ابتسامة واثقة ترسم خطوطها على وجهه ، وهو يخطو نحو سيارته (المرسيدس) الفاخرة ، وشعور جارف بالسعادة يغمره ، ويملك عليه جميع مشاعره الأخرى ..
لكنه ما أن استقر داخل سيارته ، وأدار محركها استعدادا للانطلاق ، حتى رأى فى مرآتها عينين غاضبتين ، ترمقانه من الأريكة الخلفية !
@@@
كان مصدر سعادته أنه قد انتبه لنفسه قبل أن يفوته قطار الزواج ، ويضيع كل ما بناه خلال أربعين عاما هباء ، والسبب فى يقظته المفاجئة من سباته العميق كان خطاب ..
خطاب جاءه بالبريد العادى ، على مقر عمله بالكلية ، من طالبة من طالباته ، تشكوه إلى نفسه ، وتتهمه بأنه قاس القلب ، متحجر المشاعر ، إذ لم ينتبه إلى حبها له ، وإعجابها بشخصه ، اللذان كانا يفصحا عن نفسيهما فى كل كلمة تتبادلها معه ، وكل سؤال تلقيه على مسامعه ، طوال الأشهر الخمسة الماضية !
لكنه بدا لها كالحصن المنيع ، الذى لا يجرؤ أحد مهما كانت شجاعته على الاقتراب منه ، بسبب ما يراه الناس المحيطون به ، من تحصينات الصرامة ، والهيبة ، والوقار ، وعدم الابتسام حتى فى أكثر اللحظات مرحا ، وسرورا ..
لذا فلم تجد أمامها سوى أن ترسل له تلك الرسالة ، وهى تضع يدها على قلبها ، تصارحه فيها بمشاعرها تجاهه ، وترجوه من خلالها أن ينتبه إليها .. حتى وإن لم يحبها ، يكفيها أن يعرف أنها تحبه !
ولم توقع باسمها فى نهاية الخطاب ، وإنما كتبت الحروف الأولى منه فحسب ، وتركت له مهمة التعرف عليها ..
لكنه فى تلك اللحظة ، كان يرى عينين غاضبتين تحدقان فى مؤخرة عنقه ، وفوهة مسدس باردة ـ مزودة بكاتم للصوت ـ تلتصق برأسه !
@@@
حصل على البكالوريوس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، مما أهله إلى العمل بالكلية كمعيد .. فاندفع يعمل ويعمل بكل ما استطاعه من جهد ، حتى حصل على الماجستير ثم الدكتوراه ، وصار أستاذا بنفس الكلية التى كان بالأمس طالبا بها .. يعينه فى ذلك تشجيع أساتذته ، وإعجابهم بنبوغه وعبقريته ..
ولم يدر فى ذهن واحد منهم أن ذلك النبوغ ، وتلك العبقرية ، مبعثهما الغضب !
الغضب والحنق على المجتمع ، اللذان جعلاه يكسو وجهه بقناع دائم من الصرامة ، والهيبة ، والوجوم ، و ......
والحزن !
وأن يتفوق ، ويتفوق ، ويتفوق حتى يصل إلى ما هو عليه الآن ..
لكنه الآن يرى سبابة تستعد لضغط الزناد ، واضعة حدا لتفوقه !
@@@
حتى انتبه ..
انتبه على ذلك الخطاب ، الذى وصله من تلك الطالبة ..
انتبه إلى أنه قد أفنى عمره كله فى العلم والتحصيل ، ولم يفعل ما يجعل لوجوده معنى ..
انتبه إلى أنه لم يتزوج !
وبحث عنها ، وعرفها .. وطار قلبه فرحا ..
إذن فما زالت الفرصة أمامه ، هاهى ذى فتاة فى العشرين من عمرها ، جميلة ، رقيقة ، مهذبة .. تحبه ، أو تتوهم أنها تحبه ! .. ولن يرفضه أهلها إذا تقدم لخطبتها .. وقد حدث ..
هو ذا يغادر شقة أبيها ، بعد أن قرأ معه الفاتحة ، وحددا موعد الخطبة ، ويركب سيارته (المرسيدس) الفاخرة ..
حين رأى العينين الغاضبتين !
@@@
" من أنت ؟! .. وماذا تريد ؟! .. "
قالها فى هدوء ، لا يخالجه أدنى توتر ، حين رأى السبابة الرهيبة تتردد فى ضغط الزناد ..
" أنا (حسام) يا دكتور (عادل) .. (حسام شاكر) تلميذك بالسنة الثالثة فى الكلية .. "
صوت يموج بالغضب كعينى صاحبه .. إنه يعرف هذا الصوت جيدا ، فهو لا ينسى أصوات المتفوقين من تلامذته أبدا ..
" وماذا تريد يا (حسام) ؟! .. "
" ياله من سؤال ! .. قتلك يا أستاذى .. أريد قتلك ! .. "
" ولم ؟! .. "
" لأنك تسلبنى حقى .. "
" أنا أسلبك حقك ! .. كيف ؟! .. "
" (سهام) .. "
" (سهام) ؟! .. وما شأنك بها ؟! .. "
" لقد تعاهدنا على الزواج ، منذ أن كنا بالسنة الأولى بالكلية ، بمجرد أن يتخرج كلانا ونحصل على عمل مناسب .. إلا أنها فجأة سحبت عهدها لى ـ بعد عامين من الحب ، والأحلام الجميلة ـ دونما سبب واضح .. لكننى لم أقتنع بذلك التراجع المباغت ، وظللت أبحث عن السبب الذى دفعها إليه ، حتى علمت من زميلة مشتركة لنا أنها تحبك ، وأنك ذاهب اليوم لقراءة الفاتحة مع والدها ، فقررت قتلك .. فلن أسمح لك أبدا بأخذها منى ! .. "
" ولماذا تقتلنى أنا مادمت قد علمت أنها تحبنى ؟! .. لماذا لا تقتلها هى ؟! .. "
" لا تحاول أن تثنينى عما انتويت يا دكتور .. المسكينة معذورة إذا توهمت أنها تحبك ، بعد أن بهرتها بوسامتك المفرطة ، ومركزك المرموق ، وذكاءك الحاد .. "
" ولماذا لا تقول أنها تنظر لثروتى ؟! .. "
" (سهام) لا تفكر بهذه الطريقة يا دكتور .. "
" كلهن يفعلن يا (حسام) .. "
" لا .. أنت من سلبنى حقى ، وليست هى ! .. "
" بل أنت من يريد أن يسلبنى حقى يا (حسام) ! .. "
" أنا ؟! .. "
" نعم أنت .. إنها لى ، فأنا أقدر منك على رعايتها وحفظها ، وتوفير كل أسباب الراحة والهناء لها .. "
" ولكنك تكبرها بعشرين عاما .. أى أنك لو كنت قد تزوجت وأنت فى مثل سنى ، لكان لديك الآن فتاة فى مثل عمرها تقريبا ، فماذا منعك ؟! .. هل انتظرت كل هذه السنين لتأخذها منى ؟! .. "
" منعنى أستاذى ! .. "
" أستاذك ؟! .. "
أخرج من جيب سترته دبلة فضية ، ناولها لتلميذه قائلا :
" أترى هذه ؟! .. "
" ماذا عنها ؟! .. "
" كانت فى يدى اليمنى منذ عشرين عاما .. أتدرى من صاحبتها ؟! .. "
" من ؟! .. "
" أرملة الدكتور (علاء فكرى) رحمه الله .. أستاذى و المشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة بى .. كانت زميلتى ، وقد تعاهدنا على الزواج .. ولكن فقرى حال دون إتمام ما تعاهدنا عليه ، فصارت لأستاذى .. كادت الصدمة تقتلنى ، لولا أن فطنت وقتها إلى أننى لست قادرا على رعايتها ، فتناسيت الأمر برمته ، وشققت طريقى فى الحياة ، دون أن انتبه إلى أنه توجد غيرها ، من تصلح لأن تكون زوجة لى ، حتى نبهتنى (سهام) .. إنها سنة الحياة يا (حسام) ، فلا تدع الصدمة تقتلك ! .. "
صمت مهيب ساد بينهما ، بعد أن ألقى (عادل) عبارته الأخيرة .. قطعه (حسام) بقوله :
" لا يا دكتور .. ليست هذه سنة الحياة .. هناك جيل ما ترك حقه يسلب .. ولا ينبغى أن تدفع الأجيال التالية له ثمن غلطته !! .. "
وازداد توتر إصبعه على الزناد ..
أمير الأساطير
لكنه ما أن استقر داخل سيارته ، وأدار محركها استعدادا للانطلاق ، حتى رأى فى مرآتها عينين غاضبتين ، ترمقانه من الأريكة الخلفية !
@@@
كان مصدر سعادته أنه قد انتبه لنفسه قبل أن يفوته قطار الزواج ، ويضيع كل ما بناه خلال أربعين عاما هباء ، والسبب فى يقظته المفاجئة من سباته العميق كان خطاب ..
خطاب جاءه بالبريد العادى ، على مقر عمله بالكلية ، من طالبة من طالباته ، تشكوه إلى نفسه ، وتتهمه بأنه قاس القلب ، متحجر المشاعر ، إذ لم ينتبه إلى حبها له ، وإعجابها بشخصه ، اللذان كانا يفصحا عن نفسيهما فى كل كلمة تتبادلها معه ، وكل سؤال تلقيه على مسامعه ، طوال الأشهر الخمسة الماضية !
لكنه بدا لها كالحصن المنيع ، الذى لا يجرؤ أحد مهما كانت شجاعته على الاقتراب منه ، بسبب ما يراه الناس المحيطون به ، من تحصينات الصرامة ، والهيبة ، والوقار ، وعدم الابتسام حتى فى أكثر اللحظات مرحا ، وسرورا ..
لذا فلم تجد أمامها سوى أن ترسل له تلك الرسالة ، وهى تضع يدها على قلبها ، تصارحه فيها بمشاعرها تجاهه ، وترجوه من خلالها أن ينتبه إليها .. حتى وإن لم يحبها ، يكفيها أن يعرف أنها تحبه !
ولم توقع باسمها فى نهاية الخطاب ، وإنما كتبت الحروف الأولى منه فحسب ، وتركت له مهمة التعرف عليها ..
لكنه فى تلك اللحظة ، كان يرى عينين غاضبتين تحدقان فى مؤخرة عنقه ، وفوهة مسدس باردة ـ مزودة بكاتم للصوت ـ تلتصق برأسه !
@@@
حصل على البكالوريوس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف ، مما أهله إلى العمل بالكلية كمعيد .. فاندفع يعمل ويعمل بكل ما استطاعه من جهد ، حتى حصل على الماجستير ثم الدكتوراه ، وصار أستاذا بنفس الكلية التى كان بالأمس طالبا بها .. يعينه فى ذلك تشجيع أساتذته ، وإعجابهم بنبوغه وعبقريته ..
ولم يدر فى ذهن واحد منهم أن ذلك النبوغ ، وتلك العبقرية ، مبعثهما الغضب !
الغضب والحنق على المجتمع ، اللذان جعلاه يكسو وجهه بقناع دائم من الصرامة ، والهيبة ، والوجوم ، و ......
والحزن !
وأن يتفوق ، ويتفوق ، ويتفوق حتى يصل إلى ما هو عليه الآن ..
لكنه الآن يرى سبابة تستعد لضغط الزناد ، واضعة حدا لتفوقه !
@@@
حتى انتبه ..
انتبه على ذلك الخطاب ، الذى وصله من تلك الطالبة ..
انتبه إلى أنه قد أفنى عمره كله فى العلم والتحصيل ، ولم يفعل ما يجعل لوجوده معنى ..
انتبه إلى أنه لم يتزوج !
وبحث عنها ، وعرفها .. وطار قلبه فرحا ..
إذن فما زالت الفرصة أمامه ، هاهى ذى فتاة فى العشرين من عمرها ، جميلة ، رقيقة ، مهذبة .. تحبه ، أو تتوهم أنها تحبه ! .. ولن يرفضه أهلها إذا تقدم لخطبتها .. وقد حدث ..
هو ذا يغادر شقة أبيها ، بعد أن قرأ معه الفاتحة ، وحددا موعد الخطبة ، ويركب سيارته (المرسيدس) الفاخرة ..
حين رأى العينين الغاضبتين !
@@@
" من أنت ؟! .. وماذا تريد ؟! .. "
قالها فى هدوء ، لا يخالجه أدنى توتر ، حين رأى السبابة الرهيبة تتردد فى ضغط الزناد ..
" أنا (حسام) يا دكتور (عادل) .. (حسام شاكر) تلميذك بالسنة الثالثة فى الكلية .. "
صوت يموج بالغضب كعينى صاحبه .. إنه يعرف هذا الصوت جيدا ، فهو لا ينسى أصوات المتفوقين من تلامذته أبدا ..
" وماذا تريد يا (حسام) ؟! .. "
" ياله من سؤال ! .. قتلك يا أستاذى .. أريد قتلك ! .. "
" ولم ؟! .. "
" لأنك تسلبنى حقى .. "
" أنا أسلبك حقك ! .. كيف ؟! .. "
" (سهام) .. "
" (سهام) ؟! .. وما شأنك بها ؟! .. "
" لقد تعاهدنا على الزواج ، منذ أن كنا بالسنة الأولى بالكلية ، بمجرد أن يتخرج كلانا ونحصل على عمل مناسب .. إلا أنها فجأة سحبت عهدها لى ـ بعد عامين من الحب ، والأحلام الجميلة ـ دونما سبب واضح .. لكننى لم أقتنع بذلك التراجع المباغت ، وظللت أبحث عن السبب الذى دفعها إليه ، حتى علمت من زميلة مشتركة لنا أنها تحبك ، وأنك ذاهب اليوم لقراءة الفاتحة مع والدها ، فقررت قتلك .. فلن أسمح لك أبدا بأخذها منى ! .. "
" ولماذا تقتلنى أنا مادمت قد علمت أنها تحبنى ؟! .. لماذا لا تقتلها هى ؟! .. "
" لا تحاول أن تثنينى عما انتويت يا دكتور .. المسكينة معذورة إذا توهمت أنها تحبك ، بعد أن بهرتها بوسامتك المفرطة ، ومركزك المرموق ، وذكاءك الحاد .. "
" ولماذا لا تقول أنها تنظر لثروتى ؟! .. "
" (سهام) لا تفكر بهذه الطريقة يا دكتور .. "
" كلهن يفعلن يا (حسام) .. "
" لا .. أنت من سلبنى حقى ، وليست هى ! .. "
" بل أنت من يريد أن يسلبنى حقى يا (حسام) ! .. "
" أنا ؟! .. "
" نعم أنت .. إنها لى ، فأنا أقدر منك على رعايتها وحفظها ، وتوفير كل أسباب الراحة والهناء لها .. "
" ولكنك تكبرها بعشرين عاما .. أى أنك لو كنت قد تزوجت وأنت فى مثل سنى ، لكان لديك الآن فتاة فى مثل عمرها تقريبا ، فماذا منعك ؟! .. هل انتظرت كل هذه السنين لتأخذها منى ؟! .. "
" منعنى أستاذى ! .. "
" أستاذك ؟! .. "
أخرج من جيب سترته دبلة فضية ، ناولها لتلميذه قائلا :
" أترى هذه ؟! .. "
" ماذا عنها ؟! .. "
" كانت فى يدى اليمنى منذ عشرين عاما .. أتدرى من صاحبتها ؟! .. "
" من ؟! .. "
" أرملة الدكتور (علاء فكرى) رحمه الله .. أستاذى و المشرف على رسالة الدكتوراه الخاصة بى .. كانت زميلتى ، وقد تعاهدنا على الزواج .. ولكن فقرى حال دون إتمام ما تعاهدنا عليه ، فصارت لأستاذى .. كادت الصدمة تقتلنى ، لولا أن فطنت وقتها إلى أننى لست قادرا على رعايتها ، فتناسيت الأمر برمته ، وشققت طريقى فى الحياة ، دون أن انتبه إلى أنه توجد غيرها ، من تصلح لأن تكون زوجة لى ، حتى نبهتنى (سهام) .. إنها سنة الحياة يا (حسام) ، فلا تدع الصدمة تقتلك ! .. "
صمت مهيب ساد بينهما ، بعد أن ألقى (عادل) عبارته الأخيرة .. قطعه (حسام) بقوله :
" لا يا دكتور .. ليست هذه سنة الحياة .. هناك جيل ما ترك حقه يسلب .. ولا ينبغى أن تدفع الأجيال التالية له ثمن غلطته !! .. "
وازداد توتر إصبعه على الزناد ..
أمير الأساطير

تعليق