكل خاص هو المفتاح الكلي الذي انفردت به الثقافات الغربية وميزها عن بقية الثقافات القديمة والمعاصرة وأن هذا العامل هو الذي مكنها من التقدم والازدهار وحماها من التراجع والاندحار هي أدلة كثيرة لكن من أشدها وضوحاً أن المجتمعات الأوروبية أو ذات الأصل الأوروبي يصاحبها الازدهار أينما حلت في أمريكا الشمالية في أقصى الغرب أو استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق بل إن أقلية منهم قد استطاعت أن تطور القبائل الأفريقية في جنوب أفريقيا وأن تجعل مجتمعاً مزدهراً أما الشاهد الآخر فهو أن الشعوب الأوربية إذا هي تخلت عن هذا المفتاح الكلي العجيب فإنها تصاب بالتدهور والانحطاط وليس أدل على ذلك في المستوى المعاصر من الفرق بين شطري ألمانيا قبل إعادة دمجها أما على المستوى التاريخي فإن اليونان تقدم أكبر شاهد فهذا الشعب المدهش الذي منح الغرب مفتاح التقدم هو نفسه حين تخلى عن هذا المفتاح غرق في أوحال التخلف بل إن الاغريق أنفسهم حين كانوا في ذروة حضارتهم كانوا منقسمين إلى فئتين: فئة اهتمت بالفلسفة فأبدعت وأسست حضارة العقل وتأتي أثينا على رأسها أما الفئة الثانية التي تمثل حضارة العضل فقد كانت ذات طابع عسكري شأن بقية المجتمعات وعلى رأسها اسبارطة وهذه لم تترك في الدنيا أثراً نافعاً يذكر فأثينا واسبارطة كلتاهما أغريقيتان ولكن الاختلاف بينهما كان جذرياً ويعود هذا الافتراق النوعي إلى وجود هذا المفتاح عند إحداهما وغيابه عن الأخرى.
إن الأدلة تؤكد أن الفكر الفلسفي بشكل عام والفكر النقدي بشكل خاص هو المفتاح الكلي الذي انفردت به الثقافات الغربية وميزها عن بقية الثقافات القديمة والمعاصرة وأن هذا العامل هو الذي مكنها من التقدم والازدهار وحماها من التراجع والاندحار هي أدلة كثيرة لكن من أشدها وضوحاً أن المجتمعات الأوروبية أو ذات الأصل الأوروبي يصاحبها الازدهار أينما حلت في أمريكا الشمالية في أقصى الغرب أو استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق بل إن أقلية منهم قد استطاعت أن تطور القبائل الأفريقية في جنوب أفريقيا وأن تجعل مجتمعاً مزدهراً أما الشاهد الآخر فهو أن الشعوب الأوربية إذا هي تخلت عن هذا المفتاح الكلي العجيب فإنها تصاب بالتدهور والانحطاط وليس أدل على ذلك في المستوى المعاصر من الفرق بين شطري ألمانيا قبل إعادة دمجها أما على المستوى التاريخي فإن اليونان تقدم أكبر شاهد فهذا الشعب المدهش الذي منح الغرب مفتاح التقدم هو نفسه حين تخلى عن هذا المفتاح غرق في أوحال التخلف بل إن الاغريق أنفسهم حين كانوا في ذروة حضارتهم كانوا منقسمين إلى فئتين: فئة اهتمت بالفلسفة فأبدعت وأسست حضارة العقل وتأتي أثينا على رأسها أما الفئة الثانية التي تمثل حضارة العضل فقد كانت ذات طابع عسكري شأن بقية المجتمعات وعلى رأسها اسبارطة وهذه لم تترك في الدنيا أثراً نافعاً يذكر فأثينا واسبارطة كلتاهما أغريقيتان ولكن الاختلاف بينهما كان جذرياً ويعود هذا الافتراق النوعي إلى وجود هذا المفتاح عند إحداهما وغيابه عن الأخرى.
إن اليونان بما فيها أثينا وتوابعها قد تدهورت منذ أن اجتاحها المقدونيون فقد تخلت عن الفكر الفلسفي بروحه النقدية فراح اللاحقون يرددون أقوال السابقين وأضفوا القداسة عليهم وصاروا يستنكرون نقدهم ولا يقبلون التدارك عليهم ولا تصحيح أخطائهم وبذلك توقف الابداع وتحجرت العقول وتدل قراءة التاريخ على أن هذا النكوص والتدهور قد حصل أو تضاعف بعودة المحاربين من الشرق بعد موت الاسكندر فقد أصيب تفكيرهم بالاختلاط والتردي ثم دخلت اليونان بعد اعتناقها المسيحية في إطار ثقافة أرثوذكسية مغلقة فأصابها القحط الفكري ومنيت بالتدهور والانحطاط والتخلف.
ولدينا شاهد آخر فسكان الأمريكتين: الشمالية والجنوبية هم في الغالب من أصل أوروبي ولكن سكان أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) يعدون من أكثر الشعوب ازدهاراً وتقدماً بينما لا تزال شعوب أمريكا الجنوبية في عداد العالم الثالث وليس لهذا الفارق الشاسع من سبب سوى أن ثقافة أمريكا الشمالية ذات روح فلسفية نقدية لذلك فهي منفتحة ونامية وتأخذ بالتعددية وتلتزم بالشفافية وتقوم حياتها على الفردية وتمارس ما يتمخض عنه الفكر الفلسفي من انطلاق وتسامح ومرونة وقدرة على التجدد الدائم والصعود المستمر بينما أن أمريكا الجنوبية بسب حرمانها من الفكر الفلسفي النقدي بقيت متخلفة وذات ثقافة مغلقة وتعاني من أحادية الرؤية ومن ضيق الأفق ومن التمحور المطلق حول السلطة.
^
^
^
مع التحية
غسان الغيث
^
^
مع التحية
غسان الغيث





تعليق