الثقافة والمثقفون في الغرب: أزمة معرفة، أم أزمة ضمير؟

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • نوراء
    عضو
    • Nov 2001
    • 24

    #1

    الثقافة والمثقفون في الغرب: أزمة معرفة، أم أزمة ضمير؟

    شي‏ء جميل أن تتحرك مشاعر وأقلام المثقفين الغربيين بإتجاه القضايا العربية والإسلامية، وقضايا المستضعفين بوجه عام... فبعد الحادي عشر من أيلول، دخل العالم في مرحلة جديدة، أريد لها أن تكون بداية حرب الحضارة الغربية لهذا القرن فيما أطلق عليه صراع الحضارات... وإذا كان المؤشر يميل نحو الصراع بشكل واضح، وبتأثير السياسات الغربية الاستفزازية، فإن المئات من المثقفين الغربيين في أميركا وأوروبا بدأوا منذ حين بالتوجه نحو المنطقة فيما يبدو أنه حملة ثقافية تحمل في جعبتها بعض عناصر الحوار وعناصر أخرى ما تزال موضع التساؤل.
    فمنذ حين، توجه بضعة عشرات من المثقفين الأميركيين بما أطلق عليه رسالة أو دعوة حضارية نحو المثقفين الشرقيين وبالأخص المسلمين، وقد حملت بنود رسالتهم العديدة مواضيع أساسية منها:
    1 الاحترام المجمل للحضارة الإسلامية (المسالمة).
    2 تأييد حرب الولايات المتحدة ضد الإرهاب (رغم الاعتراف بأخطاء الممارسات السياسية الغربية ضد شعوب المنطقة).
    3 تأييد إسرائيل وعدم الاعتراف بحقوق الشعوب المظلومة والإغضاء عن الأسباب السياسية والاجتماعية والسيكولوجية للارهاب والتي تتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر من أوزارها..
    واليوم، وبعد أن وصلت الحالة في فلسطين إلى ما وصلت إليه من المجازر والارهاب الذي يحظى بالرضا والمباركة والدعم والتأييد الأميركي، والسكوت واللامبالاة الغربية بوجه عام... تحركت مجموعة من المثقفين الأوروبيين والعالميين الأعضاء في »البرلمان الدولي للكتاب« فأطلقوا نداءً من أجل السلام في فلسطين في اليوم السادس من شهر آذار 2002، وقد وقع على ذلك البيان كُتّاب مشهورون من الولايات المتحدة، وفرنسا و... روسيا، وإيران، والصين، وإيطاليا وبريطانيا والمكسيك واليونان والهند وجنوب أفريقيا وغيرها.
    وفي مقابلة مع »راسل بانكس« رئيس هذا البرلمان الدولي يمكن قراءة العناوين التالية:
    1 قرار الاهتمام بالوضع الإنساني، وعدم تركه للسياسيين، يقول: »لسنا مراقبين لا يعنينا الوضع الإنساني...
    2 رفض وصف سياسة إسرائيل بالعنصرية بذريعة نقص المعرفة... ورداً على سؤال: »هل تشبه سياسة إسرائيل سياسة التمييز العنصري التي كانت تمارسها جنوب أفريقيا..« يقول: »لست الآن على اطلاع كاف لكي أصف سياسة إسرائيل لأقول أنها عنصرية أو كولونيالية، هذه الطريقة بالتحليل غير المماثلة تبدو لي خادعة.
    3 ففي سؤاله عن الارهاب الفردي وإرهاب الدولة يجيب قائلاً: »الارهابيون ليسوا محاربين برأيي، كما أنهم ليسوا مناضلين من أجل الحرية...
    4 ويصب جام غضبه على القوميين والكهان والحاخامات والملات والسياسيين، دون تمييز ويحملهم مسؤولية فشل السلام.
    5 وعندما يُسأل عن السلام الدائم في المنطقة يجيب بأنه »لا يتحقق السلام الدائم إلا بالانسحاب من المستعمرات الإسرائيلية لما قبل العام 1967، إلا عبر إقامة دولة فلسطينية، إلا عبر الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل من قبل الدول العربية بأسرها.
    وخلاصة الأمر... إن هذا المشروع »الثقافي« الجديد، إذا كنا نريد أن نحسن الظن، ونعتقد بصحوة الوعي الإنساني، والعقل المفكر الغربي، والتيار الحداثي بمجمله... فهو مشروع لم ينضج بعد، ولم يصل إلى مرحلة تلامس الحق والحقيقة، بعين حيادية متحررة من اللوثات الثقافية، والمناطقية، والأفكار المسبقة، ولكن المتأمل يشك بإمكانية مثل هذه الثقافة القاصرة على ادراك غايتها، إلا إذا اكتشف هؤلاء المثقفون أخطاءهم، وغيروا بعضاً من مواقفهم.
    فمتى كانت الشعوب المقهورة، والمصادرة ثرواتها إرهابية؟!! وكيف ينتزع منها حق الدفاع عن النفس والوجود ؟!!
    وكيف يساوي هذا الفكر الإنساني بين المجرم والضحية؟!!
    وبين دولة فلسطينية علمانية قائمة على أسس مدنية وخاضعة لقرارات الأمم المتحدة، وبين دولة (إسرائيل) القائمة على مبدأ الشعب المختار، وإلغاء الآخر، والأسطورة التلمودية، وهي المبادى‏ء عينها التي انتقدها ذاك المفكر العلماني وهي سلطة الحاخامات والقوميين، والعنصريين، إن الملالي لم يؤسسوا دولة عنصرية تقوم على مبدأ إلغاء الآخر بل الحاخامات هم الذين فعلوا ذلك، فمن الظلم البالغ وضع إسمهم تعسفاً مع أرباب الفكر العنصري، ومن الظلم أيضاً الإقرار بدولة هؤلاء الحاخامات، وعدم الاعتراف بحق الشعوب المظلومة في مقاومة المشاريع التي ترمي إلى إلغاء وجودها فضلاً عن نهب ثرواتها.
    فمتى يستيقظ الضمير العالمي المثقف ليقول بصراحة إن المشكلة في فلسطين ليست الأديان فطالما تعايشت، وليس حق الدفاع المشروع الذي يسمونه إرهاباً فهو وليد السياسات الاستكبارية المتعسفة والجائرة... إنها باختصار العنصرية، والنزعة القائمة على خلفية اسطورية تلمودية، وليس الحل بإقامة دولة عنصرية أو الاعتراف بها، لأن مثل هذه الدولة سوف تبقى الشوكة التي تؤذي خاصرة الضمير الإنساني وتخلق في كل يوم مشاكل جديدة، ومجازر جديدة، ومآسي إنسانية جديدة.
  • عذاب نون
    عضو متألق
    • May 2001
    • 2147

    #2
    [c]نوراء.................
    [/c]



    ثمة ملحوظة مهمة تسترعي الانتباه في السلوك الفكري والسياسي لمثقفينا العرب الكبار، فكلما تقدمت بهم السن نالت من قناعاتهم الفكرية والسياسية، فتحولوا من الثورة إلى المحافظة، ومن الجرأة في النقد والنهج الراديكالي، إلى الركون إلى التقليد والمحاباة والتراجع عن المواقف الفكرية والعقلانية الجريئة لصالح ضرب من الطباع الذهنية الجديدة التي تغري بتجنب المخاطر والتي تستحق كل التوبيخ على حد تعبير إدوارد سعيد والتي تساهم كما يرى سعيد في إفساد المثقف بدون منازع دافعة اياه إلى الانزواء جانباً، على طرف الشاطئ، ليقيس درجة حرارة المياه بدلاً من الخوض في الاشكاليات العميقة للمجتمع العربي أو الاقتراب مما يسميها محمد أركون ب "المهام المحسوسة" التي تتطلب منه أن يشمر عن ساعديه بحثاً لها عن حلول تصب في نهاية المطاف في أحضان الأفكار الوافدة بكل أطيافها وتوجهاتها...

    و من وجهة نظر عدد من الباحثين أن عميد الأدب العربي طه حسين مثَّل نموذجاً لهذا التحول، فكتاباته اللاحقة تصلح لأن تكون شاهداً على النزعة التقليدية المحافظة التي تحكمت به في كهولته، وشاهداً على وقوعه في ربقة العقلية التآمرية في سرده لأحداث التاريخ كما يتجلى في مؤلفاته عن "الفتنة الكبرى" وما لحقها:

    في كتابه "الديمقراطية وحقوق الإنسان، 1994" يرى المفكر المغاربي محمد عابد الجابري ان الميل إلى المحافظة والركون إلى المداراة والمراوغة والتقليد هي ما يميز عالم الكبار (كبار المفكرين) يقول الجابري: ان ما يكتبه الشباب بصدق ومعاناة هو يشير إلى كتاباته المبكرة عن الليبرالية السياسية مع بداية عقد الستينات من قرننا المنصرم يكون في الغالب أقرب إلى كبد الحقيقة مما يكتبه "الكبار" الذين كثيراً ما تشوش المداراة والمراوغة وكثرة الحسابات والاعتبارات رؤيتهم وتعقل لسانهم وتعكر صفو فكرهم.

    المفكر الفرنسي آلان تورين يشارك الجابري رأيه السالف الذكر، ففي كتابه الموسوم ب "نقد الحداثة" يهاجم تورين المثقفين الفرنسيين الكبار الذين يتهمهم ريجيس دوبريه باللاجدوى، ويطلق عليهم تورين مصطلح "المثقفون من أعلى" الذين آثروا التقليد ومحاباة السلطة والنكوص على الذات ويؤثر عليهم "المثقفون من أسفل".

    يقول تورين: إن المثقفين "من أسفل" أولئك الذين يتحدثون عن الفرد وحقوق الإنسان ينبغي لهم أن يحلوا محل المثقفين "من أعلى" أولئك الذين لا يتحدثون إلا عن اتجاه التاريخ، لقد افتتن المثقفون زمناً طويلاً بالسلطات التي كانت تقدم نفسها على أنها ممثلة العقل، وينبغي اليوم أن نطلب من الذين كانوا في خدمة الطغاة أن يسكتوا ومن الآخرين أن يدافعوا بصورة أفضل عن الحرية ضد السلطة، وعن أصالة هذه المطالب الشخصية و الجماعية ضد الضمير المستريح لأصحاب المال. وما يقلق تورين هو صعوبة هذه المهمة، اذ أن القائمين على بوابات السياسية هم وحدهم القائمون على منابع الفكر.

    يبدو للمتتبع لحركية الخطاب العربي المعاصر، أن التساؤلين الأساسيين:

    ° كيف يمكن أن ندافع عن الحرية بصورة أفضل في وجه ال*******؟

    ° وكيف يمكن لنا كمثقفين عرب ومسلمين أن نتحسس مهاماً محسوسة وأن نشمر سواعدنا بحثاً لها عن حلول؟

    عزيزتي،

    قد أقضنا مضجع الكثير من المثقفين وشاهدي على ذلك هو ذلك الضجيج الذي أحدثه المثقفون العرب حول أطروحة فوكوياما عن نهاية التاريخ التي تجعل من الليبرالية سقفاً للتاريخ، ومع أن الخطاب العربي الحديث والمعاصر ظل فقيراً في مضمونه الليبرالي ولم تنفع معه الدعوات العديد للأخذ بالليبرالية كنهج كما دعانا المفكر المغاربي عبدالله العروي في وقت مبكر "العرب والفكر التاريخي، 1973"، إلا أن الهجوم على الليبرالية لم يجد له ما يبرره على صعيد خطابنا المعاصر سوى الركون إلى التقليد والتراجع لدى المثقفين العرب الكبار والاحتماء بالطباع الذهنية القديمة التي يتعايشون عليها، وهذا ما يفسر هذا التراجع الكبير لدى المثقفين العرب الكبار في الدفاع عن قيمة الحرية، وخصوصا السياسية منها... والأنكى من ذلك اعتبارهم أن قيم الليبرالية الوافدة ما هي إلا مؤامرة امبريالية تستهدف العرب ورسالتهم الخالدة، مؤامرة صاغتها الأجهزة المخابراتية في الغرب ثم قامت بتصديرها لنا بهدف تخريب الدولة الوطنية في العالم العربي وهذا ما يجمع عليه كثيرون ممن نالهم التعب....وتساؤلي هنا: هل ذلك صحيحاً أم لا؟

    في كتابه "في ثقافة الديمقراطية، 1998"، راح جورج طرابيشي يدعو إلى "هدنة" تتفرغ فيها الانتلجنسيا العربية الرافعة لشعار التغيير والديمقراطية إلى زرع بذور الديمقراطية علها تؤتي أكلها بعد حين من الدهر وأقول حين بعيد لأن الباحث طرابيشي يضع أكثر من إشارة استفهام حول الهيصة الديمقراطية السائدة في صفوف الانتلجنسيا العربية وفي صفوف معارضيها ممن يرون أنها مؤامرة؟

    وإذا كان جورج طرابيشي لا يشكك في قيم الحداثة الليبرالية والديمقراطية، فإن المفكر حسن حنفي يستدعي كل عدة العقلية التآمرية في توصيفه للدعوات الليبرالية العربية.. ففي كتابه: "في الثقافة السياسية: آراء حول أزمة الفكر والممارسة في الوطن العربي، 1998م" والذي يضم مجموعة مقالات واجتهادات راح حسن حنفي يعيب على "المتشدقين" من المثقفين والتعبير له قولهم بحقوق الإنسان والديمقراطية، فهذه من وجهة نظره "كلمة حق يراد بها باطل" والباطل كما يفسره حنفي يندرج في إطار العقلية التآمرية، فالنقاش حول حقوق الإنسان "وافد من الغرب" والمعركة غربية في الأساس، وافدة المنشأ، وكذلك مقولة ومفهوم "المجتمع المدني" فهذه مفاهيم كما يرى، زرعت خارج سياقها الغربي بهدف تخريب الدولة الوطنية، وبالتالي فالداعون لها والقائلون بها مخربون أو هم **** بالجملة كما عودتنا خطابات وزراء الإعلام العرب في بعض الدول العربية المشرقية.

    وانطلاقاً من رؤية هيجلية للتاريخ ترى الدولة على أنها سقف للتاريخ، وقع الكثير من المثقفين العرب في حبائل الدولة التسلطية في المشرق العربي وعلى حد تعبير خلدون حسن النقيب، فراحوا يُنظِّرون لدولة الإكراه على حساب الدولة الديمقراطية وذلك انطلاقاً مما يسميه المفكر السوري طيب تيزتي ب "الواقع التاريخي المشخص" الذي يعطي الأولية للدولة على المجتمع وعبر ذلك تظهر مقولة "المجتمع المدني" التي يراها المثقفون العرب على أنها خشبة خلاص، على أنها مقولة مؤامراتية تستهدف الدولة الوطنية ورسالتها الخالدة.

    وفي رأيي، أن المثقفين العرب الكبار "المثقفون من أعلى" يقفون عن عمد أسرى العقلية التآمرية التي تدفعهم إلى التنكر لحقوق الأقلية والأكثرية معاً بحجة حماية الدولة الوطنية والتي لم تعد منذ زمن بعيد إلا دولة الأقلية على حساب الأكثرية، والملفت للنظر أن هذه النظرة الرجعية بحق، باتت تمثل عند عدد لا يستهان به من كبار المثقفين حجر زاوية يدفعهم إلى التراجع من الثورة إلى التقليد، ومن التفكير الحر والنقدي والعقلاني إلى الاحتماء بالعقلية التآمرية للحصول على حظوة أكاديمية أو امتياز شخصي كما يعيرهم إدوارد سعيد...

    أتمنى بأن أقرؤك مرة أخرى يا عزيزتي...أما الآن: فاقبلي سلامي...

    °°°°°°°°°°

    عذاب نون...



    مهما لبسنا أفكاراً للآخرين........فلن يغير ذلك منا شيئاً سوى مزيد من السخرية.....ليكن تعاملنا مع قضايانا أكثر واقعية لما يخدم مصالحنا الحقيقية، وليس مصالح الآخرين...
    لنفتح نافذة صغيرة للنهار!

    تعليق

    • ساندريلا
      عضو متألق
      • Nov 2001
      • 2198

      #3
      اهلا اختي نوراء

      احب ان اضيف ما قاله السيد ولد اباه

      *يتمثل السياق المعرفي للثقافة في الانفتاح على الشبكات التأويلية الجديدة التي انبثقت في اطار الدرس اللساني والمناهج الفلسفية التي واكبته، وما يجمع هذه الشبكات هو اعادة الاعتبار للنص من حيث هو وحدة دلالية وأفق فكري رحب مفتوح لانماط متعددة من القراءة والاستكناه.
      ففي مقابل المقاربة التحديدية الموروثة عن المقاييس الماركسية (اختزال النص في مرجعيته التاريخية او وظيفته الآيديولوجية)، تركز المناهج التأويلية الجديدة على تاريخية النص الذاتية بضبط صيغ تشكله ومسار تحولاته، والفائض الدلالي الذي يتمتع به.
      ومن هذا المنظور فالنص التراثي ليس مجرد نتاج مفصول عنا، بل هو ارضيتنا المعرفية وأفقنا الدلالي واطارنا العقلي، ومن ثم فان اي تحديد للثقافة العربية لا بد ان يتم داخل هذا الحقل المعرفي، ولو من منطلقات وآليات وموجهات جديدة راهنة.
      اما السياق الآيديولوجي، فيتصل بظاهرة «الاسلام السياسي» او «الصحوة الاسلامية» التي شكلت مظهرا اساسيا من محددات الساحة الثقافية العربية الحالية، وطرحت في ما وراء متعلقاتها السياسية المباشرة، اشكال المشروعية العقدية للتيارات التحديثية ودور الدين في الشأن العام، مما يمثل مشغلا اساسيا من مشاغل الفكر العربي في ايامنا.
      ان هذا التحول الايجابي نحو النص التراثي قد تجسد في عدة مشاريع فكرية، تسعى من خلال آلية التحقيب المعرفي والقراءة التأويلية الى بناء علاقة جديدة بالمخزون الثقافي للأمة، بغية استثماره في تكريس المطامح التحديثية والنهضوية التي انتكست على اصعد الآيديولوجيات الثورية والتنويرية.
      ولا يتسع المقام هنا لعرض وتقويم هذه المشاريع التي استقطبت الساحة الفكرية العربية في السنوات الاخيرة، ونالت اهتماما واسعا، وان لم تفض الى التأثير في التركيبة الآيديولوجية والسياسية للساحة العربية.
      فالاشكال الذي يطرح نفسه بحدة يتعلق باسباب وخلفيات الانفصام بين الاطروحات الفكرية المتجددة التي لا تفتأ تفتح آفاقا جديدة ورحبة في المنحى الثقافي والمعترك السياسي الذي يتشكل ويتطور بوتيرة مغايرة.
      صحيح ان العديد من المقولات والمفاهيم قد نفذت للساحة الآيديولوجية العربية، وتركت اثرها لدى الفاعلين السياسيين، ومنها معايير الديمقراطية والرؤية التعددية الاختلافية وثقافة حقوق الانسان، وهي المشاغل التي طغت على الفكر العربي في الاعوام الاخيرة، بيد ان هذه المفاهيم لم تتجاوز حد الحضور الشعاراتي للتكيف مع حقائق وضوابط مرحلة تاريخية سمتها الاساس هي الاتجاه نحو تمرير وفرض النموذج التنموي والسياسي الليبرالي الغربي، الذي يستخدم من لدن القوى الدولية المتحكمة مقوما اساسيا من مقومات سياساتها الخارجية.
      اي بعبارة اخرى، اذا كان مسار الفكر العربي يتشكل راهنا وفق اتجاه تطبيق المناهج التأويلية المستمدة من الابحاث الفلسفية واللغوية على النصوص التراثية طلبا للرصانة العلمية وتأسيسا صلبا للمطامح التحديثية للمجتمع العربي، فان رهانات الساحة السياسية، تتمحور حول نمطين من التصادم يشلان هذه الساحة ويحدان من آفاق تطورها نحو التفاعل الايجابي والانفتاح المطلوب.
      اما النمط الاول من التصادم، فيتخذ سمة التناقض بين التركيبة الكليانية للدولة الوطنية التحديثية والقوى السياسية المقصية من اطار الشرعية او المهمشة داخلها.
      اما النمط الثاني فهو الصدام بين اتجاهين يتخذان الواجهة الفكرية (اسلامي وعلماني).
      ولا شك ان النمط الثاني، هو الذي يهمنا في هذا الحيز لالتصاقه بالأبعاد الثقافية، حتى ولو كانت المعارك المحتدمة في هذه الارضية لا تعكس مناظرة فكرية ثرية او جادة، وانما تعبر عن هموم سياسية وآيديولوجية آنية.
      ولقد مثلت الساحة المصرية في الاعوام الاخيرة مسرحا صاخبا لهذا الاشتباك بين التيارين، وشاركت فيه مؤسسات بعينها، ولم تكن اجهزة الدولة نفسها غائبة عنه. ومن المفارقات المثيرة، ان هذا الصدام تركز حول تركة الفكر النهضوي العربي الحديث، في سباق محموم لامتلاكه والاستئثار به، في الوقت الذي تزايد فيه ضعف اداء القوى السياسية، وتفاقم انهيار التشكيلات الحزبية العريقة، مما يمثل جانبا اساسيا من جوانب مأزق التحول السياسي في البلاد العربية.
      ان ما نريد ان نخلص اليه، هو ان جوهر ازمة الثقافة العربية يكمن في العجز المضاعف عن توطيد وتدعيم استقلالية الشأن الثقافي بمرتكزاته وارضيته المعرفية والاكاديمية، وتوفير القاعدة النظرية الصلبة للبناءات والمشاريع الآيديولوجية في مرحلة تمر بها الامة بمنعرج خطير في مسارها التاريخي.


      *
      لك تحياتي وشكري على موضوعك الرائع:grins:

      تعليق

      مواضيع مرتبطة

      Collapse

      جاري العمل...