الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • غسان الغيث
    عضو فعال
    • Oct 2006
    • 79

    #1

    الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

    إبراهيم البليهي
    ما الذي جعل الازدهار يصاحب الأوروبيين أينما ذهبوا؟! لقد انتقلوا إلى أمريكا الشمالية في أقصى الغرب فتعاظم ازدهارها في كندا والولايات المتحدة الأمريكية ورافقهم الازدهار إلى استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق ليس هذا فحسب بل رغم أن الأوروبيين أقلية في جنوب أفريقيا فقد استطاعوا أن يجعلوا المجتمع بكل فئاته مزدهراً وسط طوفان التخلف الأفريقي ولا يخفى ما في هذا التميز من دلالة بالغة على وجود امتياز ثقافي بعد أن استبعد العلم الامتياز العرقي..؟!


    إن الشعوب التي أدركت سر التفوق الغربي وأخذت به مثل اليابان وسنغافورة وماليزيا والصين والهند وكوريا الجنوبية قد استطاعت الافلات من قبضة التخلف وراحت تزاحم الغرب في الابداع والانتاج وتشاركه في اقتسام الأسواق وتتبادل معه الاحترام والتأثر والتأثير أما نحن العرب والمسلمين فما زلنا نستهلك ولا ننتج ومع ذلك لا نحس بفداحة التخلف بل نملأ عقول أبنائنا وأجيالنا بالافتخار الزائف والادعاء الأجوف ونشحن نفوسهم بمشاعر الخوف والغبن والاستياء من الآخر والكره له والحقد عليه ونربك عقولهم بوسواس التآمر ونصرف أذهانهم عن إدراك الخواء الشامل الذي يثوي في كل جوانب حياتنا ويجعلنا أقل الأمم تفاعلاً مع ما يجيش به العصر من أفكار وإبداعات ومن علوم ومهارات ومن فنون وتقنيات.

    إننا أعني العرب والمسلمين لن نتجاوز مرحلة الدوران في خنادق التخلف الغائرة حتى نكف عن المكابرة ونتعرف على مقومات الازدهار ونسعى للمزاحمة ونؤهل أنفسنا للمنافسة ونبذل الجهد لامتلاك إمكانات الصراع المتكافئ لذلك حاولت في المقالة السابقة التذكير بالتفوق الهائل الذي أحرزته حضارة الغرب الحديثة فالصراع العقلاني لا يقوم على الاستهانة بالخصم إن كان لابد من اعتبار الغرب خصماً وإنما على التقدير الموضوعي لإمكاناته ومقارنتها بالامكانات المتوفرة لدينا فتحقير الخصم جهالة وغرور ورعونة وانتفاش أجوف وذكرت بأن حضارة الغرب هي الحضارة الوحيدة التي انعتقت من خطوط الدوران التاريخي وتجاوزت المسارات الثابتة التي ظلت تدور فيها الحضارات القديمة وأرجعت هذا الانعتاق الفريد والاستمرار في التطور وتحقيق هذه الانجازات المدهشة إلى أنها توصلت إلى امتلاك آلية فكرية فريدة ضمنت لها استمرار النمو والازدهار وحصنتها من عوامل التوقف أو التراجع وتساءلت في آخر المقالة عن العامل الحاسم الذي انفردت به هذه الحضارة فمنحها كل هذا الاندفاع وبنى فيها كل هذه القدرات وكون في ذاتها كل هذه المناعات التي لا تزداد مع الزمن إلا مزيداً من القوة والسيطرة والازدهار والآن نحاول أن نجيب عن هذا التساؤل المحوري.

    لقد أثبتت علوم الغرب نفسه بأن تفوقه الباهر ليس له أي أساس عرقي بيولوجي وراثي وإنما يعود هذا الاختراق الظافر إلى أسباب ثقافية محضة فالأمم متماثلة في القابليات الفطرية وهذا هو الذي يدفعنا إلى الاهتمام بالتعرف على سر تفوقه فهذا التماثل الفطري يجعل باب التقدم مفتوحاً لبقية الامم لان أية أمة تستخدم نفس الأسباب سوف تحقق الازدهار في كافة المجالات وسوف تكفل لنفسها استمرار التطور وعدم التوقف أو التراجع لذلك ينحصر البحث في الجانب الثقافي بعد استبعاد العامل العرقي ويحق لنا أن نتساءل عن الاسباب الثقافية التي انفرد بها الغرب وميزت ثقافته عن الثقافات الأخرى؟!!.

    لقد اطلعتُ على إجابات متنوعة قدمتها الاتجاهات الفكرية والفلسفية والدراسات الاجتماعية والتاريخية المختلفة وقد تباينت تلك الاجابات بمقدار اختلاف منطلقاتها الفلسفية أو الأيديولوجيات التي تحركها أما الاجابة التي توصلت إليها بعد تأمل عميق مستمر وبحث واسع متصل فهي أن الثقافة الغربية قد انفردت بالفكر الفلسفي وأن هذا الانفراد هو وحده الذي ميزها عن الثقافات الأخرى فهذا الفكر هو الذي حرر عقلها من الاستكانة وأطلق فكرها من التقييد وحماها من قبول السيطرة على التفكير والتعبير وهو الذي ارشدها الى توزيع السلطات حتى لا تنفرد سلطة واحدة بتطويع عقل الانسان وبرمجته وإسكاته فبفضل الفكر الفلسفي النقدي نشأت سلطة الفكر وسلطة التشريع وسلطة الرقابة والصحافة مقابل سلطة القوة فلم يعد الفكر تابعاً للقوة وإنما أصبح يقوم بالمواجهة السلمية الدائمة معها يسدد خطواتها ويمنعها من الانحراف ويحميها من أعاصير الأهواء كما أن الفكر الفلسفي هو الذي جعل السلطة العليا للقضاء وهو الذي ولد عند الناس في الثقافة الغربية النزعة الفردية وخلق فيهم النظرة الموضوعية وحفزهم على البحث عن الحقيقة وكون فيم شغفاً شديداً إلى المعرفة وكرس قيمة التفكير الحر وملأ ذواتهم إحساساً بالمسؤولية الفردية والجماعية ورفع شأن الواجب وزرع حب العمل وغرس في الانسان الثقة بإمكانية الفهم وقدرة التغيير ووجه عقله إلى النظر في الآفاق والأنفس وعموماً فإن الفكر الفلسفي وخصوصاً الفكر النقدي هو الذي ألهم الحضارة الغربية إلى أن تصير إلى ما صارت إليه وهو الذي مكنها من التجدد المستمر والتقدم الدائم وهو الذي عصمها من الانقطاع والتوقف وحماها من التراجع والنكوص.

    إن الفلسفة التي أبدعها اليونانيون ابتداء من القرن السابع قبل الميلاد والتي بلغت ذروة ازدهارها في القرن الخامس قبل الميلاد والتي أحياها الأوروبيون في العصر الحديث تمثل طفرة ثقافية هائلة على المستوى الانساني كله فهي أول انطلاقة ذاتية للعقل البشري خارج السائد والموروث فقد كان الناس قبلها وما زالوا في المجتمعات التي لم تستفد من الفكر الفلسفي يستسيغون أن يبقوا نسخاً مكررة وكلما تماثلوا ازدادوا إعجاباً بأنفسهم واقتناعاً بواقعهم والتفافاً عليه مهما كان رديئاً فهم مأخوذون بالمألوف ومستكينون للواقع ومستسلمون للسائد بل هم يظلون مغتبطين بالمألوف ولا يتطرق الشك إلى أي شيء منه وهذه الغبطة بالسائد هي قوام استمراره وهي أيضاً من أقوى حصون التخلف فمن يكون مغتبطاً بشيء فإنه يحرص على دوامه ويدافع عنه ويعتبر أنه محظوظ به ومن هنا تستميت المجتمعات المتخلفة في الدفاع عن موروثاتها والافتخار بتقاليدها والتغني بماضيها والتمسك بما هي عليه ومقاومة التغيير حتى لو كان نحو الأفضل والأنبل.

    أما الفكر الفلسفي فقد أيقظ الأفراد في اليونان ثم في أوروبا الحديثة وامتداداتها في أمريكا واستراليا ونيوزيلندا وجنوب أفريقيا إلى فردياتهم وعلّمهم كيف يفتخرون بأنفسهم وليس بالأموات من أجدادهم كما علمهم كيفية الخروج من عمى التقليد ودفعهم إلى المراجعة والتحليل وحثهم على استنفار العقل من أجل فهم ما سبق أن جرى في الماضي وما يجري في الحاضر وما هو متوقع أن يحصل في المستقبل إن الفلسفة في أي عصر ليست دينا ولا عقيدة بل هي مجرد طريقة في التفكير لذلك فإنها لا تستهدف أن تحل محل السائد ولكنها تنتقده وتدفع الانسان فرداً ومجتمعاً إلى مراجعة ذاته وتصحيح أخطائه والتخلي عن عيوبه والارتقاء باهتماماته وتهذيب أخلاقه وترويض وحشيته كما أنها تدفعه إلى العناية بالحقيقة والحرص على اكتشافها وبذل الجهد من أجل الالتزام بها إن الفلسفة ليست مجموعة تعاليم وليست أيديولوجيا وإنما هي منهج لكيفية استخدام العقل ودعوة لكل فرد بأن يستخدم عقله الذي وهبه الله له وأن لا يظل مأسوراً بعقل غيره إن الفلسفة لم تكن تأمر الناس بشيء ولا تنهاهم عن شيء ولا تستخدم أية سلطة إنها ليست ديناً ولا هي ضد الدين وإنما هي منهج تفكير وهي منذ وجودها تدعو إلى التمسك بالدين بعد تخليصه من التشويهات التي لحقت به كان سقراط مثلاً يسخر من الوثنية ويدعو إلى التوحيد ويؤكد على ضرورة تحرير الانسان من أسر الخرافات التي اختلقها الناس وأضافوها إلى الدين.

    إن الفلسفة تستنفر الناس ليستيقظوا من الغفلة وهذا الايقاظ جزء أساسي من المهمة التي كان ينهض بها الأنبياء عليهم السلام إن الفلسفة تدعو الأفراد للتفكير والتدبر وتوجه أنظارهم إلى جهالاتهم ونقائضهم كما توجههم أيضاً إلى الطاقات الابداعية الكامنة في ذواتهم فهي جهد نقدي تحريضي موصول فبالفلسفة انطلق العقل الأوروبي منذ عصر النهضة خارج القوالب المغلقة وراح يرسل أشعته في كل اتجاه لقد أيقظته الفلسفة وانشغل بالتأمل والتفكر والتدبر في المخلوقات المدهشة وهبّ ينظر إلى السماء وما فيها من كواكب ونجوم وينظر إلى الأرض وأشيائها وما فيها من جماد وماء وأحياء وينظر إلى نفسه ككائن فريد فاكتشف أنه رغم فرادته فإنه متناقض ففي الشخص الواحد تجتمع الحكمة والحمق والخير والشر والذكاء والغباء والنبل والوضاعة والنجدة والعدوان والشفقة والوحشية والكرم والبخل وبهذا الاكتشاف التأسيسي وباتساع معرفته ومثابرته على الاستقصاء أدرك أن هذا التأرجح الفاضح يمكن تخفيفه أو إصلاحه بإصلاح طرق التفكير لديه وتدريبه على نقذ ذاته وتربيته على المراجعة الدائمة والتصحيح الموصول.

    لقد اكتشف العقل الفلسفي بأن الانسان يرتفع بالمعرفة وبالصدق والعدل والضمير وبمزاياه الفاعلة إلى عنان السماء وأنه يهبط بالجهل والظلم وبالأنانية والكذب وبالنقائص الكثيرة التي جبل عليها إلى أسفل سافلين كما اكتشف أن مزاياه لا تنمو إلا بالتحدي وبجدل الأفكار وتبادل التغذية بين الاتجاهات المختلفة فلا شيء يتغذى من داخله وإنما التغذية لا بد أن تأتي من خارجه أما نقائص الانسان فإنها تنمو تلقائياً لأن الجهل والظلم والتوحش والعدوانية والخطأ والأثرة صفات أصيلة في الانسان فالمزايا طارئة أما النقائص فهي أصيلة كما أن كل شيء يكون نموه من جنسه لذلك تنمو النقائص وتتغول بمقدار غياب الفكر النقدي فالمألوف يلتف ويبسط هيمنته على العقل والسلوك ما لم يغربل بالمساءلة الدائمة والنقد الأمين والمراجعة الفاحصة فالنقائص البشرية لا تتضاءل إلا بالكشف والتعرية والادانة.

    إن الانسان بالفكر الفلسفي الخلاق سواء أثناء الازدهار اليوناني أو في أوروبا والغرب عموماً منذ النهضة الحديثة قد استعاد الدهشة الفطرية ونفض عن عقله التراكمات غير الممحصة في القرون الخالية وتخلص من تحذير الألفة فصار ينظر إلى الكون بوصفه خلقاً مفهوماً وسكناً حميماً وصديقاً نافعاً وبات الانسان يدرك أن الكون يعمل بنظام دقيق وبأداء منضبط وأنه لهذا السبب قابل للفهم وللتسخير فلم يعد الكون يرعب الانسان باتساعه وغموضه ولا يربكه بظلامه وأعاصيره وتقلبات أجوائه وإنما أصبح يثير فضوله ويدفعه إلى التساؤل الدائم ويحفزه إلى اكتشاف أسراره ليس هذا فحسب بل عاد العقل يتفحص ذاته ويتأمل في أدائه فأطربه وحيره إنه يراه يبدع ويبتكر بل يراه يحتال ويراوغ ولديه قدرة على حل ما يواجهه من مشكلات بالحق أو بالباطل أو بخليط منهما ولكن كيف تأسره الجهالات المألوفة؟! وكيف يخضع خضوعاً أعمى للموروثات مهما جانبت العقل؟! بينما أن المعرفة قريبة منه ومتاحة له وما عليه إلا أن يتأمل ويتفكر ويمعن التأمل والتفكير في أعماق ذاته وفي أحوال الناس من حوله وفي الأشياء والأوضاع المحيطة به فتنكشف له الحقائق وتضاء له الدروب.

    كانت المعرفة البشرية غير ممحصة لأنها تعتمد على ثقافة المشافهة وعلى الخبر السائر وما يتلقاه الناس ويتناقلونه فيما بينهم وما يتوارثونه من خبرات وتقاليد وقيم وكان الناس في كل المجتمعات لا ينتابهم الشك في صحة ما يتوارثونه وما هو مألوف لهم لذلك بقيت المعرفة البشرية غير نامية بل ظلت راكدة ضمن نطاق محدود وتحت سقف واحد لا تتجاوزه فالأمة التي تتوهم الكمال في أسلافها وتؤمن بأن المعرفة حالة تراجع دائم وتعتقد أن أفراد الأجيال اللاحقة ليسوا سوى مسوخ من الأجيال السالفة إن أمة هذا شأنها لا يمكن أن تنمو معارفها ولا أن تتطور قدراتها لأنها لا تتوقع من نفسها إلا العكس فمحال أن تحاول التطور وهي واقعة بقبضة هذا الوهم فالأعمال مرهونة بالتوقعات والنتائج مرهونة بالأعمال فمن يتوهم الكمال في ماضيه لا يحاول ان يتجاوزه ولا يمكن أن يسعى الى تغيير ما وجد نفسه عليه فهو لا يتوقع إلا التآكل والنقص في حاضره ومستقبله فضلاً عن ان يتوقع الاضافة والابداع او ان يعمل لهما لذلك فهو طبقاً لتوقعاته الرديئة عن نفسه وتصوراته التفخيمية عن ماضي اسلافه يكون في حالة تراجع دائم.

    لقد فطن الفلاسفة اليونانيون منذ القرن الخامس قبل الميلاد بتفكيرهم الحر وعقلهم الفلسفي الخارق لهذه الآفة البشرية الفظيعة وأدركوا انها كانت السبب الرئيسي لعجز الحضارة الانسانية عن التطور والانطلاق فالاستغراق في تعظيم الماضي يخنق أنفاس الحاضر لذلك رأوا أنه لا بد من تكريس الطاقة الفكرية لشفاء العقل البشري من هذه الآفة ولا يتحقق ذلك إلا بكشف أن السابقين بشر مثل اللاحقين وأنهم كانوا غارقين في النقائص البشرية وأن البعد الزماني هو الذي أضفى عليهم هذه الهالات وأنه ليس لهذه الهالات أي سند موضوعي وأن اعمال العقل كفيل بالتخلص من هذه الآفة المقعدة لذلك كانوا يثيرون أمام الجميع ذلك التساؤل الملح: لماذا يبقى اللاحقون مأسورين لنمط تفكير السابقين ومقيدين بأسلوب حياتهم ويخضعون خضوعاً مطلقاً لأحكامهم وأقوالهم ويحتذون تجاربهم وممارساتهم مهما كانت خاطئة او جائرة إن اللاحقين كانوا يرددون ولا يضيفون ويتعاملون مع الأسلاف بتبجيل زائد ورهبة قامعة مما عطل فاعلية العقل الانساني واستبقاه أسيراً راضياً بأسره.

    فلأول مرة في التاريخ البشري يكتشف العقل الفلسفي في اليونان بمحض جهده فظاعة الوهم الذي عاشته الأجيال البشرية في مختلف الأزمان والبقاع وهو الوهم الذي كرر الأنبياء عليهم السلام على مر العصور كشفه ونقده فأشعل الفلاسفة الحوارات وألهبوا الجدل ورأى الناس في الساحات العامة بأِثينا وغيرها كيف يتعرى الجهل عن أدعياء العلم وكيف تنقشع الهالات عن الموروثات وكيف تتساقط الأوهام فتنطلق بعد انقشاعها وتساقطها اشعاعات العقل وراحوا يفكرون بأنفسهم ويمعنون النظر والتأمل فيما هو فوقهم وفيما هو تحت أرجلهم وفيما يحيط بهم او يشاركهم في الزمان والمكان واكتشفوا أن المجتمعات غارقة بالأوهام وأن الأفراد مأخوذون بأوهام مجتمعاتهم وأن الفكر النقدي الأمين هو مفتاح الخلاص من هذا الأسر المزمن.
    إن الأدلة تؤكد أن الفكر الفلسفي بشكل عام والفكر النقدي بشكل خاص هو المفتاح الكلي الذي انفردت به الثقافات الغربية وميزها عن بقية الثقافات القديمة والمعاصرة وأن هذا العامل هو الذي مكنها من التقدم والازدهار وحماها من التراجع والاندحار هي أدلة كثيرة لكن من أشدها وضوحاً أن المجتمعات الأوروبية أو ذات الأصل الأوروبي يصاحبها الازدهار أينما حلت في أمريكا الشمالية في أقصى الغرب أو استراليا ونيوزيلندا في أقصى الشرق بل إن أقلية منهم قد استطاعت أن تطور القبائل الأفريقية في جنوب أفريقيا وأن تجعل مجتمعاً مزدهراً أما الشاهد الآخر فهو أن الشعوب الأوربية إذا هي تخلت عن هذا المفتاح الكلي العجيب فإنها تصاب بالتدهور والانحطاط وليس أدل على ذلك في المستوى المعاصر من الفرق بين شطري ألمانيا قبل إعادة دمجها أما على المستوى التاريخي فإن اليونان تقدم أكبر شاهد فهذا الشعب المدهش الذي منح الغرب مفتاح التقدم هو نفسه حين تخلى عن هذا المفتاح غرق في أوحال التخلف بل إن الاغريق أنفسهم حين كانوا في ذروة حضارتهم كانوا منقسمين إلى فئتين: فئة اهتمت بالفلسفة فأبدعت وأسست حضارة العقل وتأتي أثينا على رأسها أما الفئة الثانية التي تمثل حضارة العضل فقد كانت ذات طابع عسكري شأن بقية المجتمعات وعلى رأسها اسبارطة وهذه لم تترك في الدنيا أثراً نافعاً يذكر فأثينا واسبارطة كلتاهما أغريقيتان ولكن الاختلاف بينهما كان جذرياً ويعود هذا الافتراق النوعي إلى وجود هذا المفتاح عند إحداهما وغيابه عن الأخرى.

    إن اليونان بما فيها أثينا وتوابعها قد تدهورت منذ أن اجتاحها المقدونيون فقد تخلت عن الفكر الفلسفي بروحه النقدية فراح اللاحقون يرددون أقوال السابقين وأضفوا القداسة عليهم وصاروا يستنكرون نقدهم ولا يقبلون التدارك عليهم ولا تصحيح أخطائهم وبذلك توقف الابداع وتحجرت العقول وتدل قراءة التاريخ على أن هذا النكوص والتدهور قد حصل أو تضاعف بعودة المحاربين من الشرق بعد موت الاسكندر فقد أصيب تفكيرهم بالاختلاط والتردي ثم دخلت اليونان بعد اعتناقها المسيحية في إطار ثقافة أرثوذكسية مغلقة فأصابها القحط الفكري ومنيت بالتدهور والانحطاط والتخلف.

    ولدينا شاهد آخر فسكان الأمريكتين: الشمالية والجنوبية هم في الغالب من أصل أوروبي ولكن سكان أمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) يعدون من أكثر الشعوب ازدهاراً وتقدماً بينما لا تزال شعوب أمريكا الجنوبية في عداد العالم الثالث وليس لهذا الفارق الشاسع من سبب سوى أن ثقافة أمريكا الشمالية ذات روح فلسفية نقدية لذلك فهي منفتحة ونامية وتأخذ بالتعددية وتلتزم بالشفافية وتقوم حياتها على الفردية وتمارس ما يتمخض عنه الفكر الفلسفي من انطلاق وتسامح ومرونة وقدرة على التجدد الدائم والصعود المستمر بينما أن أمريكا الجنوبية بسب حرمانها من الفكر الفلسفي النقدي بقيت متخلفة وذات ثقافة مغلقة وتعاني من أحادية الرؤية ومن ضيق الأفق ومن التمحور المطلق حول السلطة.

    ^
    ^
    ^
    مع التحية
    غسان الغيث
    ما أروع أن يعيش الإنسان بلا هموم .. ومشاغل ..وأحداث ..
    غير أني اعتقد أنه من رحم الهم العظيم يولد الإنسان العظيم ..
  • صقرالنوايف
    عضو متميز

    • Jun 2005
    • 25677

    #2
    الرد: الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

    مشكور اخي غسان
    موضوع اكثر من جيد واعتقد ان الفكر الفلسفي للغرب وغير الغرب هو العامل الحاسم في ثقافة أيه أمه او شعب
    تحياتي وتمنياتي لك بالتوفيق والسداد

    تعليق

    • جلجامش
      عضو بارز
      • Mar 2005
      • 1188

      #3
      الرد: الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

      لدي خلاف بسيط ( بعد الشكر ) الفكر الفلسفي اليوناني نشأ بعد تطور الحضاره اليونانيه , و لم يكن عاملا بل نتيجه , و قد تأثر كثيرا بالنيثيولوجيا اليونانيه , سواؤا معارضا أم كان مطابقا لها .

      نقطه أخرى , هي ان الفلسفه العربيه أو الاسلاميه ايضا نشأت بعد تطور الحضاره الإسلاميه , و هي أكبر مثل على أن الفلسفه كانت نتيجه و ليست عاملا , أما في الحاله الأوروبيه فهو يعود لأواخر العصور الوسطى و بدايات عصر النهضه و أواسطه , إلا أن السبب الحقيقي كان الصراعات الطبقيه و التطور الصناعي و تكوين المجتمعات الصناعيه الكبيره , و ليس الفلسفه , لقد أدت التجمعات الصناعيه إلى تكوين طبقه لديها افكارها المختلفه , و دخلت مع الكنيسه و الطبقه الحاكمه في صراع انتهى بانتصارها .

      تعليق

      • غسان الغيث
        عضو فعال
        • Oct 2006
        • 79

        #4
        الرد: الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

        اشكرك اخي صقر على تفاعلك..
        وفقك الله
        ما أروع أن يعيش الإنسان بلا هموم .. ومشاغل ..وأحداث ..
        غير أني اعتقد أنه من رحم الهم العظيم يولد الإنسان العظيم ..

        تعليق

        • غسان الغيث
          عضو فعال
          • Oct 2006
          • 79

          #5
          الرد: الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

          اشكرك جلجامش على تفاعلك الطيب, ووجهة نظرك المحترمة,ولكن حين نبحث عن مصدر أساسي لهذا التفرد الغربي ونقرأ تاريخ الحضارات القديمة لمعرفة سبب هذا الامتياز نجد أن الحضارة اليونانية التي ورثها الغرب هي الحضارة الوحيدة التي انفردت بالتفكير الفلسفي منذ بداية القرن السادس قبل الميلاد وهي الثقافة الوحيدة التي أخضعت كل شيء من مكوّناتها للفحص والتمحيص وأن اليونانيين هم الأمة الوحيدة التي أحالت الفكر الفلسفي العلمي الى ثقافة عامة يعيش الجميع في أجوائها ويمارسون حياتهم من خلالها والغرب نفسه يدرك أن الفلسفة هي مصدر امتيازه وعن ذلك يقول الفيلسوف الفرنسي الأشهر ديكارت في كتابه (مبادئ الفلسفة): ".. الفلسفة هي وحدها التي تميزنا عن الأقوام وإن حضارة الأمة وثقافتها إنما تقاس بمقدار ما يشيع فيها التفلسف الصحيح لذلك فإن أجلَّ نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين.." أما العلوم فما هي إلا فروع من شجرة الفلسفة أو هي ثمار هذه الشجرة التي تتغذى بأنصع نتاج العقل البشري لتقود الإنسان نحو الحياة الدنيوية الزاهرة..


          أما الحضارات القديمة الأخرى فإنها لم تعرف التفكير الفلسفي كما أن القلة من ذوي التفكير التأملي العميق أو ذوي الاتجاه التجريبي المتطور يظلون منعزلين عن الناس فلا يكون لهم تأثير على التكوين الثقافي لمجتمعاتهم بل تبقى الجموع منقادة لجريان الحياة التلقائي ويبقى السلوك الفردي والجماعي مرتهناً بمصادر الرزق وباتجاهات السلطة وبالمؤثرات الآنية فالفكر في الثقافات الأخرى ليس فاعلاً ولا مؤثراً في توجيه النشاط وانما هو دائماً منفعل وتابع فيأتي الفكر أو الفعل ارتجالاً كردود افعال واستجابات آلية للأحداث أو المواقف وليس نتيجة التخطيط المسبق ولا البحث المتعمق ولا التقصي عن اسباب الاشياء وعلل الأحداث وتوقعات المستقبل فالمؤثرات اليومية والأحداث الضاغطة هي التي توجّه التفكير في اغلب الثقافات كردود أو استجابات فليس التفكير المتروي في الكثير من ثقافات الأرض هو الذي يوجه الأحداث أو يرسم المستقبل وانما تستبد بهم دائماً اللحظة الراهنة فالتفكير آني ومبعثر حسب آنية الأحداث وليس برنامجاً للعمل يسبق الأحداث ولا نسقاً متكاملاً من الرؤى النافذة التي تتأتى عن الدراسات العميقة الموسعة...

          إن طفرة العلوم الدنيوية وتنوع التقنيات المدهشة وصرامة التنظيمات المبتكرة في الثقافة الغربية دون غيرها هي من الظواهر الساطعة التي لا يستطيع العقل الا ان يقف عندها وقوفاً طويلاً ليبحث عن أسبابها وعوامل تفتحها وحوافز اطراد نموها..

          إن مؤرخي الأفكار وفلاسفة الحضارة والمهتمين بالشأن الإنساني كادوا أن يجمعوا على أن التفكير الفلسفي اليوناني كان هو العنصر الذي امتازت به ثقافة الغرب وأنه المنبع الرئيسي لحضارتهم وأنه الجذر العميق الذي تفرعت منه العلوم الغربية وأنه العنصر الهام الأساسي الذي تفتقر اليه الثقافات الأخرى وأن الحضارة اليونانية هي المثال الذي احتذته أوروبا في كافة جوانب الفكر والتنظيم والنص والعمل ثم طورت أوروبا الحديثة هذا المثال ابتداء من القرن السادس عشر بعد ان احيت الفكر الفلسفي الحافز والخلاق الذي كان قد توارى خلال العصور الوسطى حيث استُبعدت في تلك الحُقُب الأوروبية المظلمة عناصر الحضارة اليونانية أو حوّرت لخدمة الأوضاع والمصالح التي كانت قائمة آنذاك مما عطل آلية التفتح والنماء التي كوّنها الفكر الفلسفي اليوناني.

          إن الدور الجذري الذي أدته الفلسفة في خلق الحضارة الغربية لا يكاد يخفى على أي باحث وان مئات المراجع تتحدث عن هذا الدور الحاسم وعلى سبيل المثال فإن الدكتور عرفان عبدالحميد فتاح في كتابه (المدخل الى معاني الفلسفة) يوضح أهمية الفكر الفلسفي بوصفه نظاماً معرفياً نامياً وفريداً ادى الى خلق الحضارة الغربية وتطويرها كما يتحدث عن الصلة بين الفلسفة والعلم ليؤكد بأن: ".. بينهما تماثلاً في المطلب والغاية معاً إذ من الأمور المجمع عليها أن ميلاد التفكير الفلسفي كان يعني ايضاً ميلاد العلم بمنهجه الدقيق ومفاهيمه البسيطة الواضحة وفهمه العقلاني بطبائع الموجودات وكان القصد من الفلسفة اصلاً محاولة الإنسان تجاوز التفسيرات الأسطورية والخرافية للظواهر الطبيعية الى تفسير يستند الى الحدس العقلي والفرض العلمي والملاحظة الاستقرائية ومن ثم تطابق مفهوما العلم والفلسفة منذ بزوغ التفكير الفلسفي فكانت جهود الفلاسفة موجهة الى الكشف عن الترابط العلمي والمنطقي بين ظواهر الوجود بل ذهب بعض مؤرخي الفلسفة الى ان العلم قد بلغ مداه وغايته مع المدرسة الذرية..) التي ظهرت باليونان منذ القرن السادس قبل الميلاد..

          إن تأكيدات مؤرخي العلم ومؤرخي الحضارة الغربية وكبار المفكرين على أن ثقافة الغرب وعلومه وفنونه وتنظيماته وحضارته هي نتاج الفكر الفلسفي اليوناني لا تكاد تحصر ومن ذلك ما يقوله الفيلسوف الألماني هايدجر الذي يؤكد بأنه: ".. من اليقيني انه ما كان للعلوم أن توجد لو لم تسبقها الفلسفة وتتقدم عليها.." ويقول المفكر الفرنسي دوبريه: ".. إن نصوص القرن الخامس قبل الميلاد لا تزال تسائلنا ولا يمكن لأي فيلسوف في أيامنا ان يدعي بأنه يفكر افضل من أفلاطون..".

          وحتى نيتشة الذي لا يعجبه العجب يتخلى عن منهج التحطيم الذي عُرف به فيشده الإعجاب بفلاسفة اليونان فيصفهم بأنهم (جبابرة العقل) فيقول بكتابه (الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي): ".. إن الجبابرة يتخاطبون عبر مسافات التاريخ المقفرة ويستمر حوارهم الرفيع بين الأفكار دون أن يعكّر صفوه الأقزام المستهترون والصاخبون الذين ما يزالون يزحفون تحتهم.." كما يؤكد ايضاً ان اليونانيين قد: ".. ابتكروا الأنساق الكبرى للفكر الفلسفي ولم يبق لمجمل الأجيال اللاحقة ان تبتكر شيئاً جوهرياً يمكن أن يضاف إليها.. لقد كانوا جميعاً في وحدتهم المهيبة الوحيدين الذين عاشوا للمعرفة فقط وكلهم يتمتعون بقوة القدامى المتينة وهي تقوم على ايجاد شكلهم الخاص وعلى مواصلة اكتماله بفضل التحول في أدق تفاصيله وفي أرحب اتساعه.. انهم لم يستعينوا بأي زي شائع كان يمكن أن يسهّل مهمتهم.." وهذه الإشارة الى انهم لم يستعينوا بأي فكر سابق تؤكد أن اليونانيين هم الذي ابتكروا التفكير الفلسفي الذي هو صميم الفكر العلمي ولم يسبق لأية ثقافة أخرى قبل الثقافة اليونانية أن وضعت نظاماً معرفياً تتمكن بواسطته من حسن استخدام العقل حتى انه من السائغ جداً أن نصف الفلسفة بأنها (علم استخدام العقل) لأن الفلسفة ليست مذهباً ولا نحلة أو ملة وانما هي طريقة لتنظيم نشاط العقل الإنساني في كل المجالات التي يستطيع العقل ان يحذقها..

          ولأن الفلسفة اليونانية مثلت منهجاً جديداً في تنظيم نشاط العقل فإن الفيلسوف الألماني شوبنهاور يصف اليونانيين بأنهم: ".. جمهورية العباقرة.." لأن ما أنجزوه في مجال الفكر والعلم والفن والسياسة والتجربة الاجتماعية كان ابتكاراً خالصاً لم يستمدوه من أحد ولم يقلدوا فيه شعباً بل كان تأسيساً جديداً لنشاط العقل البشري المنظم..

          أما الفيلسوف الألماني هيجل فإنه رغم شهرته الواسعة ومكانته الرفيعة فإنه يؤكد أن الفكر الحديث الذي أنجب العلوم لم يزد على احياء الفكر اليوناني ومواصلة السير فيما اختطه اليونانيون وهو يعترف بأن الفكرة الأساسية لفلسفته (الديالكتيك) قد قال بها فلاسفة اليونان من قبل فهو يؤكد: ".. بأنه ليس في أقوال هيراقليطس عبارة لا أستطيع ان ادخلها في صميم منطقي.." ويقول ايضا عن هيراقليس: ".. انه لأمر عظيم الأهمية ان يكون قد ادرك ان الحقيقة الأولى هي فقط الصيرورة..".

          إن الفكرة المحورية في فلسفة هيجل هي فكرة الصيرورة والتحول وجدل الأضداد وانبجاس الشيء من نقيضه فيما دعاه عمليات الديالكتيك وهي الفكرة التي قال بها هيراقليطس في القرن السادس قبل الميلاد..

          ان فكرة جدل الأضداد هي احدى الأفكار الفلسفية الرئيسية التي غطى تأثيرها كافة النشاطات الفكرية والعلمية والاجتماعية والدولية ومع كل هذه الأهمية المعـــرفــية لهذه الفكرة المحورية فإنها ذات اصــل يوناني..
          ويقول بيوري: ".. اننا مدينون للإغريق بأعظم الهبات بوصفهم مبتكري الحرية والفكر الجدلي.. لقد كانت ايونيا مهداً للفكر الحر وبين جوانبها نشأ تاريخ العلم الأوروبي والفلسفة الأوروبية وفي ايونيا أخذ الفلاسفة الأوائل في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد يُعملون عقولهم للتحقيق في البحث في أصل العالم ومن ثم فقد بدأوا عملية تحطيم الأساطير.." وبذلك ابتدأت نشأة العلوم الدنيوية القائمة على البحث المنهجي والاستقصاء الموضوعي واستصحاب الادراك بأن كل نتائج البحث البشري تبقى معارف احتمالية قابلة للتعديل والتطوير فلا توجد كلمة نهائية في الجهد البشري وانما كل الجهود في مجالات الأفكار والفهوم والعلوم والفنون والتقنيات والتنظيمات هي محاولات جادة ومتواصلة ومفتوحة للارتقاء قدر الإمكان بالمعرفة وبوسائل الحياة على هذه الأرض..
          ^
          ^
          ^
          مع التحية
          غسان الغيث
          ما أروع أن يعيش الإنسان بلا هموم .. ومشاغل ..وأحداث ..
          غير أني اعتقد أنه من رحم الهم العظيم يولد الإنسان العظيم ..

          تعليق

          • ساري نهار
            عضو متميز
            • Dec 2006
            • 663

            #6
            الرد: الفكر الفلسفي هو العامل الحاسم في ثقافة الغرب

            اضيف في الأساس بواسطة جلجامش
            و قد تأثر كثيرا بالنيثيولوجيا اليونانيه ,.
            الفلسفة تكون مشاطره للخرافات و الاساطير وقد تكون أساس لكثير من النظريات

            لا يحضرني سوى مثال واحد الا وهو الطوطم و المحرم فهذه نظرية " الاشتياق " او الحنين او الميول في الاساس قائمة على خرافة .


            بشكل عام

            أميل للفلسفة و لكن عندما أجدها تتجهة نحو الالحاد و إنكار وجود الله أنفر منها

            أعتقد بأنني أحتاج الى نوع من أنواع الفلتره

            تقديري لصاحب الموضوع

            تعليق

            مواضيع مرتبطة

            Collapse

            جاري العمل...