" الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • فيصل الزوايدي
    عضو فعال
    • Oct 2008
    • 50

    #1

    " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

    الرحـيــلُ ..

    يا الصابرونَ على الـهمِّ ، ضاقَت عِندَ العُمر أُمنِياتـي ، و ذَاقَت نَفسي وَجَعَ الفَجائِعِ ..
    من جَنوبٍ كان الرحيلُ يومًا .. باردًا يومًا .. لكن لهيبًا ما يلفحُ وَجهـي ، و شتاتٌ مُبعثَرٌ مِني تعبثُ بِهِ رياحٌ شتى ، تقفُ أُمي عند عتبةِ البابِ و بيدها إناءُ ماءٍ لِتَصبه ورائي حتـى أعودَ إليها ، و فـي عَيْنَيْها بريقُ ماءٍ آخر .. لَـم تَقُل شيئًا لكن تـمتمات تصدرُ مُبهمةً عن شَفَتَيْها ، خـمنت أنـها أدعيةٌ بالـحفظِ و العودةِ .. أخي الصغير واقـفٌ حذوها بقميصهِ الـمتهدلِ و إصبعه تعبثُ بِأنفِهِ ، ينظرُ بغرابةٍ إلينا ، فهو لا يَـعلم بعدُ معنـى الرحيلِ .. مِنَ النافذةِ الـخشبية الزرقاء تُطل أختي و هـي تُلقي بيـن الـحين و الآخر بنظراتٍ جزعةٍ إلى داخلِ الغرفة ، هنالك أبـي على فراشٍ سقيمًا ، مرضٌ داهـمَه فلازَمَهُ فأقعَدَهُ .. تـحسَّنت حالُــه قبلَ يومين فأخبرتُه بـموعدِ الرحيل ، لَـم يقُل شيئًا لكني أحسستُ في صمتهِ الرهيبِ توسلا بالبقاءِ .. و مِن عَينَيْهِ اللتين تـهدَّلت عليهما الأجفان صَرَخَ استجداءٌ مزلزلٌُ بعَدَمِ الرحيلِ .. و لكن أنّى لـي ذلكَ و لَـم أبلُغ فرصة َ السـفرِ هَذِهِ إلا بعناءٍ قد لا أستطيعُه ثانيةً.. كذلك الـحصولُ على تأشيرةِ سفرٍ إلـى البلاد التي أقصدُ ليس متيسرًا دومًـا .. و يـتَعَثَّرُ تدفق الـدم عَبرَ الشرايين فأدركُ أن اِنـخِسافَ الأرضِ بـمَن عليها ليس دائمًـا أشدَّ الـمَصائِبِ ..
    ارتفع صوتُ مُـحَرِّكِ السيارةِ الـمتوقفةِ أمامَ البـيت ، فقد ضغطَ السائقُ على دَواسةِ البنزين لِيَستَحِثَّني ، بابُ العربةِ مفتوحٌ يطلُبُني إلـى حياةٍ جديدةٍ .. حياة رسـمَتها أحلامٌ و أوهامٌ .. هنالك بعيدًا خلفَ سفرٍ طويلٍ إلـى أرضِ الوُجوهِ الشقراء و الـمالِ الوفير و الـمباهجِ .. ينفتحُ بـهدوءٍ بابُ منزلٍ مُـجاورٍ تـخرجُ مِنه فتاةٌ اتفقَت عائلتان يومًا على تزويـجي مِنها فهي ابنةُ خالـي .. لـم تَكُن الفتاةُ قبيحةً حتى أرفضَها زوجـةً بل على النقيض مِن ذلك كانت من ذوات الـحُسنِ خاصةً مَعَ ابتسامةٍ ساذجةٍ تُذكِّـرنـي كثيرًا بابتسامةِ أبيها الطيبِ .. لكني كُنتُ أرفُضُ ذلكَ الارتباطَ الذي يَشُدُّنـي إلى حياةِ البُؤس هنـا، تـمسَحُ أمي أنفَها بِطَرَفِ ردائِها و أَلـحَظُ غــيابَ أختي عن النافذةِ . يُصبِحُ التقاطُ الـهواءِ إلى صدري عمليةً أكثرَ صعوبةً ، تذَكَّرتُ كلامَ أبـي الكثير عن كَونـي رجلَ الدارِ بعدَه فكنت أُجيبُه بأن أدعوَ له بطولِ العُمرِ فيُجيبُنـي : يَطولُ العُمرُ أو يَقصُر فلابد للإنسانِ أن يُقبَـر .. تداخَلَت الصورُ أمامي مِن صبـيٍّ أسـمرَ يَلهو عند مَشارِف الصحراء إلـى شُقرِ الوجوهِ فـي بِلادٍ ثلجيةٍ و اختلطت الألوانُ فـي مزيجٍ غريبٍ ، أفقـدُ كلامًا كثيرًا كان مِنَ الـمُمكِنِ قولـه فـي هذا الـمقامِ ، فلا أجِـد مـا أقول فأصمتُ، لـم يَكُن للحظةِ و لا للزمنِ غـير معنى واحدٍ مُـختَلفٍ لا يعرِفُهُ الساعاتِِيّون .. و أخشى انفجارًا بداخلي فأُلقي حَقيبَتي الصغيرة على الـمقعدِ الـخَلفي و أهُـمُّ بإلقاءِ نفسي داخلَ السيارةِ و لَكن..
    يسقُطُ إناءُ مـاءِ على الأرض فقد كان ولدي الصغيرُ قد أوقع قدحًـا من يَدَيْهِ .. تـمامًا مثلما سَقَطَ إناءُ الـماءِ من يَدَيْ أمي يومَها عندما ارتفَعَ صوتُ أختي مِن النافذةِ الخشبيةِ الـزرقاء بصيحةٍ مـجروحَةٍ تُعلِنُ وقوعَ الفادحةِ ..
    تنحنـي زوجتي تُلَمْلِمُ شظايا القَدَحِ و تبتَسِمُ بطيبةٍ ساذجةٍ تُذَكِّرُنـي بـخالـي الطيب.
  • صقرالنوايف
    عضو متميز

    • Jun 2005
    • 25677

    #2
    الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

    شكرا اخي فيصل
    يعطيك العافيه
    لي عوده
    تحياتي

    تعليق

    • حساسه
      عضو
      • Oct 2008
      • 33

      #3
      الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

      مشكور أخوي فيصل على القصه الرائعه والله يبعد عناالفراق أختك:حساسه

      تعليق

      • الشاعر لطفي الياسيني
        شاعر
        • Jan 2008
        • 5553

        #4
        الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

        سيدي الكبير الفاضل القاص الاريب فيصل الزوايدي
        امير المنابر الادبية ومدير جامعتي الاكاديمية
        تحية الاسلام
        ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
        من الشكر والتقدير
        لك مني عاطر التحية واطيب المنى
        دمت بحفظ المولى
        باحترام تلميذك
        ابي مازن


        تعليق

        • ابو المعالي
          عضو متميز
          • Apr 2008
          • 1621

          #5
          الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

          الفراق ذلك الاخطبوط الذي نقتله ويقتلنا
          مفرداتك جميلة وتعبيرك اجمل
          شكرا لك
          ودمت بخير

          تعليق

          • فيصل الزوايدي
            عضو فعال
            • Oct 2008
            • 50

            #6
            الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

            اضيف في الأساس بواسطة صقرالنوايف
            شكرا اخي فيصل
            يعطيك العافيه
            لي عوده
            تحياتي
            أخي صقر النوايف اسعدني مرورك و دعمك العفوي و سأكون في انتظار عودتك منذ الآن
            دمت في الخير

            تعليق

            • فيصل الزوايدي
              عضو فعال
              • Oct 2008
              • 50

              #7
              الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

              اضيف في الأساس بواسطة حساسه
              مشكور أخوي فيصل على القصه الرائعه والله يبعد عناالفراق أختك:حساسه
              اخت حساسة اسعدتني مشاعرك العفوية و الراقية كثيرا فشكرا لهذا التفاعل
              دمت في الخير

              تعليق

              • فيصل الزوايدي
                عضو فعال
                • Oct 2008
                • 50

                #8
                الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                اضيف في الأساس بواسطة الشاعر لطفي الياسيني
                سيدي الكبير الفاضل القاص الاريب فيصل الزوايدي
                امير المنابر الادبية ومدير جامعتي الاكاديمية
                تحية الاسلام
                ان كل مفردات ثقافتي لا تفيك حقك
                من الشكر والتقدير
                لك مني عاطر التحية واطيب المنى
                دمت بحفظ المولى
                باحترام تلميذك
                ابي مازن
                شيخنا القدير الشاعر و المناضل دائما لطفي الياسيني .. اعتز كثيرا برأيك و باشراقتك على نصوصي و اما تواضعك فيرفعك عاليا بما تستحقه و لا نبلغه ..
                شكرا لمشاعرك الراقية و سموّك الباذخ
                دمت في الخير استاذنا ابا مازن
                مع الود و التقدير

                تعليق

                • فيصل الزوايدي
                  عضو فعال
                  • Oct 2008
                  • 50

                  #9
                  الرد: " الرحيل " قصة لفيصل الزوايدي ( تونس)

                  اضيف في الأساس بواسطة ابو المعالي
                  الفراق ذلك الاخطبوط الذي نقتله ويقتلنا
                  مفرداتك جميلة وتعبيرك اجمل
                  شكرا لك
                  ودمت بخير
                  أخي ابو المعالي .. لكل منا قصته مع الرحيل و آلامه ..
                  اسعدني كثيرا رأيك في القصة فشكرا لهذا الدعم و الثناء
                  دمت في الخير

                  تعليق

                  مواضيع مرتبطة

                  Collapse

                  جاري العمل...