كان سابع ثلاثة عشر من أبناء أبيه ، وخامس أحد عشر من أشقته . وكان يشعر بأن له بينهذا العدد الضخم من الشباب والأطفال مكاناً خاصاً يمتاز من مكان إخوته وأخواته .أكان هذا المكان يرضيه ؟ أكان يؤذيه ؟ الحق أنه لا يتبين ذلك إلا في غموض وإبهام ،والحق أنه لا يستطيع الآن أن يحكم في ذلك حكماً صادقاً . كان يحس من أمه رحمة ورأفة ، وكان يجد من أبيه ليناً ورفقاً ، وكان يشعر من أخوته بشيء من الاحتياط في تحدثهمإليه ومعاملتهم له . ولكنه كان يجد إلى جانب هذه الرحمة والرأفة من جانب أمه شيئاًمن الإهمال أحياناً ، ومن الغلظة أحياناً أخرى . وكان يجد إلى جانب هذا اللينوالرفق من أبيه شيئاً من الإهمال أيضاً ، والازورار من وقت إلى وقت . وكان احتياطإخوته وأخواته يؤذيه ، لأنه كان يجد فيه شيئاً من الإشفاق مشوباً بشيء من الازدراء .
على أنه لم يلبث أن تبين سبب هذا كله ، فقد أحسّ أن لغيره من الناس عليه فضلاً ، وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع ، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له .وأحس أن أمه تأذن لإخوته وأخواته في أشياء تحظرها عليه ، وكان ذلك يحفظه . ولكن لمتلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت عميق ، وذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لاعلم له به ، فعلم أنهم يرون ما لا يرى .
كان من أمره طلعةً لا يحفل بما يلقى منالأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم . وكان ذلك يكلفه كثيراً من الألم والعناء .ولكن حادثة واحدة حدّت ميله إلى الاستطلاع ، وملأت قلبه حياءً لم يفارقه إلى الآن .كان جالساً إلى العشاء بين إخوته وأبيه ، وكانت أمه كعادتها تشرف على حفلة الطعام ،ترشد الخادم وترشد أخواته اللائى كن يشاركن الخادم في القيام بما يحتاج إليهالطاعمون . وكان يأكل كما يأكل الناس . ولكن لأمر ما خطر له خاطر غريب ! ما الذييقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة ؟ وما الذي يمنعهمن هذه التجربة ؟ لا شيء ، وإذاً فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبقالمشترك ثم رفعها إلى فمه . فأما إخوته فأغرقوا في الضحك . وأمّا أمه فأجهشتبالبكاء . وأما أبوه فقال في صوت هادئ حزين : ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني ... وأماهو فلم يعرف كيف قضى ليلته .
على أنه لم يلبث أن تبين سبب هذا كله ، فقد أحسّ أن لغيره من الناس عليه فضلاً ، وأن إخوته وأخواته يستطيعون ما لا يستطيع ، وينهضون من الأمر لما لا ينهض له .وأحس أن أمه تأذن لإخوته وأخواته في أشياء تحظرها عليه ، وكان ذلك يحفظه . ولكن لمتلبث هذه الحفيظة أن استحالت إلى حزن صامت عميق ، وذلك أنه سمع إخوته يصفون ما لاعلم له به ، فعلم أنهم يرون ما لا يرى .
كان من أمره طلعةً لا يحفل بما يلقى منالأمر في سبيل أن يستكشف ما لا يعلم . وكان ذلك يكلفه كثيراً من الألم والعناء .ولكن حادثة واحدة حدّت ميله إلى الاستطلاع ، وملأت قلبه حياءً لم يفارقه إلى الآن .كان جالساً إلى العشاء بين إخوته وأبيه ، وكانت أمه كعادتها تشرف على حفلة الطعام ،ترشد الخادم وترشد أخواته اللائى كن يشاركن الخادم في القيام بما يحتاج إليهالطاعمون . وكان يأكل كما يأكل الناس . ولكن لأمر ما خطر له خاطر غريب ! ما الذييقع لو أنه أخذ اللقمة بكلتا يديه بدل أن يأخذها كعادته بيد واحدة ؟ وما الذي يمنعهمن هذه التجربة ؟ لا شيء ، وإذاً فقد أخذ اللقمة بكلتا يديه وغمسها من الطبقالمشترك ثم رفعها إلى فمه . فأما إخوته فأغرقوا في الضحك . وأمّا أمه فأجهشتبالبكاء . وأما أبوه فقال في صوت هادئ حزين : ما هكذا تؤخذ اللقمة يا بني ... وأماهو فلم يعرف كيف قضى ليلته .
من ذاك الوقت تقيدت حركاته بشيء من الرزانة والإشفاق والحياء لا حذّ له . ومنذلك الوقت عرف لنفسه إرادة قوية . ومن ذلك الوقت حرّم على نفسه ألواناً من الطعام لم تبح له إلا بعد أن جاوز الخامسة والعشرين . حرّم على نفسه الحساء والأرز ، وكل الألوان التي تؤكل بالملاعق ، لأنه كان يعرف أنه لا يحسن اصطناع الملعقة ، وكان يكره أن يضحك إخوته ، أو تبكي أمه ، أو يعلمه أبوه في هدوء حزين .
طه حسين – الأيام
=====================
هذه الحادثة أعانته على أن يفهم حقاً ما يتحدث به الرواة عن أبي العلاء [ المعري ]من أنه أكل ذات يوماً دِبساً ، فسقط بعضه على صدره وهو لا يدري ، فلما خرج إلى الدرس قال له بعض تلاميذه : يا سيدي أكلت دبساً ، فأسرع بيده إلى صدره وقال : نعم قاتل الله الشره . ثم حرّم الدبس على نفسه طوال الحياة .