شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • دعاءالخليج
    عضو متميز
    • Oct 2004
    • 10404

    #1

    شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع


    بسم الله الرحمن الرحيم

    تحية صباحية ابثها لكم مع هذا الصباح البادئ الاول
    وكلي أمل ان تصلكم وانتم ترفلون بثوب الصحة والعافية

    هذه فكرة قد تكون طرحت سابقا

    نتعرف من خلالها على أدباء وكتاب
    قدموا للادب والشعر والحضارة
    الكثير الكثير
    نتعرف اليهم من خلال سطور ساندروز الزاخرة بالعطاء


    وهأنذا احاول تجديدها
    ولسوف تزهو وتتعطر بقدومكم
    ومشاركاتكم بها

    انتظركم جميعا

    فــ كونوا بخير
  • دعاءالخليج
    عضو متميز
    • Oct 2004
    • 10404

    #2
    الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع


    لم يكن محمود سيف الدين الإيراني رائد القصة القصيرة فقط، بل كان مثقفاً وصحفياً مؤسساً بارزاً ، وهو الذي ابتدأ من اتساع البحر الأبيض المتوسط سطره الكبير في الكتابة ، ومن عروسه الفاتنة يافا الواقعة في الذاكرة مثل منارة لا تخبو أطل على الحياة، وهو الممسك بناصية القرن العشرين المكتنز بالأحداث الجسام .
    ولد الإيراني في يافا أشهر مدن شرق المتوسط عام 1912 م ، ليشهد بذلك على تسرب الغرباء الذين قذفت بهم السفن السوداء، في غفلة الناس الآمنين لتقلبات الدهر .
    و لقب بالإيراني نسبة لموطن جده، الذي قدم من أصفهان أواخر القرن التاسع عشر ، أما والدته هو فهي من أسرة عربية معروفة ، ولا شك أن محمود تأثر بجده المتعمق بالدين والمحب للأدب والفكر.
    نشأ الإيراني في حي العجمي بيافا حيث افتتح والده مكتباً للصرافة ، وقد عصفت الحرب العالمية الأولى بسكون طفولته ، فارتحل مع أهله إلى القدس لمدة سنتين ، ثم عاد بعد ذلك إلى يافا ليلتحق بمدرسة الفرير التي أنهى فيها دراسته الثانوية، ومطلعاً من خلال مناهجها على اللغتين الانجليزية والفرنسية .
    وكانت لدى محمود الإيراني رغبة في الرحيل إلى فرنسا من أجل دراسة الطب ، غير أن حقيقة انه وحيد والديه وعدم تقبل والدته لفكرة ابتعاده عنها جعل من تنفيذ هذه الرغبة أمراً صعباً ، فاستسلم لأمر والدته ويبقى قريبا من أمه .(الدكتور مصطفى الفار).
    كانت طفولة الإيراني هانئة وسعيدة ، فقد أولته والدته بحنان وحنو بالغين ، فهو وحيدها وقرّة عينها ، كما أغدقت عليه جدته لأمه الرعاية والمحبة الكبيرة، خاصة بعد أن فقدت الجدة أبناءها باستثناء والدة محمود ، وهذا كله أضفى على الإيراني رقة وسرعة تأثر فجرت فيه مكامن الإبداع، وجعلت منه اسماً كبيراً في القصة القصيرة الأردنية والعربية وفي فترة مبكرة ، أما والده فكان يتصف بالقسوة والجدية ، فلقد قال الإيراني انه لم يذكر أن والده قبله ذات مرة أو مسح على رأسه بيده ، وهو واقع جعل من الإيراني رغم رهافة حسه، رجلاً صلباً وقوياً ، وقادراً على مواجهة صعوبات الحياة،
    ظهر تعلق الإيراني بالأدب في عمر مبكرة ، فلقد عشق الشعر والنثر ، وساعدته معرفته باللغة الفرنسية في الاطّلاع على الأدب الفرنسي ، فكان أن بدأ في الكتابة الأدبية والصحفية قبل إنهاء دراسته ، وقد برز جهده في الصحافة حيث نشر في صحف : فلسطين، الإقدام،الدفاع،الجامعة الإسلامية، بالإضافة إلى مجلات ''نزهة الطالب'' ومجلة الفجر اللتين أصدرهما الإيراني نفسه ، ونشر في مجلة الطليعة والشباب واللهب ومجلة الرائد ، وكذلك نشر الإيراني في المجلات العربية مثل مجلة السياسة والمقتطف والثقافة و الطريف.
    تأثر قلم الإيراني ببلاغة القرآن الكريم ، وبمؤلفات ابن المقفع، وكتب الجاحظ وعدد كبير من كتاب الأدب العالمي الكلاسيكيين ، وأعجب بشكل خاص بأدب روسيا قبل قيام الثورة البلشفية .
    وأسهم الإيراني بفعالية في الحياة الثقافية في يافا خلال الثلاثينيات ، التي كانت حينها ساحة ناشطة توازي عواصم مصر وسوريا ولبنان ، حيث اصدر أول أعماله ''أول الشوط'' .
    وشكلت مقاهي يافا منتديات ثقافية نابضة باللقاءات والمساجلات الأدبية ، وهي بالتالي لعبت دوراً نضالياً كما هو حال مقهى عرف بين المثقفين باسم '' التيوس'' للتحايل على جواسيس الانجليز ليتمكنوا من اللقاء والتنفيس عن غضبهم العام ، ولعل الكتابة عند الإيراني هي الوجه الآخر للبحر الذي فتن به، فكان يمضي الساعات الطويلة على شواطئ يافا، يتأمل عظمته أو يغفو حالماً على رماله اللامعة ، فكان الأدب معوّضه عندما نأى البحر بعيداً ، وتلاشت يافا خلف أسيجة الاحتلال.
    في سنة 1941 م تزوج الإيراني وهو في الثلاثين من الآنسة مريم قاسم من حيفا ، وقد ازداد التوتر بين العرب واليهود واضطربت الأحوال، فأقدم على بيع مطبعته وارتحل إلى مدينة عمان، بعد أن ضاق بعنت المستعمرين الانجليز وتصرفات الدخلاء اليهود ، فقد عمل الإيراني قبل ذلك موظفاً في حكومة فلسطين، لكنه استقال وأسس مطبعة كبيرة وأصدر مجلة الفجر التي لم تدم طويلاً ، بعد ذلك عمل في حقل التعليم في الأردن وأصبح مدير مدرسة ثانوية، و مفتشاً للغة العربية، حيث تميز بالنشاط الفكري والأدبي خلال هذه الفترة ، في سنة 1960 أوفد إلى باريس في بعثة لشؤون اليونسكو ، حيث أسهم في الندوات والمؤتمرات التربوية والأدبية ، وأسهم بفعالية في مجلة رسالة المعلم.
    عند تأسيس دائرة الثقافة والفنون في وزارة الثقافة والإعلام، قامت بإصدار مجلة أفكار التي استمرت بالصدور حتى يومنا هذا ، وقد توقفت المجلة في أعقاب حرب حزيران حتى كلف الإيراني بإعادة إصدارها، حيث أصبح رئيساً لتحرير المجلة ، لتكون مجلة فصلية منتظمة الصدور .
    استمر الإيراني في منصبه هذا حتى توفي سنة 1974 م ، حيث أشرف على صدور عشرة أعداد من هذه المجلة الرائدة في هذا المجال في الأردن، وقد سعى الإيراني إلى إعطائها الصفة العربية الشاملة لتنافس بذلك أهم المجلات العربية الثقافية ،باعتبارها منبراً حراً لكل الأفكار والآراء وفي كافة المجالات الثقافية المختلفة. وقد كتب عن محمود سيف الدين الإيراني عدد كبير من كبار النقاد والأكاديميين المحليين والعرب أمثال ناصر الدين الأسد وعبد الرحمن ياغي وغيرهم .
    وقد قال عنه الشاعر الناقد عبد الرحيم عمر '' كما ورد في دراسة للدكتور الفار'': ( إن خصوبة القاص التي اكتنزتها نفس الإيراني والتي امتدت من ''أول الشوط'' و''على صفحات ''الفجر'' و''مع الناس'' وعبر مجموعاته ''متى ينتهي الليل'' ، و''ما أقل الثمن''، و''أصابع في الظلام'' ، ثم في ترجماته الكثيرة وخواطره وتأملاته ، كل ذلك قد جعل أثر الإيراني على القصة القصيرة وكتابها في فلسطين والأردن أثراً حاسماً وعلى مستوى فعال .
    ولقد كان لانتماءاته الوطنية والاجتماعية والطبقية صدى عميق في نتاجه الأدبي...). لقد ترك الإيراني إرثا كبيرا وخالدا ، سيبقى علامة فارقة في القصة القصيرة المحلية والعربية، بقي حضوره الأنيق دفئا لساحتنا الثقافية ، منذ رحيله عام 1974م وحتى قادم الأيام، أديبا كبيرا وكاتبا له بصمته الخاصة في السرد.(هزاع البراري)



    إلى اللقاء مع شخصية اخرى
    ننتظر تفاعلكم وطرحكم لشخصيات أدبية
    تفضلوا مشكورين

    يسلموكتير

    تعليق

    • عصام زايد
      مستشار ساندروز
      • Jul 2004
      • 10571

      #3
      الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

      مشكورة ا ختي الغالية دعاء الخليج
      موضوع رائع يستحق الاشادة بع
      وهذه مساهمتي بالموضوع

      عميد الادب العربي طه حسين وهي منقولة للعلم
      بطاقة تعريف الكاتب الكبير: طه حسين

      مقدمة: طه حسين (1889-1973) واحد من أهم -إن لم يكن أهم- المفكرين العرب في القرن العشرين.
      وترجع أهميته إلى الأدوار الجذرية المتعددة التي قام بها في مجالات متعددة, أسهمت في الانتقال بالإنسان العربي من مستوى الضرورة إلى مستوى الحرية, ومن الظلم إلى العدل, ومن التخلف إلى التقدم, ومن ثقافة الإظلام إلى ثقافة الاستنارة, فهو أجسر دعاة العقلانية في الفكر,
      والاستقلال في الرأى, والابتكار في الإبداع, والتحرر في البحث الأدبي, والتمرد على التقاليد الجامدة.
      وهو أول من كتب عن (مستقبل الثقافة) بالحماسة التي كتب بها عن (المعذبين في الأرض), وبالشجاعة التي تحرر بها من ثوابت النقل البالية, فاستبدل الاجتهاد بالتقليد, والابتداع بالاتباع, وأقام الدنيا ولم يقعدها حين أصدر كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي كان بمثابة الاستهلال الجذري للعقل العربي المحدث والحديث في آن.
      ولد طه حسين في الرابع عشر من نوفمبر سنة 1889 في عزبة (الكيلو) التي تقع على مسافة كيلومتر من (مغاغة) بمحافظة المنيا بالصعيد الأوسط. وكان والده حسين عليّ موظفًا صغيرًا, رقيق الحال, في شركة السكر, يعول ثلاثة عشر ولدًا, سابعهم طه حسين.
      ضاع بصره في السادسة من عمره نتيجة الفقر والجهل, وحفظ القرآن الكريم قبل أن يغادر قريته إلى الأزهر طلبًا للعلم. وتتلمذ على الإمام محمد عبده الذي علمه التمرد على طرائق الاتباعيين من مشايخ الأزهر, فانتهى به الأمر إلى الطرد من الأزهر, واللجوء إلى الجامعة المصرية الوليدة التي حصل منها على درجة الدكتوراه الأولى في الآداب سنة 1914 عن أديبه الأثير: أبي العلاء المعري. ولم تمر أطروحته من غير ضجة واتهام من المجموعات التقليدية حتى بعد أن سافر إلى فرنسا للحصول على درجة الدكتوراه الفرنسية.
      وعاد من فرنسا سنة 1919 بعد أن فرغ من رسالته عن ابن خلدون, وعمل أستاذًا للتاريخ اليوناني والروماني إلى سنة 1925, حيث تم تعيينه أستاذًا في قسم اللغة العربية مع تحول الجامعة الأهلية إلى جامعة حكومية. وما لبث أن أصدر كتابه (في الشعر الجاهلى) الذي أحدث عواصف من ردود الفعل المعارضة, وأسهم في الانتقال بمناهج البحث الأدبي والتاريخي نقلة كبيرة فيما يتصل بتأكيد حرية العقل الجامعي في الاجتهاد.
      وظل طه حسين يثير عواصف التجديد حوله, في مؤلفاته المتتابعة ومقالاته المتلاحقة وإبداعاته المتدافعة, طوال مسيرته التنويرية التي لم تفقد توهج جذوتها العقلانية قط, سواء حين أصبح عميدًا لكلية الآداب سنة 1930, وحين رفض الموافقة على منح الدكتوراه الفخرية لكبار السياسيين سنة 1932, وحين واجه هجوم أنصار الحكم ال*******ي في البرلمان, الأمر الذي أدى إلى طرده من الجامعة التي لم يعد إليها إلا بعد سقوط حكومة صدقي باشا. ولم يكف عن حلمه بمستقبل الثقافة أو انحيازه إلى المعذبين في الأرض في الأربعينات التي انتهت بتعيينه وزيرًا للمعارف في الوزارة الوفدية سنة 1950, فوجد الفرصة سانحة لتطبيق شعاره الأثير (التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن).
      وظل طه حسين على جذريته بعد أن انصرف إلى الإنتاج الفكري, وظل يكتب في عهد الثورة المصرية, إلى أن توفي عبد الناصر, وقامت حرب أكتوبر التي توفي بعد قيامها في الشهر نفسه سنة 1973.
      وتحفته (الأيام) أثر إبداعي من آثار العواصف التي أثارها كتابه (في الشعر الجاهلي), فقد بدأ في كتابتها بعد حوالي عام من بداية العاصفة, كما لو كان يستعين على الحاضر بالماضي الذي يدفع إلى المستقبل. ويبدو أن حدة الهجوم عليه دفعته إلى استبطان حياة الصبا القاسية, ووضعها موضع المساءلة, ليستمد من معجزته الخاصة التي قاوم بها العمى والجهل في الماضي القدرة على مواجهة عواصف الحاضر.
      ولذلك كانت (الأيام) طرازًا فريدًا من السيرة التي تستجلي بها الأنا حياتها في الماضي لتستقطر منها ما تقاوم به تحديات الحاضر, حالمة بالمستقبل الواعد الذي يخلو من عقبات الماضي وتحديات الحاضر على السواء. والعلاقة بين الماضي المستعاد في هذه السيرة الذاتية والحاضر الذي يحدد اتجاه فعل الاستعادة أشبه بالعلاقة بين الأصل والمرآة, الأصل الذي هو حاضر متوتر يبحث عن توازنه بتذكر ماضيه, فيستدعيه إلى وعي الكتابة كي يتطلع فيه كما تتطلع الذات إلى نفسها في مرآة, باحثة عن لحظة من لحظات اكتمال المعرفية الذاتية التي تستعيد بها توازنها في الحاضر الذي أضرّ بها.
      ونتيجة ذلك الغوص عميقًا في ماضي الذات بما يجعل الخاص سبيلا إلى العام, والذاتي طريقًا إلى الإنساني, والمحلي وجهًا آخر من العالمي, فالإبداع الأصيل في (الأيام) ينطوي على معنى الأمثولة الذاتية التي تتحول إلى مثال حي لقدرة الإنسان على صنع المعجزة التي تحرره من قيود الضرورة والتخلف والجهل والظلم, بحثًا عن أفق واعد من الحرية والتقدم والعلم والعدل. وهي القيم التي تجسّدها (الأيام) إبداعًا خالصًا في لغة تتميز بثرائها الأسلوبي النادر الذي جعل منها علامة فريدة من علامات الأدب العربي الحديث.
      ----------------------------------------------------------


      نبذة عن حياة الكاتب

      ولد طه حسين عام 1889 ، وعاش طفولته الباكرة في احدى قرى الريف المصري . ثم انتقل الى الازهر للدراسة ، ولم يوفق فيه، فتحول الى الجامعة المصرية ، وحصل منها على الشهادة الجامعية ، ثم دفعه طموحه لاتمام دراساته العليا في باريس ، وبالرغم من اعتراضات مجلس البعثات الكثيرة ، الا انه اعاد تقديم طلبه ثلاث مرات ، ونجح في نهاية المطاف في الحصول على شهادة الدكتوره في باريس. بعد عودته لمصر ، انتج اعمالاً كثيرة قيمة منها على هامش السيرة ، والايام ، ومستقبل الثقافة في مصر ، وغيرها. وهو يعتبر بحق "عميد الادب العربي" نظراً لتاثيره الواضح على الثقافة المصرية والعربية.
      وقد نشر الجزء الاول من الايام في مقالات متتالية في اعداد الهلال عام 1926 ، وهو يُعد من نتاج ذات المرحلة التي كتب خلالها : في الشعر الجاهلي. وتميزت هذه الفترة من حياة الاديب الكبير - رحمه الله - بسخطه الواضح على تقاليد مجتمعه وعاداته الشائعة في كتاباته . ومن المؤكد ان لهذه المرارة دوافعها : فطه حسين فقد البصر صغيراً بسبب جهل اسرته باسس الرعاية الصحية. وهي خسارة فاحشة لا يمكن تعويضها . وقد رفض المجتمع المصري المحافظ الكثير من ارائه في موضوعات مختلفة حين رجوعه من فرنسا كذلك.
      لهذه الاسباب وغيرها ، يعتبر الايام سيرة ذاتية تعبر عن سخط كاتبها بواقعه الاجتماعي ، خاصة بعد ان عرف الحياة في مجتمع غربي متطور . الاجزاء التي اخترناها هنا تصف مرحلة مهمة في حياة طه حسين الفكرية : اذ ترسم صورة حزينة لمساعيه للدراسة في الازهر، موضحةً اعتراضاته على نظام التعليم الشائع فيه آنذاك، واسباب عدم نجاحه في الحصول على الشهادة التي نجح من هو اقل منه شأناً وعلماً في امتلاكها.
      من الايام

      واقبل صاحبنا على دروسه في الازهر وغير الازهر من المساجد . فأمعن في الفقه والنحو والمنطق ، واخذ يحسن "الفنقلة" التي كان يتنافس فيها البارعون من طلاب العلم في الأزهر على المنهج القديم ، ويسخر منها المسرفون في التجديد ، ولا يُعرض عنها المجددون العتدلون . واذا هو يدرس شرح الطائي على الكنز مصبحاً ، والازهرية مع الظهر ، وشرح السيد الجرجاني على ايساغوجي ممسياً . وكان يحضر الدرس الاول في الازهر ، والدرس الثاني في مسجد محمد بك ابي الذهب ، والدرس الثالث في مسجد الشيح العدوي على استاذ من سلالة الشيخ العدوي نفسه . وربما الم بدرس من دروس الضحى كان يُقرأ فيه كتاب قطر الندى لابن هشام تعجلاً للتعمق في النحو والفراغ من كتب المبتدئين والوصول الى شرح ابن عقيل على الالفية . ولكنه لم يكن يواظب على هذا الدرس . كان يستجهل الشيخ ، ويرى في "فنقلة" الشيح عبد المجيد الشاذلي حول الازهرية وحاشية العطار ما يكفيه ويرضيه.

      وقد بقيت في نفسه آثار لا تمحى من درس الازهرية هذا ، ففيه تعلم "الفنقلة" حقاً ، وكان اول ذلك هذا الكلام الكثير والجدال العقيم حول قول المؤلف "وعلامة الفعل قد" ، فقد اتقن صاحبنا ما اثير حول هذه الجملة البريئة من الاعتراضات والاجوبة ، واتعب شيخه جدالاً وحواراً حتى سكت الشيخ فجأة اثناء هذا الحوار ، ثم قال في صوت حلو لم ينسه صاحبنا قط ، ولم يذكره قط الا ضحك منه ورق له : "الله حكم بيني وبينك يوم القيامة ". قال ذلك في صوت يملؤه السأم والضجر ، ويملؤه العطف والحنان ايضاً. وآية ذلك انه بعد ان اتم الدرس واقبل الصبي ليلثم يده كما كان الطلاب يفعلون ، وضع يده على كتف الصبي ، وقال له في هدوء وحب: "شد حيلك الله يفتح عليك."

      وعاد الصبي مبتهجاً بهذه الكلمات والدعوات ، فأنبأ بها اخاه وانتظر بها اخوه موعد الشاي . فلما اجتمع القوم الى شايهم قال للصبي مداعباً : قرر لنا "وعلامة الفعل قد". فامتنع الصبي حياء اول الامر ، ولكن الجماعة الحت عليه ، فأقبل يقرر مما سمع وما وعى وما قال ، والجماعة صامتة تسمع له ، حتى اذا فرغ نهض اليه ذلك الكهل الذي كان ينتظر الدرجة فقبل جبهته وهو يقول : "حصنتك بالحي القيوم الذي لا ينام."

      واما الجماعة فاغرقت في الضحك . واما الصبي فاغرق في الرضا عن نفسه ، وبدأ منذ ذلك الوقت يعتقد انه اصبح طالباً بارعاً نجيباً.

      وقوى هذا الرأي في نفسه ان زملاءه في درس النحو التفتوا اليه وجعلوا يستوقفونه بعد الدرس ، او يدنون منه قبل الدرس ، فيسألونه ويتحدثون اليه ، ثم يعرضون عليه ان يعدوا معه الدرس قبل الظهر. وقد اغراه هذا العرض فترك درس القطر ، وجعل يطلع مع زملائه هؤلاء يقرءون له وياخذون في التفسير ، وجعل هو يسبقهم الى هذا التفسير ويستبد به من دونهم ، فلا يقاومونه وانما يسمعون منه ويصغون اليه . وجعل ذلك يزيده غروراً الى غرور ، ويخيل اليه انه قد بدأ يصبح استاذاً.

      واطردت حياته في ذلك العام متشابهة لا جديد فيها الا ما كان يفيده الصبي من العلم كلما امعن في الدرس ، وما كان يشعر به من الغرور اذا كان بين زملائه ، وما كان يُرد اليه من التواضع اذا كان بين اولئك الطلاب الكبار ، والا ما كان يفيده من العلم بشؤون الاساتذة والطلاب في الازهر لما كان يسمع من حديث زملائه واصدقاء اخيه عن اولئك وهؤلاء .

      فلم يكن شيء من هذه الاحاديث ليحسن ظنه باولئك او هؤلاء ، وانما كان ظنه يزداد بهم سوءاً كلما مر عليه الوقت . فقد كان يسمع بين وحين ثناء بالذكاء والبراعة على هذا الشيح او ذاك من صغار العلماء وكبارهم ، ولكنه كان يسمع دائماً عيباً لاولئك وهؤلاء بالوان من النقائص التي تتصل بالخلق او تتصل بالسيرة او تتصل بصناعة العلم نفسها ، والتي كانت تثير في نفسه كثيراً من الغضب والازدراء وخيبة الامل .

      ولم يكن يسلم من هذه العيوب احد . فاما هذا الشيخ فقد كان شديد الحقد على زملائه واقرانه ، شديد المكر بهم والكيد لهم ، يلقاهم مبتسماً فلا يكاد يفارقهم حتى يقول فيهم اشنع القول ويسعى بهم اقبح السعي. واما هذا الشيخ الاخر فقد كان رقيق الدين ، يظهر التقوى اذا كان في الازهر او بين اقرانه ، فاذا خلا الى نفسه والى شياطينه اغرق في اثم عظيم.

      وكانت الغيبة والنميمة اشيع واشنع ما كان يُذكر من عيب الشيوخ. فكان الطلاب يذكرون سعي ذلك الشيخ بصديقه الحميم عند شيخ الازهر او عند الشيخ المفتي ، وكانوا يذكرون ان شيخ الازهر كان اذناً للنمامين ، وان الشيخ المفتي كان يترفع عن الاستماع لهم ويلقاهم بالزج القاسي العنيف.

      وقد تحدث الطلاب الكبار ذات يوم بقصة عن جماعة من كبار الشيوخ سموهم يومئذ ، فزعموا ان هؤلاء الشيوخ لاحظوا انهم قد اسرفوا على انفسهم في الغيبة ، فأستعظموا ذلك وذكروا قول الله عز وجل : "ولا يغتب بعضكم بعضاً ليحب احدكم ان ياكل لحم اخيه ميتاً فكرهتموه"، فتناهوا عن هذه الخطيئة الكبيرة ، وتعاهدوا على ان من اخذ منهم في الغيبة فعليه ان يؤدي الى اصحابه عشرين قرشاً .

      وقد كفوا عن الغيبة يوماً او بعض يوم ضناً بهذا المبلغ من النقد . وانهم لفي بعض حديثهم ، واذا شيخ يمر بهم فيلقي عليهم تحية ، ويمضي في طريقه. ولكنه لا يكاد يمضي حتى يخرج احدهم قطعة من الفضة فيدفعها الى اصحابه وياخذ في اغتياب هذا الشيخ.

      فاما تحدث الطلاب كباراً وصغاراً بجهل شيوخهم وتورطهم في الوان الخطأ المضحك الذي كان بعضه يتصل بالفهم وبعضه يتصل بالقراءة ، فقد كان اكثر من ان يحصى واعظم من ان يقدر . ومن اجل هذا كان صاحبنا سيء الرأي في العلماء والطلاب جميعاً . وكان يرى ان الخير كل الخير في ان يجد ويجتهد ويحصل ما استطاع من العلم معرضاً عن مصادره التي كان يستقيه منها .

      وازداد رايه سوءاً حين استقبل السنة الثالثة من حياته في الازهر ، فالتمس لنفسه استاذاً يقرأ في الفقه شرح مُلا مسكين على الكنز ، فُدل على استاذ معروف بعيد الذكر ظاهر المكانة في القضاء ، فذهب اليه وجلس في حلقته ، ولكنه لم يكد ينفق دقائق حتى احس حرجاً عظيماً وراي نفسه مضطراً الى ان يبذل جهداً شديداً لمقاومة الضحك . وذلك ان الشيخ رحمه الله قد كانت له لازمة غريبة ، كما كان يقول الازهريون . فلم يكن يقرأ جملة في الكتاب او يفسرها من عند نفسه الا قال هذه الجملة مرتين : "قال ايه ثم قال ايه”
      يعيد ذلك مرات في الدقائق القليلة ، وصاحبنا يسمع له ويعنف على نفسه حتى لا يضحك فياتي منكراً من الامر.
      وقد استطاع صاحبنا ان يضبط نفسه ، ولكنه لم يستطع ان يختلف الى درس الاستاذ اكثر من ثلاثة ايام ، لانه لم يجد عنده غناء ، وانما وجد عنده عناء ، لم يفد منه شيئاً ، وانما كان يكظم ضحكه كظماً عنيفاً ، ويكلف نفسه من ذلك ما لم تكن تطيق . والتمس غيره من الاساتذة الذين كانوا يقرءون هذا الكتاب ، فلم يجد عندهم الا هذه اللوازم التي كانت تختلف باختلافهم ، ولكنها كانت تدفع الغلام الى الضحك وتضطره الى ان يبذل في ضبط نفسه من الجهد ما كان يشغله احياناً عن الاستماع ، وقيل له في اثناء ذلك ان هذا الكتاب من كتب الفقه ليس بذي خطر ، وان استاذاً ممتازاً سموه له يقرأ كتاب الدرر ، والخير في ان تحضر درسه ، فهو من اذكى العلماء وابرع القضاة .

      واستشار صاحبنا اخاه واصحاب اخيه فلم يردوه عن ذلك ، بل شجعوه عليه واوصوا به الشيخ . وقد رضى الغلام عن استاذه الجديد في دروسه الاولى ، فلم يكن يلتزم جملة بعينها او لفظاً بعينه او صوتاً بعينه ، ولم يكن يتردد في القراءة ولا في التفسير، وكان ذكاؤه واضحاً ، واتقانه للفقه متقناً ، وحسن تصرفه فيه لا يتعرض للشك .

      وكان الاستاذ رشيقاً انيقاً حلو الصوت ممتازاً في حركته وفي لقائه للطلاب وحديثه اليهم . وكان معروفاً بالتجديد ، لا في العلم ولا في الرأي ، ولكن في السيرة. وكان كبار الطلاب يتحدثون بانه يلقي درسه اذا صبح ثم يمضي الى محكمته فيقضي فيها ، ثم يروح الى بيته فيطعم وينام . فاذا كان الليل خرج مع لذاته فذهب الى حيث لا ينبغي ان يذهب العلماء ، وسمع من الغناء ما لا ينبغي ان يسمع العلماء ، واقبل من اللذات على ما لا ينبغي ان يقبل عليه رجال الدين ، وكانوا يذكرون "الف ليلة وليلة". فيعجب الغلام لانه كان يعرف ان "الف ليلة وليلة" اسم كتاب طالما قرأ فيه ووجد في قراءته لذة ومتاعاً . ولكنهم كانوا يذكرون هذا الاسم على انه مكان يسمع فيه الغناء ، ويكون فيه اللهو ، وتطلب فيه بعض اللذات .

      وكان الغلام يسمع عن شيخه هذه الاحاديث فلا يصدقها ولا يطمئن اليها ، ولكنه لم ينفق مع الشيخ اسابيع حتى احس منه تقصيراً في اعداد الدرس ، وقصوراً في تفسير النص ، وضيقاً باسئلة الطلاب ، بل احس منه اكثر من ذلك ، فقد ساله ذات يوم عن تفسير بعض ما كان يقول فلم يجبه الا بالشتم . وكان الشيخ ابعد الناس عن الشتم واشدهم عنه ترفعاً.

      فلما قص الغلام على اخيه واصحابه من امر الشيخ ما راى ، انكروا ذلك واسفوا له ، وهمس بعضهم لبعض بان العلم والسهر في "الف ليلة وليلة" لا يجتمعان.

      وكان حظ الغلام في النحو خيراً من حظه في الفقه ، فقد سمع القطر والشذور على الشيخ عبد الله دراز رحمه الله ، فوجد من ظرف الاستاذ وصوته العذب وبراعته في النحو ومهارته في رياضة الطلاب على مشكلاته ما زاده في النحو حباً.

      لكن حظه في النحو لم يلبث ان ساء حين استؤنفت الدراسة في العام الجديد . فقد اخذ الغلام يسمع على الشيخ عبد الله دراز شرح ابن عقيل ,. وبينما الاستاذ وطلابه ماضون في درسهم ، راضون عن عملهم ، صدر الامر الى الاستاذ بالانتقال الى معهد الاسكندرية . فمانع في ذلك ما استطاع ، ومانع طلابه ما استطاعوا ، ولكن المشيخة لم تسمع له ولا لهم . فلم يجد بداً من انفاذ الامر . ولم ينس الغلام ذلك اليوم الذي ودع الاستاذ فيه طلاببه ، وانه ليبكي مخلصاً ، وانهم ليبكون مخلصين ويشيعونه باكين الى باب المسجد.

      ثم اقيم مقام الشيخ، شيخ آخر ضرير ، وكان مشهوراُ بالذكاء الحاد والتفوق الظاهر والنبوغ الممتاز ، وكان لا يذكر الا اثنى عليه ذاكروه والسامعون لذكره بهذه الخصال . اقبل هذا الشيخ ، فاخذ الدرس من حيث تركه الشيخ عبد الله دراز . وكانت حلقة الشيخ عند الله دراز عظيمة تملا رقعتها القبة من مسجد محمد بك ابي الذهب. فلما خلفه هذا الشيخ ازدادت هذه الحلقة ضخامة واتساعاً حتى اكتظ بها المكان . القي الشيخ درسه الاول فرضي عنه الطلاب ، ولكنهم لم يجدوا عنده وداعة استاذهم القديم ولا عذوبة صوته . ثم القى درسه الثاني والثالث ، واذا الطلاب ينكرون منه رضاه عن نفسه واعجابه بها ، وثقته بما كان يقول ، وغضبه الحاد على مقاطعيه .

      ولم يكد يتقدم في درسه الرابع حتى كانت بينه وبين صاحبنا قصة صرفت الغلام عن النحو صرفاً . كان الشيخ يفسر قول تأبط شراً:

      فابتُ الى فهم وما كدت آثبا وكم مثلها فارقته وهي تصفر

      فلما وصل الى قرله "تصفر" اقل : ان العرب كانت اذا اشتدت على احدهم ازمة او محنة وضعوا اصابعهم في افواههم ونفخوا فيها ، فكان لها صفير يسمع .

      قال الغلام للشيخ : واذن فما مرجع الضمير في قوله "وهي تصفر" وفي قوله"وكم مثلها فارقتها؟" قال الشيخ مرجعه "فهم" ايها الغبي. قال الغلام: فانه قد عاد الى فهم والبيت لا يستقيم على هذا التفسير. قال الشيخ : فانك وقح وقد كان يكفي ان تكون غبياً . قال الغلام : ولكن هذا لا يدل على مرجع الضمير. فسكت الشيخ لحظة ثم قال: "انصرفوا ، فلن استطيع ان اقرأ وفيكم هذا الوقح."

      ونهض الشيخ ، وقام الغلام ، وقد كاد الطلاب يبطشون به لولا ان حماه زملاؤه.

      ولم يعد الغلام الى درس النحو ، بل لم يحضر الغلام بعد ذلك درساً في النحو ، بل ذهب من غده الى درس كان يلقيه استاذ معروف من اهل الشرقية . وكان يقرأ شرح الاشموني ، ولكنه لم يتم الاستماع للدرس. مضى الشيخ يقرأ ويفسر ، وسأله الغلام في بعض الشيئ ، فرد عليه الشيخ بما لم يقنعه . فاعاد السؤال ، فغضب الشيخ وامره بالانصراف. فتوسط بعض اصدقائه عند الشيخ يستعطفونه ، فازداد غضب الشيخ وابى ان يمضي في الدرس ختى يقوم هذا الغلام ومعه اصدقائه ,. ولم يكن لهم بد من ان ينصرفوا.

      وذهب الغلام من غده مع اصحابه الى حلقة اخرى كان يُقرا فيها شرح الاشموني ، يقرؤه استاذ مشهور من اساتذة الشرقية ايضاً . فوقف الغلام على الحلقة لحظة لا تتجاوز الدقائق الخمس ، ولكنه سمع فيها هذه اللزمة يعيدها الشيخ كلما انتقل من جملة الى جملة "اخص على بلدي". فضحك الغلام وضحك اصدقاؤه وانصرفوا . وازمع الغلام وصديق له ان يدرسا النحو مستقلين ، وان يدرساه في مصادره الاولى ، فقرآ كتاب المفصل للزمخشري ، ثم كتاب سيبويه ، ولكن هذه قصة اخرى.

      ولم يكن حظه في المنطق خيراً من حظه في الفقه والنحو . لقد احب المنطق حباً شديداً حين كان يسمع شرح السيد على ايساغوجي من استاذه ذلك الشاب في العام الماضي. فاما في هذا العام فقد جلس لامثاله من اوساط الطلاب علم من اعلام الازهر الشريف ، وامام من ائمة المنطق والفلسفة فيه ، وكان معروفاً بين كبار الطلاب بهذا الذكاء الظاهر الذي يخدع ولا يغني شيئاً ، وكان معروفاً بهذه الفصاحة التي تبهر الاذن ولا تبلغ العقل . وكان يؤثر عنه انه كان يقول "مما من الله علي به اني استطيع ان اتكلم ساعتين فلا يفهم احد عني شيئاً ولا افهم انا عن نفسي شيئاً . " كان يرى ذلك مزية وفخراً . ولكن لم يكن بد للطالب الذي يقدر نفسه من ان يجلس اليه ويسمع منه . وقد جلس للطلاب بعد صلاة المغرب يقرأ لهم شرح الخبيصي على تهذيب المنطق . وذهب اليه صاحبنا وسمع منه درساً ودرساً ، وكانت حلقته عظيمة حقاً تكتظ بها القبة في جامع محمد بك . وكان الغلام يسبق صلاة المغرب فيجلس في اقرب مكان من كرسي الاستاذ . وكان الاستاذ جهوري الصوت قد احتفظ بلهجة الصعيد كاملة . وكان شديد النشاط كثير الحركة . وكان اذا ساله طالب رد عليه ساخراً منه ، فان الح الطالب في السؤال ثار هو به وجعل يقول له في حدة : "اسكت ياخاسر ، اسكت ياخنزير!" وكان يفخم الخاء في الكلمتين الى اقصى ما يستطيع فيه ان يبلغ من التفخيم .

      وقد استقام للشيخ وللطلاب امرهم حتى اتمموا قسم التصورات . فلما بلغوا في كتابهم المقصد الثاني في التقصديقات لقى الغلام من نفسه ومن شيخه بلاء عظيماً ، فاضطر الى ان يختار له من الغد مكاناً بعيداً عن الشيخ ، وما زال يتاخر يوماً بعد يوم في مجلسه حتى بلغ باب القبة ، فحرج منه ذات ليلو ، ولم يدخله بعد ذلك.

      لقى الغلام بلاء من نفسه لم يذكره قط الا ضحك منه ضحكاً شديداً ، واضحك منه اخاه واصدقائه جميعاً . فقد جلس الشيخ على كرسيه واخذ في القراءة ، فقال : "المقصد الثاني في التصديقات" يقلقل القاف ويفخم الصاد ، ويمد الالفات والياءات مداً متوسطاً ، ثم يعيد هذه الكلمات نفسها فيقلقل القاف ويفخم الصاد ويطيل مد الالف والياء في الثاني ، ولكنه لا يقول " في التصديقات" وانما يقول "في مين؟" فلا يرد عليه احد . فيرد على نفسه ويقول "في التصديقات" ثم يعيد الكلمة نفسها على هذا النحو نفسه ، فاذا انتهى الى قوله "في مين" ولم يرد عليه احد ، ضرب بظهر يده في جبهة الغلام وهو يقول : "ردوا ياغنم ، ردوا يابهائم ، ردوا ياخنازير!". يفخم الغين والخاء الى اقصى ما يستطيع فمه ان يبلغ من التفخيم ، فيقول الطلاب جميعاً : "في التصديقات."

      لقى الغلام من نفسه عناء شديداً ، فقد كان هذا كله خليقاً ان يضحكه ، وكان يخاف ان يضحك بين يدي الاستاذ . ولقى من شيخه بلاءاً عظيماً بهذه الضربات التي كانت تتوالى على جبهته بين حين وحين. ومهما يكن من شيء فقد تحول الغلام عن هذا الدرس ولم يتجاوز بالمنظق عند هذا الشيخ باب القضايا .

      تحول عن هذا الدرس في اثناء العام ، وقرر ان يحضر مكانه درساً في التوحيد كان يلقيه شيخ جديد حديث الظفر بدرجة العالمية . وكان اصدقاؤه من كبار الطلاب يذكرونه بالظرف الشديد والذكاء المتوسط وحلاوة الصوت وحسن الالقاء ، ويقولون: ان علمه يخدع من حدثه او سمع عنه ، فاذا تعمقه لم يجد عنده شيئاً . وكان يقرأ شرح الخريدة ومتنها للدردير. فسمع الغلام منه درساً واعجب بصوته والقائه وظرفه ، وجعل ينتظر ان يعجب بعلمه وفنقلته . ولكن الشيخ صُرف عن الدرس لانه نقل من القاهرة وارسل الى مكان بعيد تولى فيه منصب القضاء ، فلم يتح للغلام ان يعلم علمه ، ولا ان يقضي في امره بشيء الا انه كان لبقاً ظريفاً حلو الصوت عذب الحديث .

      واذاً فقد ضاعت السنة في حقيقة الامر على الغلام ، ولم يحصل فيها من العلم شيئاً جديداً ، الا ما كان يقرؤه في الكتب ويسمعه من اولئك الطلاب الكبار وهم يطالعون او يتناظرون .

      فلما عاد الى الازهر عاد اليه ضيق النفس به ، شديد الزهد فيه ، حائراً في امره لا يدري ماذا يصنع : لا يستطيع ان يقيم في الريف ، وماذا يفعل في الريف ! ولا يجد نفعاً من اقامته في القاهرة واختلافه الى الشيوخ .
      مع تحياتي

      عصام زايد

      ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

      ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

      للاطلاع على كل ما هو جديد
      زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

      تعليق

      • دعاءالخليج
        عضو متميز
        • Oct 2004
        • 10404

        #4
        الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

        هلا بك استاذي الكريم عصام
        دوما تتحفنا بكل ماهو رائع
        اشكرك على المشاركة الاروع

        يسلمو كتير

        تعليق

        • promise22
          عضو متميز
          • Oct 2006
          • 5230

          #5
          الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
          مشكورة اختي دعاء على فتح هذا الباب
          وهذه مشاركة ونبذة صغيرة عن اديب شهد له الكثير
          بروعة اسلوبه وطريقة طرحه للقضايا



          مصطفى لطفي المنفلوطي

          هو مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي أديب مصري من أم تركية قام
          بالكثير من ترجمة و اقتباس بعض الروايات الغربية الشهيرة بأسلوب أدبي فذ و استخدام
          رائع للغة العربية . كتابيه النظرات و العبرات يعتبران من أبلغ ما كتب بالعربية في العصر الحديث

          ولد مصطفى لطفي المنفلوطي في منفلوط إحدى مدن محافظة أسيوط في سنة 1876م
          ونشأ في بيت كريم توارث اهله قضاء الشريعة ونقابة الصوفية قرابة مائتى عام ونهج المنفلوطى سبيل آبائه في الثقافةوالتحق بكتاب القرية كالعادة المتبعة في البلاد آنذاك فحفظ
          القرآن الكريم كله وهو دون الحادية عشرة ثم أرسله ابوه إلى الأزهر بالقاهرة تحت
          رعاية رفاق له من أهل بلده وقد اتيحت له فرصة الدراسة على يد الشيخ محمد عبده وبعد وفاه أستاذه رجع المنفلوطى إلى بلده حيث مكث عامين متفرغا لدراسة كتب الادب القديم
          فقرأ لابن المقفع و الجاحظ والمتنبي وأبى العلاء المعري وكون لنفسه أسلوبا خاصا يعتمد
          على شعوره وحساسية نفسه

          المنفلوطي من الأدباء الذين كان لطريقتهم الإنشائية أثر في الجيل الحاضر، كان يميل إلى
          مطالعة الكتب الأدبية كثيراً، ولزم الشيخ محمد عبده وسجن بسببه ستة أشهر لقصيدة
          قالها تعريضاً بالخديوي عباس حلمي وكان على خلاف مع محمد عبده، ونشر في جريدة
          المؤيد عدة مقالات تحت عنوان النظرات، وولي أعمالاً كتابية في وزارة المعارف
          ووزارة الحقانية وأمانة سر الجمعية التشريعية، وأخيراً في أمانة سر المجلس النيابي

          كان يميل في نظرياته إلى التشاؤم، فلا يرى في الحياة إلا بصفحاتها السوداء، فما الحياة
          بنظره إلا دموع وشقاء، وكتب قطعة (الأربعون) حين بلغ الأربعين من عامه، وقد تشائم
          فيها من هذا الموقف، وكأنه ينظر بعين الغيب إلى أجله القريب

          أصيب بشلل بسيط قبل وفاته بشهرين، فثقل لسانه منه عدة أيام، فأخفى نبأه عن أصدقائه
          ولم يجاهر بألمه، ولم يدع طبيباً لعيادته، لأنه كان لا يثق بالأطباء، ورأيه فيهم أنهم جميعاً
          لا يصيبون نوع المرض، ولا يتقنون وصف الدواء، ولعل ذلك كان السبب في عدم
          إسعاف التسمم البولي الذي أصيب به قبل استفحاله. فقد كان قبل إصابته بثلاثة ايام في
          صحة تامة لا يشكو مرضاً ولا يتململ من ألم

          وفي ليلة الجمعة السابقة لوفاته، كان يأنس في منزله إلى إخوانه ويسامرهم ويسامروه
          وكان يفد إليه بعض أخصائه وأصدقائه من الأدباء والموسيقيين والسياسيين، حتى إذا قضى
          سهرته معهم انصرفوا إلى بيوتهم ومخادعهم، وانصرف هو إلى مكتبه فيبدأ عمله الأدبي في الساعة الواحدة بعد نصف الليل
          وفي الساعة الثانية عشرة من تلك الليلة انصرف أصدقاؤه كعادتهم وانصرف هو إلى مكتبه
          ولكنه ما كاد يمكث طويلاً حتى أحس بتعب أعصابه وشعر بضيق في تنفسه، فأوى إلى فراشه ونام
          ولكن ضيق التنفس أرقه. كتب عليه أن يختم بالتأوه والأنين، كما عاش متأوهاً من مآسي
          الحياة ساجعاً بالأنين والزفرات، وأدار وجهه إلى الحائط وكان صبح عيد الأضحى قد
          أشرقت شمسه ودبت اليقظة في الأحياء، فدب الموت في جسمه في سكون وارتفعت روحه مطمئنة إلى السماء بعدما عانت آلامها على الأرض سنة 1924 م وتوفي
          المنفلوطي في اليوم الذي أصيب فيه زعيم الشعب سعد زغلول فلم يحفل به كثير من
          الناس لهول حادثة إصابة سعد زغلول إلا أن محبيه بعدما إطمأنو على سعد زغلول
          توجهوا له بعد وفاته وذكروا مآثره التي تركها بين الناس

          للمنفلوطى أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأى وتدابر حولها القول وقد بدأت أعمال
          المنفلوطى تتبدى للناس من خلال ماكان ينشره في بعض المجلات الإقليمية كمجلة الفلاح
          والهلال والجامعة والعمدة وغيرها ثم انتقل إلى أكبر الصحف وهى المؤيد وكتب مقالات
          بعنوان نظرات جمعت في كتاب تحت نفس الاسم على ثلاثة أجزاء

          ومن أهم كتبه ورواياته

          النظرات (ثلاثة مجلدات)
          العبرات
          الفضيلة . وهي مترجمة أيضا
          الشاعر (ترجمة للرواية الفرنسية لبلزاك)
          مختارات المنفلوطي
          ماجدولين
          في سبيل التاج
          وتتميز كتابته بصدق العاطفة في آرائه واندفاعه الشديد من أجل المجتمع، وقد استطاع أن
          ينقذ أسلوبه النثري من الزين اللفظية والزخارف البديعية، ولكن عيب عليه ترادفه وتنميقه
          الكثير، واعتناؤه بالأسلوب المصنوع دون المعنى العميق كما وصفها البعض!!

          رسالة من مصطفى لطفي المنفلوطي إلى أبطال الإسلام في العراق

          أبطال ( العراق ) ..
          و ليوث ( الرافدين ) ..
          وحماة الثغور وذادة المعاقل والحصون ..
          صبرا قليلا في مجال الموت ، فهاهي نجمة النصر تلمع في آفاق السماء ، فاستنيروا بنورها ، واهتدوا بهديها حتى يفتح الله عليكم .
          إن الله وعدكم النصر ، ووعدتموه الصبر ، فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده .
          لا تحدثوا أنفسكم بالفرار ، فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عرض لا يجد له حاميا
          وشرف لا يجد له ذائدا ، ودين يشكوا إلى الله قوما أضاعوه ، وأنصارا خذلوه

          إنكم لا تحاربون رجالا أشداء ، بل أشباحا تتراءى في ظلال الأساطيل ، وخيالات تلوذ
          بأكناف الأسوار والجدران ، فاحملوا عليها حملة صادقة تطير بما بقي من ألبابها ، فلا
          يجدون لبنادقهم كفا ، ولا لأسيافهم ساعدا

          إنهم يطلبون الحياة ، وانتم تطلبون الموت ، ويطلبون القوت ، وتطلبون الشرف ، ويطلبون
          غنيمة يملأون بها فراغ بطونهم ، وتطلبون جنة عرضها السموات والأرض ، فلا
          تجزعوا من لقائهم ، فالموت لا يكون مر المذاق في أفواه المؤمنين

          إنكم تعتمدون على الله ، وتثقون بعدله ورحمته ، فتقدموا إلى الموت غير شاكين ولا
          مرتابين ، فما كان الله ليخذلكم ، ويكلكم إلى أنفسكم ، وأنتم من القوم الصادقين

          إن هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل غدا إلى شهب نارية حمراء
          تهوي فوق رؤوس أعدائكم فتحرقهم ، وان هذه الأنات المتصاعدة من صدوركم ليست إلا
          أنفاس الدماء صاعدة إلى إله السماء أن يأخذ لكم بحقكم ويعديكم على عدوكم ، والله سميع الدعاء .
          إن أعداءكم قتلوا أطفالكم ، وبقروا بطون نسائكم ، وأخذوا بلحى شيوخكم الأجلاء فساقوهم
          إلى حفائر الموت سوقا ، فما ذا تنتظرون بأنفسكم ؟
          اجلبوا عليهم بخيلكم ورجلكم، واصدقوا حملتكم عليهم ، وجعجعوا بهم ، واقتلوهم حيث
          ثقفتموهم ، واطلبوهم بكل سبيل ، وفوق كل أرض ، وتحت كل سماء ، وأزعجوهم حتى
          عن طعامهم وشرابهم ، ويقظتهم ومنامهم ، فما أعذب الموت في سبيل تنغيص الظالمين !

          احفروا لأنفسكم بسيوفكم قبورا ، فالقبر الذي يحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر النار
          لا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين ، ولا الواسطة بين الطرفين ، ولا العيش الذي هو الموت
          أشبه منه بالحياة ، بل اطلبوا إما الحياة أبدا ، وإما الموت أبدا .
          غدا ينتهك أعداؤكم حرمة أرضكم ودياركم ، ويملكون عليكم نسائكم وأولادكم ، ويطأون
          يحوافر خيولهم مساجدكم ومعابدكم ، وينظمون في ثقوب أنافكم مقاود يقودونكم بها إلى
          مواقف الذل والهوان كما تقاد الإبل المخشومة إلى معاطنها ، فافتدوا أنفسكم من هذا
          المصير المهين بجولة تجولونها في سبيل الله ثم تموتون موت الجبان في حياته ، وحياة
          الشجاع في موته ، فموتوا لتعيشوا ، فو الله ما عاش ذليل ولا مات كريم .
          إن هذه الأساطيل الرابضة على شواطئكم ، والمدافع الفاغرة أفواهها إليكم ، والبنادق
          المسددة إلى صدوركم ونحوركم ، لا يمكن أن يتألف منها سور منيع يعترض سبيلكم في
          رحلتكم من هذه الدار إلى تلك الدار ، فسيروا في طريقكم إلى آخرتكم ، فإن الأعداء إن
          ملكوا عليكم طريق الحياة لا يملكون عليكم طريق الموت

          المستميت لا يموت ، والمستقتل لا يقتل ، ومن يهلك في الإدبار أكثر ممن يهلك في الإقدام
          فإن كنتم لا بد تطلبون الحياة فانتزعوها من بين ماضغي الموت
          إن كتاب التاريخ قد علقوا أقلامهم بين أناملهم ، ووضعوا صحائفهم بين أيديهم ، وانتظروا
          ما تملون عليهم من حسنات أو سيئات ، فأملوا عليهم من أعمالكم ما يترك في نفوسهم
          مثل ذلك الأثر الذي تركته في نفوسكم تلك الصحائف البيضاء التي سجلها التاريخ لأولئك
          الأبطال العظام
          موتوا اليوم أعزاء قبل أن تموتوا غدا أذلاء .. !
          موتوا قبل أن تطلبوا الموت فيعوزكم ، وتنشدوه فيعجزكم.. !
          موتوا اليوم شهداء في ساحة الحرب ، تكفنكم ثيابكم ، وتغسلكم دماؤكم ، وتصلي عليكم
          ملائكة الرحمن قبل أن يسبق قضاء الله إليكم فيموت أحدكم فلا يجد بجانبه مسلما يصلي
          عليه صلاة الجنازة ثم يمشي وراء نعشه إلى قبره حتى يودعه حفرته ، ويخلي بينه وبين ربه .
          إن الشيخين أبا بكر وعمر ، والفارسين خالدا وعليا ، والأسدين حمزة والزبير ، والفاتحين
          سعدا وأبا عبيدة ، والبطلين طارق بن زياد وعقبة بن نافع وجميع حماة الإسلام وذادته من
          السابقين الأولين والمهاجرين الصابرين ، يشرفون عليكم اليوم من علياء السماء ، لينظروا
          ما ذا تصنعون بميراثهم الذي تركوه في أيديكم ، فامضوا لسبيلكم ، واهتكوا بأسيافكم
          حجاب الموت القائم بينكم وبينهم ، وقولوا لهم إنا بكم لاحقون ، وإنا على آثاركم
          لمهتدون
          إن هذا اليوم له ما بعده ، فلا تسلموا أعناقكم إلى أعدائكم ، فإنكم إن فعلتم فلن يعبد الله بعد
          اليوم على ظهر الأرض أبدا


          تقبلي مروري وتقديري
          والشكر موصول لكل رواد هذه الصفحة
          اختك برومــِـس
          .
          .
          .
          اللهم انصر اخواننا المسلمين في كل مكان
          (اصلح نفسك , تصلح اسرتك,يصلح مجتمعك )

          تعليق

          • دعاءالخليج
            عضو متميز
            • Oct 2004
            • 10404

            #6
            الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

            هلا بروميس
            كيفك ياقلب
            اشكرك على الاضافة الرائعة

            ننتظر مزيد من هطول الاعضاء الاكارم


            يسلمو كتير

            تعليق

            • دعاءالخليج
              عضو متميز
              • Oct 2004
              • 10404

              #7
              الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

              نجيب محفوظ


              من منا لا يعرف غطرسة وازدواجية سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ او ''ثرثرة فوق النيل'' او ''اللص والكلاب'' ،و''قشتمر''تلك الرواية الصغيرة التي تضج بالحب الجارف بالحياة. وهكذا كان محفوظ عاشقا للحياة والحكمة ،يتجلى ذلك في وصف الاديب جمال الغيطاني الذي جالسه ردحا طويلا من الزمان''لم اعرف الحكمة مجسدة الا من خلال نجيب محفوظ''
              ويجمع الأديب الصحفى جمال الغيطانى في ''المجالس المحفوظية'' حوارات لم تنشر ولم تنقل من قبل على لسان نجيب محفوظ ، فهى فى الأصل حوارات كانت تجرى بينهم خلال مجالسهم الأدبية فى مقاهيهم المعهوده على ضفاف النيل او في مقاهي مصر الفاطمية وأحيائها العريقة.

              الغيطاني فـي حضرة محفوظ

              ولم يرد الغيطاني ان يستأثر بهذه الحوارات لنفسه او يدفنها فى أدراج مكتبه ،فينساها الزمان، بل آثر ان يشارك القراء بها ويضعها بين أيدينا كنزا ثمينا من خلاص الحوارات الأدبية الراقية الغنية فى المجالس المحفوظيه.
              يروي الغيطاني في مجالسه -التي حضرها ايضا يوسف القعيد ومحمد السلماوي-عن أول لقاء جمعه بمحفوظ عام 1959 ولم يتجاوز عمره الخمسة عشرة عاما حين تقدم إلى محفوظ وعرفه بنفسه، فرحب به ودعاه إلى جلسة في المقهى ثم توطدت علاقتهما حتى صار من أقرب الناس إليه وظل كذلك وشاء القدر أن يكون آخر من قام بزيارته واللقاء به وكان ذلك، في المستشفى إذ وجده في غرفة العناية المركزة.
              المجالس رحله جميلة في عالم محفوظ الذي أحب وعاش وتكلم عنه، عالم المقاهي والحواري والأزقه وشخصيات رواياته التي عاشت فيه بطريقة او بأخرى وأثرت به ، وتأثر بها.
              وينقل الغيطاني عن محفوظ في ''المجالس'' مؤرخا لسيرته وحواراته ''
              ''يمكن تلخيص جوهر محفوظ في كلمتين (الارادة المحفوظية)، فلم اعرف ارادة قوية مثله، يتحدى الالم والمرض والعجز وضعف الحواس، هذا التحدي هو استمرار الكتابة التي تعني له استمرار الحياة ذاتها''..من مقدمة المجالس للغيطاني
              شيخ الرواية كان عاشقا للحياة. يجيب على تساؤلات الغيطاني بقوله ''انت تعرفني، انني رحب الصدر، لا احمل ضغينة، اولئك الذين احببتهم ما زالوا معي اما الذين لم اتقبلهم فلا اتذكرهم''
              لكن رحابة صدر محفوظ لم تشفع له، واولئك الذين لم يتذكرهم كانوا له بالمرصاد، فكان بانتظاره من يحمل الضغينة والسكين ويلوي عنق ''اولاد حارتنا '' لاسكات الكهل الذي لم يتوقف رغم اصابته التي حدت من قدرته على استخدام يده في الكتابة، وتدهور بصره وقدرته على السمع، فابدع ''اصداء السيرة الذاتية'' و''احلام فترة النقاهة'' فكانتا لحنا جنائزيا حزينا واخيرا ودع بهما محفوظ الحارات التي عشقها.

              البدايات والوظيفة

              محفوظ الذي ولد في عالم الحارات عام1911م بحيّ الجمالية في منطقة الحسين بمدينة القاهرة الفاطمية، كانت اسرته تقطن مدينة رشيد الواقعة على ساحل المتوسط قبل ان ينتقل الى القاهرة وينهل من أمه الامية التي لم تعرف القراءة والكتابة، لكنها عرفت حارات مصر وجالت به بين كنائسها ومتاحفها.
              ويصف نجيب والدته للغيطاني بأنها كانت ''مخزنا للثقافة الشعبية.. وكانت تعشق سيدنا الحسين وتزوره باستمرار(...)وكانت دائمة التردد على المتحف المصري، وتحب قضاء أغلب الوقت في حجرة المومياوات (و) كانت بنفس الحماس تذهب لزيارة الآثار القبطية خاصة دير ''مار جرجس''.. وكنت عندما أسألها عن حبها للحسين و''مار جرجس'' في نفس الوقت تقول ''كلهم بركة'' وتعتبرهم سلسلة واحدة''
              من أمه -اذن- استمد شيخ الرواية تسامحه الجميل فلم يعرف التعصب، وفهم روح الإسلام الحقيقية.
              وسبر التسامح مرة حين درس الفلسفة في جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) ليتخرج منها عام 1934ويتدرج في عدد من الوظائف الحكومية.
              يسأله الغيطاني ''لو رجع الزمان بك ومعك اموال نوبل هل ستختار الوظيفة ايضا؟''.
              ''طبعا لا..مستحيل ان اسلك طريق الوظيفة''.

              اولاد حارتنا..والجدل

              وصعد نجم محفوظ بعد كتابة روايته الشهيرة ''أولاد حارتنا'' التي نشرت عام 1959 م والتي منعت وأهدر دمه بسبب جدل رمزية الرواية التي فسرها البعض بأنها تعبر عن موقف رافض للإيمان، وهو ما رفضه محفوظ.
              وكان محفوظ أديبا ليبراليا، ومناصرا لحقوق المرأة، واثارت مواقفه السياسية من قضية السلام جدلا واسعا بين المفكرين والادباء في ذلك الوقت.
              ويقول للغيطاني ''لا مهرب من الحياة العامة، الاديب ليس منعزلا..انه مواطن'' .

              الاستحقاق

              والزمن وحده كفيل بالكشف عن كنوز رحلة محفوظ ، فقد كان مدافعا عن قضايا الانسان، وعولم الحارة المصرية بمكوناتها وتفاصيلها في آن، ودفع استحقاق الادب وارتباطه بالسياسة مرات عدة ، كما يشير في حواراته مع الغيطاني حيث يروي محفوظ قصته مع المشير عبد الحكيم عامر،الذي قال ''الجدع ده زودها قوي ولازم يتربى'' بعد الضجة التي اثارتها ثرثرته ''فوق النيل'' .

              يقول الغيطاني ..

              لم أعرف الحكمة مجسدة الا من خلال نجيب محفوظ، خلال السنوات الاخيرة في عمره، كان يهل علينا في موعده، السادسة تماما، يتبعه حارسه الخاص، هو الذي أمضى عمره كله ساعيا في الشوارع والأسواق، والمقاهي، غير ان الأمر تبدل منذ عام اربعة وتسعين من القرن الماضي، بعد حادث الاعتداء البشع، غير ان هذا الحادث كشف لنا عن نجيب محفوظ. كنا رغم الرفقة نستشعر وجوده وندرك معناه، لكننا رأيناه منذ ذلك الحين مجسدا، يمكن تلخيص جوهره في كلمتين: ''الارادة المحفوظية''. لم أعرف ارادة قوية مثله، تتحدى الألم والمرض والعجز وضعف الحواس، هذا التحدي هدفه استمرار الكتابة التي تعني بالنسبة له الحياة ذاتها.
              مع دنوه من بداية العام الثالث والتسعين كنت راغبا في محاورته، رغم اننا في حوار دائم، ولكنني أعني طرح أسئلة محددة لأطلع القراء على ما يفكر فيه، على رؤاه للعالم من هذا الموقع الزمني والمكاني، خلال السنوات الأخيرة أحرص على خصوصية العلاقة، ان أنأى بها بعيدا عن أي مظهر إعلامي خاصة.
              عندما يتمكن من الاصغاء الى السؤال فانه يجيب بوسيلتين، اما بسرعة خاطفة او ينتظر قليلا، مدة قد تطول او تقصر، وأحيانا نتصور انه لا يريد الاجابة، غير انه يفاجئنا بعد مدة، وفي كلتا الحالتين ينطق بالحكمة، وأحيانا نتصور انه قال كل ما عنده، غير انه بعد فترة يعود الى ما سألناه عنه، فنعرف على الفور ان ذهنه كان مشغولا بما سألناه عنه.

              محفوظ ..الانسان المعزول

              في البداية استفسرت منه عن جملة قالها تعليقا على بعض الأحداث المنطلقة من الرؤية السياسية على الأدب وليس من خلال رؤية أدبية، ثم قال: ربما يكون رأيي هذا غير مطلق، ولكنني أفكر في رفض صنع الله لجائزة الرواية، لقد كان موقفا سياسيا، وكان انفعال الناس بالموقف من منطلق سياسي ايضا، لكن لم يتوقف أحد ليتناوله كأديب. اسأله عن رأيه في موقف صنع الله ابراهيم. يقول انه اعجب بالموقف في حد ذاته، ان يقدم أديب على رفض مائة الف جنيه انطلاقا من رؤيته فهذه قيمة تستحق التقدير وقدوة، اما البيان الذي ألقاه وبرر به أسباب الرفض فيمكن ان نتفق او نختلف معه كل حسب رؤيته، بالنسبة لي فانني أقدر الرفض من أجل موقف.
              استفسر منه عن أحوال الحياة الأدبية بالنسبة لما يصله منها.
              يقول : لا تنس انك تتحدث الى انسان معزول، لا استطيع متابعة ما يصدر.
              أجادله : هل انت بمفردك المعزول.
              يستفسر عما أقصده.

              رحلة المداد لسبعة عقود

              أقول ان اعمالا أدبية كثيرة، بعضها جيد، تصدر ويلفها صمت كثيف، ومنها ما يسقط في النسيان لعدم وجود حركة نقدية. كيف ترى الحركة الأدبية عبر سبعة عقود تمارس فيها الكتابة بدون انقطاع؟
              يقول : لا شك ان التوازن بين الابداع الأدبي والنقد أثمر حركة نشطة وصحية شهدت أجيالا متتالية، لكنني أتفق معك في ان غياب النقد الأدبي لأسباب كثيرة كان له تأثير أدبي، أعتقد ان جيلنا كان اكثر حظا، وجيلكم أنتم محظوظ ايضا، لكن ما أفكر فيه هو الكتّاب الجدد الذين يعانون الاهمال النقدي والاعلامي.
              سألته : كيف ترى رحلتك مع الأدب؟ قال : كانت شاقة جدا ومثمرة، وتلقيت جزائي..
              سألته : أي نوع من الجزاء بالسلب أم بالايجاب؟ قال على الفور : بالايجاب طبعا.
              سألت : هل تعتقد ان الوظيفة عطلتك أم أفادتك؟ قال : عطلتني وأفادتني.

              الوظيفة اعانتني على مواجهة الحياة

              سألت : كيف؟ قال : طبعا أخذت الكثير من وقتي، وقت كان ممكنا ان اخصصه للأدب، لكن من ناحية اخرى أتاحت لي فرصة التعرف على مواقف ونماذج بشرية عديدة كان لها أثر فيما كتبت كما انها أعانتني على مواجهة الحياة.
              قلت : أذكر عند بلوغك سن المعاش في بداية السبعينات انك كنت مبتهجا وسعيدا، وأنك قلت لي انه بامكانك المشي كما تريد بدون التقيد بمواعيد حضور وانصراف، وان لديك العديد من المشاريع سوف تتفرغ لكتابتها، الحرافيش كتبت بعد المعاش، لو افترضنا انك عدت مع الزمن، او عاد بك الزمن وأنت معك ظروف مادية ميسورة توفرت بعد جائزة نوبل، بمعنى لو رجع الزمن ومعك اموال نوبل، هل ستختار الوظيفة ايضا؟ قال : طبعا لا ..
              مستحيل ان أسلك طريق الوظيفة، ما كنتش أستمر كموظف.
              سألت : هل الوظيفة عملت عندك نوعا من الازدواجية؟ يعني أنت كنت موظفا ملتزما جدا، ولعل سجل خدمتك أنظف سجل لموظف مصري، في نفس الوقت كنت تكتب ''فضيحة في القاهرة'' و''ثرثرة فوق النيل'' وتواجه الواقع في كتاباتك بشجاعة. قال : هذا طبيعي، الوظيفة وظيفة، والكتابة كتابة.

              شيوخ الشيخ ..

              سألت : الآن، هل تفكر في بعض الأدباء الكبار الذين عاصرتهم على المستوى الشخصي وكان بينك وبينهم علاقات؟ يجيب : لم تكن بيني وبين الأدباء الكبار في جيلي علاقات خاصة.
              قلت : ماذا عن سلامة موسى؟ قال : كانت علاقة احترام وتلمذة من جانبي، لكن لم تكن هناك علاقة شخصية؟
              قلت: وماذا عن طه حسين؟ قال: علاقة تلميذ بأستاذه.
              قلت: اذن من يحضر في ذاكرتك الآن أكثر.
              قال: الباقون في الذاكرة أنت تعرفهم، طه حسين والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى. سألت: لكنني لاحظت انك تعتز بتوفيق الحكيم أكثر، وعندما أهداك قلما في عيد ميلادك احتفظت به الى جانب الأوسمة والنياشين. قال: لأنه فنان.
              قلت: والآخرون؟.
              قال: منهم المفكر والفنان، ومنهم الفنان المفكر أو المفكر الخالص.

              لم أسع لعلاقة مع العقاد

              قلت: رغم احترامك العميق للعقاد فانك لم تسع الى اقامة علاقة به، وعندما رأيته في مكتبة الانجلو لم تستجب لرغبة مديرها في أن يعرفك به.
              قال: العقاد كان شخصية عظيمة، مفكرا، جريئا، قوي الارادة، لكنني لم أعرف الطريق الى ندوته الاسبوعية ولم أشعر برغبة في اقامة صلة شخصية.
              يكفي العلاقة الروحية.
              سألته: وماذا عن الذين لم تتقبلهم؟.
              هنا صمت قليلا. قلت مداعبا: الموظف اشتغل.
              قال: لا.. أبداً، انت تعرف انني رحب الصدر، ولا احمل ضغينة، أولئك الذين أحببتهم ما زالوا معي حتى الآن، المنفلوطي بالنسبة لي الآن هو المنفلوطي الذي أحببته وأنا صغير السن، أما أولئك الذين لم أتقبلهم فلا أتذكرهم.
              قلت: بعد تجربتك الطويلة في الأدب والمواقف العامة، هل ترى انه من الأفضل للأديب ان يعلن عن مواقفه في القضايا العامة مهما كلفه ذلك، أم يعبر عن هذه المواقف في أدبه؟. قال: لا مهرب من الحياة العامة، الاديب ليس منعزلا، انه مواطن، يعني لو ان له موقفا سياسيا سيعلن عنه، لو كان عضوا في حزب او ينتمي الى جماعة.

              الابداع لا يقبل الوقوف في منتصف المسافة

              قلت: اذن لنفترض شيئا آخر، لو ان اديبا رأى الفساد والخلل، هل يتصدى له بكتابة المقالات والنشاط العام، أم يدخر موقفه للكتابة الابداعية؟.
              قال: لو ظروفه تسمح باعلان موقفه من خلال المقال واتخاذ الموقف فعليه ألا يتأخر، وان يقول ما يتفق مع ضميره، يعني لو انه يعمل صحفيا مثلك فعليه ان يرفع الصوت بقدر الامكان. اذا لم يكن صحفيا وليس لديه منبر، فالادب الابداعي مجاله، على الاديب ان يتبع ضميره مهما كان الثمن، الابداع لا يقبل الوقوف في منتصف المسافة. بالنسبة لي انا تكلمت وكتبت.. قلت: بعد ان ظهرت رواية (فضيحة في القاهرة) أو ''القاهرة الجديدة'' كما أسماها الناشر، حُقق معك في وزارة الأوقاف عن مضمون الرواية، لكن من حسن الحظ ان المحقق كان شقيق الدكتور طه حسين، فترفق بك وطلب منك الكتابة في الحب، والابتعاد عن نقد المجتمع والموضوعات التي تجلب وجع الدماغ، ما تأثير ذلك عليك وقتئذ؟. قال ضاحكا: ما رأيك أنت؟.
              قلت: رأيي ان ذلك لم يؤثر فيك، وأنك في ابداعك لم تتهاون. هنا مال قليلا الى الامام وقال: بعد ان كتبت ''ثرثرة فوق النيل'' ونشرت في الاهرام مسلسلة وكان ذلك بفضل محمد حسنين هيكل، الحقيقة ان هيكل هو الذي اتاح الابداع الادبي الناقد للاوضاع في الستينات، هل تذكر بنك القلق والسلطان الحائر للحكيم؟.

              المشير تستفزهoثرثرة'a الشيخ

              قلت: نعم، واذكر ''اولاد حارتنا'' و''اللص والكلاب'' و''ميرامار'' و''الشحاذ'' وقصصك القصيرة التي كنا ننتظرها ونفسرها من خلال ما لا نستطيع ان نعلنه، اذكر قصة رائعة كتبتها بعد عودتك من اليمن، كنت تعارض فيها ارسال الجيش المصري الى اليمن.. قال: المشير عبدالحكيم عامر فيما نما الى علمي، بعد ان ابلغوه بمحتوى ''ثرثرة فوق النيل'' او ربما قرأها، قال: ''الجدع ده زودها قوي ولازم يتربى'' لقد أخذني احد معارف الدكتور حسن صبري الخولي الذي كان مقربا من جمال عبدالناصر..
              قلت: كان يشغل منصب ''الممثل الشخصي للرئيس جمال عبدالناصر..''.
              قال:نعم، نعم، أخبرني صديق مشترك من شلة العباسية ان قراراً كان قد صدر باعتقالي، وان تدخلاً جرى من الدكتور ثروت عكاشة عند عبدالناصر شخصياً، وتدخل عبدالناصر ليوقف الاجراء، كانت وجهة نظر ثروت عكاشة انه لا يليق البطش بروائي بسبب رواية ومن قبل من؟ من قبل عبدالناصر.. قلت: لكنك منعت من الكتابة في زمن انور السادات.. قال: نعم، عندما وقعنا على بيان عام اثنين وسبعين نؤيد فيه مظاهرات الطلبة وندعو الى حسم حالة اللاحرب واللاسلم، لقد فصل الرئيس الراحل اكثر من مائة كاتب وصحفي، انت كنت بينهم.

              استيقظت لاجد نفسي منحرفا

              قلت ضاحكاً:نعم.. لقد اطلقت عليها حادثة اربعة فبراير، لان القرار نشر في الصحف صباح الرابع من فبراير عام ثلاثة وسبعين، استيقظت من النور لأجد نفسي منحرفاً، كانت العناوين تقول ''اجراءات حاسمة ضد المنحرفين'' وانه تقرر فصلنا من عضوية الاتحاد الاشتراكي وبالتالي فصلنا من الدور الصحفية، الطريف انني لم اكن عضواً في الاتحاد الاشتراكي، ولا في أي حزب حكومي حتى الآن.. قال'' ولا أنا... قلت: لقد فصلوك مع توفيق الحكيم سراً، لم ينشر اسماكما في القائمة... قال: كانت نصيحة الدكتور كمال ابو المجد الذي كان يشغل منصب وزير الاعلام وقتئذ، وهو رجل زكي.
              قلت: جميع رواياتك وقصصك نشرت في الاهرام تحت رئاسة تحرير الاستاذ هيكل، لكن بعد مغادرته الاهرام، نشر لك روايتان خارج الاهرام:''الحب تحت المطر'' و''المرايا''، هل كان ذلك موقفاً من المرحوم يوسف السباعي ضدك.
              قال: لا.. كان ذلك رأي الدكتور لويس عوض باعتباره المستشار الثقافي للاهرام، اعترض على نشر ''المرايا'' فقام الاستاذ رجاء النقاش بنشرها في مجلة الاذاعة والتلفزيون، نشرها باحتفاء كبير، ورسم الشخصيات الفنان سيف وائلي. اعترض ايضاً على ''الحب تحت المطر'' وكانت مجلة الشباب حديثة الصدور وقتئذ ويرأس تحريرها المرحوم صلاح جلال، هكذا.. قلت: يبدو ان الدكتور لويس عوض لم يكن رأيه ايجابياً في ادبك.. هنا صمت نجيب محفوظ، وهذا صمت اعرفه جيداً عندما يفضل الا يفصح. بعد قليل قال ''الله يرحمه'' كنت قد نسيت ، فتساءلت ''من؟''، قال: الدكتور لويس عوض..'' عدت لأسأل: اذن انت رأيك ان الاديب يجب ان يقول رأيه في ظل انعدام قوى سياسية فاعلة.

              أقول فـي oوجهة نظرa كل ما يشغلني

              قال بحسم: طبعاً يجب ان يتكلم، ان يقول رأيه. بعد صمت قال: اعتقد ان ما اكتبه يوم الخميس من كل اسبوع في ''وجهة نظر'' اتاح لي ان اقول رأيي في كل ما يشغلني ويشغل الناس.. قلت: هذا صحيح، ولكنك في السبعينات عندما كنت تكتب صفحة كاملة بعنوان المفكرة اغضبت الحكومة.. لم تعجبهم اراؤك..
              او مأ لكنه لم يتكلم، هنا سألته: ''لماذا بدأت كتابة المقال بعد خروج الاستاذ هيكل من الاهرام عام اربعة وسبعين؟'' قال: شوف، الاستاذ هيكل لم يطلب مني ولا من توفيق الحكيم أي شيء، بالنسبة لي كنت انشر الرواية والقصة، لكن بعد ان جاء يوسف السباعي اجتمع بنا وقال انه ليس من المعقول ان نوجد في الاهرام والا نكتب مقالات، طلب منا ان نكتب، وخصص لكل منا يوماً تحت عنوان المفكرة. قلت:''شوف الروائي يعمل ايه في زمايله؟''. مرة اخرى يعلق قائلاً''آه'' ولم افهم ، هل الاه مقصود بها الموافقة ام يريد ان يخبرني انه سمع، ولأنني اعرف نغمات صوته، فأقول بالاحتمال الثاني. قلت: طبعاً كتابة مقال بهذا الحجم كان امراً مجهداً جداً.. قال:''طبعاً''. هنا آثرت الانتقال الى موضوع اخر.

              كنا كموظفين في نعيم

              قلت: استاذ نجيب، لقد عشت ثورة 1919 وانت صبي، وعشت الازمة العالمية الاقتصادية سنة 1929، وعشت توقيع المعاهدة عام 1936 والغاءها عام 1951، والحرب العالمية الثانية، وحرب 1948 وثورة 1952، وعدوان 1956، وحرب 1967، الان وانت تمعن النظر في كل ما مر من احداث بمصر، كيف ترى مصر الآن؟ بعد لحيظة صمت، قال بتأن بليغ: مصر الان في ازمة يا جمال، في ازمة شديدة، لا يمكن الحكم على المستقبل من خلال الحالة التي نمر بها الان. سكت لحظة ثم قال: ''الواحد بيحب يكون متفائلاً دائماً::'' سألته: هل مرت ظروف اصعب من تلك التي نمر بها الان؟ بعد لحظات قال: ''لا..
              الازمة الاقتصادية في بداية الثلاثينات كانت عنيفة، لكن لم نشعر بها نحن الموظفين، ولا سائر ابناء الشعب من الطبقة المتوسطة او الفقراء، التجار الكبار خاصة تجار القطن هم الذين تأثروا بها، اما نحن الموظفين فلم نشعر بها، المرتب اول الشهر كان ضمانة، وكان يكفي تماماً، كنا كموظفين في نعيم ، تخش في شيكوريل او شملا يستقبلوك بالاحضان، مع انك كموظف بتشتري بملاليم، بس اهه بتشتري، ما هو فيه مرتب ثابت. الان..
              الموظفون حالهم زي ما انت عارف، وكما الطبقة المتوسطة..''. قلت: عندما بلغت الخمسين في عام واحد وستين، اقام لك الاهرام حفلاً كبيراً، ودعا الاستاذ هيكل كبار شخصيات مصر ورموزها للاحتفال بك كنت في صدارة المشهد الثقافي ولاقيت التكريم على اعلى مستوى وانت دون الخمسين اذا قارنت وضعك ووضع ابناء جيلك بجيلنا الا ترى اننا تعرضنا لعملية تهميش.
              تساءل بدهشة وربما بمسحة سخرية: أنت متهمش؟
              قلت : حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي كان الوصف الذي يطلق علينا ''الادباء الشباب'' هذا وصف اطلق في منتصف الستينات ولم يتغير لمدة عشرين عاما. قال : انتم الآن الذين تمسكون بمقاليد الامور ومفاتيح الحياة الثقافية انت رئيس تحرير جريدة أدبية كبرى.
              قلت: هنا وضع دقيق بالنسبة لي انا رئيس تحرير كمهني وقد تعلمت منك ومن يحيى حقي الا استخدم المنبر الذي اشرف عليه للدعاية لشخصي كان هذا موقفك عندما توليت الرقابة على السينما ومؤسسة السينما وهكذا كان موقف يحيى حقي خلال رئاسة تحرير المجلة خلال عشر سنوات لم انشر الا عددا محدودا جدا من النصوص القصصية تعد على اصابع اليد الواحدة مستحيل نشر مقال عني او حتى خبر ان علاقتي بالمؤسسة التي اعمل بها تختلف عن علاقتك أنت الكتاب بالأهرام انا صحفي محترف ولست كاتبا متفرغا. قال: ولكن جيلكم يمسك الاجهزة الثقافية الآن.

              الدولة تمارس دورها فـي الثقافة من بعيد

              قلت: هذا حقيقي اذا اعتبرنا المجايلة هي السن ولكن المناخ الذي نعيشه مختلف، المؤسسة الثقافية بأجهزتها الآن يديرها ابناء الجيل.
              ولكنها ثقيلة الوطأة وفي مجتمع المفترض انه يأخذ بالاقتصاد الحر والحرية السياسية نجد المؤسسة الثقافية تتخذ مواقف من الادباء طبقا لولاءاتهم الولاء لوكيل وزارة وليس للنظام. قال: يبدو ان الثقافة الان اكثر حكومية ما تصفه الان تأثير الروح الوظيفية.
              قلت: لنأخذ الأمر بصورة اخرى. في النصف الاول من القرن الماضي ازدهرت الثقافة المصرية من خلال دور نشر خاصة، وجمعيات اهلية، وكان تدخل الدولة محدوداً جداً، على سبيل المثال كانت الادارة الثقافية في وزارة المعارف العمومية تشتري بعض النسخ من المجلات الثقافية كنوع من الدعم، وكانت العملية التعليمية جزءاً اساسياً من الحركة الثقافية. هل تفضل قيام واستمرار الثقافة من خلال مثل هذه الجهود أم الوضع القائم الان الذي تتدخل فيه الأجهزة الثقافية في ادق تفاصيل الواقع الثقافي، حيث تنفق الملايين على انشطة مظهرية لا تؤدي الى انتاج ثقافي حقيقي. قال: بالتأكيد أفضل الوضع الاول لان هذا يؤدي الى حياة ثقافية طبيعية تؤدي الى خلق مناخ حقيقي والى فرز الغث من السمين من الافضل ان تمارس الدولة دورها في الثقافة من بعيد.
              قلت: اضف الى ذلك تأثير الاعلام، الالحاح على نشر الاخبار عن بعض الادباء او الموظفين أهم من النتاج الثقافي او النشاط الثقافي. قال: يمكن للاعلام ان يكون مساندا للثقافة اذا ادير بسلامة نية ونزاهة، انه من العناصر الهامة في خلق المناخ السليم.
              بعد لحظات صمت سألته عن احوال الكتابة الآن.
              قال : الكتابة الان محصورة في الاحلام افكر في الحلم احفظه جيدا ثم اكتبه عمياني يعني من الذاكرة كتبت سبعة وتسعين حلما هكذا لكن الاحلام الثلاثة الاخيرة امليتها على الحاج صبري لأن يدي لم تعد تساعدني .
              قلت: انها المرة الاولى التي تملي فيها نصا على شخص اخر.
              قال: نعم.
              شعرت بأسى في صوته حاولت تغيير الموضوع، قلت: هل الاحلام مستمدة من احلامك فعلا ام متخيلة؟ قال: لا أحلام حقيقية، الحلم حل مكان الواقع.
              قلت: ولكن مادة الحلم هشة والانسان ينساها بسرعة.
              قال: أنا اكتب ما اتذكره تركيزي الآن على الاحلام استمد مادتي منها يظهر انا ''فوّلت'' على نفسي عندما كتبت ''رأيت فيما يرى النائم'' وجلجلت الضحكة المحفوظية الشهيرة عدت لأسأله: لكن عندك افكار كثيرة لم تكتب.
              قال: معظم المادة من الاحلام هذا ما اقدر عليه الان لا اقدر على اكثر من ذلك.
              قلت: لكن الأحلام القديمة في ''رأيت فيما يرى النائم'' ليست حقيقية.
              قال: بالضبط، انها تأليف. الكاتب/جميل حمد

              تعليق

              • عصام زايد
                مستشار ساندروز
                • Jul 2004
                • 10571

                #8
                الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                تحياتي اختي الغالية دعاء الخليج
                مشاركةبالموضوع
                الاديب الكبير عباس محمود العقاد

                تبوأ العقاد مكانة عالية في النهضة الأدبية الحديثة ندر من نافسه فيها، فهو يقف بين أعلامها، وكلهم هامات سامقة، علمًا شامخًا وقمة باذخة، يبدو لمن يقترب منه كالبحر العظيم من أي الجهات أتيته راعك اتساعه، وعمقه، أو كقمة الهرم الراسخ لا ترقى إليه إلا من قاعدته الواسعة، واجتمع له ما لم يجتمع لغيره من المواهب والملَكَات، فهو كاتب كبير، وشاعر لامع، وناقد بصير، ومؤرخ حصيف، ولغوي بصير، وسياسي حاذق، وصحفي نابه، ولم ينل منزلته الرفيعة بجاه أو سلطان، أو بدرجات، وشهادات، بل نالها بمواهبه المتعددة، وهمته العالية، ودأبه المتصل، عاش من قلمه وكتبه، وترفع عن الوظائف والمناصب لا كرها فيها، بل صونًا لحريته واعتزازًا بها، وخوفًا من أن تنازعه الوظائف عشقه للمعرفة.

                وحياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدءوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يُوهِنْ عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصًا له، وترهب في محراب العلم؛ فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.

                المولد والنشأة


                في مدينة أسوان بصعيد مصر، وُلِدَ عباس محمود العقاد في يوم الجمعة الموافق (29 من شوال 1306هـ= 28 من يونيو 1889)، ونشأ في أسرة كريمة، وتلقى تعليمه الابتدائي بمدرسة أسوان الأميرية، وحصل منها على الشهادة الابتدائية سنة (1321هـ= 1903م) وهو في الرابعة عشرة من عمره.

                وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني، وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة "المُسْتَطْرَف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"قصص ألف ليلة وليلة"، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والإفرنجية، وبدأ في نظم الشعر.

                ولم يكمل العقاد تعليمه بعد حصوله على الشهادة الابتدائية، بل عمل موظفًا في الحكومة بمدينة قنا سنة (1323هـ= 1905م) ثم نُقِلَ إلى الزقازيق سنة (1325هـ= 1907م) وعمل في القسم المالي بمديرية الشرقية، وفي هذه السنة توفي أبوه، فانتقل إلى القاهرة واستقر بها.



                الاشتغال بالصحافة

                ضاق العقاد بحياة الوظيفة وقيودها، ولم يكن له أمل في الحياة غير صناعة القلم، وهذه الصناعة ميدانها الصحافة، فاتجه إليها، وكان أول اتصاله بها في سنة (1325هـ= 1907م) حين عمل مع العلامة محمد فريد وجدي في جريدة الدستور اليومية التي كان يصدرها، وتحمل معه أعباء التحرير والترجمة والتصحيح من العدد الأول حتى العدد الأخير، فلم يكن معهما أحد يساعدهما في التحرير.

                وبعد توقف الجريدة عاد العقاد سنة (1331هـ= 1912م) إلى الوظيفة بديوان الأوقاف، لكنه ضاق بها، فتركها، واشترك في تحرير جريدة المؤيد التي كان يصدرها الشيخ علي يوسف، وسرعان ما اصطدم بسياسة الجريدة، التي كانت تؤيد الخديوي عباس حلمي، فتركها وعمل بالتدريس فترة مع الكاتب الكبير إبراهيم عبد القادر المازني، ثم عاد إلى الاشتغال بالصحافة في جريدة الأهالي سنة (1336هـ= 1917م) وكانت تَصْدُر بالإسكندرية، ثم تركها وعمل بجريدة الأهرام سنة (1338هـ= 1919م) واشتغل بالحركة الوطنية التي اشتغلت بعد ثورة 1919م، وصار من كُتَّابها الكبار مدافعًا عن حقوق الوطن في الحرية والاستقلال، وأصبح الكاتب الأول لحزب الوفد، المدافع عنه أمام خصومه من الأحزاب الأخرى، ودخل في معارك حامية مع منتقدي سعد زغلول زعيم الأمة حول سياسة المفاوضات مع الإنجليز بعد الثورة.

                وبعد فترة انتقل للعمل مع عبد القادر حمزة سنة (1342هـ= 1923م) في جريدة البلاغ، وارتبط اسمه بتلك الجريدة، وملحقها الأدبي الأسبوعي لسنوات طويلة، ولمع اسمه، وذاع صيته واُنْتخب عضوا بمجلس النواب، ولن يَنسى له التاريخ وقفته الشجاعة حين أراد الملك فؤاد إسقاط عبارتين من الدستور، تنص إحداهما على أن الأمة مصدر السلطات، والأخرى أن الوزارة مسئولة أمام البرلمان، فارتفع صوت العقاد من تحت قبة البرلمان على رؤوس الأشهاد من أعضائه قائلا: "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، وقد كلفته هذه الكلمة الشجاعة تسعة أشهر من السجن سنة (1349هـ= 1930م) بتهمة العيب في الذات الملكية.

                وظل العقاد منتميًا لحزب الوفد حتى اصطدم بسياسته تحت زعامة مصطفى النحاس باشا في سنة ( 1354هـ= 1935م) فانسحب من العمل السياسي، وبدأ نشاطُه الصحفي يقل بالتدريج وينتقل إلى مجال التأليف، وإن كانت مساهماته بالمقالات لم تنقطع إلى الصحف، فشارك في تحرير صحف روزاليوسف، والهلال، وأخبار اليوم، ومجلة الأزهر.

                مؤلفات العقاد



                عُرف العقاد منذ صغره بنهمه الشديد في القراءة، وإنفاقه الساعات الطوال في البحث والدرس، وقدرته الفائقة على الفهم والاستيعاب، وشملت قراءاته الأدب العربي والآداب العالمية فلم ينقطع يومًا عن الاتصال بهما، لا يحوله مانع عن قراءة عيونهما ومتابعة الجديد الذي يصدر منهما، وبلغ من شغفه بالقراءة أنه يطالع كتبًا كثيرة لا ينوي الكتابة في موضوعاتها حتى إن أديبًا زاره يومًا، فوجد على مكتبه بعض المجلدات في غرائز الحشرات وسلوكها، فسأله عنها، فأجابه بأنه يقرأ ذلك توسيعًا لنهمه وإدراكه، حتى ينفذ إلى بواطن الطبائع وأصولها الأولى، ويقيس عليها دنيا الناس والسياسة.

                وكتب العقاد عشرات الكتب في موضوعات مختلفة، فكتب في الأدب والتاريخ والاجتماع مثل: مطالعات في الكتب والحياة، ومراجعات في الأدب والفنون، وأشتات مجتمعة في اللغة والأدب، وساعات بين الكتب، وعقائد المفكرين في القرن العشرين، وجحا الضاحك المضحك، وبين الكتب والناس، والفصول، واليد القوية في مصر.

                ووضع في الدراسات النقدية واللغوية مؤلفات كثيرة، أشهرها كتاب "الديوان في النقد والأدب" بالاشتراك مع المازني، وأصبح اسم الكتاب عنوانًا على مدرسة شعرية عُرفت بمدرسة الديوان، وكتاب "ابن الرومي حياته من شعره"، وشعراء مصر وبيئاتهم في الجيل الماضي، ورجعة أبي العلاء، وأبو نواس الحسن بن هانئ، واللغة الشاعرية، والتعريف بشكسبير.

                وله في السياسة عدة كتب يأتي في مقدمتها: "الحكم المطلق في القرن العشرين"، و"هتلر في الميزان"، وأفيون الشعوب"، و"فلاسفة الحكم في العصر الحديث"، و"الشيوعية والإسلام"، و"النازية والأديان"، و"لا شيوعية ولا *******".

                وهو في هذه الكتب يحارب الشيوعية والنظم ال*******ية، ويمجد الديمقراطية التي تكفل حرية الفرد، الذي يشعر بأنه صاحب رأي في حكومة بلاده، وبغير ذلك لا تتحقق له مزية، وهو يُعِدُّ الشيوعية مذهبًا هدَّامًا يقضي على جهود الإنسانية في تاريخها القديم والحديث، ولا سيما الجهود التي بذلها الإنسان للارتفاع بنفسه من الإباحية الحيوانية إلى مرتبة المخلوق الذي يعرف حرية الفكر وحرية الضمير.

                وله تراجم عميقة لأعلام من الشرق والغرب، مثل "سعد زغلول، وغاندي وبنيامين فرانكلين، ومحمد علي جناح، وعبد الرحمن الكواكبي، وابن رشد، والفارابي، ومحمد عبده، وبرناردشو، والشيخ الرئيس ابن سينا".

                وأسهم في الترجمة عن الإنجليزية بكتابين هما "عرائس وشياطين، وألوان من القصة القصيرة في الأدب الأمريكي".


                إسلاميات العقاد


                تجاوزت مؤلفات العقاد الإسلامية أربعين كتابًا، شملت جوانب مختلفة من الثقافة الإسلامية، فتناول أعلام الإسلام في كتب ذائعة، عرف كثير منها باسم العبقريات، استهلها بعبقرية محمد، ثم توالت باقي السلسلة التي ضمت عبقرية الصديق، وعبقرية عمر، وعبقرية علي، وعبقرية خالد، وداعي السماء بلال، وذو النورين عثمان، والصديقة بنت الصديق، وأبو الشهداء وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وفاطمة الزهراء والفاطميون.

                وهو في هذه الكتب لا يهتم بسرد الحوادث، وترتيب الوقائع، وإنما يعني برسم صورة للشخصية تُعرِّفنا به، وتجلو لنا خلائقه وبواعث أعماله، مثلما تجلو الصورة ملامح من تراه بالعين.

                وقد ذاعت عبقرياته واُشتهرت بين الناس، وكان بعضها موضوع دراسة الطلاب في المدارس الثانوية في مصر، وحظيت من التقدير والاحتفاء بما لم تحظ به كتب العقاد الأخرى.

                وألَّف العقاد في مجال الدفاع عن الإسلام عدة كتب، يأتي في مقدمتها: حقائق الإسلام وأباطيل خصومه، والفلسفة القرآنية، والتفكير فريضة إسلامية، ومطلع النور، والديمقراطية في الإسلام، والإنسان في القرآن الكريم، والإسلام في القرن العشرين وما يقال عن الإسلام.

                وهو في هذه الكتب يدافع عن الإسلام أمام الشبهات التي يرميه بها خصومه وأعداؤه، مستخدمًا علمه الواسع وقدرته على المحاجاة والجدل، وإفحام الخصوم بالمنطق السديد، فوازن بين الإسلام وغيره وانتهى من الموازنة إلى شمول حقائق الإسلام وخلوص عبادته وشعائره من شوائب الملل الغابرة حين حُرِّفت عن مسارها الصحيح، وعرض للنبوة في القديم والحديث، وخلص إلى أن النبوة في الإسلام كانت كمال النبوات، وختام الرسالات وهو يهاجم الذين يدعون أن الإسلام يدعو إلى الانقياد والتسليم دون تفكير وتأمل، ويقدم ما يؤكد على أن التفكير فريضة إسلامية، وأن مزية القرآن الأولى هي التنويه بالعقل وإعماله، ويكثر من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، ليصل إلى أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأشياء.

                وقد رد العقاد في بعض هذه الكتب ما يثيره أعداء الإسلام من شبهات ظالمة يحاولون ترويجها بشتى الوسائل، مثل انتشار الإسلام بالسيف، وتحبيذ الإسلام للرق، وقد فنَّد الكاتب هذه التهم بالحجج المقنعة والأدلة القاطعة في كتابه "ما يقال عن الإسلام".

                شاعرية العقاد

                لم يكن العقاد كاتبًا فذا وباحثًا دؤوبًا ومفكرًا عميقًا، ومؤرخًا دقيقًا فحسب، بل كان شاعرًا مجددًا، له عشرة دواوين، هي: يقظة الصباح، ووهج الظهيرة، وأشباح الأصيل، وأعاصير مغرب، وبعد الأعاصير، وأشجان الليل، ووحي الأربعين، وهدية الكروان، وعابر سبيل، وديوان من دواوين، وهذه الدواوين العشرة هي ثمرة ما يزيد على خمسين عامًا من التجربة الشعرية.

                ومن أطرف دواوين العقاد ديوانه "عابر سبيل" أراد به أن يبتدع طريقة في الشعر العربي، ولا يجعل الشعر مقصورًا على غرض دون غرض، فأمور الحياة كلها تصلح موضوعًا للشعر؛ ولذا جعل هذا الديوان بموضوعات مستمدة من الحياة، ومن الموضوعات التي ضمها الديوان قصيدة عن "عسكري المرور" جاء فيها:

                doPoem(0)

                متحـكـم فــي الراكبـيـن
                ومـــا لـــه أبـــدًا ركــوبــة
                لهـم المثوبـة مـن بنانـك
                حـيــن تـأمــر والـعـقـوبـة
                مُر ما بدا لك في الطريق
                ورض على مهل شعوبـه
                أنـا ثـائـر أبــدًا ومــا فــي
                ثــورتــي أبــــدًا صـعـوبــة
                أنــا راكــب رجـلـي فـــلا
                أمْـــرٌ عـلــيَّ ولا ضـريـبـة




                تقدير العقاد

                لقي العقاد تقديرا وحفاوة في حياته من مصر والعالم العربي، فاخْتير عضوًا في مجمع اللغة العربية بمصر سنة (1359هـ= 1940م) فهو من الرعيل الأول من أبناء المجمع، واخْتير عضوًا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ونظيره في العراق، وحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب سنة (1379هـ= 1959م).

                وتُرجمت بعض كتبه إلى اللغات الأخرى، فتُرجم كتابه المعروف "الله" إلى الفارسية، ونُقلت عبقرية محمد وعبقرية الإمام علي، وأبو الشهداء إلى الفارسية، والأردية، والملاوية، كما تُرجمت بعض كتبه إلى الألمانية والفرنسية والروسية.

                وكان أدب العقاد وفكره ميدانًا لأطروحات جامعية تناولته شاعرًا وناقدًا ومؤرخًا وكاتبًا، وأطلقت كلية اللغة العربية بالأزهر اسمه على إحدى قاعات محاضراتها، وبايعه طه حسين بإمارة الشعر بعد موت شوقي، وحافظ إبراهيم، قائلا: "ضعوا لواء الشعر في يد العقاد، وقولوا للأدباء والشعراء أسرعوا واستظلوا بهذا اللواء، فقد رفعه لكم صاحبه".

                وقد أصدرت دار الكتب نشرة بيلوجرافية وافية عن مؤلفات العقاد، وأصدر الدكتور حمدي السكوت أستاذ الأدب العربي بالجامعة الأمريكية كتابًا شاملا عن العقاد، اشتمل على بيلوجرافية لكل إنتاج العقاد الأدبي والفكري، ولا تخلو دراسة عن الأدب العربي الحديث عن تناول كتاباته الشعرية والنثرية.

                واشْتُهر العقاد بصالونه الأدبي الذي كان يعقد في صباح كل جمعة، يؤمه تلامذته ومحبوه، يلتقون حول أساتذتهم، ويعرضون لمسائل من العلم والأدب والتاريخ دون الإعداد لها أو ترتيب، وإنما كانت تُطْرح بينهم ويُدلي كل منهم بدلوه، وعن هذه الجلسات الشهيرة أخرج الأستاذ أنيس منصور كتابه البديع " في صالون العقاد".



                وفاة العقاد

                ظل العقاد عظيم الإنتاج، لا يمر عام دون أن يسهم فيه بكتاب أو عدة كتب، حتى تجاوزت كتُبُه مائةَ كتاب، بالإضافة إلى مقالاته العديدة التي تبلغ الآلاف في بطون الصحف والدوريات، ووقف حياته كلها على خدمة الفكر الأدبي حتى لقي الله في (26 من شوال 1383هـ= 12 من مارس 1964م).

                مع تحياتي

                عصام زايد

                ( ثلاثة هي فرحة الدنيا وبهجتها )

                ( شمس الضحى وشيماء والقمر )

                للاطلاع على كل ما هو جديد
                زوروا مكتبة ساندروز الثقافية

                تعليق

                • دعاءالخليج
                  عضو متميز
                  • Oct 2004
                  • 10404

                  #9
                  الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

                  استاذي الراقي عصام

                  اشكرك على روعة اضافاتك القيمة


                  يسلمو كتير

                  تعليق

                  • الوحيد
                    عضو بارز
                    • Sep 2000
                    • 1725

                    #10
                    الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

                    ياااااااااااه يا دعاء الخير
                    كم قدمتي لهذا المتدى وكم تقدمين
                    سلمت لنا تلك اليمين
                    هذه موسوعة دعاء الثقافية
                    سلمت لمن يحبك
                    من كان منا بلا خطيئة فليجلس على اكتافنا

                    تعليق

                    • دعاءالخليج
                      عضو متميز
                      • Oct 2004
                      • 10404

                      #11
                      الرد: شخصيات أدبية.. لنتعرف عليها مــ دعاء ــع

                      هلا بالراقي الوحيد

                      ماااقدمه لا يأتي نقطة ببحر ذوقكم وتواصلكم
                      والله يقدرني اكون عند حسن الظن بكم

                      يارب

                      يسلمو كتير

                      تعليق

                      مواضيع مرتبطة

                      Collapse

                      جاري العمل...