على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • بحير
    عضو فعال
    • Sep 2004
    • 564

    #1

    على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)


    على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)


    دنيا الأضداد
    دجلة تتدافع أمواجه.. تتألق تحت أشعة شمس الغروب.. القباب والمنائر تغمرها غلالة ذهبية.. فبدت شفّافة موحية.. حتّى أشجار النخيل التي تنهض على ضفاف النهر بدت هي الأخرى كرموشِ حسناء ساحرة..
    القصور المرمرية الأنيقة.. تتناثر فوق الشطآن كلالئ منثورة، وما يزال قصر الذهب بقبته الخضراء يهيمن على بغداد أجمل مدن الشرق.. وما يزال الفارس يشير برمحه الطويل إلى المَدَيات البعيدة.. حيث تشتعل الثورات(1).
    انزلق القارب الصغير في المياه الباردة.. وراح ينساب مع تموجات النهر.. من بعيد بدا قصر « الخلد » متألقاً.. ما يزال فتيّاً رغم عقد من السنين.
    جلس الفتى في قاربه يراقب الامتداد الرشيق لجبهة النهر حيث تغتسل بعض الأغصان المتدلّية.
    غابت الشمس، توارت خلف ذُرى النخيل.. فبدت متّقدة بلون يشبه توهجات الجمر في المواقد الشتائية.
    هبّت نسمة عليلة بدّدت شيئاً من حرّ آب. في دجلة لا يشعر المرء بلهيب آب، فالضفاف الخضراء والمياه الباردة القادمة من أقاصي الشمال، تبعث في النفس شعوراً بالحيوية..
    غابت الشمس.. وانتشرت ظلمة خفيفة.. ومن بَعيد كان صوت الأذان ينساب كانسياب المياه..
    ضرب الفتى بمجدافه المياه، فاتّجه القارب صوب قصر « الخُلد ».. وشيئاً فشيئاً تناهت له أصوات الموسيقى والغناء، وكان صوت الأذان يتلاشى في أُذنيه حتّى اختفى تماماً...
    توقف القارب في الرمال الناعمة وبدا الشاطئ صفحة ملساء.. قفز الفتى الذي لم يبلغ العشرين بعد.. قفز إلى الشاطئ الرملي، وربط القارب بجذور شجرة معمَّرة.. وراح يشقّ طريقه بين أشجار النخيل..
    تعالت أصوات الموسيقى، وارتفع غناء الجواري.. بدا القصر في تلك الليلة صَدَفة جميلة تتألق في الضوء.
    مئات القناديل تضيء في الشرفات، والجواري في ثيابهن المزركشة.. شعر الفتى أنّه قد يعيش في عالم آخر.. منذ مدّة وهو يترقّب هذه اللحظة.. لقد سمع منذ أسابيع عن عزم الحاكم « المهدي »(2) على تزويج ابنه هارون من ابنة عمّه المدلّلة « زُبَيدة » أثرى فتيات بغداد.. وسيّدة بني العبّاس الأولى..
    اقترب الفتى أكثر.. كان يتلصّص حذراً.. منتظراً فرصة مناسبة ليزجّ بنفسه مع جموع المدعوّين.. سوف تشفع له ثيابه الفاخرة التي جلبها له أبوه التاجر من الهند..
    صدحت الموسيقى.. وظهرت عشرات الجواري.. الفتيات الجميلات يخطرن كالظباء.. يَرفَلْن بالحُلل الحريرية المزركشة بالذهب.. فتيات من بلدان عديدة.. فتيان من أرمينيا ومن الهند، والمغرب وإيران.
    أروقة القصر مزيّنة بالسجاد الأرمني.. والبُسط الفارسية..
    وجاء سِرب من الجواري يَحملنَ أطباقاً من الذهب ملأى بالفضة وأطباقاً من فضة ملأى بالذهب.. وجاء سرب آخر من الجواري يحملن أنواع الحلل.. وسرب من الفتيات يحملن صناديق تزخر بالمجوهرات.. وتلاهُنّ فتيات يحملن آنية العطر.. وأخيراً جاءت حسناوات يحملن أطباق الطعام.. وآنية الخمر.
    شعر الفتى لوهلة أنّه في الجنّة.. تذكّر صديقه الفقير الذي مات في « الوباء »(3) قبل أيّام.. وفي غمرة ذهوله ظهرت « العروس ».. ظهرت « زبيدة » كأجمل ما تكون، تنوء بحلل الذهب، ورأى لأول مرّة تلك الحُلّة العجيبة التي طالما سمع عنها في الأحاديث والحكايات.. رأى شيئاً أُسطورياً..
    كيف يُصاغ الثوب كلّه من الذهب فلا يدخل فيه من الغَزْل سوى القليل القليل من الحرير.
    كان منظر اللآلئ وهي تُطرّز ثوب الذهب كنجوم في بركة تغمرها أضواء الشمس..
    كانت زبيدة تخطر في مشيتها تحفّها عشرات الصبايا.. وقد استقرّ فوق رأسها تاج ملكي مرصّع بالجواهر النادرة..
    وجاء « هارون »(4) بشبابه المتفجّر وطوله الفارع.. ووجهه الممتلئ نعمةً ودلالاً.
    وبالرغم من أنّ الحاكم قد حرص على أن يظهر بمظهر الأُبهة، لكنّه ضاع إلى جانب زوجته « الخَيزُران » التي كانت تجلس كملكة، عيناها تتألقان بنفوذ قاهر..
    أمّا الحاكم العبّاسي فقد بدت عيناه منطفئتين.. أذهب بريقَهما السُّكْر..
    انتصف الليل.. واشتعلت حمّى الشهوات، وتعالت الضحكات الماجنة..
    وانسلّ الفتى.. عاد من حيث أتى.. عاد قبل أن يدركه الصباح.. وقبل أن تسكت « شهرزاد » عن الكلام المباح!
    ألفى قاربه في مكانه لَكأنه ينتظر.. شعر الفتى أنّه كان في عالم الأطياف.. وأنّه قد استيقظ ليجد نفسه في قاربه يجذف باتجاه الجانب الشرقي حيث تنهض أكواخ الفقراء. طفحت في أعماقه دهشة كفقاعات مليئة بالهواء سرعان ما تنفجر وتتبدد.. سمع نفسه يقول:
    ـ بغداد، يا مدينةً عجيبة.. كيف أمكنكِ أن تحتضني كل هذا الترف والبذخ إلى جانب البؤس ؟!
    كيف لدِجلتك أن تبقى هادئة وهي تمرّ بالقصور مقابل الأكواخ ؟! بغداد أنت حكاية عجيبة! الويل لك يا بغداد!
    فجأة ظهر في قلب الظلمة قارب مليء بوجوه قاسية.. رجال يحملون الرماح. بدا أحدهم بطوله الفارع ووجهه القاسي وشواربه المفتولة كائناً مخيفاً كالذي يتحدّث عنه تجّار البحار..
    قفز بعض الرجال إلى قاربه.. واستسلم الفتى.. عرف أن هؤلاء من حرس القصر.. وأنّه قد ارتكب جرماً بالاقتراب من قصر « الخلد ».
    تركهم يفعلون ما يشاؤون، لم يعترضْ ولم يستعطف..
    راح القاربان ينسابان وسط صمت مَريع.. سأل الرجلُ المفتول الساعدين والشارب:
    ـ ما اسمك ؟
    أجاب الفتى:
    ـ عليّ.
    وصل القاربان الى مرفأ صغيراً عند جسر الرُّصافة. نزل الرجال.. ونزل الفتى. اتّجهوا إلى باب الطاق.. وعبروا الخندق.. واجتازوا المَسناة.. فاستقبلهم حرس الطاقات في باب البصرة. وفي ضوء الشماعل تأمّل الفتى رجال الشرطة..
    أدرك أنهم سوف يذهبون به إلى سجن « المِطْبَق »، فشعر بدوار يعصف برأسه المُثقَل بالهموم.


    العَودة إلى المدينة
    قصر الذهب تضيء أروقتَه القناديل.. انتصف الليل وخفّت حركة الحرّاس وخَبَت بعضُ المشاعل.. أوَت جواري القصر إلى مخادعهنّ الوثيرة. « الخليفة » يتقلب فوق سريره بين الوسائد.. تفوح من فمه رائحة الخمر.. من يراه في تلك اللحظات يحسبه نشواناً في خيالات الأحلام.. يقظته حلم لذيذ، ونومه أطياف ملوّنة.
    ولكن ما بال وجهه يبدو كدراً.. حاجباه ينعقدان.. ولونه مخطوف، ما تزال الكوابيس تطارده ؟! وفي كل مرّة كان يرى خزائن والده في القَبو ملأى بالجماجم.. جماجم أبناء العمومة. فجأة انتفض النائم مذعوراً.. استوى على فراشه وجبينُه يتصبب عرقاً.
    تلفّت حوالَيه قبل أن يتأكد من أنّه زعيم البلاد وخليفة العباد.. الذي تُجبى إليه الأموال من المشارق والمغارب..
    كانت حسناء الروم تغطّ في نوم عميق.. غادرَ « الخليفة » فراشه..
    وقف « الخليفة » في شرفة القصر يحدّق في الظلام.. وراح يردد بصوت شجيّ:
    ـ « فهَل عسَيتُم إن تَولَّيتُم أن تُفسدوا في الأرضِ وتُقطِّعوا أرحامَكم... ».
    كان « الربيع ين يونس »(5) « وزير الخليفة » غارقاً في الملاءات في تلك الليلة عندما هب على دويّ طرقات غليظة.. أدرك أنّهم رُسل « الخليفة ». ارتدى ثيابه على عجل، وانطلق مع الحرّاس إلى قصر « الذهب ».
    ألفى الخليفة يذرع البهو، ويردد بصوت جميل آية من كتاب الله، هتف « الخليفة ».
    ـ علَيَّ بموسى بن جعفر..
    لم يكن هناك مجال للتأخير، فالأوامر واضحة وقويّة. انطلق الوزير يحفّه حرّاس غلاظ إلى سكّة المطبق. هناك وإلى يمين الطريق المؤدية إلى بوابة البصرة يقع السجن الرهيب.. زنازين صغيرة في أعماق الأرض تشبه القبور، حَفَرها « المنصور » لكل من يعارض « سلطان الله في الأرض »(6)! لكل من يعارض « الخليفة »!
    لم تُفلح المشاعل في تبديد الظلمات المتراكمة في « المطبق »، وبدا الهواء المرطوب داخل السجن خانقاً...
    اتّجه الوزير بخطىً واسعة إلى زنزانة يعرفها تماماً.. هنا ينزل الرجل المَدنيّ موسى بن جعفر...
    كان الرجل المدنيّ ما يزال ساجداً كثوبٍ مطروح.. وقف الوزير مشدوهاً.. ومرّت لحظات صمت رهيب... فهذا الرجل الحجازيّ لا يعبأ بمَن حوله وبما حوله.. لم يسمعه أحدٌ يتضجّر من ظُلمة السجن.. من الزنازين الخانقة.. من القيود القاسية.
    همس الوزير باحترام جمّ:
    ـ يا أبا الحسن!
    رفع الرجل الذي أطلّ على الأربعين رأسَه، تألقت عيناه تحت وهج المشاعل.. وبدا وجهه الأسمر مضيئاً بنور شفّاف..
    العينان تُخفيان حزناً عميقاً... والشفتان تكمن وراءهما ابتسامة ملائكية.. والأنف الأشمّ يعكس كبرياء الإنسان الذي لا يسجد لغير الله..
    شعر الوزير برهبة تستوعب وجوده.. وتساءل في نفسه عن سرّ هذا الرجل الغريب!
    نهض أبو الحسن.. ابتسم الوزير وهو يزفّ له بشرى الحرّية:
    ـ لقد استدعاني الخليفة وسمعتُه يقرأ آيةً من كتاب الله..
    الوجه الأسمر يطفح بالطمأنينة.. تنعكس فوق ملامحه عوالم السلام..
    فكّ الحارس قيداً يربط قدم السجين بصخرة قاسية..
    في بوابة المطبق الصخرية.. رأى الفتى رجلاً يطلّ على الأربعين، وجهه الأسمر يطفح طمأنينة.. وجسمه النحيف يشبه نخلة مَيساء..
    فاحت رائحة طيّبة.. لكأنّ الربيع قد حلّ في « المطبق » يمنح المقهورين الأمل.
    توقّف الرجل المدني وقد مرّ بالفتى.. تأمل في وجهه قليلاً وهمس:
    ـ زكاة السلطان الإحسان إلى الإخوان.
    غادر الرجل المدني « المطبق »، لاحت له السماء وقد تناثرت آلاف النجوم كلالئ منثورة فوق عباءة كُحْليّةِ اللون.
    تمتم الرجل المدني وهو يتطلع إلى السماء المرصّعة بالنجوم.
    ـ يا مَن لا يعتدي على أهل مملكتِه!
    رجف قلب الوزير، تذكّر دسائسه للإطاحة بالوزير السابق « يعقوب بن داود »(7)، ها هو الآن في ظلمات المطبق سيبقى فيها حتّى ينتقل إلى ظلمات القبر.


    * * *

    نهض « الخليفة » احتفاءً بالرجل المدني.. عانقه وقبّله وأخذ بعَضُده ليجلسه إلى جانبه..
    مرّت لحظات صمت قطعها « الخليفة » قائلاً:
    ـ يا أبا الحسن.. رأيتُ جدَّك أمير المؤمنين عليّاً.. كان حزيناً، قال لي: يا محمد! «فهَل عسَيتُم إن تولّيتُم إنْ تُفسِدوا في الأرضِ وتُقطِّعُوا أرحامَكم»..
    ـ وها أنا أريد أن أصل رحمي.. أريد أن أردّك إلى أهلك.. ولكني أخشاك يا موسى.. أخشى أن تخرج علَيّ أو على أحد من ولدي!
    أجاب الرجل المدني:
    ـ واللهِ ما فعلتُ ذلك، ولا هو من شأني.
    أجاب « الخليفة » وقد خامره شعور بالارتياح:
    ـ صدقت.
    والتفت إلى وزيره وقال:
    ـ يا ربيع، أعطِه ثلاثة آلاف دينار، وردّه إلى أهله.
    انتهى اللقاء.. ونهض الرجل المدني يودّع القصر والسجن، ويودّع بغداد..
    في قلبه شوق للقاء الأحبّة.. هناك في مدينة جدّه أولاد وبنات ينتظرون.. يترقّبون عودة أبيهم...
    كانت النجوم تشتدّ سطوعاً في الهزيع الأخير من الليل، لم تَغفُ بغداد بعد.. فبعض الكُوى والنوافذ ما تزال تتدفق نوراً.. وتتناهى لمن يمرّ على بعض بيوتها أصوات موسيقى وغناء..
    كان الربيع يدرك تقلّبات « الخليفة ».. يعرف نزواته ويسبر مدى حقده على أبناء عليّ.. لهذا هيأ لوازم السفر للرجل المدني الذي غادر أسوار بغداد في طريق العودة إلى أرض الوطن..
    إنّ من يريد العودة إلى المدينة عليه أن يطوي المسافات ويجتاز محطّات عديدة.. عليه أن يتجه أولاً إلى الفرات قريباً من قرى « نينوى » ثم يعبر النهر متّجهاً إلى « العُذَيب » ومنها إلى القادسية ثمّ إلى « الرُّهَيمية » ومنها إلى « البيضة » ومنها إلى عيون «شُراف» وإلى « بطن العَقَبة » فإلى « زُبالة ». وفي زُبالة كان رجل من أهلها ينتظر.. يترقب يوماً يعود فيه الغريب إلى أهله..
    منذ الصباح و « أبو خالد » يترقّب المسافرين القادمين. لقد انصرمت الشهور والأيّام وما يزال أبو خالد يترقب يوماً يعود فيه « أبو الحسن ».
    الشمس تسافر في بحر السماء.. وما يزال طريق القوافل مقفراً.. لا ناقة ولا جمل..
    أبو خالد ما يزال يترقب.. ينتظر.. الشمس تجنح نحو الغروب تبهت أشعتها.. وأصعب شيء أن ينتظر المرء، لَكأنّ الزمن يتوقف.. فتصبح الساعة عاماً واللحظات شهوراً.
    أصبح فؤاده خالياً.. بدأت الوساوس تطفو في قلبه كشياطين أيقظها الظلام.. وتساءل في نفسه: أيعود حقاً ؟! الشمس على وشك أن تغيب ولا شيء في الأفق..
    غاصت الشمس في الأُفق لم يبق منها سوى ثلمة ضئيلة.. اهتزّ إيمانه كشُجيرة تحرّكها ريحٌ باردة.. فجأة ظهرت في الأفق نقطة.. وشيئاً فشيئاً كانت تكبر وتكبر.. قفز قلبه.. استيقظ في قلبه فرح طفولي، لعلّ في القادمين موسى.. أجل إنه موسى.. يتقدم « القطار » يمتطي حيواناً ينحطّ عن خُيَلاء الخيل ويرتفع عن ذلة الحمير..
    هتف العائد:
    ـ يا أبا خالد!
    ـ لبّيك يا ابن رسول الله..
    قال ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو يحاور رجلاً اهتزَّ إيمانه قبل الغروب:
    ـ لا تشكّنّ.. وَدّ الشيطانُ أنّك شككت.
    تمتم أبو خالد.
    ـ الحمد لله الذي خلّصك منهم..
    همس ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو ينظر إلى الأفق البعيد.. إلى الجهة التي تهب منها ريح الشمال:
    ـ إنّ لي عودة لا أتخلّص منها.
    وأمضى العائد إلى ربوع وطنه ليلته قبل أن يستأنف رحلته إلى المدينة التي أضاءت الدنيا.


    بشائر في آفاق خانقة
    مثلما تدلهمّ السُّحب في السماء، اكفهرّت الأجواء في المدينة المضيئة.. وبدا مسجد النبيّ كوكباً تحاصرة آلاف الغيوم.. رجال الشرطة يجوبون الأزقة، وهمسات عن موت « الخليفة » في بغداد في ظروف غامضة.. وها هو ابنه يتربّع على دَست الحكم فترتجف المدن. والذين يعرفون بواطن الأمور ربّما دُهشوا لمرأى « الخليفة الجديد »، ما أكثر شَبهَه بيزيد.. طيشه، غلظته قسوته خروجه على التقاليد والأديان والأخلاق.. وأعجب شيء فيه أنّه يحمل اسم « موسى » وهو في جوهره فرعون، وأنّه يُلقَّب بـ «الهادي»(8) وهو نقيض لذلك.
    بدت الأجواء خانقة.. وأصعب شيء أن يعيش الإنسان مقهوراً.. فالحياة تكمن في الحرّية.. وعندما يشعر المرء أنّه فقد حرّيته تصبح حياته عبءً ثقيلاً.. إنه مستعد لأن يفقد رأسه من أجل نسمة حرّة تُنعش قلبه..
    ليس هناك ما هو أفظع من قهر الأحرار، فقلوبهم التي تنبض بسلام، أو تتدفق رحمة.. تصبح في لحظةِ إذلالٍ براكينَ وشواظَّ من نار ونحاس..
    وما الثورات التي تندلع كحرائق مجنونة إلاّ غضب مقدس يختار فيه الأحرار الفناءَ من أجل الكرامة..
    أطلّ « الهادي » بوجهه القاسي.. بطيشه بحقده بكلّ عنجهيّته، فكشّرت شرطته في المدن الخائفة عن أنياب، أين منها أنياب الذئاب!
    اتّبع « العُمريُّ »(9) وقد اصبح الحاكم بأمره في « المدينة » سياسةَ الإذلال لأبناء عليّ عليه السّلام..
    بدأت النار تستعر تحت الرماد.. القلوب الحُرّة تكتوي بالآلام.. تتّقد وقد أزفت لحظة الانفجار..
    مثلما تتحشّد الغيوم في السماء.. مثلما يصبح الفضاء مشحوناً بالبرق والرعود.. كانت نُذُر الثورة تتجمع.. والتاريخ يشير إلى بقعة بين مكّة والمدينة.. هناك سيحطّم الإنسان نفسه من أجل كرامته.. سيمزّق جسده من أجل أن تبقى روحه بيضاء.. سيقدّم الإنسان جزءه المادّي من أجل أن يبقى إنساناً.. الله وحده يراقب الأعماق.. وحده يدرك ماذا يدور في رأس « الحسين »(10) الجديد وهو يتجه إلى قصر الحاكم..
    حشود العلويين تتجه إلى ميعادها اليومي أمام « الأمير » حاكم المدينة..
    ها هو يتصفّح عشرات الوجوه.. عشرات الأسماء الحَسَن.. يحيى.. الحسين.. إدريس.. و.. و.. يُريهم أنه هو الحاكم.. بيده الأمر وبيده النهي وهو على كلّ شيء قدير!
    صرخ « الحائك » في يوم الجمعة، والشمسُ في كبِد السماء:
    ـ اين الحَسَن ؟
    والتفت إلى الحسين ويحيى باستعلاء:
    ـ لَتأتيانّي به أو لأحبسنّكما.. لقد تغيّب عن العرض ثلاثة أيّام.
    قال يحيى:
    ـ لقد ألهَبتْه سياطُكم.. وطوافكم به المدينة.. واتّهامكم له بشرب الخمر.
    قال الحائك:
    ـ إن هذا يُغضب الأمير!
    ابتسم يحيى(11) ساخراً، وانفجر « الأمير » يهدد ويتوعد:
    ـ لَسوف أُحرق بيوتكم.. وأُهرق الدماء.. إذا لم يأت الحسن..
    لم يعد هناك من طريق آخر.. وعندما يُخيَّر الحرّ أيَّ الطريقين يسلك: طريق الحياة الذليلة أم طريق الفناء، لن يتردد في الاختيار.. سوف يختار « كربلاء ». وهكذا دوّت لحظة الانفجار.. لقد اختار الحسين طريق الثورة.. ها هو يصغي إلى صهيلٍ قادم من بعيد.. الحسين يمنح ابن اخيه اسمه وقلبه وجواده.. يمنحه سيفاً.. والقدر يمنح الثائر الجديد بقعة في الصحراء بين مكّة والمدينة..
    شبّت نار الثورة في منتصف الليل.. تألقت المدينة المضيئة.. محمّد صلّى الله عليه وآله يمنح أسباطه خيلاً وبيارق.. وأمانيَّ خضراء. فرّ الوالي.. عادت شرطته فئراناً مذعورة تبحث عن جحور آمنة.
    هبّ الوالي مذعوراً.. أيقظه الأذان.. كلمات بثّت في قلبه الذعر. كلمات تنساب كلحن يدور في الفضاء في غبش الفجر:
    ـ حيَّ على خيرِ العمل..
    لقد مر أكثر من قرن على اندثارها.. وها هي تعود تبشّر بفجر جديد. واستيقظ أهل المدينة على دويّ الكلمات الثائرة.. لقد نهض الحسين.. تحطّمت قضبان السجون.. وتنفّس المقهورون في ذلك اليوم الربيعي نسماتِ الحرّية..
    كلمات الحسين تدوّي في جنبات المسجد النبوّي:
    ـ أُبايعكم على كتاب الله..
    وسُنّة نبيه..
    وعلى أن يطاع الله..
    وأدعوكم إلى الرضا من آل محمد.. وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله والعدل..
    الكلمات تطوف منازل المدينة كفَراشات تبشّر بالربيع..


    فاجعة أُخرى
    توافد رجال الثورة.. جاء الحسين ومعه إدريس(12) ويحيى.. الرجل الأسمر تتألّق عيناه ببريق هادئ، بَدَتا كنافذتين تطلاّن على عوالم مفعَمة بالسلام.. تشعّ نظراته ممزوجة بحزن سماويّ..
    ليس هناك من طريق ثالث.. لقد اختار الحسين طريقه.. قال الذي يَكظِم ثورةً منذ عشرين سنة:
    ـ يا حسين! إنك مقتول.. فأحِدَّ الضِّراب..
    سكت قليلاً وأردف:
    ـ إنّ القوم فسّاق يُظهرون إيماناً ويُضمرون نفاقاً وشركاً..
    بدا الحسين مستغرقاً في تفكير عميق.. ربّما تذكّر كلماتٍ قيلت منذ قرن مضى.
    كلمات قالها الحسين على شاطئ الفرات: ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد..
    نهض الحسين وفي عينيه تصميم على أن يقتفي خُطى الحسين.. من المدينة إلى مكّة.
    الجيوش العباسية تغادر بغداد.. كرياح خريفيّة تطارد الربيع..
    الحسين ومعه عُدّة أهل بدر في طريقه إلى مكّة وقد أطلّ موسم الحج الأكبر..
    قافلة الحسين تطوي الصحراء وتهوي في بطون الأودية.. لم يبق بينها وبين مكّة سوى ستة أميال.. أرهَفَت النُّوق إلى أصواتٍ قادمة من بعيد.. سنابك خيل مجنونة تدكّ الأرض..
    بدت السماء في ظلمة الوادي مرصعة بآلاف النجوم.. أحدقت الجيوش بالقافلة.. آلاف الذئاب فوق ذرى التلال تريد الانقضاض على الفجر الوليد..
    تساءل « العباسي »:
    ـ هل لهذا الوادي اسم ؟
    ـ نعم اسمه فَخّ(13).
    ردّد القائل « العباسي » بشيء من الدهشة:
    ـ فَخّ ؟!
    ـ أجل.. فَخّ..
    هيمن صمت مدهش على الوادي تخلّله رُغاء نُوق أضناها السفر في الصحارى.
    كذئاب مجنونة كانت الجيوش تنتظر مولد الفجر لتنهشه.. النجوم تشتد سطوعاً.. وقد أطلّت لحظة الفَلَق.. انبثق عمود الفجر كشلال من نور فضيّ.. فاندلعت آلاف السيوف كأفاعٍ منتفخة بالسم..
    اليوم هو يوم التروية.. الحسين يقاتل.. يدفع غائلة العدوان، وأمواج الذئاب تتجه إلى عمق الوادي حيث حطّت القافلة رحلها.. في بقعة بكى فيها آخر الأنبياء..
    لم يكن أمام الحسين سوى طريقين: الموت، أو الذل. ولم يتردد في الاختيار..
    لم تكن الشمس لتشرق حتّى كانت أرض الوادي تهتزّ لهول معركة رهيبة.
    ها هو الحسين يقاتل ليقول: من الممكن تحطيم المؤمن ولكن من المستحيل هزيمته..
    أشرقت الشمس حمراء كعين تنتحب، وإذا الأرض مضمّخة بالدماء.
    عشرات السيوف المغروسة في التراب، آلاف السهام المحطمة.. وعشرات الشهداء.. وعشرات الذئاب تعوي.. تحتفل بنصر « الخليفة »..
    عشرات الرؤوس ترتفع فوق ذرى الرماح.. وعشرات الرؤوس تلتف حول رقابها حبال قاسية كأفاعٍ خرافية، ورأس الحسين فوق رمح طويل يتقدّم القافلة.. كربلاء تتألق من جديد.
    والوادي يضجّ بصوت رهيب.. عشرات الأجساد المضمخة بالدماء بلا رؤوس.. ما خلا ريحاً خفيفة تدور في جنبات الوادي.. تُوَلْول كأمرأة ثكلى.
    وهناك في ذرى التلال وقف يحيى وإدريس وراشد يتطلعون إلى ساحة المعركة.. غضب يتفجر في القلوب.. وعيون تتطلّع نحو الأفق البعيد..
    يمّم إدريس وراشد وجههما شطر المغرب.. ومضى يحيى إلى الأرض التي تشرق منها الشمس.. وشيئاً فشيئاً غابا في الآفاق.. حيث تُلامس زُرقةُ السماء سُمرَة الصحراء.. فيما ظلّت الريح تولول وحدها في الوادي المخضب بالدماء.. دماء الأبرياء..
    عيون المدينة تترقب قافلة عجيبة.. رؤوس على ذرى الرماح.. يتقدمها رأس الحسين بن علي.. لكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد. تساءل رجل من بغداد:
    ـ رأس من هذا ؟
    ـ رأس الحسين.
    ـ الحسين ؟! ابن من ؟!
    ـ إبن عليّ.
    ـ إبن عليّ ؟!
    قال الذي عنده علم الكتاب:
    ـ أجل.. إنّا لله وإنا إليه راجعون.. مضى واللهِ مسلماً صالحاً صوّاماً.. آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر.. ما كان في أهل بيته مثله.
    نهض الرجل الأسمر وعيناه تفيضان من الدمع حزناً.
    وفي تلك الليلة شَبّت الحرائق في منازل الثائرين.. ألسنة الحرائق المجنونة تلتهم البيوت.. المصاحف، والنخيل.. وغفت المدينة ودخان الحرائق يدور في الأزقة.. فتدمع العيون.. لم يعد هناك كرامة للإنسان..
    غادرت القافلة مدينة الرسول في طريقها إلى بغداد.. عشرات الأسرى.. وعشرات الرؤوس تقطع الفيافي إلى بغداد..
    « تمّوز » يُلهب الصحراء.. يُحيلها إلى جمر متوقد.. الظمأ والحبال والسلاسل.. والصحراء تجعل من رحلة الأسرى إلى بغداد.. عذابات وآلاماً. أليس هناك في أعماق الكائن البشري بقايا للإنسان ؟! كيف استحال « العباسي » إلى وحش كاسر لا يرى شيئاً غير نفسه ؟!


    ليلة حمراء
    بغداد لاهية.. في سكرة.. غافلة عما يجري.. في منتصف الليل ولجت قافلة الأسرى.. تَقدمها عشرات الرؤوس فوق ذرى الرماح..
    دخلت القافلة بغداد من باب الكوفة.. اجتازت « الطاقات » وقد اصطفّ عشرات الحراس وتوهجت عشرات المشاعل. ساقَ جنودٌ غلاظ الأسرى باتجاه اليمين تحت ضوء قمر شاحب.. بدت السكك المؤدّية إلى الدواوين والقصور كدهاليز مظلمة.. اجتاز الجنود سكّة النساء، وتوقفوا أمام جدار صخري قاس.. انفتحت بوابة حديدية كبيرة وظهر حرّاس غلاظ يحملون المشاعل.. أدرك الأسرى أنّهم قد وصلوا « المِطْبَق » ذلك السجن الرهيب الذي طالما سمعوا عنه الحكايات الرهيبة..
    اقتِيد الأسرى إلى زاوية في باحة السجن.. تناهت إلى أسماعهم كلمات مقتضبة غير مفهومة، ومنّى بعضهم نفسه بالحرّية.. ونظر بعضهم إلى السماء المرصعة بالنجوم.. وتعالت همسات تضرّع وتمتمات مبهمة لا يُسمع منها سوى: الله.. يا ألله..
    وشيئاً فشيئاً هيمن صمت ثقيل.. ملأ باحة « المطبق » حيث تتوهج المشاعل بالكآبة والحزن. ورغم حرارة الصيف فقد كانت تهب من ناحية دجلة نسائم طيبة تبعث في الروح قدراً من الأمل بغدٍ أفضل..
    النجوم تشتد سطوعاً في السماء، وبدا القمر أكثر شحوباً.. لم تبق سوى سويعات ويطلع الفجر..
    نام بعض الأسرى خاصة الشيوخ منهم، وظلّ بعض الشبّان يحدّثون في صفحة السماء.. وربّما تهامس بعضهم في شأن ما.. فيما فضّل آخرون الصمت، تطوف في رؤوسهم صور الأحبّة والديار وتشتعل في أذهانهم ذكريات قديمة.. وبين الفَينة والأخرى يأتي صوت لنباح كلاب بعيدة..
    الليل في قصر « الذهب » أضواء حمراء.. وقناديل.. وشُرُف مفتوحة تلعب بستائرها نسائم « دجلة »..
    الليل في أروقة القصر المنيف.. فتياتٌ حِسان يرفلنَ بحُلل الحرير.. تتألق فيها اللآلئ ويبرق فيها الذهب..
    الليل في البلاط « خليفة » في عنفوان الشباب.. تبرق عيناه بحمّى الشهوات..
    الليل لحظات سُكْر وغناء.. وآنية ملأى بالخمر المعتّقة.. جاءت « غادر »(14) بقدّها الممشوق.. بوجهها الذي يطفح سحراً وجمالاً.. لم يملك « الخليفة » الشاب إلاّ أن يهبّ مفتوناً.. وهبّ الندماء.. إجلالاً لموكب السحر والجمال.. اتّخذت « غادر » مجلسها قريباً من « الخليفة » المفتون.. وحولها وصائفها، استخرجت عوداً من خشب الأبنوس من بين طيات الحرير، وبرفق وضعته في حِجرها وانحنت عليه.. وانساب الصوت الإنساني الناعم مع أنغام العود ليطوّح بعقل « الخليفة » بعيداً.. وليقضي على ما استبقته الخمرة من قدر ضئيل من الإدراك..
    « الخليفة » الشاب يحلّق بعيداً في عوالم زاخرة باللذائذ..
    استخوذت « غادر » بسحرها على الشاب، راحت يداه تتحركان مع أنغام الغناء.. حتّى رأسُه بدا يتمايل كرأس أفعى يرقّصها حاوٍ هندي..
    لم يملك نفسه.. لم يستطع التحمّل أكثر من هذا. « غادر » تطوّح به بعيداً في وادٍ غارق باللذة.. فجأة برقت عيناه المنطفئتان بسبب السكر.. شق حلّته.. كفّت « غادر » عن الغناء.. توقّف العود عن بث الأنغام الساحرة.. اشتعلت في رأس الأفعى آلاف الأفكار.. تصوّر نفسه ميتاً.. وهارون يستولي على كل شيء.. حتّى محظيّته «غادر».. هارون يعبّ أقداح اللذة. أما هو فيتشرب الموت والفَناء، صرخ بقسوة:
    ـ كلاّ!
    ارتجف القصر.. وظهر رجال غلاظ..
    صاح « الخليفة » من وراء الستائر:
    ـ علَيّ به.. علَيّ بهارون.
    أسرع الرجال الغلاظ إلى سجن خاص.. حيث يقضي هارون لياليه في ظلال قاتمة من خلافة أخيه..
    جاء هارون وقد ذهبت به الظنون.. حياته ومصيره في كفّ عفريت من الإنس..
    وقف هارون يتحاشى نظرات أخيه.. ويتلقّى كلماته الجارحة..
    ووقف القاضي يسطّر عباراتِ أغرب عهد في التاريخ.. من أجل أن لا يحظى هارون بمَحظيّة أخيه..
    أُعيد هارون إلى سجنه واستأنف « الخليفة » ليلته الحالمة المترعة باللذّة وقد شعر بأنه قد أزاح عبئاً ثقيلاً عن كاهله.. دجلة ما يزال يجري في الظلام، تتدافع مياهه المتألقة تحت ضوء القمر..
    و « الخليفة » ما يزال سادراً في غيّه.. وشيئاً فشيئاً تبرق عيناه.. تضّج فيهما شهوات آثمة.


    احتفال دمويّ
    تنفّسَ الصبح.. وسيقَ الذين أُسروا زُمَراً، وشاهد بعضهم بغداد لأول مرّة وآخر مرّة.
    سار موكب الأسرى يحفّه حرّاس غلاظ.. اجتازوا باتجاه اليسار السكك التي مرّوا بها ليلة أمس.. سكة « النساء » وسكة « سرجيس » وسكة « عطية ».. سكة «غَزوان».. حتّى إذا وصل الموكب طاقات « باب الكوفة » انحرف باتجاه اليمين في طريق مرصوفة بالحجارة تؤدي إلى القبة الخضراء..
    من بعيد لاح تمثال الفارس فوق القبّة، ما يزال يحمل رمحه الطويل فيشير هذه المرّة صوب « مدينة الرسول ».. الرمح العباسي يحدد جهة الخطر!
    موكب الأسرى يقترب من القصر وعلى بعد عشرات الخطى توقّف ريثما يحصل على الإذن.. أدرك بعضهم من خلال حركة الحرّاس أن « الخليفة » غير موجود..
    مرّت ساعة حسبها الأسرى عاماً.. فجأة ظهر العشرات من رجال الشرطة من طريق جانبية بدوا مثل زوبعة سوداء، بعضهم يشهرون السيوف، وآخرون بأيديهم أقواس موتورة.. وبدا « الخليفة » الشاب بشفته المشقوقة مُصعِّراً خدّه للسماء يكاد ينفجر غروراً.. يحسب أنّه سوف يخرق الأرض وأنّه يبلغ الجبال طولا..
    توقف « الخليفة » الذي لم يكمل السادسة والعشرين من عمره بعد.. ألقى نظرة حارقة أودَعَها كلَّ عُقده النفسية الدنيئة، بَدَت عيناه جمرتين تتوقدان حقداً..
    راح يتصفح وجوه الأسرى.. ويمسح بسكين في يده على أنوفهم! وغاظه أنّه لا يجد في عيونهم ذلة الانكسار.. الأُنوف ترتفع إباءً والجباه تتألق ثورة.. لم يكن هناك سوى شحوب السهر وعذابات الطريق..
    استدار كزوبعة مجنونة واتجه صوب بوابة القصر.. تحرك موكب الأسرى بصمت إلى داخل القصر.. هيمن سكوت موحش وانبعثت من مكان ما رائحة دم.. كل شيء كان يوحي بوقوع مذبحة وشيكة..
    تقدّم بعض الحرّاس وحلّوا عن الأسرى قيودهم والحبال.. « الخليفة » ما يزال يلهب أسراه بنظرات حاقدة.. وفي يده سكين تبعث بريقاً مخيفاً..
    وقف جلاّد فارع الطول على مقربة من « الخليفة ». بدا بحلّته السوداء شبحاً رهيباً.. بيده سيف برّاق.. وقف كتمثال. لا يَطرف له جفن.. كان ينظر إلى « الخليفة » وينتظر.. ينتظر لحظة الانقضاض.
    دخل طابور يحمل رؤوس الشهداء على ذرى الرماح، وكان رأس الحسين فوق رمح طويل..
    مرّت لحظات صمت رهيب.. لوّح « الخليفة » المفتون بالسكّين إيذاناً ببدء المذبحة.. تحرّك التمثال الرهيب.. برق سيفه القاسي.. تقدم اثنان من الشرطة ليقودا أوّلَ أسير إلى نهايته الدامية.. مدّ الأسير رقبته.. كان يتمتم بصوت خافت وقد علت وجهَه صفرة الموت..
    مرّ الزمن كئيباً.. وسيف الجلاّد يرتفع ويهوي.. وتتساقط رؤوس الثوّار.. وفي كل مرّة ينبعث صوت مخيف.. صوت ارتطام السيف بالعنق صوت مخنوق.. يتألف من حرفين كأنه يحكي تمزّق اللحم وتهشم العظام الآدمية، وفي كل مرّة ينبعث ذات الصوت المخنوق قائلاً: رض...
    تساقطت عشرات الرؤوس.. وكان بين الأسرى شيخ طاعن في السن انهكته الأيّام وعصفت به السنون.. كان يتحاشى الشرطة، وفي كلّ مرّة كان يتأخر.. وكان بعض الشبّان يساعدونه لعلّ ذاك القلب القاسي يكف عن مسلسل القتل.. لعلّ الإنسان يستيقظ في أعماقه المظلمة!
    خيّم سكون مدهش.. لم يبقَ سوى الشيخ.. لعلّه كان يتمنى أن يموت بين أحبّته.. في مرابع صباه.. لعلّه كان يحلم بلقاء الأحباب.. لعلّه يريد أن يوصي أبناءه.. لهذا هتف «بالخليفة» المفتون:
    ـ لا تقتلني يا أمير المؤمنين! لا تقتلني أنا مولاك!
    صرخ « الخليفة » المفتون:
    ـ مولايَ يخرج علَيّ ؟!
    هبّ من مكانه وراح يسدّد طعناته بقسوة.. كانت السكين تغوص في جسد الشيخ، مزّقت صدره.. غاصت في قلبه.. هوى الشيخ عند قدمَي « الخليفة ».. تكوّم فوق أرضية البلاط.. وشيئاً فشيئاً خمدت الروح وانطفأت العينان.. وجثم حزن ثقيل فوق المكان كغراب في مساء خريفي..
    انتهت الحفلة.. جاء رجال غلاظ يحملون الأجساد وآخرون يحملون الرؤوس.. وآخرون يغسلون أرضية البلاط المرصوفة بالصخور القاسية.. وهكذا عاد البلاط أنيقاً كما كان.. فيما ظلّت رائحة الدم تدور في أروقة القصر المنيف..


    يتبع
  • بحير
    عضو فعال
    • Sep 2004
    • 564

    #2
    الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

    مناجاة موسويّة
    المدينة خائفة تترقب، لقد هوى الفارس شهيداً في « فخ » وقد أسفر « الخليفة » عن وجهه.. كشّر عن أنيابه يريد أن ينقضّ دون رحمة، لم يعد هناك حياء.. فالعالم مستباح أمام خيول الغازي.. ريح السَّموم تعصف بالمدينة تشوي الوجوه..
    لم تهدأ الريح إلاّ في المساء.. نسائم قادمة من البحر تحاول أن تخفف من حرارة الجوّ الخانقة..
    وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال:
    ـ يا موسى، إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إنّي لك من الناصحين..
    أجاب الذي عنده علم الكتاب:
    ـ إنّ معيَ ربّي سيهديني.
    قال رجل خائف:
    ـ غيّبْ وجهك يا ابن رسول الله مدّة... إن هذا الطاغية لن يتورع عن قتل الناس جميعاً بعد ما قُتل الحسين.
    دمعت عينا ابن النبيّ صلّى الله عليه وآله وغمغم بحزن:
    ـ كان واللهِ صوّاماً قوّاماً، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.
    ونظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم من خلال كوّة في الجدار.. وراح يتأمل الأغوار السحيقة.. والتفت.. التفت إلى الخائفين وقد ارتسمت ابتسامة أمل على مُحيّاه وقال:


    زعم الفرزدقُ أنْ سيقُتلُ مِربَعاْ .... أبشِرْ بطولِ سلامةٍ يا مربعُ

    نهض ابن النبيّ، شمّر عن ساعدَيه... وطوى الأردان عن مرفقيه، وانثالت المياه تغمر الوجه الأسمر واليدين.. ووقف الرجل الأسمر في المحراب.. كما وقف موسى بن عمران يتأمل البحر الهائج.. وقد بدت في الأفق البعيد مركبة فرعون وجنوده.
    الدعاء معراج الإنسان المؤمن.. سلاح الأنبياء.. واحة وارفة الظلال في صحراء الحياة.. مركبة فضائية يبحر فيها المقهورون إلى عوالم زاخرة بالنور والطمأنينة والسلام..
    وفي عالم مترع بالخوف.. وفي فضاء مخنوق برائحة الدم جلس وارث محمد يتمتم بكلمات تقطر حبّاً لخالق السماوات والأرضين.. وأصغى الخائفون إلى صوتٍ فيه بَحّةُ حزن.. صوت يشبه صوت انهمار المطر.
    تجمعت في سماء الروح غيوم وغيوم.. إدلَهَمّ الفضاء.. ودفء الكلمات يجعل الجوّ مشحوناً.. مخزوناً بالبرق وبالرعود.. الكلمات الدافئة المترعة بحزن سماوي تسافر في الفضاء.. تخترق جدران الزمن:
    ـ « إلهي..
    كم من عدوّ انتضى علَيّ سيفَ عداوتِه... وداف لي قواتلَ سمومه.. وأضمر أن يسومَني المكروه..
    فنظرتَ إلى ضعفي عن احتمال الفوادح.. وعجزي عن الانتصار.. فأيّدتني بقوّتك، وشددتَ أزري بنصرك... فلك الحمد يا ربّ.. مِن مقتدر لا يُغلَب..
    صلِّ على محمّد وآل محمّد.. واجعلني لأنعُمِك من الشاكرين.. ولآلائك من الذاكرين ».
    هناك في حفر الظلام أشباح تترصد.. تنصب الأفخاخ.. وتترصد الضحايا هناك عناكب تنسج بيوتاً واهنة وتنتظر.. وهناك ابتسامات، ولكنها في الحقيقة أنياب مكشِّرة تنزّ صديداً:
    ـ « الهي..
    وكم من باغٍ بغاني بمكائده، ونصب لي أشراك مصائده...
    وأخبأ إليّ اخباء السَّبُع لطريدته، انتظاراً لانتهاز فرصته.. فلمّا رأيتَ قبح سريرته، وقبح ما انطوى عليه..
    أركستَه لأمّ رأسه، وأثنيت بنيانه من أساسه.. ورميته بحجره، وأرديته في حفرته..
    فلك الحمد يا ربّ مِن مقتدر لا يُغلَب.. صلّ على محمّد وآل محمّد.. ».
    والحسد تلك العقدة الدفينة والنار المجنونة التي قذفت بالإنسان من روابي الجنّة إلى كوكب الحوادث..
    والحسد ذلك الوحش الكاسر الذي مزّق أواصر الإخاء البشري ليحيل قوافل بشرية إلى قطعان من الذئاب الشرسة تطارد إنسانية الكائن البشري فيفرّ إلى الله:
    ـ « الهي..
    وكم من حاسد شَرقَ بحسده.. وشجا بغيظِه، وسَلَقني بحدّ لسانه، ووخزني بمُؤق عينه، وجعل عِرضي غرضاً لمراميه، وقلّدني خِلالاً لم تَزَل فيه.. فناديتُك يا ربّ مستجيراً بك، واثقاً بسرعة إجابتك، متوكّلاً على ما لم أزل أعرفه من حسن دفاعك..
    عالماً أنه لم يُضطهد مَن أوى إلى ظل كَنَفك.
    فلك الحمد يا رب.. ».
    السجون تضجّ بالمقهورين.. لا يُسمع فيها سوى أنّات المعذَّبين، وصليل السلاسل والحديد.. وخطى السجّانين الثقيلة:
    ـ « إلهي وسيدي..
    وكم مِن عبد أمسى وأصبح مغلولاً مكبَّلاً بالحديد بأيدي العداة لا يرحمونه، فقيداً من بلده وولْده وأهله، منقطعاً عن إخوانه، يتوقع كل ساعة بأية قتلة يُقتل..
    وأنا في عافية من ذلك، فلك الحمد يا ربّ ».
    وهناك في لجّة البحر.. عندما تثور الأمواج وتعصف الريح.. فتجري السفن في موج كالجبال.. هناك يتجلى الله بنوره.. عندما تتمزق الحجب في اللحظات التي يقف فيها المسافر على حافات الغرق والانزلاق في لُجّة المياه والقرار:
    ـ « إلهي..
    وكم من عبد أمسى وأصبح في ظلمات البحر وعواصف الرياح والأهوال والأمواج، يتوقع الغرق والهلاك لا يقدر على حيلة..
    وأنا في عافية من ذلك..
    فلك الحمد ياربّ ».
    وفي حنايا الصحراء.. وفي مَفاوز التلال، يعيش المشرّدون بعيداً عن الأهل والأحبّة والديار.. يواجهون رياح السموم وقسوة الصحراء والرمال:
    ـ « إلهي..
    وكم من عبد أمسى شريداً.. طريداً.. متحيراً.. جائعاً.. خائفاً.. حاسراً في الصحاري والبراري، أحرقه الحرّ والبرد..
    فلك الحمد يا رب..
    وأسألك يا إلهي
    باسمك الذي وضعتَه على السماء فاستقلّت..
    وعلى الجبال فرست.
    وعلى الأرض فاستقرت.
    وعلى الليل فأظلم.
    وعلى النهار فاستنار.. »(15).
    ها هو موسى بن عمران يقف على حافات المياه يتأمل الامواج.. وقد تناهت إلى أذنيه سنابك خيل الفرعون ودويّ مركباته... وها هو يصغي إلى استغاثة قومه قائلين: أُوذينا من قبلِ أن تأتيَنا ومن بعدِ ما جئتَنا..
    إنّا لمدرَكون..
    قال لهم موسى: إنّ معي ربي سيهدين..
    ورفع موسى عصاه عالياً في الهواء ثمّ أهوى بها فوق البحر.. فانشقّ وكان كلُّ فِرقٍ كالطود العظيم.. وأصبح البحر طريقاً للمقهورين والمعذبين.. ومقبرة لفرعون وجنوده.
    لقد استجاب الله دعوة العبد الصالح موسى.. ها هو فرعون.. يغوص في لجّة القرار يشرب الماء المالح.. يغرق.. يختنق.. ويموت ليعود إلى شاطئ البحر جثة هامدة.. تسفي عليها الرياح.
    وفي بغداد.. كانت « الخيزران » حانقة.. تبرق عيناها حقداً على ابنها المتفرعن يريد تحطيمها.. وقتل أخيه هارون..
    في الليل حاكت الخيزران خيوط المؤامرة.. تبادلت النظرات مع آل برمك، وكلمات مقتضبة بالفارسية.
    « الخليفة » نائم يغط في سُكره.. وانسلّت الطبّاخة السوداء وحولها الجواري.. يمرقن في الظلام.. كأشباح تحمل أطباق الموت.. « الخليفة المفتون » نائم.. غارق في سكرته.. أطبقت أشباح الموت.. جثمت طباخة القصر بجثتها الهائلة فوق وجه الفرعون.. وأنشبت الجواري أظفارهنّ.. وتمّ كل شيء في غمرة الظلام. « الخليفة » يغرق.. يختنق.. ويموت.. وينتهي.
    وجاءت « الخيزران » تتأمل جثة « الفرعون ».. وانتزع ابن برمك خاتم الخلافة من يده.. ليبشّر به « هارون ».


    زفاف « الخليفة » السجين!
    الظلام ما يزال يغمر بغداد.. القصر غارق في ظلمة مخيفة، وكانت هناك عيون تبرق في الظلام.. وأصوات تشبه فحيح الأفاعي.. في قلب الظلام انطلق « ابن برمك » و «ابن ذكوان» إلى السجن، فهناك رجل يُدعى هارون.. يترقّب أمرَين: إقصاءه عن ولاية العهد، أو القتل.. فقد سوّلت « للخليفة » نفسُه قتلَ أخيه..
    دخل الرجلان السجن.. واتّجه ابن برمك إلى حجرة صغيرة، كان هارون يغطّ في النوم.. هزّ ابن برمك النائم ليزف له الحلم:
    ـ قم يا أمير المؤمنين!
    هبّ النائم مرعوباً.. قال بلهجة فيها خوف ورعب:
    ـ كم تروّعني إعجاباً منك بخلافتي.. وأنت تعلم حالي عند هذا الرجل.
    ابتسم ابن برمك ساخراً:
    ـ لقد مات هذا الرجل.. انظر هذا خاتَمه.
    وأردف وهو يشير إلى الباب:
    ـ وبالباب وزيره.
    ـ الحرّاني ؟!
    ـ نعم.. لقد أحضرتُه إليك..
    صفّق هارون وقفز من فراشه يكاد يطير.. نعم.. إن ما يراه حقيقة. إنه ليس في حلم.. بل أجمل من الحلم.. لقد انتهت أيّام القلق.. وولّت أيّام الرعب.. عانق هارون شيخ البرامكة..
    نظر هارون إلى ابن برمك نظرات فيها تساؤل.. تُرى كيف مات « الخليفة » الشاب؟!
    غمغم ابن برمك وهو يرمق هارون بنظرات غامضة:
    ـ اخبرتْني أمّك الخيزران..
    سكت هارون وقد ومضت في ذهنه ما حدث قبل أسابيع.. تذكّر لهجة أخيه الحانقة وهو يخاطب أمه: أما لكِ مغزل تشتغلين فيه ؟ لئن وقف ببابك أمير أو قائد لأضربنّ عنقه!
    ومضت في ذاكرة هارون أشياء كثيرة..
    تمتم ابن برمك:
    ـ لقد كان مريضاً.
    قال هارون بلهجة فيها استسلام:
    ـ أجل.. كان مريضاً.
    قال ابن برمك وهو يحاول أن يجسّ نبض « الخليفة » الشاب:
    ـ وعندي خبر آخر سمعتُه وأنا في الطريق.
    تطلّع هارون مستفهماً!
    ـ سمعتُ أن « مراجل » قد أنجبت صبياً.
    سكت هنيهة وأردف:
    ـ إنها ليلة عجيبة! مات فيها خليفة، ونهض فيها خليفة.. ووُلد فيها خليفة!
    غمرت فرحة عارمة وجه هارون.. لقد انفتحت أمامه الدنيا بكل عوالمها اللذيذة ومتعها..
    هتف ابن برمك:
    ـ بغداد تنتظر « الخليفة »!
    بدت بغداد في ذلك الصباح حسناء فارسية ترتدي أجمل زينتها في يوم النيروز..
    أهالي بغداد يتطلعون إلى قدوم « الخليفة هارون ».. الشاب الفارع الطول المشرق الوجه.. زوج زبيدة السيّدة العباسية الثرية..
    انطلقت زغاريد النسوة من شرفات القصور، وعلت هتافات الرجال في الشوارع بحياة هارون..
    وتألق قصر « الخُلد » برجال البلاد، وبدا ابن برمك رجلَ البلاط الأول.. ألبسه هارون خاتم الوزارة وخاطبه بودّ:
    ـ يا أبتي!.. أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك وحسن تدبيرك، وقد قلّدتك أمر الرعية، وأخرجته من عنقي إليك، فاحكم بما ترى.
    وأردف وهو يمنحه صلاحيات مطلقة:
    ـ إستعملْ من شئت، واعزل من رأيت، فإني غير ناظر معك في شيء!
    وأدرك الحاضرون أن « الخليفة » الفعلي سيكون يحيى.. يحيى البرمكي(16)..
    وربتَ هارون على كتف الفضل بن يحيى أخيه في الرضاعة.. وابتسم لجعفر.. جعفر بن يحيى.. وابتسم الحظّ لأبناء برمك.. فهارون سيكون وسيلتهم إلى سلّم المجد..
    الله وحده الذي يراقب الأعماق.. وحده الذي يعلم ما يدور في رأس « الخليفة » الجديد وهو يتجه إلى « الجامع » ليصلّي أول صلاته كخليفة.. تُرى ماذا سيفعل هارون مع الدين ؟ هل سيذهب إليه ويجثو عنده ؟ أم يحاول أن يجرّ الدين إليه بعدما دانت له الدنيا ؟!


    فتوحات شيطانيّة
    في غمرة الليل، تنجم الأشياء.. وتهيج الهواجس، وتضجّ الشهوات، وتُحطّم الشياطين سلاسل الخوف.. الحياء.. وتندفع في الدروب والأزقّة.. تقتحم القصور والبروج المشيّدة..
    مياه دجلة تتألق تحت ضوء البدر.. وقد بدا قصر الخلد في غمرة الظلام حسناء غانية..
    هارون « الملك الرشيد » غارق في وسائده الحريرية.. يرفل بحلّة مزركشة.. تبرق في عينيه الشهوة، وقد برقت في ذهنه أطياف « غادر » تلك الحسناء التي تذوب رقّة وجمالاً، لَكَم تمنّاها من قبل! بصوتها الجميل وغنائها العذب..
    إشتعل في ذهنه طيف لأخيه.. لاح وجهه القاسي بشفته المشقوقة.. طرد عن ذهنه الطيف كما يطرد ذبابة في الصيف.. وأضاء خيالَه طيفُ « غادر » بقِوامها الممشوق.. سوف تأتي..
    ولاحت من بعيد.. ها هي قادمة تحفّها الجواري.. تنساب في مشيتها كغزال طروب.
    انحنت الحسناء « لخليفة العصر ».. جلست قربه في وداعة وخفضت عينيها تنتظر سبب إرساله وراءها في هذه الساعة من الليل.
    راح هارون يتفرّسها بنظرات ملتهمة.. قال دون مقدّمة:
    ـ لقد أرسلتُ وراءكِ.. من أجل أن تكوني لي!
    رفعت الحسناء رأسها ونظرت إلى شباب هارون:
    ـ ولكن..
    ـ ولكن ماذا ؟
    ـ والعهود التي أعطيتَ أخاك ؟
    ـ أُكفّر عنها.
    ـ والحجّ راجلاً ؟
    ـ سأحجّ ماشياً هذا العام.. من أجلِكِ..
    سكتت قليلاً وهمست بدلال:
    ـ أتفعل ذلك من أجلي ؟!
    قال هارون وقد أسكره الصوت الرخيم:
    ـ أجل، من أجل « غادر ».. تهون المصاعب.
    ونظر إلى عينيها العسليّتَين:
    ـ ما هو رأيك ؟
    ـ...
    هتف هارون وهو يكاد يطير نشواناً:
    ـ أين القاضي ؟!
    سرعان ما حضر ( فقيه الأرض ) و ( قاضي القضاة ).. من أجل أن يصنع لشهوة «الخليفة» ثوباً من الدِّين.. وتمّ كل شيء..
    صفّق « خليفة المسلمين » وهو يرسل نظراته إلى أبي يوسف:
    ـ أعطُوه مئة ألف درهم!
    وكاد أن يسيل لعاب القاضي وهو يحمل صرار الفضة.. عَرَقَ الفقراء القادم من ربوع مصر وتخوم خراسان.
    أُسدلت الستائر وقد سقطت التفاحة الشهية في قبضة هارون.
    « غادر » تضع رأسها في حجر هارون.. تغفو سكرى وهارون يتأمل نشواناً وجهها المشرق وشبابها، وقبل أن يشرق الصباح، سكتت شهرزاد عن الكلام المباح.
    انسلّ هارون من بين الوسائد بعد أن أراح رأس محظيته فوق وسادة حريرية.. ارتدى حُلّة جديدة يغلب عليها السواد، واكتسى وجهه الثلجي قدراً من الصرامة والقسوة.. أصبح وجهه مخيفاً.. لو رأته « زبيدة » لأنكرته ولفرّت منه « غادر » و « ماردة » و « هيلانة » و « خالصة » ولأنكرته حتى أُمّه « الخيزران ».
    قطع هارون الرواق بخطىً واسعة، كان « مسرور » واقفاً في وسط البلاط كتمثال، بدا بطوله الفارع جنّياً خرج توّاً من البحر.. سيفه العريض العاري يشبه قدَراً صارماً.
    صفّق هارون بكفّيه.. انتبه المارد.. وانطلق إلى بوابة البلاط..
    دخل ثلاثة رجال ملثّمون.. جمعهم المكان فقط، لا أحد يعرف الآخر، ولا يودّ أن يعرفه.. كانوا يرتدون أزياء مختلفة تماماً، كان الأول يرتدي ثياباً تشبه ثياب الملاّحين، والآخر يرتدي حلّة لا يرتديها سوى التجار، أما الثالث فقد بدا رجلاً حجازياً قادماً من مكة أو المدينة..
    شيء واحد يجمعهم هو بريق العيون.. كانت عيونهم نفّاذة يموج فيها بريق زجاجي.. أشبه ما تكون بعيون رجال على وشك تنفيذ مؤامرة دنيئة..
    اجتمع « الخليفة » مع الثلاثة على انفراد.. الصمت يهيمن فوق المكان.. ما خلا همسات تشبه فحيح الأفاعي.. مرّت ساعة قبل أن ينصرف الرجال الملثمون.. أخذوا معهم صراراً ملأى بمسكوكات فضيّة وذهبية.. وحفظوا عن ظهر قلب مهمّات غامضة.. وأسماءَ لها في قلب « الخليفة » هواجس.. إدريس.. يحيى.. موسى..
    وقف هارون في شُرفة القصر ينظر من بعيد إلى دجلة وقد بدا في تلك الساعة المتأخرة من الليل ثعباناً ينساب بحذر بين أشجار النخيل.
    وفي تلك الليلة انفتحت ثلاثة أبواب لبغداد: انفتحت بوابة خراسان، وبوابة الكوفة، وبوابة الشام..


    كبائر.. في طريق الحجّ!
    قليلون جداً الذين عرفوا لماذ حجّ « الخليفة » هارون هذا العام ماشياً(17).. بعضهم اعتقد أنّ التديّن تمكّن في صميم قلب هذا الشاب الهاشمي، وآخرون قالوا: إنها توبة إلى الله، وعفا الله عمّا سلف.
    ولكن هناك مَن سبر غور هذا الحج إلى حدّ ما، خاصّة وصائف « غادر » اللائي استقبلن النبأ بشيء من الغبطة لسيدتهن الحسناء التي استحوذت على قلب « خليفتَين »!
    وفي كل الأحوال، فقد شاع الخبر في أنحاء بغداد، وخرج بعض الأهالي لتوديع « الخليفة »، ووقفت النسوة في شرفات المنازل يترقّبن موكب « الخليفة »..
    ألقى هارون نظرة وداع على بغداد وقد فُصلت القافلة.. بدت العاصمة كلؤلوة خرجت توّاً من صَدَفتها الجميلة..
    كانت عدّة خيول وبغال تحمل الأثقال ريثما تصل القافلة « الكوفة »، وهناك يمكن استئجار جِمال قويّة لاختراق الصحراء..
    نسائم ربيعية تهبّ من ناحية الشمال، مضمخة بشذى الرياحين.. وقد بدت الكوفة في الأفق البعيد نقطة سوداء كانت تكبر شيئاً فشيئاً كلمّا تقدّم الركب.
    كان هارون يجد نفسه مرتاحاً جداً مع جعفر الذي يصغره بعام واحد.. لعله كان يجد نفسه في مرآة ذلك الشاب الطَّموح الذي يُقبل على الحياة يقتطف ملذّاتها باستمتاع.. لهذا استصحبه..
    كان جعفر هو الآخر يعرف كيف يستحوذ على هارون بأحاديثه البعيدة عن كل الرسميات..
    هوت الشمس في المغيب وقد أطلّ الركب على الكوفة، فضُربت الخيام والسُّرادق.. وكانت خيمة هارون وجعفر على ربوة جميلة انتخبها جعفر.. وانطلق الخدم لتأثيثها وتوفير أسباب الراحة واللهو.. فيما انتشر الحرّاس هنا وهناك لاختيار أماكن الحراسة والخفارة.
    هبط المساء، وسطعت النجوم في السماء.. وهبّت نسائم منعشة تبعث في النفس الحيوية والبهجة والإقبال على الحياة.
    كان « خليفة المسلمين » يتوضأ بإبريق بلّوري مرصّع بالجواهر، وقد أشرق الهلال بلياليه الثلاث، بدا مبتسماً. تذكّر « الخليفة » ابتسامة جاريته الحسناء « خالصة » تلك الفاتنة التي لا تكف عن تسديد نظراتها الساحرة.
    أنهى « الخليفة » صلاته، وكانت رائحة الشواء تملأ الفضاء.
    كان « جعفر » يشرف بنفسه على إعداد المائدة.. إنه يعرف كيف يدخل إلى قلب « الخليفة »!
    هناك مسارب يعرفها جيداً.. أحدها البطن.. اصطفّت الأواني بأشكالها الجميلة.. وفاقت ألوان الطعام العشرين.. لحوم طيور من بلاد بعيدة.. وألسنة السمك.. وفواكه، وهناك في ركن المائدة صحون « الفالوذج ».. وهلمّ جرّا..
    وقع نظر هارون على صحون السمك فوجد لحومها قطعاً صغيرة، استدعى الطباخ وقال بلهجة يشوبها تذمّر:
    ـ ألم أعهد إليك أن لا تكون قطع السمك صغيرة ؟!
    أجاب الطبّاخ معتذراً:
    ـ يا أمير المؤمنين.. هذه ألسنة السمك، وضعتُها لتكون زينة للمائدة!
    علّق البرمكي:
    ـ لقد كلفتْ وحدها أربعةَ آلاف درهم!
    سكت « الخليفة » على مضض، وأدرك أن جعفراً يحاول أن يقول أن هذا إسراف لا طائل من ورائه..
    قال جعفر وهو يرى هارونَ يتلذذ بأكل الفالوذج:
    ـ ماذا قالت العرب يا أمير المؤمنين في الفالوذج ؟
    شرق « الخليفة » بضحكة:
    ـ ويلك! ومن أين للعرب فالوذج ؟!
    وضحِكا معاً ضحكات فيها سخرية..
    أحضر الخدم صندوقاً جميلاً مصنوعاً من خشب الأبَنوس مرصع بالياقوت.. فتح البرمكي الصندوق وأخرج بعناية بيادق الشطرنج وبرقت عينا هارون بهجةً..
    اصطفّت بيادق الجنود والفِيَلة.. وبدت الحُصُن متحفّزة..
    فرك الخصمان أيديهما وبدأ الصراع..
    حرّك جنوده.. وحصانَيه.. وانقضّ البرمكي بالوزير.. راح الوزير يتحرك يميناً وشمالاً فتساقطت الجنود.. وتهاوت القلاع.. وها هو ينقض على الملك.. تطلّع هارون حائراً.
    هبّ الفيلان الأبيض والأسود.. ولكن دون جدوى.
    ومضت عينا البرمكي وهتف منتشياً بانتصاراته:
    ـ سيبقى الوزير هو الأقوى!
    رمقه هارون بنظرات حانقة:
    ـ في الشطرنج فقط..
    وأردف وهو يزيح البيادق من فوق الصندوق:
    ـ وفي ما عدا ذلك فلا قيمة له.
    سكت البرمكي وتظاهر بالابتسام.. وراح يملأ « للخليفة » كأساً من النبيذ..
    وهكذا مضى شطر من الليل..


    يتبع

    تعليق

    • بحير
      عضو فعال
      • Sep 2004
      • 564

      #3
      الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

      COLOR=DarkRed]آمال.. وهواجس[/COLOR]
      تنفّس الصبح.. بينما كان هارون وصاحبه في طريقهما إلى « الكوفة » ودخلا المدينة على حين غفلة من أهلها.. كانا يرتديان زيّ التجار.
      ما أن أشرقت الشمس حتّى كان سوق المدينة يغصّ بالباعة والمبتاعين والعابرين.. وغاب « الخليفة » في زحمة الناس.. أرهف أُذنيه للأحاديث العابرة.. كان يود أن يسمع صدىً لثناء أو مديح أو تمجيد « للخليفة » هارون الرشيد الذي عزم على الحج هذا العام ماشياً.. ولكنه لم يسمع شيئاً. وأثار اهتمامَه أحاديثُ متقضبة عن ضريبة العُشر التي باتت ثقيلة على الأهالي.. ولمح عن قُربٍ أحدَ حرّاسه يسأل عن « صفوان الجمّال »..
      همس جعفر وهو يشير إلى رجل عليه سيماء الزهد:
      ـ أتعرف ذاك الرجل ؟
      ـ لا.. ومَن يكون ؟
      ـ بهلول المجنون.
      ـ وهل هو مجنون حقاً ؟
      ـ لا يبدو عليه ذلك.. ولكن تذكرت ما حدث ذات يوم في حضرة أخيك..
      ابتسم جعفر وأردف:
      ـ استدعاه ذات مرّة وأمر بإحضار رجل آخر من أهل البصرة يدعى « عليّان ».. وكان هو الآخر يُرمى بالجنون.. فبدره « الهادي » قائلاً: أيش معنى عليّان ؟! فأجابه بقول أدهش الحاضرين.
      تساءل هارون:
      ـ وماذا قال له ؟
      ـ قال له: أيش معنى موسى أطبق.. فثارت ثائرة « الهادي » وصاح به: يا ابن الفاعلة! فالتفت عليّان إلى بهلول، وقال: كنا اثنين، فصرنا ثلاثة..
      تذكّر هارون أخاه.. يوم كانا صغيرين، وكان أبوهما قد وكّل به موظفاً يرقب فم أخيه.. فإذا ذهل عن نفسه وفتح فمه وظهرت شفته المشقوقة قال له: موسى أطبق..
      كان الرشيد غارقاً في ذكرياته عندما ظهرت فجأة جنازة يحملها بعض الشبّان.. وسمع أحدهم يقول: هذه جنازة والبة بن الحباب(18).. فردّ آخر قائلاً: لقد أراحنا الله من هذا الزنديق الماجن، لقد افسد فتياننا بتحلّله وإقباله على الخمرة..
      ردّ آخر ساخراً: إذا كان « خليفة المسلمين » ايّده الله يعاقر الخمرة، فلابدّ وأنها حلال..
      تبادل هارون وجعفر النظرات.. وانصرفا إلى مكان آخر من السوق..
      وعندما وصلا أطراف السوق لاحت لهما قافلة من الجِمال تأخذ طريقها إلى خارج الكوفة.. حيث ضُربت خيام « الخليفة »..
      انتظمت القافلة وكانت الجمال تحمل الأثقال.. ووجد هارون نفسه يمشي في فلاةٍ مدَّ البصر.
      لم يعد هناك أثر لعمران ولا شجر ما خلا باسقات النخيل تبدو من بعيد كرموش حسناء.
      ومض طيف « غادر » فتساءل في نفسه: أتستحق كلَّ هذا العناء ؟! وطرد عن ذهنه هذه الفكرة، ففي الحج منافع كثيرة.. سمعة حسنة، وخداع للعامّة، والوقوف على أحوال الناس، ومعرفة ما يجري في الحجاز..
      غمر المساء الأشياء، وسطعت النجوم في أغوارها السحيقة وانفتحت نفس هارون على الغناء، فانطلق يردد أشعاراً على لحن ابن سريج:


      مَلَكَ الثلاثُ الآنسات عِناني .... وحَللْنَ من قلبي بكلّ مكانِ
      مالي تطاوعني البريةُ كلُّها .... وأُطيعهن وهنّ في عصياني؟!
      ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى .... ـ وبه قَوينَ ـ أعزُّ من سلطاني!


      وانطلقت القافلة تطوي المسافات إلى مكّة المكرمة تحرسها حراب وجنود..
      هارون تتقاذفه الهواجس، تحتدم في رأسه الأفكار كخيول مجنونة.. فهناك رجال من أبناء عليٍّ يجوبون المدن، في قلوبهم تشتعل الثورات.. ولكن ما باله قلِقاً هكذا يتوجس خيفة ؟
      كان هارون غارقاً في هواجسه.. تومض في ذهنه أسماء رجال غابوا في الآفاق. إدريس.. يحيى.. موسى.. وقطع عليه هواجسه صوت حاجبه يقترب منه محيّياً:
      ـ السّلام على أمير المؤمنين، وابن عمّ سيّد المرسلين..
      وشعر هارون بالكلمات تأخذ طريقها إلى قلبه، إنه يستمدّ سلطانه من قاعدة قويّة، لقد ورث السلطانَ عن مؤسس الإسلام، فهو حفيد العباس عم النبيّ صلّى الله عليه وآله.. وليس هناك مَن هو أحق بالخلافة والمُلك منه.
      سأل هارون حاجبه عن المسافة التي تفصلهم عن مكّة، وعندما عرف أنها مجرّد أميال انشرحت نفسه، فقد أوشكت رحلة العناء على النهاية..


      موسى وفرعون.. في احتجاج قرآنيّ
      انطوى موسم الحج.. وعادت القوافل إلى الديار.. تهوي في بطون الأودية ومضى «الخليفة» هارون الرشيد يقطع المسافات صوب الشمال يحفّه حرّاس وجنود.. خلع ثياب الإحرام وارتدى حلّة سوداء بدا فيها ملكاً مرهوباً..
      وصل هارون مشارف المدينة المنوّرة، وقد هبّ لاستقباله حاكم المدينة إسحاق الذي تسنّم منصبه حديثاً، ومعه قائد الشرطة ومئات الحرّاس..
      أضحى منظر هارون أكثر رهبة..
      الذين لم يعرفوا هارون خلطوا بينه وبين جعفر البرمكي، فقد حرص أن يدخل المدينة هو الآخر في أبّهة الملك، كان يرتدي حلّة سوداء مزركشة يحوطه جنود من خراسان..
      اصطفّ عشرات الرجال والنساء وحشود الأطفال يتطلعون إلى « خليفة المسلمين » هارون الرشيد، وهو يتقدم الهُوَينى إلى مسجد الرسول صلّى الله عليه وآله.
      ولج هارون مسجداً أُسس على التقوى من أول يوم.. هيمن صمت مهيب، وقد فاحت في الفضاء رائحة طيبة لكأن الجنّة قد فتحت نوافذَ لها على الضريح.. في هذه البقعة الطيبة يرقد نبي الإسلام محمّد صلّى الله عليه وآله.. محمّد الذي أضحى نغمة حلوة تردّدها الملايين في الصحارى والسهول في آلاف المدن والقرى.. في الوديان وفي ذرى التلال..
      وقف هارون قبالة الضريح المضمخ بشذى النبوّات، هتف مؤكّداً صلته العريقة بمؤسس مجد الإسلام..
      ـ السّلام عليك يا بن العم.
      هيمن صمت مهيب وشخصت الأبصار لهارون، ها هو يتربع على الدنيا والدين، ها هو يهيمن على الأرض معتدّاً بصِلته بالسماء.. وفي تلك اللحظات وقع ما لم يكن في الحسبان..
      تقدم رجل أسمر قد ذرّف على الأربعين.. يتألق في جبينه نورٌ لنبوّات غابرة، هتف بصوت دافئ مخاطباً آخر الأنبياء في التاريخ:
      ـ السلام عليك يا أبتِ..
      ذُعر هارون وقد أحسّ بأن عرشه يهتزّ بعنف، تُرى من يكون هذا المجترئ الذي دمّر في لحظة كل مزاعم « خليفة الزمن »، وقد سام الناس قهراً ؟!
      أحدّ هارون النظر إلى الرجل الأسمر وقال بلهجة حانقة:
      ـ مِن أين لكم هذا الأدعّاء يا أولاد عليّ ؟! ومتى ولَدَكم رسول الله ؟
      سكت هنيهة وأردف:
      ـ نحن أقرب إلى رسول الله منكم.
      أجاب سليل الأنبياء:
      ـ لو بُعث رسول حيّاً وخطب منك كريمتك، هل كنتَ تجيبه ؟
      قال هارون بدهشة:
      ـ سبحان الله! بل كنتُ أفتخر بذلك على العرب والعجم.
      قال موسى وهو يهز القاعدة التي يرتكز عليها هارون:
      ـ لكنّه لا يخطب مني ولا أُزوجه.. لأنّه ولَدَني ولم يلدك..
      تساءل هارون بلهجة فيها حقد:
      ـ أنتم أولاد عليّ لا أولاد رسول الله.. أنتم أبناء فاطمة، والنبيّ ليس له عقِب.. إنما العقب للذكر لا للأنثى!
      وأحسّ هارون بأنه قد أحرز نصراً ضد خصمه الذي يهدّد عرشه.
      قرأ الذي عنده علم الكتاب بصوت شجي:
      ـ « ومن ذرّيتِه داودَ وسليمانَ وأيّوب ويوسُفَ وموسى وهارونَ، وكذلك نَجزي المحسنين * وزكريا ويَحيى وعيسى وإلياسَ كلٌّ من الصالحين... ».
      والتفت إلى « خليفة الزمن » الموحش سائلاً:
      ـ مَن أبو عيسى ؟
      ـ ليس له أب.
      فقال موسى:
      ـ إنما أُلحق بذراري الأنبياء عن طريق أمه مريم.. وكذلك نحن أُلحقنا بذرّية النبيّ عن طريق أمّنا فاطمة..
      وخشعت القلوب المؤمنة لذكرى فتاة بتول كانت عديلة مريم ابنة عمران.. ما يزال قبر فاطمة مجهولاً يرسم علامة استفهام كبرى على تاريخ طويل.. تاريخ ضيّع حقَّها وأبناءها.
      أضاف ابن فاطمة يسدّد الضربة القاضية لكل ترّهات هارون:
      ـ وإن شئت أزيدك.
      قال هارون وهو يرفع راية الهزيمة:
      ـ نعم يا أبا الحسن!
      وانسابت كلمات السماء ممزوجة بصوت سماوي فيه حزن المطر:
      ـ« فمَن حاجَّكَ فيه مِن بعدِما جاءكَ من العلمِ فقلْ تعالَوا ندعُ أبناءَنا وأبناءَكم ونساءَنا ونساءَكم وأنفسَنا وانفسَكم ثمّ نبتهلْ فنجعلْ لعنةَ الله على الكاذبين ».. فهل سمعتَ في ما ورد من الأخبار أن رسول الله دعا أحداً غير فاطمة وعليّ وسبطَيه الحسن والحسين ؟
      أطرق هارون وأحسّ الصفعة قد دمّرت كلّ كبريائه وغروره.. ها هو يقف عاجزاً.. وبدا هارون بحلّته السوداء فرعوناً ينظر بفزع إلى موسى وعصاه..


      خارطة فَدَك!
      ليل المدينة.. مدينة الرسول صلّى الله عليه وآله.. ليلٌ يزخر بالنجوم.. ونسمات طيبة تهبّ فتبعث في النفوس إحساساً بالأمل.. نامت العيون.. وما تزال النجوم تنبض في أغوارها السحيقة كعهدها منذ آلاف السنين.
      موسى يجوس خلال الأزقة كطيف مضيء يحمل معه صراراً مُلئن بقطع فضّيّة.. وفي المنعطفات المظلمة، حيث تبدو بعض منازل المدينة خاوية على عروشها، كان الرجل الأسمر الذي تتألق في وجهه طيوف النبوّات يتوقف فيرمي بإحدى الصرار لتسقط خلف جدار يكاد أن ينهدّ..
      الرجل الذي ذرّف على الأربعين ينوء بالهموم.. تومض في أعماقه صور المحرومين والمقهورين.. يحزّ في نفسه أنّه لا يجد ما ينفق، وأرضه تعطي عاماً وتمنع عاماً.. وهناك رجال في غياهب السجون ما يزالون يحلمون بالحريّة والحياة الكريمة، ورجال خائفون.. يجوبون المدن الغريبة بحثاً عن بقعة آمنة..
      وها هو هارون يحمل معه بدارَ الذهب، يسرق خيرات الأرض له ولأعوانه.. تتدفق عليه الأموال من كل حدب وصوب، والغيوم التي تسحّ في أرض مصر وأفريقيا وفي خراسان وسجستان وفي بلاد الديلم وشيراز والعراق.. وفي كل بلد يُذكر فيه اسم الله كثيراً.. تؤتي ثمارها في قصور هارون في دجلة والرقة والأنبار.. وبغداد تغفو على ألحان فارسيّة.
      أما لهذا الليل من نهاية ؟ متى يعود المشرّدون إلى ديارهم ؟ ومتى يستنشق المكبّلون بالسلاسل أنسام الحرّية ؟ ومتى يشبع المحرومون خبزاً طيباً ؟
      ومتى يطمئن أولئك الخائفون في ذرى الجبال والمغادر والكهوف ويعودون إلى أهلهم وينقلبون بنعمة الله لا يمسهم قرح ؟..
      وجد الرجل الأسمر قلبه يهفو إلى مسجد أُسس على التقوى.. إلى حيث كان يصلّي جدّه العظيم...
      الظلام ما يزال يغمر المدينة، شعر بأنه يلج بقعة فردوسية.. تدفّق نبع من الصلاة بين المحراب والمنبر.. وانسابت كلمات السماء تغسل القلب وتطهّر الروح..
      وهوى الرجل الأسمر في سجود من ينوء بآثام البشرية، وانبجست الدموع من عينَيه وهو يخاطب المطلق اللانهائي:
      ـ عَظُم الذنبُ من عندي، فلْيَحسنِ العفُو مِن عندك..
      يا أهلَ التقوى، ويا أهلَ المغفرة...
      هيمن سكون مهيب ملأ المسجد برهبة الساعات الأخيرة من الليل.. وما يزال العبدُ الصالح ساجداً للربّ.
      وبدا العبد الصالح ببدنه النحيف المنصهر في بوتقة السجود ثوباً مطروحاً تركه صاحبه ومضى بعيداً..
      ليس هناك في كل ذلك العالم من يدرك آلام موسى.. عذابات العبد الصالح.. الإنسان الذي يحاول أن يقهر الشيطان الرابض في أعماق النفوس المظلمة.. يريد للأرض أن تَخْضرّ.. ولفراشات النور أن تعود.. وللسحب الرماديّة أن تغادر الأفق أمام ربائب المُزُن المثقلة ببركات السماء.
      هو ذا ذاهب إلى « هارون » إنه طغى.. سيوف وحراب مشهورة، وقد وقف حرّاس غلاظ بوجوههم المتجهّمة؛ تشتعل في عيونهم رهبة الملك وسطوة الجبابرة..
      وجاء موسى.. ليس معه من أسلحة الدنيا سوى قلب يكاد يسع العالم.. في عينيه يتألق حزن سماوي، وفي جبينه تموج طيوف نبوّات غابرة.
      كان هارون ينثر بدار الذهب والفضة، ويتظاهر بردّ المظالم، قال له موسى:
      ـ ما بال مظلمتنا لا تُردّ ؟!
      قال الذي أُوتي من المال كنوزاً:
      ـ ماذا تعني ؟
      قال الذي عنده علم الكتاب:
      ـ أعني فَدَكاً.
      قال هارون في نفسه: ما أبخس ما يريده موسى! وأردف باستعلاء كمن يدلّ بثراء عريض:
      ـ حُدَّها لأردّها!
      قال موسى:
      ـ إنك لن تردَّها إن حددتُها.
      قال هارون بضيق:
      ـ بحق جدّك إلاّ فعلت.
      قال له موسى وقد ارتسمت في ذهنه خارطة الإسلام:
      ـ حدُّها الأول عدن.
      شعر هارون بخنجر ينفذ في ضلوعه.
      قال موسى:
      ـ وحدّها الثاني سمرقند.
      إربدّ وجه هارون، فيما كان موسى يستعرض خارطة فدك المغتصَبة:
      ـ وحدّها الثالث أفريقيا.
      هتف هارون بغيظ:
      ـ هيه!
      ـ وحدّها الرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينيا.
      انفجر هارون:
      ـ لم يبق لي شيء!
      قال موسى غير آبه:
      ـ أعرف أنّك لا تردّها.
      غادر موسى المكان، وقد خيم صمت رهيب.. ظل هارون واجماً ذلك النهار، ها هو موسى يهزّ عرشه بقوّة.
      تفجّرت في أعماقه آلاف المخاوف.. آلاف الهواجس. واستيقظ الوحش في أعماقه كاسراً مدمّراً.. وهتف في أعماقه: سوف أقتل موسى وليدعُ ربّه.
      بدا هارون بحلّته السوداء فرعوناً يفكر في أمر موسى من أين له كل هذه الجرأة ؟! وكل هذه الكلمات المدهشة، وكل هذا السحر العجيب ؟!


      جاسوس متطوّع
      عاد هارون إلى بغداد. غانية الشرق.. ما تزال تغتسل في مياه دجلة، تتألق جمالاً.. فوّارات المياه تنثال في فضاء أزرق.. حدائقها تزهو خُضرة.. وقصورها تتألق كأصداف برّاقة..
      بغداد سكرى على أنغام دجلة.. أسواقها تكتظ بفتيات جميلات جئن من أصقاع بعيدة، في عيونهن سحر وفي أفواههن كؤوس خمر، وفي أصواتهن قصائد شعر..
      هارون بموكبه الملكي يعبر « جسر النساء »(19) يتوقف أمام ساعة كبيرة فُرغ من صنعها حديثاً.. ساعة عجيبة تحكي قصة الوقت لزمن نحاسي.. ومن يُمعن النظر إليها يجدها تتألف من اثني عشر باباً صغيراً بعدد الساعات. وكلما مضت ساعة انفتح باب، وخرجت منه كرات نحاسية صغيرة تتساقط فوق جرس فيرنّ بعدد الساعات وتبقى الأبواب مفتوحة، وعنده تظهر تماثيل صغيرة لاثني عشر جندياً على خيل تدور على صفحة الساعة(20)..
      انه زمن النحاس، زمن الثراء والغناء، والليالي الحمراء..
      لقد غابت الروح ومضى زمن الحب العذري..
      فرّ السلام.. وحلّ في الأرض خوف ورعب.. وهارون يصنع من النحاس عصراً ذهبياً يكاد سنا برقه يذهب بالألباب.
      حانت الساعة الواحدة، وانفتح باب وسقطت كُرة النحاس.. دقّت الساعة الواحدة.. لقد بدأت ساعة الصفر، وبدأ عصر الزمهرير.. سيلفّ الأرضَ خوفٌ ورعب من أجل أن يعيش هارون ناعم البال منتشياً في أحضان جواريه الحسان.
      بغداد سكرى على ألحان الغناء.. لم تسمع في تلك الليلة ـ وقد غاب القمر ـ عواءَ الذئاب البشرية وهي تجوب أزقّة بغداد..
      هارون يخشى موسى وقومَه.. لم يذق طعم الرقاد في تلك الليلة.. يكاد رأسه أن ينفجر.. آلاف الهواجس تدور في رأسه كخيول مجنونة.. شعر برغبة عارمة في أن يعبّ الخمرة، ولكن أنّى له ذلك، وقد انتقض عليه الغَزْل في طنجة وفاس، وقد نهض بالأمر إدريس.. إدريس الذي نجا من « فخّ ».. يؤسّس دولته.. وقد التفّ حوله البربر(21).
      وضع هارون كفّه على جبينه.. الصداع يكاد يحطم جمجمته، لكأن ملايين الخلايا تضجّ في رأسه تبحث عن كأس شفافة تشوبها حُمرة خفيفة.
      نظر هارون إلى وزيره، كان البرمكي يدرك ما يدور في خَلَد هارون، قال بنبرة أودعها كل دسائسه:
      ـ أنا أكفيك أمره.. لقد أرسلتُ وراء « سليمان الجزري ».
      ارتسمت علامة استفهام في عينَي هارون:
      ـ كيف وهو من متكلمي الزيدية ؟!
      ابتسم البرمكي ابتسامة فيها مكر:
      ـ يا أمير المؤمنين، الذهب سيّد المتكلمين.. وددت أنك شاهدتَه وهو يتلجلج أمام بريق الذهب.
      تساءل هارون:
      ـ وماذا في مقدوره أن يفعل ؟
      قال البرمكي بخبث:
      ـ أعطيتُه قارورةَ طيب، وطلبت منه أن يهديها إلى إدريس. لقد كان معاوية يهدي خصومه « العسل » ونحن نهديهم « الطِّيب ».
      ابتسم هارون بمرارة، ولكنّه شعر بأن همّاً ينزاح عن كاهله.. لَشدّ ما يخشى أبناء عليّ، قال البرمكي وقد وجد الظرف مناسباً تماماً:
      ـ رحم الله جدّك المنصور.. لقد ترك الناس ثلاثة أصناف.. فمنهم في غياهب السجون لا يفكّرون إلاّ بالحريّة.. يحلمون بالعودة إلى أهليهم يتمنَّون رؤية السماء الزرقاء. ومنهم الجياع.. بطونهم خاوية طول النهار لا يفكّرون إلاّ برغيف الخبز. ومنهم الخائفون المشرّدون في المغارات والأصقاع البعيدة.. قد جلدتهم قسوة الغربة عن الأهل والديار فلا يرجون شيئاً سوى الطمأنينة والأمن والسلام.
      كان هارون يصغي إلى البرمكي.. رفع إليه عينين فيهما تساؤل عما ينبغي فعله.. قال البرمكي بعد أن سكت قليلاً:
      ـ إنني أخشى هؤلاء العلويين.. لقد استوطنوا بغداد وأصبحت لهم أملاك وبساتين.. والناس إليهم أميل وهم على فقرهم أسخياء.. أرى أن تُرحّلهم عن بغداد يا أمير المؤمنين(22).
      دخل « مسرور » بجثته الهائلة وهمس في أذن « الخليفة » كلمات..
      قال هارون:
      ـ ليدخل.
      مضت لحظات قبل أن يلج رجل يرتدي ثياباً رثة، عيناه لا تستقران على شيء، تقدّم متعثراً وهمس مرتبكاً:
      ـ النصحية يا أمير المؤمنين.
      ـ تكلّم!
      ـ إنها من أسرار الخلافة.
      نظر هارون إلى وزيره نظرات آمرة، لم يبق أحد غيرهما، قال الرجل بصوت خافت فيه صدى لفحيح مسموم:
      ـ الأمان أولاً..
      ـ هات ما عندك.
      ـ رأيت يحيى..
      ـ ابن عبدالله ؟!
      ـ نعم.
      هتف هارون بلهفة:
      ـ أتعرفه ؟
      ـ نعم يا أمير المؤمنين.. كان يرتدي قميصاً من الصوف غليظاً..
      ـ وما أدراك أنه يحيى ؟!
      ـ كنت أعرفه قديماً، وعندما رأيته بالأمس عرفته.
      ـ صفه لي!
      ـ مربوع، أسمر حلو السمرة، جميل العينين، حسن الوجه والجسم.
      ـ صدقت إنّه هو.. أين رأيته ؟
      ـ في خان من خانات حُلوان.
      ـ أسَمعتَه يقول شيئاً ؟
      ـ لا.. غير أنّي رأيته، ورأيت معه غلاماً لا أعرفه.. وكان معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرتحلون إذا رحل، ويكونون معه ناحية فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه، ولكنهم أعوانه.
      ـ مَن أنت ؟
      ـ رجل من أبناء هذه الدولة.. أصلي من مرو ومنزلي ببغداد..
      ـ سوف أُحسن إليك.. فانطلق وكن ليحيى مثل ظلّه واكتب لي أخباره.


      قضاة الملوك
      بدا هارون عصبياً، كل ذرّة في كيانه تضجّ إلى الخمرة وكؤوس اللذة.. هارون يريد أن يغرق فينسى كل همومه.. ينسى إدريس ويحيى.. ينسى موسى.. ولكن من الحماقة أن يترك دولته ويغرق في السكر.
      ليضرب ضربته ثم يحتفل.. ومضَ في ذهنه طيفٌ لجدّه بحلّته السوداء وقسوته وسيفه الذي لا يكاد يفارقه.. التفت هارون إلى وزيره الرجل الذي بشّره ذات مساء بالمُلك العريض، هتف هارون بغيظ:
      ـ لا أريد أن أرى علويّاً في بغداد بعد الآن.. لا تدَعوا فيها أحداً صغيراً ولا كبيراً..
      هيمن وجوم على المكان..
      انحنى الوزير انحناءة خفيفة، هتف « الخليفة » وقد اشتعلت عيناه:
      ـ أريد أن يتم الأمر هذه الليلة.
      ـ إطمأنَّ يا سيدي..
      ـ لا تنسَ أن ترسل لي جعفراً.
      ابتسم الوزير.. وقد أدرك أن ابنه قد نفذ إلى قلب « الخليفة »:
      ـ سأفعل ذلك يا مولاي..
      غادر الوزير المكان.. صفق « الخليفة » بكفّيه كأنما يعلن عن مشهد آخر.. مشهد يختلف تماماً عمّا كان عليه قبل لحظات. اختفى الحرّاس وراء الأبواب.. أقبل سرب من الجواري كغزلان، وأطباق الطعام وآنية الخمر..
      وجاء جعفر يرفل بحلّته الحريرية.. اتّخذ مكانه إلى جنب « الخليفة » الذي هبّ إلى لقائه بشوق..
      الفتيات الجميلات يرفلن بحُلل مزركشة بالذهب في وجوههن تموّج فتنة.. إتّخذت « هيلانة » مكانها فوق كرسي وأحطن بها الجواري.. مسّت العود بأنامل ناعمة.. وانسابت الأنغام.. أنغام موسيقى حالمة، وكلمات بشرية ناعمة:


      نظرتْ عيني لِحيني .... وزكا وجدي لبَيني
      من غزال قد سباني .... تحت ظلّ الدرّتَينِ
      سكب الماء عليه .... بأباريق اللُّجَينِ


      دارت الكؤوس، وحلّقت النفوس، في عوالم مفعمة باللّذة والمتع السُّفلية، وبدا « الخليفة » كائناً مسّته شياطين الشهوة.. الجواري يتضاحكن.. يتغامزن..
      الكؤوس ما تزال تدور وهارون أصابه الدوار.. عشرات الصور تومض في رأسه المثقل بخمرة معتّقة.. استقرّت في مخيلته صورة لحسناء جميلة.. تخلب اللب، قال بلهجة مخمورة:
      ـ ما اسم الجارية التي اشتريتَها بالأمس يا جعفر ؟!
      عبّ جعفر بقية كأسه وقال مخموراً:
      ـ وما تريد من اسمها ؟! لها ألف اسم واسم..
      آه لو رأيتَ ساعديها وزنديها.. آه لو رأيت...
      شبّت نار الشهوة في أعماق هارون..
      ـ بِعْها.. أُعطيك وزنها ذهباً وفضة. بِعْها.. أُعطيك وزنها ذهباً وفضْة.
      ـ اتراني أحتاج إلى الذهب أو إلى الفضة ؟!
      ـ إذن هبْها لي!
      ـ ولماذ أهبها لك.. قل لي بربك ماذا تصنع بها ولديك آلاف الجواري الحسان ؟!
      أطلق جعفر ضحكة متهتكة وأردف:
      ـ وزبيدة.. ألا تخشى أن تغضب منك ؟!
      اشتعلت حمى الشهوة في نفس هارون، هتف بضيق:
      ـ زبيدة.. زبيدة طالق ثلاثاً إذا لم تبعها أن تهبها لي.
      قهقهت جارية بصوت فيه أصداء غنج..
      اعتدل جعفر مترنّحاً وصاح مخموراً:
      ـ زوجتي طالق ثلاثاً إن بعتُها لك أو وهبتها..
      الجواري يستغرقن في ضحكات ناعمة.. وانطلق صوت ناعمٌ يصدح في ظلمة الليل:


      وسواعد تزهو بحسن أساورٍ .... كالنار تضرم فوق ماء جارِ
      فكأنّما والتِّبرُ محتاط بها .... ماءٌ تَمنطَقَ معجَباً بالنارِ

      أفاق هارون من نشوته.. استيقظت في أعماقه حمّى الخلافة.. لقد طلّق زوجته.. في نوبة سكر.
      ترى ماذا سيفعل وهو « أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين» ؟
      التفت إلى جعفر.. جعفر ما يزال ثملاً، قال « الخليفة » بشيء من الجدّ:
      ـ لقد وقعنا في مأزق.. كلانا طلق زوجته!
      همس جعفر متصنعاً الجدّ:
      ـ حقاً ؟! هذه مشكلة ليس لها غير أبي يوسف..
      بغداد غارقة في منتصف الليل.. كل شيء بدا ساكناً سكون المستنقع، ما خلا خطى أحذية الحراس الثقيلة تتجه إلى بيت قاضي القضاة.
      دقّات عنيفة تمزّق صمت الليل، هبّ القاضي من نومه فألقى حرّاسَ « الخليفة » يحملون مشاعل وقد اكتست وجوههم رهبة..
      مثلما تغادر الخفافيش الكهف المظلم، تراكضت أفكار القاضي وهو يرتدي حلّته الرسميّة. لابدّ وأنّ أمراً عظيماً قد حدث في الإسلام، وإلاّ لم يطلبه « الخليفة » في هذه الساعة المتأخرة من الليل!
      هتف بغلامه:
      ـ لا تنسَ أن تأخذ معك مِخلاة البغلة.. فلعلّها لم تستوفِ عليقتها.
      ـ سمعاً وطاعة.
      امتطى القاضي بغلته، وضع كُمّه على أنفه يتوقى نسائم خريفية تبشّر بشتاء قارس البرد.
      نهض هارون لاستقبال قاضيه.. ليس هناك من هو أفضل من هؤلاء القضاة.. إنهم يعرفون كيف يجعلون من الحلال حراماً ومن الحرام حلالاً.. هناك ما يشبه الصفقة بين الرجلين.. فالقاضي يعشق الذهب والجاه، و « الخليفة » يحتاج إلى عباءة القاضي.. ورضى القاضي من رضى الله!
      كانت رائحة الخمرة ما تزال تفوح فتمتزج مع رائحة عطور غالية.
      أصغى قاضي القضاة إلى مشكلة « الخليفة ».. اعصم جعفر بالصمت وكان يراقب من زاوية عينه..
      قال « الخليفة »:
      ـ وهكذا عجزنا عن تدبير الحيلة..
      برقت في عينَي القاضي نشوة الانتصار:
      ـ يا أمير المؤمنين! الأمر أسهل ما يكون.
      التف أبو يوسف إلى الشاب البرمكي:
      ـ يا جعفر، بع لأمير المؤمنين نصفها وهب له نصفها الآخر. . وهكذا سوف تبرّان في يمينكما.
      هتف جعفر ثملاً:
      ـ لقد بعتُ أمير المؤمنين نصف جارتي ووهبته نصفها الآخر.
      هتف هارون جذلاً:
      ـ أحضِروا الجارية في هذا الوقت، فإني شديد الشوق إليها.
      وجاءت الجارية تمشي على استحياء.
      اشتعلت حمّى الشهوات في عيني هارون فقال لابي يوسف هامساً:
      ـ أُريد وطأها في هذا الوقت..
      ـ ألا تنتظر يا أمير المؤمنين حتّى تمضي مدّة الاستبراء ؟!
      ـ كلاّ، لا أُطيق الصبر عنها.. فهل عندك في هذا حيلة ؟
      فكّر القاضي.. راح يبحث في تلافيف مخه عن مُسوّغ.. عن حيلة تسدّ جوع « أمير المؤمنين »!
      ومضت في عيني القاضي بروق الانتصار فهتف:
      ـ اِئتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين لم يجرِ عليه العتق.
      ما هي إلاّ صيحة واحدة حتّى وقف عبد بقامته الفارعة، قال القاضي:
      ـ أتأذن يا أمير المؤمنين أن أُزوّجها منه ثم يطلّقها قبل الدخول، وعندها يحلّ لك وطؤها في هذا الوقت من غير استبراء.
      ابتسم هارون للعبة القاضي، وقال لمملوكه:
      ـ أذنتُ لك في العقد.
      تمّ العقد.. وأصبح هارون قاب قوسين أو أدنى من الحسناء الفاتنة.. التفت القاضي إلى المملوك وقال:
      ـ طلّق زوجتك!
      ـ وإذا لم أطلّقها ؟
      ـ طلّقْها ولك مئة دينار ذهب.
      ـ لا أفعل.
      ـ طلقها ولك الف دينار!
      ـ ...
      صرخ هارون بعصبية.
      ـ يا ابن الفاعلة!
      همس القاضي:
      ـ لا تجزع يا أمير المؤمنين.. لو طلّقها كارها لم يصحّ؛ دعني أجد لهذا المشكل حلاًّ.
      مرّة أخرى راح القاضي يقلب أوراقاً قديمة فهتف:
      ـ وجدتها! ملّكْ هذا المملوك للجارية.
      ـ ملّكتُه لها.
      التفت القاضي إلى الفاتنة:
      ـ قولي: قبلتُ.
      ـ قبلتُ.
      وهنا هتف أبو يوسف قاضي القضاة:
      ـ حكمتُ بينهما بالتفريق؛ لأنّه دخل في مُلكها فانفسخ عقد النكاح.
      هبّ هارون الرشيد « خليفة المسلمين في العالم » على قدميه وهتف:
      ـ مثلك من يكون قاضياً في زماني.. إليّ بأطباق الذهب..
      امتلأ حضن أبي يوسف بمسكوكات الذهب..
      قال هارون وقد أُوتي من الكنوز ما إنّ مفاتحه لَتنوء بالعصبة أُولي القوّة:
      ـ هل معك شيء تضع فيه ذهبك.
      تذكّر قاضي القاضي المِخلاة:
      ـ نعم.. مع غلامي مخلاة.
      امتلأت المخلاة ذهباً يكاد سنا برقه يذهب بالألباب، وغاب هارون مع الحسناء الفاتنة وراء ستائر حمراء حالمة. ومضى أبو يوسف جذلان فرحاً.. قال لغلامه وهو يحاوره:
      ـ لا طريق إلى الدنيا أسهل وأقرب من طريق العلم، لقد أُعطيت كلَّ هذا المال من أجل مسألتين أو ثلاث!

      يتبع

      تعليق

      • بحير
        عضو فعال
        • Sep 2004
        • 564

        #4
        الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

        في زمن الزمهرير
        ليس هناك في كل ذلك العالم المفتون مَن يدرك آلام موسى عليه السّلام.. رجل يحمل هموم الأنبياء وينوء بثقل آخر الرسالات في التاريخ.
        لقد ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.. المفتونون ينظرون إلى هارون.. ينظرون إلى رجل ذهبي.. يتحسرون في أنفسهم سرّاً وعلانية يقولون: يا ليت لنا مثل ما أُوتي هارون إنّه لذو حظٍ عظيم!
        الدنيا تدور بأهلها.. تتغير من حال إلى حال.. زَهَت القصور فهي تنهض على أنقاض اللحوم الآدمية.. خبت المساجد انطفأت قناديلها.. وغطّى المحاريبَ الغبار.. ضاعت تراتيل القرآن في زمن الغناء.. أصبحت بغداد قبلة الذين فُتنوا بالعجل الذهبي.
        ليس هناك من يدرك عذابات الأنبياء في زمن مشدوه بالذهب.. يجعل منه إلهاً من دون الله.
        موسى يكاد أن يتشظّى غضباً لولا أنْ كظَمَ الحزن.. في عينيه تطوف غيوم ممطرة.. هنالك في أعماق ذلك الرجل الأسمر الذي ذرّف على الأربعين بركان يحتدم غضباً.
        الأرض تشتعل بالثورة والنار ما تزال تحت الرماد، والذين نَجَوا من « فَخّ ».. يؤسسون دولاً ويُشعلون الأرض ثورة.. ها هو يحيى بن عبدالله ينهض وقد التفّ حوله « الدَّيلَم » في أرض الجبل(23).
        موسى ينطوي على غضب سماوي.. يكظم حزنه، وهارون خائف يخشى موسى.. يخشى أسلحة الصمت الحزين.. يخشى كلمات تنفذ في أعماق القلب في تلك النقطة التي يُولَد فيها الإيمان، الأمل.. والثورة.. هارون لا يخشى إدريس ولا يحيى.. يعرف كيف يواجه تلك الأخطار.. لكنه يخشى موسى الأعزل من كل أسلحة الحديد.. هارون يدرك أن موسى.. يحمل في يديه عصا ابن عمران وفأس إبراهيم..
        جاء صفوان زائراً فقال موسى عليه السّلام وهو يحاوره:
        ـ يا صفوان، كلّ شيء منك حسن جميل.. ما خلا شيئاً واحداً.
        أحسّ صفوان أنّه يهوي من فوق جبل:
        ـ جُعلت فداك، أي شيء ؟!
        قال الذي كظم غضب السماء:
        ـ كِراكَ جِمالَك لهذا الطاغية.
        قال صفوان مبرّراً:
        ـ ولكني لم أفعل ذلك بَطَراً.. وأعرف أنّه لا يريدها للصيد أو اللهو.. إنما فعلت ذلك لأنّه يريدها للحج.. كما أني لا أتولّى خدمته بنفسي، إنما أبعث معه غلماني.
        قال الإمام وهو يعلن حرب المقاطعة:
        ـ أيَقَع كِراك عليهم ؟
        ـ أجل يا سيدي.
        ـ أتُحبّ بقاءهم حتّى يخرج كِراك ؟
        ـ نعم.
        ـ مَن أحبّ بقاءهم فهو منهم.. ومن كان منهم كان وراداً للنار.. « لا تَرْكَنُوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكمُ النار ».
        هتف صفوان مذعوراً:
        ـ أعوذ بالله!
        لقد قرر موسى الحرب.. وليس معه إلاّ الكلمات.. الكلمات التي تتدفق ملتهبة كحمم بركانية..


        * * *

        هنالك في الأُفق البعيد معركة فاصلة.. رجل أعزل من كل شيء إلاّ من ميراث النبوّات يواجه به نظاماً مدججاً بالسلاح.. مطموراً بالذهب.. ها هو هارون يجمع من حوله الشعراء ليسحروا أعين الناس.. يطلب منهم أن يقهروا موسى.
        في زمن الزمهرير في زمن ترتجف فيه المدن.. في زمن يتعذّر فيه على الإنسان أن يحيا إنساناً.. في زمن يُمسخ فيه الكائن البشري ليستحيل إلى مخلوق آخر لا يملك من بشريته سوى إهاب كاذب في مثل هذا الزمن يختنق الأحرار.. يختارون الموت أو السجن.. من أجل أن تبقى للإنسان كرامته.
        هارون ماهر في لعبة الشطرنج.. يعرف كيف يقهر موسى.. يعرف كيف يثير الحيوانات الكامنة في النفوس البشرية.. ها هي تتفلت من عقالها كثيران هائجة.. تدمّر حاجز العقل والدين والكرامة
        فقدت الاشياء توازنها.. استقرارها، ولم يَعُد هناك من شيء مقدّس، فقد خسر الإنسان نفسه وهو يركع في حضرة العِجل الذهبي.. وأصبح القابض على دينه كالقابض على جمر.
        كثيرون هم الذين بهرهم العجل الذهبي، فهم عاكفون عليه حتّى لو جاء موسى..
        بريق الذهب يخطف الأبصار ويذهب بالألباب. وجاء رجل.. رجل انسلخ عن الإيمان، بهَرَه ذهبُ هارون.. يريد السفر؛ قال له موسى غضبانَ أسفاً:
        ـ بلغني أنك تريد السفر ؟
        ـ نعم.
        ـ إلى اين ؟
        ـ إلى بغداد ؟!
        ـ علَيَّ دَين وأنا مُمِلق.
        ـ أنا أقضي دَينك.
        ولكنّ المبهور بعبادة العجل لم يلتفت إلى دعوة العبد الصالح. قال له موسى وهو يهبه ثلاثمئة دينار:
        ـ لا تُؤتِمْ أولادي!
        برقت عينا الاسخر يوطيّ بالغدر.
        فانطلق إلى بغداد.. إلى كنوز قارون.. ودنيا هارون. وثب الشيطان في أعماقه.. فجاء يدلّ على ابن مريم.. جاء ليبني مجده على أشلاء مَن ولدته الأنبياء.. جاء ليبطش بموسى.. لقد أعماه بريق الذهب.. خلب لبَّه فسوّلت له نفسه قتل أخيه!


        القلق الطاغي
        بدا هارون في قصره ذلك الصباح البارد ثعباناً جامداً، عيناه تحدّقان في نقطة ما في أرضية البلاط.. كان يسفح أفكاره وهواجسه في تلك النقطة المبهمة.. يفكّر ويدبّر.. لقد انفجر الغضب العلوي في جبال الدَّيلم.. ولم يَعُد هناك من وقت للسكوت.
        وهناك في المدينة رجل أسمر يقال له ( موسى ) يحمل في قلبه قرآن محمّد صلّى الله عليه وآله وفأس إبراهيم عليه السّلام وعصا موسى الكليم عليه السّلام.
        وهناك في طنجة، حيث تغرب الشمس.. عَلَويّ آخر هو إدريس وقد نهضت له دولة، وأصبحت له صولة.
        تناهت إلى أُذن هارون جلبة وضوضاء، لقد حضر وزير الدولة يحيى بن خالد البرمكي.. ما يزال يأمر وينهى وينصب ويعزل ويفعل ما يشاء..
        هيمن صمت ثقيل كغراب جاثم.. وقد بدا رجال الدولة بثيابهم الرسمية السود سرباً من الغربان يبحث في الأرض..
        كان هارون متوتر الأعصاب، لقد أدمن الخمر وها هو يتركها فجأة، ففي الأُفق الشرقي ما ينذر بالخطر.. يحيى العلَوي يرفع راية الثورة في أرض الجبل..
        بدأ الوزير حديثه لكسر حاجز السكوت:
        ـ غداً أو بعد غد، سينطلق وفدنا إلى شمارلمان ملك الفرنجة يحمل له هدايا الخلافة وفيها الساعة الروحانية، إنّه يريد منّا أن نحمي الحُجّاج النصارى الذين يقصدون بيت المَقْدس.. ونحن نريد منه أن يكفينا شرّ هشام في الأندلس وربّما صولة إدريس..
        تساءل هارون:
        ـ والطِّيب الذي أرسلته إليه ؟!
        ـ لم أحصل بعدُ على أخبار.
        التفت هارون إلى الفضل:
        ـ أين كنت كلَّ هذه المدّة عن يحيى.. لقد التفّ حوله الديلم(24) وقويت شوكته ؟
        ـ لا تخشَ شيئاً، أنا أعرف كيف أُخمد أنفاسه.
        ـ أنا لا أخشى إلاّ شخصاً واحداً.
        قال الوزير:
        ـ ومن هو ؟!
        ـ موسى بن جعفر..
        سكت هنيهة وأردف:
        ـ أشعر أنّه يحاربني هنا في بغداد.. بل في قصري، لَشدّ ما أمقت هؤلاء العلويّين.. لا أُطيق أن أراهم يعيشون، ويتزوجون، ويتكاثرون.
        ومضت عيناه ببريق مخيف وهو يقول:
        ـ إنّ موسى هو مصدر الخطر..
        والتفت إلى الفضل:
        ـ أخمِدْ أنفاسه قبل أن يستفحل أمره.. أنا لا أُطيق دولة إدريس، فإذا نهضت ليحيى دولة فلا آمن أن يقوم موسى ويضربني بمئة ألف سيف(25).
        أرسل هارون نظرة من خلال نافذة القصر وتمتم:
        ـ أريد الحجَّ هذه السنة.


        * * *

        مرّت أيّام شهدت فيها بغداد ثلاثة أحداث.. غادر موكب « الخليفة » العاصمة إلى الكوفة على طريق الحج، وتحرّك جيش قوامه خمسون ألف مقاتل بقيادة الفضل لقمع الثورة المشتعلة في أرض الجبل، ووفد يضم مسؤولين في الدولة يتوجه إلى أرض الفرنجة حيث يحكم الملك شارلمان.
        بدا موكب « الخليفة » وهو يضمّ كبار رجال الدولة وجمعاً ـ من رجالات المجتمع؛ أنّ هارون يريد أن يعلن للجميع قائلاً:
        ـ أيّها الناس، أليس لي مُلك نصف الأرض وهذه الأنهار تجري من تحتي ؟!
        لا أحد يعرف ما يدور في خَلَد هارون وهو يصطحب معه ولديه عبدالله ومحمداً، أصبح موكب « الخليفة » قاب قوسين أو أدنى من الكوفة، ورأى من بعيد قوافل تتجه صوب بقعة على شطآن الفرات حيث ترتفع باسقاتُ النخيل.. صرّ على نواجذه بحقد.. أمرٌ عجيب.. إنه يمقت تلك البقعة، يودّ أن يعفّي قبورها وآثارها من الأرض ومن ذاكرة التاريخ.. لقد علّم الحسينُ الناس أن يعيشوا أحراراً أو يموتوا واقفين مثلما باسقات النخيل..
        كان هارون يتأمل من بعيد سدرة ترسم ظلالها فوق قبر الحسين عليه السّلام.
        خطرت في ذهنه فكرة، ومضت كبرق في قلب الظلمات، ماذا لو أنّه عاش في عصر الحسين ؟! إنه لن يتردد حتّى لحظة واحدة في تمزيقه.. إنّ المُلك عقيم، بل لو أن رسول الله نازعه في ذلك لقطع رأسه، إنّ يزيدَ لم يفعل شيئاً يستحق من أجله اللعن!
        حطّ « الخليفة » رحاله في الكوفة.. في مدينة كانت يوماً ما عاصمة الإسلام.. ومخزناً للثورة.. ما تزال حلماً للثائرين.. فكلما ضاقت السبل على الأحرار أُمّوها ليجدوا فيها أسلحةً وسواعد مقاتلة وقلوباً تنبض بالحرّية.
        ولكنّ الكوفة لم تكن كحالها بالأمس، تغيرت كثيراً، سرى لها الوباء من بغداد.. شاع فيها الخمر والغناء.. ومجون الشعراء.. حتّى أنّ « بهلول »(26) لم يعد يرى فيها شيئاً يأنس به سوى مقابرها يرتادها أحياناً كثيرة، يُصغي إلى صمت القبور.. وربّما حدّثها عن موت الكوفة.. عن انسلاخها من الآيات.


        المجنون
        غصّ المكان بالوافدين.. العيون جميعاً تبحلق بهارون وقد تربّع بين أولاده ورجال دولته.. تحسّر بعض أهل الكوفة وربّما همسوا فيما بينهم قائلين: يا ليت لنا مثل ما أُوتي هارونُ إنه لَذو حظّ عظيم!
        هارون يتصفّح الوجوه، كان يحرص على أن يرى مدى سطوته.
        العيون تنظر إليه في خشوع يصل إلى درجة الذلّ، ولكن هنا من لا يكترث له ولم يحضر مجلس « الخليفة ».. كان يدرك تماماً أن سطوته تكمن في سيفه، وقوّته تظهر في استهانته بالإنسان.. إنه يُخيف الناس بالموت.. ولكن هناك من لا يخشى الموت.. لهذا أمر بإحضار « بهلول بن عمرو ».
        وقف البهلول بثيابه المنسوجة من الصوف وقد ظهرت عليها الرثاثة.. وقف قبال «الخليفة».. شعر هارون بعمق التناقض وهو يحدّق في وجه رجل يراه لأوّل مرّة.. كان بهلول هو الآخر يراه للمرّة الأولى.
        قال هارون مستكشفاً:
        ـ سمعت أنك تقضي وقتك في المقابر!
        ـ وأنت أين تقضي وقتك ؟
        ـ أغزو عاماً وأحجّ عاماً وأُصلّي في اليوم مئة ركعة(27).. وها أنا كما ترى عزمت على الحج هذه السنة.
        سكت أبو وهيب قليلاً ثمّ قال:
        ـ يا هارون، مَن رزقه الله مالاً وجمالاً فواسى في ماله وعفّ في جماله كُتب في ديوان الله من الأبرار.
        ابتسم « الخليفة » وظنّ أن بهلول يريد أن يصيب شيئاً من كنوز هارون:
        ـ إنا أمرنا بقضاء ديونك.
        أجاب بهلول دون اكتراث:
        ـ لا تفعل ذلك، لا يُقضى دَين بدَين.. أُرْدد الحقَّ إلى أهله.
        ـ إذن نُجري عليك رزقاً.
        ـ أتظن أنّ الله يعطيك وينساني ؟!
        أمسك هارون بصُرّة فيها ألف دينار.. أراد أن يقطع بها لسان بهلول:
        ـ هذه ألف دينار خذها.. تستعين بها على دنياك.
        سقطت الصرّة عند قدمَي بهلول.. دفعها برجله وقال بلهجة فيها تحدٍّ:
        ـ أُرددْها على أصحابها فهو خير لك.
        سكت هارون، اعتصم بالصمت وقد ساد الوجوم الوجوه.. ظن بعض من يتمنى دنيا هارون أنّ بهلول قد مسه طائف من الجنّ.
        قال هارون وهو يحاول أن ينفذ إلى قلب بهلول:
        ـ إنّا نريدك للقضاء يا بهلول.
        قال بهلول مذعوراً:
        ـ ما أنا والقضاء ؟!
        ـ كيف وقد أطبق أهل بغداد على أنك أعلم الناس به ؟!
        ـ أنا أعرَف بنفسي من أهل بغداد..
        سكت قليلاً وأردف:
        ـ وأنا في ادّعائي بجهلي على حالين: صادقاً أو كاذباً، فإن كنت صادقاً فيما أقول وهو الحق، وإلاّ فلا يصلح للقضاء كذّاب!
        ابتسم « الخليفة » لمنطقه الفياض قائلاً:
        ـ أنت تتهرّب ليس إلاّ.. ولكن لا مفرّ لك من ذلك، عندما أعود من الحج سأجدك تقضي بين الناس.
        علت وجهَ الذي ركل الدنيا مسحةُ حزن، فقال بأسى:
        ـ دعني أفكّر.
        هتف هارون بلهجة الظافر:
        ـ كما تحبّ.. فلديك من الوقت ما يكفي..
        أدار بهلول وجهه وهو يقلّب أمره على خطرين.
        لم يغتَمّ بهلول في حياته مثل هذا اليوم، لكأنّ مصائب الدنيا كلّها قد تجمعت لتنزل على رأسه كالصاعقة.. لقد ولّى زمن السلام. وجد بهلول نفسه يمضي باتجاه المقبرة..
        شيئاً فشيئاً تلاشى الضجيج في أُذنيه وحلّ مكانه صمت مطلق.. لم يعد يسمع شيئاً حتّى خطاه.. فتدفق نبع من السلام في نفسه كما لو أن قلبه يغتسل في نهر بارد..
        عيناه تحدّقان في قبر بدا حديث عهد.. عجباً لهذا الكائن.. يقضي عمره في اللهاث وراء الدنيا يملأها ضجيجاً.. وربّما يسفك الدم.. يبني الدور ويعمّر القصور، ثمّ تكون نهايته بقعة صغيرة تحت الأرض.. لقد خفتت ضحكاته.. تبعثرت أحلامه وأمانيه.. وأخيراً أخلَد إلى الصمت.. أضحى بعد كل تلك الضجة ساكتاً.. يُصغي إلى الريح تسفي التراب وتشرب المطر..
        هتف بهلول:
        ـ لا.. لن أرمي نفسي في وسط الجحيم.. لتذهب إلى جهنم دنيا هارون.. ولتنخسف الأرض بقارون وكنوزه!
        خُيِّل إليه أنه يسمع صوتاً.. فيه صفير شيطاني:
        ـ أنت مجنون بهلول.. كيف تركل كل هذه الدنيا العريضة الجاه.. الثراء!
        هتف بهلول بغضب:
        ـ أجل.. أنا مجنون! مجنون.. مجنون..
        قفز من مكانه.. كمن تحرقه النار.. وراح يركض بكل ما أُوتي من قوّة.. قلبه يدق بعنف كطبول حرب مجنونة.. لعلّه كان يودّ أن يطير إلى السماء الزرقاء، إلى عالم مفعم بالصفاء..
        وجد بهلول نفسه يسير بمحاذاة جدول صغير نبتت على ضفافه شُجيرات قصب وأعشاب، مدّ يده إلى قصبة تصل إلى هامته.
        انتزعها من وسط الطين.. جرّدها من أوراقها الطويلة.. غدت كرمح.. هزّها بشدّة وقد شعّ من عينيه نور عجيب..
        مرّ رجل كوفيّ كان يمضي إلى زرعه.. هتف من بعيد:
        ـ ماذا تفعل هنا يا بهلول ؟!
        ـ لقد أعلنت الحرب على هارون!
        قهقه الرجل:
        ـ كيف ؟ أين سلاحك.. وحصانك ؟!
        هزّ بهلول قصبته:
        ـ هذا رمحي!
        ثم وضع القصبة بين رِجلَيه.
        ـ وهذا حصاني.
        وانطلق بهلول باتجاه الكوفة.. فيما غرق الرجل في نوبة ضحك وهزّ رأسه أسفاً:
        ـ لا شك أن الجلوس في المقابر قد أورثه الجنون.


        الطاغية في طريق الحج
        موكب هارون الرشيد يشق طريقه وسط الكوفة، وبمحاذاة السوق كانت الضجة ترتفع شيئاً فشيئاً، وطغت ضجة الحرس والجند على أصوات الباعة.. اجتذب شخصُ هارونَ عيون الناس.
        الجميع يرنون إلى رجل يحكم مساحات شاسعة تمتدّ من خراسان إلى أفريقيا ومن أرمينيا إلى شواطئ المحيط الهندي.. رجل يخاطب الغيوم المسافرة قائلاً: أين ما تمطرين فخَراجك إليّ.. رجل يملك من الكنوز أضعاف ما يملكه قارون.
        شيء واحد لفت أنظار الكوفيين، لقد جُنّ الرجل الزاهد بهلول، ها هو يمتطي قصبة ويهرول صائحاً: تنحّوا عن طريقي لا يرفسكم حصاني!
        همس أحدهم:
        ـ مسكين هذا الرجال الصالح.. لقد فقد عقله!
        قليلون جدّاً الذين أدركوا سرّ جنونه..
        تمتم هارون وقد وقعت عيناه على بهلول:
        ـ واللهِ ما جُنّ بهلول، ولكن فرّ بدِينه..
        هزّ هارون رأسه وقد انبعث في نفسه إجلال على الرغم منه..
        ساد الوجوم وجهه.. واكتست ملامحه مرارة عميقة.. تساءل في نفسه عن سرّ الإنسان الزاهد.. كيف يرفض الإنسان ملذّات الحياة.. وكل هذه المفاتن ؟! تُرى على ماذا تنطوي أعماق بهلول.. وهل للعبادة عوالم فاتنة تجعله يرفض مُتَع الحياة.. هل لها فعل الخمرة المعتّقة، يسبح من يعبّها في عوالم خيالية غائباً عن الوعي ؟!
        هناك في جانب من الكوفة رجل يشق طريقه إلى هارون.. إلى دنيا قارون.. كان هناك طريقان للشعراء لكي ينفذوا لى قصور هارون وكنوزه، و « أبو نؤاس »(28) يعرف ذلك جيداً.. يعرف أن قلب هارون لا ينفتح إلى الشعر إلاّ إذا كان شتماً وهجاءً لآل أبي طالب.. إن عرش بني العباس لا ينهض إلاّ على أشلاء أبناء عليّ عليه السّلام، أولاد العمّ يضمرون حقداً هائلاً لعليّ، وذرّيته.
        أبو نؤاس يعرف ذلك، فاختار الطريق الثاني طريق الخمريات.. أبو نؤاس يقترب من الموكب ويجد له منفذاً للقاء « الخليفة » فيهتف بصوت سكران:


        قامت تُريني وأمرُ الليل مجتمِعٌ .... صبحاً تولّد بين الماء والعنبِ
        كأنّ صغرى وكبرى من فقاقعها .... حصباءُ درٍّ على أرض من الذهبِ


        هتف رجل بانزعاج:
        ـ وهل هذا وقتها يا أبا نؤاس ؟! ألا ترى أمير المؤمنين في طريق الحج ؟!
        اندفع أبو نؤاس مترنّماً وقد أدرك ارتياح هارون:


        دع عنك لومي فإنّ اللوم إغراءُ .... وداوِني بالتي كانت هي الداءُ
        صفراء لا تنزل الأحزانُ ساحتَها .... لو مسّها حجرٌ مسّتْه سرّاءُ!
        رقّت عن الماء حتّى ما يلائمُها .... لطافةً، وجفا عن شكلها الماءُ


        انتشى هارون، شعر أنه يكرع كأساً من يد « هيلانة » أو « سَحَر ».
        لم يكن الوضع ليشجّع هارون على الانسياق وراء مشاعره، فبذل جهداً جبّاراً لكي يكبت ما يموج في أعماقه، وتظاهر باللاّمبالاة.. ولكنّه ملأ عينيه من شاعر غارق في الخمرة، إنه لن يجد له نظيراً بين كلّ الشعراء.. لقد سمع عنه الكثير، حدّثه الأصمعي عن قصته مع « جنان » حسناء البصرة. قال هارون مجاملاً:
        ـ ألا تنشد أشعارك التي قلتها في طريقك إلى مكة.
        ابتسم أبو نؤاس وانطلق يترنم وقد تمثلت له صورة « جنان » بابتسامتها العذبة:


        إلهَنا ما أعدلَكْ .... مليكُ كلِّ مَن مَلَكْ
        لبيّك قد لبّيتُ لك .... لبّيك إنّ الحمدَ لَكْ
        والمُلْك لا شريكَ لك ... والليلُ لمّا أن حَلَكْ
        والسابحاتُ في الفَلَك ... على مجاري المُنسَلكْ
        ما خابَ عبدٌ أمّلك .... أنت له حيث سَلَكْ
        لولاك يا ربِّ هَلَك .... كلّ نبي ومَلَكْ
        وكلّ مَن أهلّ لك .... سبّح أو لبّى فَلْكْ
        يا مخطئاً ما أغَفلَك .... عجِّلْ وبادرْ أجَلَكْ
        واختم بخيرٍ عمَلَك .... لبيّك إنّ المُلَكَ لكْ
        والحمد والنعمة لك .... والعزّ لا شَريكَ لكْ

        تأثر بعض من كان يصغي فهملت عيونهم دمعاً وشوقاً للبارئ الحبيب.. ودهش بعضهم كيف يمكن لهذا الماجن أن ينظم هذه الكلمات الفيّاضة بالرقّة والجَمال ؟!
        غادر موكب « الخليفة » الكوفة.. غيوم آذار تعبر السماء تبشّر الأرض بموسم جديد.. تحمل لهم بشائر الربيع.. نظر هارون إلى السماء الزاخرة بالغيوم وتمتم:
        ـ أين ما تذهبينَ فخَراجك إليّ..
        سوف تستحيل الغيوم إلى مطر.. يسقي الأرض. فتنبت من كل زوج بهيج.. وتبدأ مواسم الحصاد، ويأتي الجُباة يمتصّون رحيق الأرض، وعَرَق الجباه.
        يعتصرون منها ذهباً وفضة إلى هارون وكنوزه.. فتنتعش ليالي اللذّة وتتضاعف أعداد الجواري الحِسان وتنتفخ جيوب المغنّين.. وتُصاب معاصر الكروم بالحمّى.. ويتأوّه الفقراء حزناً.. يتضوّرون جوعاً ويذوبون ألماً ألاّ يجدوا ما يأكلون.


        في وسط العاصفة
        أحقّاً ما يقال: إن المرء إذا ذاق قطعة من لحم الإنسان تحوّل إلى ذئب ؟!
        ومن يقتل الناس ظلماً ومن يَلغ في دماء أهله ويشرّدهم ويقتلهم.. فإنه يتحول ولا شك إلى طاغية.. وينقلب إلى ذئب ؟
        هارون يغرق في كؤوس الخمر.. ينحدر في هاوية لذائذ لا حدّ لها.. وما لها قرار.. مات الإنسان في أعماقه.. لم يعد يفكّر إلاّ في عرشه، حتّى لو مشى على آلاف الجماجم.. حتّى لو داس على أشلاء أهله.. وقضم عظام بني عمّه.
        لم يكن حجُّه ذلك العام إلاّ مُكاءً وتَصدية.. ليست الكعبة عنده إلاّ صَدَفة تحفظ له لآلئه، لهذا يريد أن يودع في جوفها كنوزه وورثته.. ها هو يسمّي وليّ عهده الأول والثاني، ثم يلج الكعبة ليعلّق على جدرانها كتابه الذي يريد له أن يبقى مقدّساً في ضمائر أمّة مظلومة..
        لقد بدأ هارون رحلته في التقرّب من الناس؛ لا يلقى كل من يصادفه إلا بالتحية والسلام.. يُجزل الوعود ويعفي عن الديون ويوزع الأرض على مؤيديه.. يتصنع الطيبة مع الجميع.. ولكن في الوقت نفسه يبدأ بتكوين حرس قوي يلتف حوله لحمايته.. ثم يبدأ في تأمين وجوده في الداخل والخارج.. يفاوض أعداءه في الخارج ويقاتل بعضهم، ثمّ يتجه إلى الداخل فيتخلص من كل مناوئيه..
        وعندما يأمن هذا الجانب فإنه لا يكف عن إشعال الحروب الواحدة تلو الأخرى، حتّى يشعر الجميع بحاجته إلى قائد، وحتّى لا يجد الناس الذين أفقرتهم الضرائب سوى الاستغراق في الكدح لتأمين رزقهم اليومي بدلاً من التفكير بالثورة عليه.. ومن أجل هذا كان هارون يغزو عاماً ويحج عاماً!
        انطوى موسم الحج الأكبر وخلع هارون لباس الإحرام الأبيض؛ ليرتدي حلّته السوداء..
        وعندما ولّى وجهه شطر مدينة النبيّ صلّى الله عليه وآله كان همّه الوحيد أن يقهر موسى.. أن يتخلص من رجل تبدو إلى جانبه كل عيوب هارون.
        إنه لم يعد قادراً على تحمّل موسى.. موسى يحاربه في كل مكان حتّى في بغداد.. إنه يكمن وراء كل ثورة ووراء كل كلمة متمرّدة ووراء كل موقف حرّ.. ووراء كل الذين يرفضون أن يتسنموا منصباً في الدولة.. وهو الذي باع « جِمال صفوان »، وهو وراء جنون بهلول، ووراء رفض زياد منصبه، ووراء ثورة يحيى في ذرى الجبال.. ووراء دولة إدريس في أقصى الشمال الأفريقي..
        وهارون يدرك كل ذلك ولكنه لن يسكت أكثر من هذا.. سوف يضرب بيد من حديد أو أشدّ قسوة.. ومضت في ذهنه كلمات قالها علي بن إسماعيل(29).. كلمات تشبه فحيح الأفاعي: ما ظننت أنّ في الأرض خليفتين حتّى رأيت عمّي موسى.. تُجبى إليه الأموال من المشارق والمغارب..
        هارون يتميز غيظاً.. يشتعل حقداً.. يتصور أن موسى يعترض طريقه.. ينافسه السلطان.. هارون يريد أن يستغرق في لذائذه ما ظهر منها وما بطن.
        وعندما يندثر الجزء العاقل الشفاف من النفس.. ينطلق الجزء الحيواني المتوحش من عقاله مثقلاً بالطعام والشراب والرغبات الجامحة الأخرى.. ينطلق باحثاً عن مجال لجموحه وعربدته.. وعندها تتساقط أوراق الحياء وستائر الخجل ولا يبقى مجال للتردد في ارتكاب أيّة جريمة.
        بهذه الهواجس ولج هارون مسجد الرسول ليقف قبالة مرقد النبيّ صلّى الله عليه وآله ويخاطبه دون حياء:
        ـ يا رسول الله، إني أعتذر إليك من أمر عزمت عليه..
        هيمن سكوت بارد، أردف هارون:
        ـ أريد أن آخذ موسى فأحبسه.
        ما يزال الصمت يهيمن.. ما خلا خطوات ثقيلة تشق طريقها إلى خارج المسجد، حيث اصطف عشرات الحرس تحت سماء تكتظ بالنجوم.
        المدينة تنوء بالظلمات يتراكم بعضها فوق بعض، والنجوم في أغوارها السحيقة قلوب واهنة تنبض قلقاً.. وقد أخلد الهواء إلى الأرض.. وبدا الجوّ خانقاً.
        وباتت المدينة ليلتها خائفة تترقب، طافت كلمات هارون بيوت المدينة كبومة مجنونة تبشر بزمن الخرائب والأطلال.. بزمن الكوارث..
        وهناك في جانب من المدينة منزل نعبت فيه البوم.
        موسى عليه السّلام قائم يصلي في المحراب، وقد لجأ إليه صبْية وبنات، ورغم نسمات الربيع المفعمة بشذى الرياحين فقد خامر الجالسين شعور بالبرد.. القلوب الخائفة تحسّ لفحات الزمهرير.. وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال: يا موسى، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين.
        غصّت الحجرة بالقلوب، والعيون تحدّق برجل في وجهه الأسمر تموج أطياف نبوّات غابرة.. رجل يشبه خيمة تعصف بها الريح من كل مكان..
        التفت موسى إلى وجوه يعصف بها القلق.. عيناه تشعّان رحمة تطوف بين الوجوه.. إبراهيم.. عليّ.. فاطمة.. أحمد.. حمزة.. زيد.. آمنة.. القاسم.. إسماعيل.. إسحاق..
        تجمعت الدموع في عينيه كغيوم ممطرة.. نظر إلى السماء من كوّة صغيرة.. السماء مرصّعة بالنجوم، عالم لا نهائي تضيع فيه الأرض..
        من يتعلق بالسماء تصغر في عينيه الأرض. قال موسى ليعيد السلام إلى القلوب المذعورة.. لتطمئن الحمائم:
        ـ المؤمن أعزّ من الجبل.. الجبل يُستفلّ بالمعاول.. والمؤمن لا يُستفل دينه بشيء.
        همس عبدالله بكلمات مذعورة:
        ـ لقد أصبح مُلك هارون عظيماً.. تحفّه سيوف ورماح.. يقتل من يشاء ويستحيي من يشاء!
        قال موسى:
        ـ واللهِ لئن عزّ بالظلم في الدنيا ليَذُلّنّ بالعدل في الآخرة.
        ـ إلى متى نحيا خائفين.. إلى متى نعيش جائعين ؟!
        قال موسى وهو يحدّق في المَدَيات البعيدة:
        ـ إن الأنبياء وأولاد الأنبياء وأتباع الأنبياء خُصّوا بثلاث خصال:
        السقم في الأبدان، وخوف السلطان.. والفقر.
        ـ ليت شعري، ما الذي يردع المرءَ عن ارتكاب الآثام ؟!
        ـ الحياء.. وإذا لم تستحِ فافعل ما شئت.
        ـ لقد أُوتي هارون مُلكاً كبيراً.. حتّى بات يخاطب السُّحب قائلاً:
        أين ما تمطرين فخَراجك إليّ!
        ـ ماذا يفيد الإنسان لو أنه ربح العالمَ كلَّه وخسر نفسه ؟!


        يتبع

        تعليق

        • بحير
          عضو فعال
          • Sep 2004
          • 564

          #5
          الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

          اعتقال القمر الزاهر
          المدينة خوف وقلق، رعب وأرق.. طلع الفجر كغبار من الرماد..
          موسى بن جعفر في طريقه إلى مسجد جدّه.. الأذان ينساب شجيّاً حزيناً لكأنه ينبئ عن حزن سماويّ.
          غيوم آذار تمطر على هون كدموع يتيم في ليلة شتائية..
          ولج موسى مسجد جدّه.. وقد أحدقت به عشرات الأفاعي.. تقدّم حفيد محمّد صلّى الله عليه وآله إلى جدّه، قبّل الضريح المضمخ بشذى آخِر النبوّات في التاريخ، شعر أنّه يقبّل وجه النبيّ صلّى الله عليه وآله.
          وقف يصلّي.. وجهه الأسمر يتألق بنور سماوي وقد غمرته اللانهاية.. ليس هناك في كل هذا العالم من يمكنه أن يقهر موسى وهو يستمد عزّته من عوالم سماوية بعيدة..
          الأيدي الغليظة تمسك برجل يحمل ميراث محمّد صلّى الله عليه وآله.. لم تُراعِ حرمة المسجد، ولم يردعها الحياء من آخر الأنبياء في التاريخ..
          التفت الحفيد إلى جدّه وهتف بأسى:
          ـ إليك أشكو يا رسول الله.
          امتلأت عيناه بالدموع، دموع وداع.. دموع غربة طويلة..
          القيود القاسية تطوق يديه، تثقل قدميه.. وقد بدا هارون عصبياً عيناه تتوقدان بوهج مخيف..
          إنه لا يخشى أحداً خشيتَه موسى الذي جاء يطالب بفدك.. بحدودها المترامية الممتدة من عدن إلى سمرقند، إلى إفريقيا إلى سيف البحر، مما يلي الجزر وأرمينيا.
          المدينة يلفها خوف وبرد.. لقد انطفأ السلام، وغابت الطمأنينة.
          هارون غارق في حلّته السوداء فبدا فرعوناً..
          وجاء موسى يرسف بقيوده والأغلال.
          قال هارون بنبرات تقطر حقداً:
          ـ يا موسى، خليفتانِ يُجبى لهما الخراج!
          ـ يا أمير المؤمنين! أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا.
          اشتعلت رغبة في أعماق هارون في أن يسبر غور خصمه فقال بعد سكوت ثقيل:
          ـ في صدري أشياء تتلجلج.. لم أسأل عنها أحداً.. ولقد بلغني أنك لم تكذب قط.. فدع التقية واصدُقني..
          ـ أآمِنُ أنا ؟
          ـ نعم.
          ـ سل عما تشاء.
          ـ لِم فُضّلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة.. فالعباس وأبو طالب عمّا رسول الله.. وقرابتهما سواء ؟!
          ـ ولكنّ عبدالله وأبا طالب لأب وأم.. والعباس من أم أخرى.
          ـ كيف تدّعون وراثتكم للنبيّ والعمّ يحجب ابن العم ؟!
          ـ هذا فقه أُموي ما أنزل الله به من سلطان.. وقد جاء في قول عليّ عليه السّلام أنّه ليس مع ولد الصُّلب، ذكراً كان أم انثى، لأحد سهم إلاّ الأبوان والزوج والزوجة.. وقد روى قدماء العامّة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أنه قال: عليٌّ أقضاكم. وكذلك قول عمر: عليٌّ أقضانا.
          قال هارون باستعلاء:
          ـ العم يحجب ابن العم.. وإن الخلافة ميراثنا من رسول الله!
          سكت موسى قبل أن يُلقيَ بعصاه لتلقف ما يأفك هارون:
          ـ إن النبيّ لم يورث مَن لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتّى يهاجر.
          ـ إنه مجرّد ادّعاء.
          قال الذي عنده علم الكتاب بصوت شجي:
          ـ « والذين آمنوا ولم يهاجِروا مالَكُم مِن وَلايتِهم من شيءٍ حتّى يُهاجروا ».
          انتفض هارون لكأنه يرى ثعباناً مخيفاً:
          ـ هل أفتيتَ يا موسى أحداً بذلك ؟!
          أجاب موسى بكلمات مفعمة بالسلام:
          ـ لا.. وما سألني عنها أحد سواك.
          عربد الشيطان في أعماق من آتاه الله الكنوز، هتف في أعماقه أنّ موسى يجب أن يموت.. ليأخذ معه أسراره وعلمه وكلماته إلى قبره..
          صفّق بكفّيه.. فجاء حرّاس غلاظ الأكباد ليجرّوا موسى إلى حبسه.


          * * *

          في صباح كئيب غابت شمسه خلف الغيوم، وكانت السماء تمطر على هون.. تجمّع عشرات الناس أمام قصر حاكم المدينة حيث اعتُقل الرجل الأسمر الذي يحمل ألقاباً عديدة.. فهو الكاظم وباب الحوائج، والعبد الصالح، والسيد والوفيّ والأمين.. والزاهر.. وها هي الجماهير تهبه لقباً آخر.. هو الصابر.. لقد بدأت رحلة العذاب.
          حالة من الترقب تسود المدينة.. والرحيل وشيك.
          القلوب إنما هي براكين غاضبة تنطوي على مخزون هائل من الحمم.. التي تنطلق في الفضاء عندما تمسّها شرارات الظلم.. حتّى الظلم لا يكفي في إشعال الثورات.. بل الشعور بالظلم وحده الذي يحيل قلب الإنسان إلى بركان متفجّر.
          من أجل هذا وقف سكّان المدينة ذلك الصباح الرمادي، ينظرون إلى قافلتين تحفّهما سيوف وحراب.. قافلة تأخذ طريق البصرة وأخرى إلى الكوفة.. وحرّاس غلاظ يحدقون في قبتين متشابهتين تماماً، في إحداهما رجل يحمل ميراث السماء..
          إنّها إرادة هارون.. من أجل أن يُعمّي الأخبار على الناس فلا يعرفوا في أي القافلتين غُيّب موسى عليه السّلام.
          وقفت « فاطمة »(30) تودّع أباها من بعيد.. وقد خفق قلبها الصغير إلى قبّة تتجّه إلى البصرة.. إن قلبها لا يخطئ..
          غابت القافلة وراء الأُفق البعيد.. وكانت السماء تنثّ مطراً خفيفاً لكأنها تبكي.. عادت فاطمة مع أخيها.. عادت تجرجر نفسها وخطاها إلى منزل بدا في ذلك الصباح الغائم خاوياً على عروشه.. لقد رحل الأب وربّما دون عودة.. نظرت إلى السماء المثقلة بالغيوم.. والمطر.. انبجست دموع طفولية تشبه مطراً حزيناً راحت تتساقط بصمت.


          عوالم النور.. في رجل
          القافلة تهوي في بطون الأودية، وقد تراكمت الظلمات بعضها فوق بعض، السماء تكتظ بالنجوم.. ترسل ضياءها الأزرق من أغوارها السحيقة.
          حطّت القافلة رحلها بوادٍ غير ذي زرع.. وترجّل موسى بعد أن بركت سفينة الصحراء.
          كان حسّان السَّرَويّ يراقب عن كثب رجلاً مدنياً يخشاه هارون..
          ما تزال كلمات « الخليفة » المذعور في أن لا يغفل عن موسى لحظة واحدة تطنّ في أُذنيه..
          تساءل في أعماقه عن السرّ الذي جعل نظاماً مدججاً بالسلاح يخشى رجلاً أسمر.. رجلاً أعزل.. رجلاً بدا مستغرقاً في عالم آخر.. عالم لا يمتّ إلى الدنيا بصلة.
          لم يسبغ موسى وضوءً حين أراد الصلاة، وأدرك حسان أن السجين المكبّل بالقيود لم يذق النوم حتّى مضمضة.
          سرّ ما يكمن في أعماق هذا العلوي الحسيني.. شيء ما يكمن في أعماقه لا يدري ما كنهه ولكنه شيء راسخ وثابت.. شيء يجعل الذين يحيطون به ينحنون له إجلالاً..
          إنه ليس إنساناً عادياً.. شيء يعبّر عن ذاتٍ قد استقرّت في بوتقة من كمال مطلق لا حدود له.. إنّه ولا شك ينطوي على غضب هائل.. غضب يصل حدود التناقض بين شخصيتين: شخصية غارقة في لذات الدنيا يجسّدها هارون بشبابه وكنوزه ومُلكه العريض، وبين إنسان مستغرق في عوالمَ من نور..
          ولكنّ أعظم ما في موسى أنه يبدو في هدوء كامل وسكينة لا نهاية لها، إنه يكظم غضبه في أعماق متأجّجة.. ولعلّ ما يدلّ على غضبه تلك المسحة الخفيفة من الحزن تطوف فوق جبينه الأسمر أو تتألق في عينيه الصافيتين..
          كان حسّان مسترسلاً في تيّار من هواجسه وقد وقف موسى عليه السّلام متّجهاً إلى بقعة بوادٍ غير ذي زرع.. وقف متجهاً بكلّيته.. فبدا تمثالاً لا يتحرك منه شيء، سوى أطراف ثوبه تداعبها نسائم ليلية عليلة..
          شعر حسان السروي أنّ نبعاً من المحبّة يتفجر في قلبه على الرغم منه.. وأنّ نهراً من السكينة يترقرق في صدره..
          شيء ما بدأ يتحرك في قلب حسّان جعله يقترب من موسى، يحمل إليه بنفسه طبقاً صغيراً يحوي كسرة خبز وشواء..
          ـ يا للروعة!
          هتف حسان في أعماقه.. شعر أن العالم كلّه يتجمع في نقطة واحدة.. نقطة مغمورة بالنور... بالسكينة المطلقة والصفاء اللانهائيّ..
          لقد جلس في حضرة الصوفيين.. لكنه لم يشعر بالطمأنينة مثل هذه المرّة.. فالصوفي يعيش في خَدَرٍ لذيذ.. لا يدري ما يجري حوله.. يصنع عالمه المترع بالخيالات؛ أذكاراً تمسّ الأعصاب بالخدر.. كما تمسّ الخمرةُ الرؤوسَ السكرى بالنشوة.
          أمّا موسى.. فقلبه يتأجج بنور عجيب.. يدفع من يجلس في حضرته إلى اكتشاف كل سَوْءات هارون. الصوفي هروب من العالم.. وموسى احتجاج صامت ضد كل ما يجري من انتهاك لفطرة الإنسان.
          همس موسى عليه السّلام وهو يتناول شيئاً من الشواء مع الخبز:
          ـ رحمَ اللهُ أبا ذر.. فلقد كان يقول: جزى الله الدنيا عني مذمّة بعد رغيفين من الشعير.. أتغدّى بأحدهما، وأتعشّى بالآخر.
          تمتم حسّان وقد ارتسمت أمامه مشاهد قديمة:
          ـ أما أنا فقد شهدت مأدبة « للخليفة ».. كانت تحوي ثلاثين نوعاً من الطعام.. ورأيت فيها لحوم طيور اصطِيدت في جزر بعيدة.
          اعتصم موسى بالصمت.. الصمت الذي يدوّي بكلّ شيء..
          نهض حسّان لينام.. ونهض موسى للقيام.. اتّجه بكلّيته إلى السماء المرصّعة بالنجوم.. فبدا في تلك اللحظة كمن يتّحد بالكون.. تمتم الرجل الذي مسّته السماء:
          ـ أللهم إنّي طالما كنتُ أسألك أن تُفرغني لعبادتك، وقد استجبت.. فلك الحمد..
          إن عظمة الإنسان تكمن في اكتشافه ينبوع النور.. شيء يشبه اندماج القطرة الضائعة في البحر المحيط.. شيء يشبه ذوبان المطر في الينابيع..
          شيء يشبه تدافع أمواج النهر صوب البحار الواسعة.. شيء يشبه إحساس البذرة بنور الشمس.. هكذا بدا موسى في قلب الظلمات وهو يدعو بصوت شجيّ:
          ـ توكّلتُ على الحيّ الذي لا يموت..
          وتحصّنت بذي العزّة والجبروت..
          واستعنت بذي الكبرياء والملكوت..
          مولاي استسلمت إليك.. فلا تُسْلِمْني..
          وتوكلت عليك.. فلا تَخذُلْني..
          والتجأت إلى ظلّك البسيط.. فلا تطرحْني.
          أنت الطلب.. وإليك المَهرب..
          تعلم ما أُخفي وما أُعلن.. وتعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.. فامسك عنّي اللهمّ أيدي الظالمين، من الجنّ والأنس أجمعين، واشفِني وعافني.. يا أرحم الراحمين.
          القافلة تطوي المسافات.. حتّى إذا وصلت « الخريبة » وهي أطلال مدينة فارسية في « الأرض القريبة من الماء البعيدة عن السماء »(31) جاء رجل يُدعى عبدالله كان همّه أن يلقى موسى..
          إنه سرّ عجيب دفع بالرجل الأزدي إلى أن يتحمّل المشاقّ من أجل أن يحظى برؤية رجل مدنيّ..
          شعر الرجل الأزديّ وهو يجلس في حضرة موسى أنه يلج الملكوت، وتعجّب كيف يمكن لهؤلاء أن يضعوا القيود في أيدي رجل هو حفيد لمحمّد صلّى الله عليه وآله وحامل لميراثه..
          بالرغم من الأجواء الحزينة التي لفّت اللقاء.. فقد كان الجوّ حيّاً مشرقاً.. يفيض بالحيوية.. هكذا شعر عبدالله وهو يتأمّل الوجه الأسمر الذي تنعكس على ملامحه آثار النبوّات؛ همس عبدالله:
          ـ عِظْني يا ابن رسول الله.
          قال موسى عليه السّلام وهو يتطلع إلى خرائب المدن القديمة:
          ـ كفى بالتجارب تأديباً، وبممرّ الأيام عِظة، وبأخلاق مَن عاشرت معرفة، وبذكْر الموت حاجزاً من الذنوب والمعاصي. والعجَبُ كلّ العجب للمحتمين من الطعام والشراب مخافةَ الداء إن نزل بهم.. كيف لا يحتمون من الذنوب مخافةَ النار إذا اشتعلت في أبدانهم!
          أحسّ عبدالله أن قلبه يغتسل في ينابيع صافية.. تفيض أملاً ونوراً.


          اصطدام الطغاة
          الظلام ما يزال يغمر البصرة.. عندما دخلها موسى على قَدَر، فُتحت أبواب السجن في الهزيع الأخير من الليل.. وسُمع صليل السلاسل، ووقْع خطى السجّانين.. وفي ضوء المشاعل تطلّع الحرّاس إلى وجهٍ أسمر تتألق في ملامحه نبوّات غابرة..
          وجه يشّع فيه الطهر والنقاء.. ينعكس في قسماته ثبات الجبل وطهارة الندى وغضب البراكين.
          وقف عيسى بن جعفر حاكم البصرة يتطلع إلى السجين المدني.. كأنه يبحث عن الشيء الذي أخاف هارون.. وتساءل في أعماقه عن سرّ فزع هارون.. إنّ المرء ليشعر بالطمأنينة قربه.. رجل يتطلّع إلى السماء أكثر منه إلى الأرض..
          أصدر حاكم البصرة أوامره بفظاظة واضحة:
          ـ لا يُفتح باب السجن إلاّ مرّتين.. خروجه للطَّهور.. وإدخال الطعام عليه.
          سكت هنيهة وأردف:
          ـ يعني أنه لا يغادر حبسه إلاّ مرّة واحدة..
          هتف حارس ضخم الجثة:
          ـ سمعاً وطاعة للأمير.
          غادر الأمير السجن وأُغلقت الباب بعنف.. وقف الأمير يسترق السمع إلى موسى.. كان يريد أن يسمع شتائم السجين الجديد.. صوتٌ شجي يشبه نشيج الميازيب في مواسم المطر.. ينبعث من أعماق الزنزانة المظلمة:
          ـ اللهم طالما سألتُك أن تفرغني لعبادتك.. اللهم وقد فعلت، فلك الحمد..
          طلع الفجر.. وفُتحت باب الزنزانة ليُزجّ فيها رجل عيناه تبرقان.. لا تستقران في محجريهما لحظة واحدة.
          ليس هناك من شك في أن الرجل كان جاسوساً.. يشبه « عيناً » زجاجية مفتوحة ببرود لالتقاط ما يهمّ « السلطان ».
          مكث موسى في حبسه فصولاً أربعة.. اشتعلت فيها ثورات وثورات.. ثورة في سجستان، وثورة في الأندلس.. وحروب في الشام، وثورة في العراق، واشتعلت ثورة يحيى في ذرى جبال الدَّيْلم.
          آلاف الجنود يتدفقون صوب الجبال لإخماد النار في الجبل، و « الكلاب » تتشمم رائحة الثائر العلوي وتقتفي آثاره.
          رجل مربوع أسمر حلو السمرة حسَن الوجه.. تُعرف سلالة الأنبياء في وجهه.. يروي الحديث عن الصادق.. وقد تربّى في بيته ونشأ.
          « الفضل » قائد الجيش العباسي يعرف كيف يقهر يحيى.. معه آلاف الجنود وآلاف الدنانير والدراهم.. الذهب ذلك الجيش السرّيّ الذي لا يُقهَر.
          لقد قهر أبوه إدريسَ شقيق يحيى.. مات وهو يستنشق قارورة طيب.. ولكنّ الفضل حمل معه بدار الذهب ليُخمد ببريقه لهيب الثورة.
          ودارت المعركة.. معركة عجيبة ليس فيها سيف ولا رمح، ولم يصهل فيها حصان.. ولم يرمح فيها فارس..
          الفضل(32) من جبال الطالقان.. يقاتل يحيى في ذرى جبال الديلم.. الفضل البرمكي يلعب هذه المرّة بالشطرنج.. لعبةً يجهلها يحيى تماماً. الفضل يحرّك بيادقه.. ويلوّح بسيف من ذهب يكاد سنا برقه يذهب بالألباب..
          مليون درهم يصل إلى زعيم قبائل الديلم هديّةً من كنوز هارون، خبا بريق الثورة في عينيه.. وهو يسجد لعجلٍ من ذهب ولْيذهب يحيى إلى حتفه وحيداً، ليلْقَ مصيره الغامض حتّى لو كان يحيى بن زكريا.
          وتلفّت يحيى حواليه فلم يجد ممّن هبّ للثورة سوى سبعين نصيراً.. لقد فرّت الألوف، وتبخّرت السيوف..
          ومن فوق ذرى جبال الديلم، وفيما كانت الغابات الكثيفة تستقبل غيث السماء.. كان الرجل الذي تربّى في ظلال الصادق يتجه نحو السماء لتنساب كلماته مخاطباً مَن خلقه حرّاً:
          ـ إلهي، أشكر لك إخافتي قلوبَ الظالمين..
          الهي، إن تقضِ لنا النصرَ عليهم.. فإنما نريد إعزاز دِينك، وإن تقضِ لهم النصر.. فيما تختار لأوليائك وأبناء أوليائك من كريم المآب وحسن الثواب.
          سوف يبقى الجبل عنواناً للحرّية ورمزاً للتحدّي.. وربّما عاد الفارّون ذات يوم.. ربّما يكتشفون خدعة الذهب لعلّهم لم يذوقوا بعدُ مرارةَ الظلم.. وإذا ما جبن الآباء فقد يهبّ الأبناء للثورة.. ويغسلون عن نفوسهم ما اقترف آباؤهم من قبل..
          آه يا إدريس! ليتك تدري ما يقاسي أخوك.. وسط الجبال وفي أعماق الغابات.. لقد وفت الصحراء للميثاق وظلّت كما خلقها الله.. مكشوفةً.. واسعةً طاهرة.. تلتقي دائماً بالسماء.. وتعلّم أبناءها الصفاء..
          أمّا أخوك يا إدريس، فقد بِيع إلى هارون بثمن بخس دراهمَ معدودة وكانوا فيه من الزاهدين.
          كان يحيى يحدّق في رسالة جاءته من الفضل.. دعوة للسلام والأمن..
          ليغمد يحيى سيفه.. وليحيى ما شاء من الشروط..
          وكتب يحيى: إنّا قد أغمدنا سيوفنا على أن نكون آمنين..
          ولْيُمضِ ذلك هارون.. ولْيشهدْ عليه المؤمنون.
          ودّع يحيى أصحابه السبعين.. تفرّقوا في الغابات والوديان، وسلّم يحيى نفسه إلى الفضل.. وهكذا انطفأت الثورة..
          الطريق إلى بغداد. طريق إلى الموت.. إلى القهر. شعر يحيى أنه يكاد يختنق.. إن الهواء في الجبل أنقى.. والحياة في عمق الغابات أصفى.. آه يا إدريس! سوف يموت أخوك كمداً..
          بدت بغداد ذلك اليوم حسناء قد خرجت في يوم الزينة.. الأهالي يرتدون أجمل الحلل.. ثياب ملوّنة ومزركشة.. والأسواق تغصّ بالناس.. لقد حلّ عيد النيروز!
          تضاعفت فرحة الفضل وهو يدخل بغداد ظافراً.. جاء يحمل معه أعظم الغنائم.. زعيم ثورةٍ هزّت جبال الديلم والطالقان وهزّت عرش هارون..
          يحيى تُحدق به سيوف ورماح.. يقترب من الجسر.. وقد تألقت مياه دجلة.. الجسر ينوء بالعابرين.. وقد اصطفّوا يتطلعون إلى موكب الوزير.. وكان هناك قرّاد يرقّص قرّاد، ويُضحك مَن عنده..
          وقف موسى عليه السّلام يرتدي ثياباً مزّقتها النوائب والأيام.. لا أحد يدري لماذا هتف بصوت مبحوح:
          ـ اعتبروا يا ذوي العقول بمن عاد يهرب من دائه بعد الاستنارة برأيه.. ويصفَّد في السلاسل بعدما كان يفوق كل باسل..
          خفق قلب يحيى.. وأوجس في نفسه خِيفة.. وأدرك أنه يعبر جسراً يفصل بين عالمين.. وأنه لم يعد حرّاً بعد اليوم.. سوف يُحصون عليه حتّى أنفاسه..
          كلّ شيء بدا غريباً في عينَي يحيى.. إنه وحيدٌ الآن.. امتلأت عيناه دموعاً وهو يسلّم سيفه إلى حرّاس القصر.
          هارون يفيض حيوية.. وجهه يطفح سروراً بهدايا النيروز.. كل الوجوه كانت تطفح بالفرح.. الاّ وجه يحيى..
          لماذا هذا الحزن يا يحيى ؟! ألأنّك أصبحت وحيداً ؟.. هل اشتقت إلى الجبل ؟ أم تراك شعرت بموت أخيك.. وقد استنشق قارورة الموت ؟!
          هبّ هارون وهو يري يحيى.. وأخيراً استسلم يحيى.. هذا هو خصمه الذي سلبه حلاوة النوم عاماً كاملاً..
          صعّد هارون نظره.. وهمس في نفسه: لولا أُلقي عليه أساورُ من ذهب.. أيمكن حقّاً أن تغلب جبّة الصوف هذه حلّته السوداء المخيفة.. تُرى بمَ يفوقه يحيى ؟! ألقى هارون نظرة تَشَفٍّ وهتف في أعماقه: أنا أكثر منه مالاً وأعزّ نَفَرا.


          السجن.. المحراب

          جلس عيسى بن جعفر حاكم البصرة يصغي إلى آخر الأخبار في خليج البصرة.. لصوص البحر ما يزالون يهاجمون السفن المبحرة باتّجاه الهند.. وربّما هاجموا السواحل أيضا(33)..
          لم يعد السكوت ممكناً أكثر من ذلك.. بدا عيسى ساهماً فقد كان يفكر في شيء أقلقه.. رسالة هارون وفيها: أن آقتُل موسى ولْيَدعُ ربَّه..
          منذ الصباح وهو يفكر ماذا يفعل ؟ نهض الأمير آخذاً طريقه صوب السجن، مضى الثلُث الأول من الليل.. أصبح الهواء لطيفاً، خفّت رطوبته قليلاً، فارقه شعوره بالضيق.
          الصمت يهيمن داخل السجن ما خلا خطى الحارس الذي يرافقه.. توقّف أمام الزنزانة، ألقى نظرة من خلال كوّة صغيرة كانت هناك شمعة تلفظ أنفاسها الأخيرة وعلى ضوئها رأى ثوباً مطروحاً ورأى رجلاً ينظر إليه يحدّق فيه..
          تساءل الأمير وقد افتقد موسى:
          ـ ولكن أين موسى ؟!
          ـ ذاك يا مولاي ؟
          ـ هذا ثوب مطروح!
          ـ هو موسى يا مولاي.. وله سجدة طويلة.. وقد كنتُ أحسبه نائماً.. ولكنّي أراه يقوم للصلاة مِن غير أن يجدّد وضوءً!
          ـ أما إنه من رهبان بني هاشم!
          سكت هنيهة وأردف آمراً:
          ـ أُدعُ ليَ الرجل..
          فتح الحارس القفل وأشار إلى الرجل البصريّ بالخروج.. نهض الرجل بشيء من الفتور.. غادر الزنزانة وهو يتأمل ثوباً مطروحاً!
          أُغلقتْ الباب وما يزال الثوب مطروحاً.. نظر الأمير إلى الرجل البصري، قال الحاكم مستفسراً:
          ـ ما لك لا تتكلّم ؟!
          ـ وما عساني أن أقول أيها الأمير ؟! إنّني لم أرَ له نظيراً في عبادته وتهجّده.. يصوم النهار كلّه ويُحيي الليل كلّه إلاّ قليلاً.. ولم أره مرّة واحدة يتضجّر فيها من السجن.. بل إنني سمعته يشكر الله على أن فرّغه للعبادة والصلاة!
          قال الأمير وهو يحاول البحث عن مبرّر لتنفيذ أمر هارون:
          ـ أما سمعتَه يشتم « الخليفة » أو يشتمني ؟
          ـ أبداً.
          ـ والدعاء.. أما سمعته يدعو على أحد ؟
          ـ أبداً.. إنه يدعو لنفسه ولغيره بالمغفرة.
          قال الحاكم وهو يحدّق في وجه الرجل البصري وقد اختفت ملامح الجاسوس تماماً:
          ـ ما لك تختنق بصوتك ؟!
          ـ والله يا سيدي لقد بهرني بعبادته.. إنه ليبكي من خشية الله حتّى تخضلّ لحيته.. أمّا إذا قرأ القرآن قرأه بحزن.. لكأنه يخاطب إنساناً!(34)
          سكت البصري قليلاً وأردف وهو يتذكر شيئاً:
          ـ هذا أوان تلاوته!
          خيّم صمت مهيب حتّى لم يعد أحد يسمع شيئاً سوى أنفاسٍ متقطعة.. مرّت اللحظات هادئة كنهر يجري بسلام.. لكأن المكان يستمدّ سكينته من أعماق رجل مدنيّ سجين.. تناهى إلى أسماع الثلاثة صوت شجي.. صوت فيه نشيج الميازيب في مواسم المطر:
          ـ «إنّ قارونَ كان من قومِ موسى فبغى عليهم، وآتيناهُ مِن الكنوزِ ما إنّ مفاتحَهَ لَتنوءُ بالعُصبةِ أُولي القوّةِ إذ قالَ له قومُه: لا تفرحْ إنّ اللهَ لا يحبُّ الفرِحِين * وابتغِ في ما آتاك اللهُ الدارَ الآخرةَ ولا تنسَ نصيبَك من الدنيا.. وأحسِنْ كما أحسَنَ اللهُ إليك ولا تبغِ الفسادَ في الأرض إنّ اللهَ لا يُحبُّ المُفسدين * قال: إنّما أُوتيتُه على علمٍ عندي، أوَلم يعلمْ أنّ اللهَ قد أهلكَ مِن قَبلهِ مِن القرونِ مَن هُوَ أشدُّ منه قوّةً وأكثرُ جمعاً ولا يُسألُ عن ذُنوبِهمُ المجرمون * فخرج على قومه في زينته، قال الذين يُريدون الحياةَ الدنيا: ياليتَ لنا مثلَ ما أُوتيَ قارونُ إنّه لَذو حظٍّ عظيم!* وقال الذين أُوتوا العلمَ: وَيْلَكم! ثوابُ الله خيرٌ لمَن آمنَ وعمِلَ صالحاً ولا يُلقّاها إلاّ الصابرون * فخسَفْنا به وبدارِه الأرضَ فما كان له مِن فئةٍ ينصُرونَه مِن دونِ اللهِ وما كان من المُنتصِرين * وأصبح الذين تمنَّوا مكانَه بالأمس يقولون: وَيْ! كأنّ اللهَ يَبْسُطُ الرزقَ لمَن يشاءُ مِن عبادِه ويَقْدِرُ لولا أن مَنّ اللهُ علينا لَخسَفَ بنا.. وَيْ! كأنّه لا يُفلح الكافرون * تلك الدارُ الآخرةُ نَجعلُها للذين لا يُريدونَ عُلُوّاً في الأرضِ ولا فساداً والعاقبةُ للمتّقين» (35).
          تبادل الثلاثة في ضوء المشاعل نظراتٍ ذاتَ معنى.. وهمّ البصريُّ بالعودة إلى الزنزانة فاعترضه الحاكم:
          ـ إلى أين ؟
          ـ إلى مكاني.
          ـ لقد انتهت مهمّتك.
          ـ اذن دعْني هذه الليلة فقط.
          ـ عجباً لك! لقد جئنا بك جاسوساً عليه.. أتراك نسيتَ ذلك ؟!
          تمتم البصريّ بلهجة لا عهد له بها:
          ـ إن الله يفعل ما يشاء.
          هزّ الأمير كتفَيه كمَنْ يَعجز عن حلّ لعزٍ، والتفت إلى الحارس:
          ـ ليبقَ هذه الليلة فقط.
          ـ سمعاً وطاعة للأمير.
          فُتحت باب الزنزانة ثم أُغلقت.. وولج البصريّ ليتّخذ مكانه.. وجلس كما يجلس العابد في محرابه.. فيما غادر الأمير السجن.. وكان وقع خطاه يتضاءل شيئاً فشيئاً حتّى اختفى..
          شعر البصريّ بأن عاصفة من النور تهبّ على قلبه.. وأنّ هناك هيكلاً صخرياً يتهافت في أعماقه.. لكأنه يُصغي إلى دويّ الانهيار وتراكم الأنقاض.. إنه يُولَد من جديد.. يولد إنساناً آخراً.. إنساناً ينفتح قلبه على عالم يزخر بالنور.. والحبّ والسلام..
          طلع الفجر وآن للبصريّ أن يودّع النور الذي ساقه القدر إليه..
          ومدّ موسى يده ليصافحه.. شعر البصريّ أنّ يدَيه ترتعشان وهما تحتضنانِ كفّ موسى.. انعقد لسانه لحظات.. وقد غمره شعور بالسكينة.. إنّ عينَيه تتفتحان على الكون كلّه.. وإن روحه تحلّق في سماوات لا نهاية لها.. وإنه يستحمّ تحت رشّاش النور.. يستحمّ ليتطهّر من كلّ الأدران.. وإنّ الشيء السماويّ الذي أحسّ به ينتشر في كلّ كيانه.
          ومضى البصريّ إلى قصر الحاكم ليستأذن الأمير بعد أن انتهت مهمته.. كان الأمير واقفاً في شُرفة القصر، قال له:
          ـ أتحبّ أن تقوم بمهمّة أخرى ؟
          نظر البصري متوسّلاً:
          ـ إعفني أيّها الأمير.
          اتجه الأمير إلى كرسيّه.. واختطف رسالة كان قد سطّرها قبل لحظات:
          ـ لا تخشَ شيئاً.. تحمل كتابي إلى « الخليفة ».. وفيه: إني سأخلّي سبيلَ موسى.
          ومضت عينا البصري بالأمل.. سوف يطوي المسافات من أجل أن يحطّم السلاسل والقيود.. ليعود الرجل المدنيّ إلى أهله.. وتنتهي ليالي الغربة والسجن والعذاب..


          الغدر
          هارون مع حاجبه ومسرور يتمشَّون خلال أشجار البرتقال التي تلتفّ حول بُحيرة صغيرة.. وقد تألقت مياهها الصافية تحت ضوء الصباح.. بدا هارون متوتّراً وقد بذل جهداً جبّاراً في إخفاء مشاعره.. قال الفضل بن الربيع(36) وهو يكيد لسَميّه الوزير الفارسي:
          ـ أجل يا أمير المؤمنين.. أنا متأكد من ذلك.
          توقّفوا في ظلال شجرة برتقال.. وقد بدت ثمارها الناضجة وسط الخضرة الطاغية شموساً صغيرة..
          أردف الحاجب وهو يخفت صوته:
          ـ لقد ذهب إلى الحج.. وزوّده بالمال.
          من بعيد بدا الفضل بن يحيى يتهادى في مشيته.
          التفت هارون إلى حاجبه:
          ـ إنصرف..
          برقت عينا ابن الربيع وهو يبتسم ابتسامة فيها مكر وخبث.
          أحنى الوزير رأسه « للخليفة ».. ولم ينس أن يحيِّيه، مذكّراً أياه بأخوّة(37) صنعها اللبن:
          ـ السلام على أخي أمير المؤمنين.
          كان هارون ما يزال واجماً.. أوجس الفضل في نفسه خيفة وخُيّل إليه أنه رأى الحاجب يمرق بين الأشجار.. هتف في أعماقه بغيظ:
          ـ متى يكفّ هذا العربي عن دسائسه ؟!
          سار هارون ووزيره وخلفهما مسرور؛ سيفه في عاتقه يشبه ثعباناً غافياً..
          رمق هارون وزيره وقال بلهجة تبدو عاديّة تماماً.
          ـ ما أخبار يحيى ؟
          ـ مكبَّل في الأغلال.
          ـ وحياتي ؟
          أدرك الفضل أنّ هارون يعرف كل شيء، فقال بلهجة فيها توسّل:
          ـ وحياتِك إنّي أطلقْتُه.. سألَني برَحِمه من رسول الله فرققت.. ولقد أخذت عليه الميثاق أن.. قال هارون مقاطعاً:
          ـ حسناً فعلت.. لقد كان في عزمي أن أُخلّي سبيله.
          وقعت عينا هارون على برتقالة ناضجة فهتف متضاحكاً:
          ـ لقد اشتيهتُ هذه الثمرة!
          نظر الفضل، كانت بعيدة عن متناول اليد، قال مبتسماً:
          ـ ليس إلى اقتطافها من سبيل.
          التفتَ هارون إلى سيّافه:
          ـ ما رأيك يا مسرور ؟
          صوّب مسرور نظرات قاسية، رمق البرتقالة بنظرات مشتعلة.
          كانت الثمرة تتدلّى من غصن ممتلئ..
          تقدّم نحو الجذع، استلّ سيفه، ووقف وقفة الجلاّد ثم أهوى بسيفه إلى أسفل الجذع.. نشب السيف إلى نصفها.. ثمّ ركل أعلاه، فهَوَت الشجرة عند قدمَي هارون..
          كحوريّةٍ شهيدة.
          وأمسك هارون بالبرتقالة وانتزعها بعنف.. شقّها نصفين، رمى نصفها إلى مسرور.. والتهم النصف الآخر، فيما ظلّ الوزير ينظر مبهوتاً.. قال هارون:
          ـ وإذن، لقد كان هناك من سبيل لاقتطاف الثمار.
          قال هارون دون مقدّمة:
          ـ ولكنْ هناك مَن يقول أنّ يحيى ينوي الثورة!
          ـ مَن هو ؟!
          ـ عبدالله بن مصعب بن الزبير.
          ـ أتصدّق هذا يا أمير المؤمنين ؟! سوف يعود يحيى ونجمع بينهما.
          ـ وما أدراك أنه سيعود.. لقد فرّ يحيى أيها الوزير.
          ـ سيعود يا أمير المؤمنين، لقد عاهدني على ذلك..
          سكت هنيهةً وأردف:
          ـ أنا أعرف يحيى.. سيعود ولا شكّ.
          كعادته في كل ما يحيط حوله.. انتابته الهواجس.. لعلّ هناك اتفاقاً بين يحيى والفضل.. إنّ بني برمك يطمحون للمزيد من النفوذ.. ليس هناك حدّ لطموحاتهم.. ويحيى أفضل جسر لذلك.
          كان هارون لا يصدّق في قرارة نفسه ادّعاءات حفيد الزبير، إنّه يعرف ما ينطوي عليه من أحقاد دفينة..
          ولكن ليس هناك من مفرّ لتصديق كلّ شيء من أجل التخلّص من يحيى.
          إن في قرارة الطاغية رعباً.. رعباً يتحوّل إلى قسوة لا نهاية لها..


          * * *

          انطوى موسم الحج وعاد يحيى.. وقد تشرّبت روحه التوحيد.. عاد مترعاً بالإيمان.. وأضحت الدنيا في عينَيه ـ كما عهدها من قبلُ ـ لهواً ولعباً وزينة وتفاخراً.. وما من شيء يمكنه أن يساوي الحرّية.. عاد يحيى وقد حاكت العناكب شباكها، عاد ليجد الأبواب قد أُغلقت دونه إلاّ بابَ « المطبق ».
          قال هارون وهو يحدّق في وجهٍ لوّحتْه شمس مكة:
          ـ أيُّنا أحسن وجهاً يا يحيى.. أنا أم أنت ؟
          نظر يحيى إلى وجه هارون.. وجهه الأبيض تموج فيه العافية.. بياض يشف عن حمرة خفيفة، قال بصوت خافت:
          ـ بل أنت يا أمير المؤمنين.. إنك لأنصع لوناً وأحسن وجهاً.
          قال هارون مغترّاً:
          ـ فأيّنا أكرم وأسخى: أنا أم أنت ؟
          ما لِهذا المغرور.. الأحمق.. الذي يملك خزائن الأرض، ويخاطب الغيوم: أين ما تمطرين فخَراجك إليّ! أجاب يحيى ممتعضاَ:
          ـ وما هذا يا أمير المؤمنين ؟! وما تسألني عنه ؟! أنت تُجبى إليك خزائن الأرض وكنوزها.. أمّا أنا فاتمحّل من سنة إلى سنة.
          أطرق هارون وقد شعر بالخزي، ثمّ قال وقد تخفّى الشيطان في أعماقه:
          ـ أيّنا أقرب إلى رسول الله.. أنا أم أنت ؟!
          ـ لقد أجبتك عن خطّتَين، فاعفني من هذه.
          ـ كلاّ.. لابدّ من ذلك.
          سأل يحيى:
          ـ لو عاش رسول الله وخطب إليك ابنتك، أكنتَ تزوّجه ؟
          ـ إي والله.
          ـ فإن خطب منّي ابنتي: أكان يحلّ لي أن أُزوّجه ؟
          ـ لا.
          وهنا هتف يحيى:
          ـ هذا جواب ما سألت.
          شعر هارون أنّ سكيناً تغوص في قلبه.. إنّ يحيى يتحدّث كما يتحدّث موسى.. وكيف لا وقد ترّبيا معاً في حضن واحد.. صرخ هارون:
          ـ إجلدوه!
          انهالت السياط بقسوة.. كان الجسد الآدميّ يتأوّه بألمٍ السياط تُلهب الجلد وتحرق اللحم..
          هارون يراقب ـ متلذّذاً ـ يحيى وهو يتلوّى.. السياط ما تزال تنهال بقسوة
          .. صاح يحيى مستنجداً ببقايا الإنسان:
          ـ اللهَ والرَّحِم.. الله والقرابة.
          لقد مات الإنسان في أعماق هارون:
          ـ ليست بيني وبينك قرابة.
          ـ وعهد الأمان يا هارون ؟!
          هتف هارون جذلاً:
          ـ لقد مزّقه القاضي.. إنه عهدٌ باطل..
          تذكّر يحيى كيف أقدم وهب القاضي على تمزيق العهد من أجل حفنة من الدراهم.. تذكّر كيف بصق فيه ومزّقه، وعندها أدرك يحيى أنّه سيُقتل..
          التفت هارون إلى جلاوزته:
          ـ كم أجريتم عليه ؟
          قال سجّان غليظ:
          ـ أربعة أرغفة وثمانية أرطال من الماء..
          ـ اجعلوه على النصف..
          غادر هارون ساحة السجن، وكانت النجوم تسطع في السماء.
          تمنّى يحيى وهو يحدّق في النجوم.. لو أنه كان في سفوح جبال الديلم يقاتل.. إنّه لم يسلّم نفسه حبّاً بالحياة.. كانت حربه خاسرة ولم يُرِدْ أن يجازف بحياة الآخرين.. من أجل هذا جاء إلى بغداد..


          يتبع

          تعليق

          • بحير
            عضو فعال
            • Sep 2004
            • 564

            #6
            الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

            صورتان في الليل
            بدأت ليلة العذاب الثانية.. وها هو يحيى يقاسي الجوع.. المَعدة الخاوية، والسياط القاسية فجّرت كلّ كوامن الألم في جسده الذاوي..
            السياط تنهال برتابة، وهارون يراقب بصمت حفلة التعذيب.. إن مئة سوط تكفي لتحطيم الجسد البشري.. ولكن الروح ما تزال تتشبث من أجل استمرار الصراع.
            سأل هارون جلوازاً يقف قريباً منه:
            ـ كم أجريتم عليه ؟
            ـ كما أمرتَ يا مولاي.. رغيفين وأربعة أرطال ماء.
            هتف هارون بقسوة:
            ـ اجعلوه على النصف.
            لم يعد يحيى يميّز ما حوله من المرئيّات.. ولم يعد يسمع من الأصوات.. سوى كلمات لا معنى لها.. وحدها خطى السجّانين كان يعيها.. إذا ما اقتربت منه أو ابتعدت..
            بدأت ليلة العذاب الثالثة.. كان يحيى قد أضحى مجرّد شبح لإنسان.. إنّ روحه على وشك الرحيل..
            قال جلواز لهارون:
            ـ إنه مريض يا مولاي..
            ـ كم أجريتم عليه ؟
            ـ رغيفاً ورطلين من الماء.
            ـ اجعلوه على النصف..
            غدا يحيى مجرّد حطام بشريّ، غارت عيناه.. أصبح لسانه خشبة محترقة..
            حلّت الليلة الرابعة.. جاء رجال غلاظ يتقدّمهم « مسرور »؛ إن رؤية مسرور تعني النهاية.. أدرك السجّانون أن رأس السجين سيسقط.
            لفّ الرجال يحيى في ملاءة وحملوه إلى خارج « المطبق »، مجموعة خيول وقفت تنتظر في ظلمة الليل.. لم يعد يحيى سوى أنسام تتردد بصعوبة.. أنفاس بعدد لحظات العمر الذي وصل نهايته..
            انطلقت الخيول صوب « الرافقة »(38).. هارون يبني عاصمة جديدة على ضفاف الفرات.. كما بنى جدّه من قبلُ عاصمةً على ضفاف دجلة..
            الليل ظلمات يتراكم بعضها فوق بعض.. وقد بدت المدينة التي لم تكتمل بعدُ أشباحاً لكائنات خرافية..
            مجموعة من عمّال البناء كانوا يتحلّقون حول أُسطوانة.. كغربان جاثمة حول ضحيّة لم تلفظ أنفاسها بعد..
            حمل الرجال الغلاظ إنساناً محطَّماً.. أنفاسه هادئة منتظمة.. بدا يحيى مستسلِماً لنهايته.. أدرج الإنسان داخل الأسطوانة.. وبادر عمّال البناء إلى عملهم. كانت سافات الآجر ترتفع شيئاً فشيئاً وقد اختفت النجوم.. حجبها الآجر.. لم يعد هناك من ثقب يمكن للنسيم أن يزوره..
            مرّت اللحظات ثقيلة.. الهواء ينفد شيئاً فشيئاً.. ضاق صدره.. شعر رغم تحطّم جسده أنه يختنق، مدّ يديه هنا وهناك.. كانتا تصطدمان بجدران قاسية.. إنه يريد أن يملأ صدره بالهواء، ولكنّه يختنق كما لو يغوص في أعماق سحيقة بلا قرار..
            الذكريات تتدفّق في خياله كنهر صاخب.. مراتع الصبا.. الصحراء الواسعة.. الأحبّة والديار.. قمم الجبال المكلّلة بالثلوج.. نسائم الربيع في غابات الديلم.. كفّ عن تدفّقه.. لقد ارتطم بصخرة عملاقة.. صخرة لها شكل هارون.. بعينيه البرّاقتين كعينَي نسر..
            إن الضحية لا تعرف شيئاً أكثر قسوة من الجلاّد.. إنه يعني انعدام الرحمة.. انتحار الإنسانية.. تُرى ماذا يفعل هارون في تلك اللحظات.. اللحظات التي يلفظ فيها يحيى أنفاسه الأخيرة في أُسطوانة مظلمة بمدينة الرافقة ؟! لعلّه الآن.. يعانق حسناء فارسية أو روميّة.. ربّما يكرع كؤوس الخمرة منتشياً.. وقد يصغي إلى أنغام الغناء تصدح بها أخته «عليّة» أو مغنّيه الموصليّ.. أو لعلّه الآن مسترخٍ في زورقه المذهّب ينساب في مياه دجلة..
            توقف قلب يحيى وساد سكون رهيب فضاءَ الأسطوانة المخنوق.. عالم ليس فيه هواء ولا نجوم ولا قمر.. هكذا تنطفئ حياة الإنسان مثل شمعة تخبو فجأة لا يشعر بها أحد..
            بغداد غارقة في منتصف الليل.. وزورق مزركش بالذهب ينساب فوق مياه دجلة آخذاً سمته صوب « الشماسية » حيث ينهض قصر جعفر البرمكيّ وزير هارون الجديد.. بدا القصر وقد غمرته أنوار المشاعل والقناديل صَدَفةً انتشلها الجنّ ليُبهروا بها الإنس(39)..
            ولج هارون القصر المغمور بالنور وروائح العطور..
            جعفر يرتدي حُلّة المساء.. يرفل بالحرير والديباج.. وفتيات حسان يخطرن في أروقة القصر..
            اتخذ « الخليفة » مكانه فوق سرير وثير.. جعفر يعرف كيف يُدخل السرور على سيّده.. الطعام أولاً ثمّ الشراب، وبعدها يأتي الغناء..
            جاءت أربع فتيات يحملن مائدة ملوّنة فيها ما لذّ وطاب.. من الشواء.. سماني وقطا وحمام.. وفيها لوزينج وفالوذج.. صنعتها أيدٍ فارسية ماهرة..
            تهلّل وجه هارون بهجةً وهو يرى اصطفاف الآنية..
            آنية لم يرها حتّى في قصره.. وكانت نسائم العطر تملأ أنفه كلّما خطرت حسناء أمامه..
            دارت أقداح الراح.. وحلّقت النفوس المسحورة بالفتنة في عوالم يصنعها الخيال.. وخُيّل لهارون أنّه في الجنّة..
            التفت إلى وزيره قائلاً:
            ـ الشراب بلا سماع، يورث الصداع..
            صفّق جعفر بيدَيه.. فجاء خادم يحمل كرسياً من عاج، مطعّم بذهب وهّاج.. وجاءت خلفه « فوز » بقدّها الجميل ووجهها المنير..
            جلست « فوز » في مكانها وضعت عوداً هندياً في حجرها وانحنت عليه برقّة كما لو أنها تريد أن ترضع طفلاً وديعاً.. وانساب الصوت الإنساني ممتزجاً مع الموسيقى ليحلّق هارون في عوالم مترعة بلذائذ الجسد..
            وفي تلك اللحظات ندّت عن يحيى آهةُ ألم أخيرة ليغفو بعدها جسداً بلا روح..


            الحقّ والباطل
            إنّ في أعماق الطاغية رعباً، إنه يجمح نحو حياة بُوْهيمية مستغرقاً في لذائذ لا نهاية لها.. مآدب وفتيات جميلات، وكؤوس مترعة بالخمرة.. ولكن هناك من يقف بوجهه ليقول: لا.
            من أجل هذا كان هارون يعيش في دوّامة من مخاوف يصنعها بنفسه. إنه الخواء الذي جعل من النفس الفقيرة طاغية. تُرى أي رعب دفع هارون إلى حمل موسى من البصرة إلى بغداد مُثقَلاً بالأغلال ؟!
            إن شهوراً طويلة من العذاب والقهر قد غيّرت ولا شك من موسى.. سوف يبدو أقلّ تحدّياً.. ولعلّه سيكون ليّن الجانب في بغداد.. حيث يمكن لهارون أن يُبهره بمُلكه العريض، بقصوره المشيّدة.
            وصل موسى بغداد على حين غفلة من أهلها، وتعمّد هارون أن يستقبل غريمه خارج قصره المنيف..
            اصطفّ الجُند على جانبَي الطريق المؤديّة إلى القصر، ووقف هارون فوق رخامة الباب، فبدا بطوله الفارع وحلّته السوداء فرعوناً يكاد أن يقول:
            ـ يا أيها الملأ ما علمتُ لكم من إله غيري..
            هيمن صمت مهيب ما خلا كلبة هارون المدلّلة(40)؛ تتمسّح عند قدميه، وخشخشة الحُلِيّ الذهبية تُوقظ في النفوس عجلاً أحرقه موسى بن عمران وذرّ رماده في البحر.
            وجاء موسى بن جعفر عليه السّلام ينوء بثقل الحديد.. ما تزال عيناه تتألقان بنور عجيب، هناك في أعماق هذا الرجل الأسمر عالَم مفعم بالسلام المطلق.. فهذا الرجل المدني يحمل ميراث النبوّات الغابرة..
            تعمّد هارون أن يقف موسى في ظلال القصر المنيف يريد أن يقول له: انظر يا موسى إلى ملكي العريض.. إلى مملكتي الواسعة.. إلى جنودي.. وقد وقفوا كما لو أنّ على رؤوسهم الطير.. وقفوا خاشعين أمامي.. إن كلمة واحدة مني تجعلهم كالذئاب، سوف يمزقونك إرْباً إربا..
            انظر يا موسى إلى مياه دجلة كيف تتدفق تحت قدمَيّ..
            انظر يا موسى إلى قصوري.. إلى هذه النقوش.. إلى هذه الزخارف.. أمّا أنت فلا تملك شيئاً. إنّ بناتك جميعاً يا موسى ولا ريب لا يملكن عُشر ما تملكه كلبتي من الذهب.
            قال هارون لموسى:
            ـ ما هذه الدار ؟
            ان موسى يخترق جدران الزمن الصدئة، إنّه لا يرى سوى قصور غارقه في الماء والطين.. لا يرى سوى خرائب تنعق فيها البُوم.. قال موسى وهو يحطّم غرور قارون:
            ـ هذه دار الفاسقين.. « سأصرِفُ عن آياتيَ الذين يتكبّرون في الأرضِ بغيرِ الحقّ، وإن يَرَوا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها، وإن يَرَوا سبيلَ الرُّشْدِ لا يتّخذوه سبيلاً، وإن يَرَوا سبيلَ الغَيِّ يتّخذوه سبيلاً »..
            تساءل هارون ليتأكد من « حدود فدك »:
            ـ دارُ مَن هي ؟
            قال موسى وهو ينظر إلى سُنن التاريخ:
            ـ هي لشيعتنا فترة، ولغيرهم فتنة.
            ـ ما بال صاحب الدار لا يأخذها ؟
            ـ أُخذت منه عامرة، ولا يأخذها إلاّ معمورة.
            حدّق هارون في موسى.. إنّه وحيد.. مثقل بالأغلال والسلاسل والقيود..
            ـ أين شيعتك يا موسى ؟
            ـ إنّهم في رَحِم الأيّام.. في زمن لم يُولد بعد.
            تمتم الرجل الذي يحمل ميراث النبوّات بصوت شجيّ:
            ـ « لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين مُنفكّين حتّى تأتيَهمُ البيّنة ».
            عربد الشيطان في أعماق من آتاه الله الكنوز:
            ـ أنحن كفّار ؟!
            أجاب موسى بوقار سماويّ:
            ـ لا، ولكن كما قال الله تعالى: « الذين بدّلُوا نعمةَ الله كُفراً وأحلُّوا قومَهم دارَ البَوار ».
            استيقظ الرعب في أعماق الطاغية.. الرعب الذي يحيل كلَّ شيء أخضرَ إل هشيم تَذْروه الريح..
            هتف الفرعون الكامن في الأعماق: أنا أعرف كيف أقهرك يا موسى.. بغداد تختلف عن كل المدن.. إنها ليست المدينة ولا البصرة ولا حتّى الكوفة.. إنها مدينة لا ترحم.. مدينة تنام في النهار وتستيقظ في الليل.. مدينة يموت فيها الفقراء.. ويصدح فيها الغناء، فيكون أصحابه أغنياء..
            صرخ هارون:
            ـ أيها الحاجب.
            وامتثل الفضل بن الربيع.. إنه رهن الإشارة.. من أجل الوصول إلى الوزارة.. أشار الحاجب إلى قائد الشرطة باقتياد السجين إلى قصره.. إنه سجين خطير.. في وجوده خطر على النظام كلّه.. إنه يهدّد كل قصورهم المشيّدة بالزوال.. إنه صرخة حقّ في عالم الأباطيل..
            إنّ « المطبق » لا يحتمل وجود رجل خطير مثله..
            تجمّعت سحب رماديّة في السماء، وبدا الفضاء حزيناً..
            فقد غابت الشمس خلف ركام الغيوم.. وضيّعت الأشياء ظلالها، فبدت باهتةً لا معنى لها.
            وفي ذلك العام أصدر هارون الرشيد مرسوماً قضى فيه بحلّ الجيش الخراسانيّ المؤلَّف من نصف مليون جندي..
            وفي ذلك العام ضربت الزلازل شرق المتوسط فتهاوت منارة الإسكندرية(41) وثارت أمواج البحر.. وفي ذلك العام بدأ فصل مثير من صراع مرير.. بين دنيا عريضة، ودين عميق، صراع يشبه صراع أيّوب مع الشيطان، وصراع موسى مع قارون.


            في الليل
            منذ منتصف الليل، والسحب تتحشد في سماء بغداد.. الفضاء مشحون بصمت مهيب.. صمت ينتظر اصطكاك ركام الغيوم..
            غرق القمر تماماً في لجّة السحب.. فجأة ظهر سوط سماويّ، أضاء الفضاء.. ودوّى رعد رهيب.. وتدفق المطر.. غزيراً..
            رشّاش المياه الطاهرة ينبثق من سماء تنوء بالغيوم.. مخزونة بالبروق وبالرعود..
            دجلة يجري كشأنه منذ آلاف السنين.. تتدافع أمواجه.. وتذوب فيه قطرات المطر.
            بدت بغداد قُبيل الفجر مدينة مهجورة، فيما كانت البروق تشتعل في السماء، والرعود تجلجل في فضاء لا نهائي.
            وهناك في قبو تحت الأرض في قصر على شطآن دجلة يقبع رجل أسمر قد برت جسدَه روح عظيمة..
            لا شيء في القبو سوى قنديل صغير يتحشرج ضوؤه.. لا شيء سوى سلاسل وقيود..
            هناك وفي ذلك الصمت المهيمن ينساب صوت شجي يرتّل كلمات لا تنتمي إلى حضارة الأرض، كنهر هادئ كانت الكلمات تنساب:
            ـ « اللهُ يعلمُ ما تحملُ كلُّ أُنثى وما تَغيضُ الأرحامُ، وما تَزدادُ وكلُّ شيءٍ عندَه بمقدار* عالم الغيبِ والشهادةِ الكبيرُ المُتعال ».
            الله تلك الحقيقة المطلقة وسرّ الوجود، المطلق الذي لا تحدّه حدود.
            « سواءٌ منكم مَن أسَرَّ القولَ ومَن جَهرَ به، ومَن هو مُستَخْفٍ بالليلِ وساربٌ بالنهار * له مُعقِّباتٌ مِن بين يدَيهِ ومِن خَلفِه يَحفَظُونه مِن أمرِ الله، إنّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتّى يُغيِّروا ما بأنفسِهم؛ وإذا أرادَ اللهُ بقومٍ سُوءً فلا مَرَدَّ له، وما لَهم مِن دونهِ مِن وال ».
            الصوت الشجيّ ما يزال ينساب ممتزجاً مع نشيج الميازيب ورشاش المطر:
            « هُوَ الذي يُريكمُ البرقَ خَوفاً وطَمعاً ويُنشئُ السَّحابَ الثِّقال ».
            الرعود ما تزال تُجلجل في الفضاء اللانهائي، والبروق ما تزال تشتعل، والمطر ما يزال ينهمر بغزارة:
            « ويُسبّحُ الرَّعدُ بحَمدهِ والملائكةُ مِن خِيفتهِ، ويُرسلُ الصواعقَ فيُصيب بها مَن يشاء، وهم يُجادلون في الله، وهو شديدُ المِحال ».
            في ذلك الزمن المرّ.. وقد ذرّ الشيطان قرنيه يعربد ويدمّر، فتهتز القلوب، وترجف الأفئدة، وتستحيل الأشياء الراسخة إلى اهتزازات لا تعرف الثبات . في ذلك الزمن عاش موسى عليه السّلام..
            رجل يحمل ميراث الأنبياء.. وكمَن يبحث عند ظله في يوم غائم، كان الإنسان يبحث عن ركن شديد، شيء يشدّ به قلبه.. في ذلك الزمن كان موسى عليه السّلام يقود سفينة نوح من أجل أن لا تغرق في الطوفان..
            تساءل الإنسان الحائر:
            ـ الله.. ما معنى الله ؟
            قال موسى:
            ـ الله الذي استولى على ما دقَّ وجلّ.
            تساءل الإنسان الحائر:
            ـ أكان يعلم الأشياء.. قبل خلق الاشياء.. أو بعد خلقها ؟
            قال موسى:
            ـ لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء، كعلمه بالأشياء بعدما خلق الأشياء.
            ـ والارادة.. هل هي من الله أو من الخلق ؟
            ـ الإرادة من الخلق: الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل. وأما من الله تعالى، فإرادته إحداثه لا غير، لأنّه لا يهمّ ولا يفكر، وهذه الصفات منفيّة عنه وهي صفات الخلق، فإرادة الله الفعل لا غير ذلك، يقول له: كن فيكون.
            ـ بلفظ! يقول ؟
            ـ بلا لفظ ولا نطق، ولا لسان ولا همّة ولا تفكّر.
            ـ إذن كيف ؟!
            ـ لا كيف لذلك، كما أنّه لا كيف له.
            ـ وجسمه وصورته ؟
            قال موسى وهو يندك في أعظم الحقائق وأكبرها، بل الحقيقة الأحدية في عالم الأباطيل:
            ـ سبحان من ليس كمثله شيء.. لا جسم ولا صورة(42)..
            المطر ما يزال يتدفّق بغزارة، ودجلة تتدافع أمواجه.. وقد هجع الناس جميعاً.. الوزراء والفقراء، السجناء والسجّانون، وحده الله سبحانه لا تأخذه سِنةٌ ولا نوم.. يسبّح الرعد بحمده والملائكة، وينشئ السحاب، ويرسل البروق.


            إطلاق.. ولكنّه مشروط
            هناك نور عجيب.. نور لا ينتمي إلى شمس أو قمر.. نور يتدفّق في أعماق الإنسان..
            ومهما تكاثفت ظُلمة السجن في أعماق الأرض، فإنّها لا تستطيع أن تطفئ ذلك السراج الوهاج، أو توقف تدفق ذلك الشلاّل المضيء..
            من أجل هذا قال يوسف قبل آلاف السنين: ربِّ، السجنُ أحبُّ إلي ممّا يَدعُونَني إليه.
            وعندما يقف الإنسان على لغز الكون، تتدفق ينابيع السلام في ذاته.. فتستحيل ظلمة السجن عند ذاك إلى نور.. والسلاسل والحديد إلى حرّية.. غير أن الروح وهي ما تزال في إهاب الجسد تتوجّع كلّما توجّع وتئنّ كلّما أنّ.. فالجسد مظهر الروح والمرآة التي تنعكس فيها أشعة الحياة.. وليس هناك ما هو آلم للنفس من السجن..
            وليس هناك من تواصل مع الحقيقة المطلقة إلاّ أن يجثو الإنسان في حضرة الله.. ثمّة كفّانِ معروقتان تمتدان نحو السماء.. وعينان تفيضان الدمع شوقاً.. وقلب يغمره النور القادم من نبع النور.. وجه بشري فيه ضراعة وخشوع، ولسان يلهج إقراراً بمصدر كلّ الأشياء..
            من أجل هذا وقف التاريخ ليسجّل تمتمات موسى في قلب الظلمات:
            ـ يا مخلِّص الشجرِ مِن بينِ رمل وطين!
            يا مخلِّص النار من بين الحديد والحجر!
            يا مخلِّص اللبن من بين فَرْث ودم!
            يا مخلِّص الولد من بين مَشيمة ورحِم!
            يا مخلِّص الروح من بين الأحشاء!
            خلّصْني من حبس هارون.
            وعندما يغفو الجسد الآدمي، تنطلق الروح بعيداً.. تتخلص من ثقل الأرض وتنفلت من أسار الطين.. وللروح مرابعها وعوالمها.. وكانت روح موسى مستعدّة للقاء الأنبياء.. قال محمّد صلّى الله عليه وآله وهو يرى ابنه مقهوراً:
            ـ حُبست مظلوماً.. يا موسى.
            ثمّ علّمه كيف يحطم جدران الظلام من حوله:
            ـ سأعلّمك كلمات تخلصك من الحبس..
            قال موسى وروحه تعانق آخر الأنبياء:
            ـ فداك أبي وأمي، ما أقول ؟
            شعر موسى أنّ روحه تتشرب كلمات جدّه وهو يقول:
            ـ يا سامعَ كلّ صوت!
            ويا سابقَ الفوت!
            ويا كاسيَ العظام لحماً وناشرَها بعد الموت.
            اسألك بأسمائك الحسنى.
            وباسمك العظيم الأعظم.. الأكبر.. المخزون.. المكنون.
            الذي لم يطّلع عليه أحد من المخلوقين.
            يا حليماً ذا أناة لا يقوى على أناته أحد.
            يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا.
            ولا يُحصى عددا.
            فرّج عني.
            وتلقّى موسى من جدّه كلمات فأتمّهنّ.
            وفي تلك الليلة هبّ هارون من نومه مرعوباً.. استوى على فراشه الوثير، واستند إلى وسائد منسوجة من حرير.. وفي تلك الليلة استيقظ رئيس الشرطة على دقّات غليظة تصفع الباب..
            أطلّ رئيس الشرطة بعينَين فزِعتَين متطلّعاً إلى خادم « الخليفة » الرهيب.. إنّ رؤية « مسرور » في منتصف الليل توقظ في المرء كلّ طبول الخوف.
            قال مسرور وقسمات وجهه ما تزال قاسية:
            ـ أجِبِ الخليفة.
            استكمل رئيس الشرطة ارتداء بدلته الرسمية، علّه يستمد من هيبتها عزماً يسعفه عند لقاء هارون.
            كان هارون في ذروة التحفّز، ولم تنفع وسائد الحرير ولا فراشه الوثير في تبديد التوتر العصبي الذي تجسّد في ملامح وجهه وفي عينيه المشتعلتين.. كان ساهماً يحدّق في نقطة ما على أرضية الحجرة المفروشة بالسّجاد الفارسي.
            ـ السلام على أمير المؤمنين!
            شعر رئيس الشرطة أن قلبه يدق في حنجرته، وأن هارون سيسمع ولا شك طبول الخوف وهي تقرع في صدره!
            مرّت ساعة حسبها الرجل حولاً كاملاً، وقد تضاءل حتّى أصبح كجرذ مذعور في حضور قط متوحش.
            قال هارون بعد لأْي:
            ـ أتدري لمَ طلبتُك في هذا الوقت ؟
            بلع الرجل ريقه:
            ـ لا والله يا أمير المؤمنين!
            قال هارون وهو ينظر إلى حارس قرب الباب:
            ـ رأيت في منامي عبداً حبشياً في يده حربة.. كان يتوعّدني قائلاً: خلِّ عن موسى بن جعفر وإلاّ نحرتك بهذه الحربة..
            انطلقْ يا عبدالله وأطلقه من السجن!
            شعر رئيس الشرطة بالثقة تعود إلى قلبه وتشيع في صدره، وقد هدأت تماماً طبول الخوف، نظر إلى هارون متفحصاً ربّما كان سكران؛ قال مستوثقاً:
            ـ أُطلق موسى بنَ جعفر ؟!
            ـ نعم.
            ـ أُطلق موسى بن جعفر يا أمير المؤمنين ؟!
            ـ نعم.
            وكرر رئيس الشرطة للمرّة الثالثة:
            ـ أُطلق موسى ؟!
            قال هارون:
            ـ أجل أطلقه.. شَرْطَ أن لا يغادرَ بغداد أبداً..
            أردف هارون، وهو يشير إلى رئيس شرطته بالانصراف:
            ـ الآن.. وقل له يحضر مجالسي كلّ خميس.
            ـ سمعاً وطاعة.
            ومضى عبدالله يشق طريقه إلى حيث يقبع موسى بن جعفر، كان الليل في هزيعه الأخير، وشيئاً فشيئاً شعر رئيس الشرطة وهو يُصغي إلى وقع خطاه أنّ الجرذ الصغير في داخله يكبر شيئاً فشيئاً حتّى غدا وحشاً كبيراً له زئير!


            نقاش
            يمر دجلة وسط غابات النخيل، فيشطر بغداد قسمين، وقد انتشرت القصور على جانبَي دجلة، الذي يتلوّى في مساره كأفعى حائرة.
            ودجلة يمرّ أولاً ببيوت الفقراء، بيوت خاوية على عروشها حيث ترتفع أشجار النخيل السامقة مشرفةً على حقول واسعة ومزارع..
            وقبل أن يعبر المرء خندق « طاهر » الذي تتدفق فيه مياه دجلة الغرينية، وقبل أن يصل قنطرة « قطربل » تتناثر بيوت الفقراء، ما بين مقابر قريش، وباب التبن، بيوت خاوية على عروشها، تحكي انشطار هذه المدينة.
            حطّ الرجل الأسمر الذي جاء من أقصى الجزيرة على قدر.. حطّ رحله في بيت طيني.. بعد أن مكث في السجن بضع سنين. ومن قنطرة « قطربل » يعبر الفلاحون إلى حيث تنتشر حقولهم ومزارعهم ما بين نهر « بطاطيا » ومقابر قريش المحاذية لدجلة.
            أمّا إذا أراد المرء أن يعبر إلى الجانب الآخر من دجلة حيث تنهض قصور الرشيد وجعفر المنيفة، فيتعيّن عليه أن يسير على شواطئ دجلة إلى أن يصل إلى جسر الرصافة، جاعلاً باب خراسان إلى ظهره، وعندها يعبر الجسر إلى باب الطاق، وعلى اليسار تنهض القصور الحديثة والبيوت الأنيقة وكبار التجار والملاّكين وأصحاب النفوذ.
            وفي شوارع وأزقة هذه المنطقة يسمع المرء أنغام الموسيقى الصادحة وأصوات المغنّين والمغنّيات تتسلل من النوافذ المفتوحة والأبواب المشرعة؛ فإذا انتصف النهار سمع العابر صوت أذان مخنوق، ينساب حزيناً في مدينة عابثة لَعوب.
            وفي كل يوم خميس كان الرجل الأسمر الذي يحمل في صدره ميراث النبوّات يقطع هذه المسافة، ليدخل على هارون الرشيد.
            لعلّ النصارى الذين رأوه ذلك اليوم وهو راكب حماره في طريقه إلى الجسر قد ومضت في أذهانهم صورة المسيح عيسى ابن مريم.
            الجسر يزدحم بالعابرين، وفي رقبة الجسر، تحلّق الناس حول قرّاد يُرقّص قرده، ويُضحك من عنده.
            كان صوت القرّاد واضحاً تماماً وهو يخاطب قرده الذي يرتدي ثياباً مزركشة، وتتدلى من عنقه قلادة فضية:
            ـ أتحبّ أن تصبح نجاراً ؟!
            هزّ القرد رأسه موافقاً.
            وانبعثت ضحكة مكتومة من المتفرّجين.
            قال القرّاد:
            ـ أتحبّ أن تكون تاجراً يا عزيزي ؟!
            هزّ القرد أيضاً رأسه موافقاً، وبدا أكثر حماساً لهذا الاقتراح.
            ـ ماذا لو أصبحت مغنّياً ؟!
            هزّ القرد رأسه بحماس واضح، فالغناء في هذه الأيّام يجلب الجاه والثراء.. وتحسّر بعضهم وقد ومضت في ذهنه صور الموصلي وهو يرفل بالثياب الحريرية، ثياب يحملها التجار من أصقاع بعيدة.
            هتف القرّاد بقرده:
            ـ أتحبّ أن تصبح وزيراً ؟!
            وهنا انفجر القرد مذعوراً، وراح يطلق صوت استغاثة طالباً النجدة من مصدر مجهول.
            وانفجر الجمهور مُطلِقاً ضحكات يشعر السامع أنها تتدفق من أعمق نقطة في القلب.
            قلوب الفقراء تموج بحزن، كما يموج البركان الخامد بحممه في الأعماق المستعرة.
            ليس هناك من متنفَّس للغضب سوى الضحك، وربّما العربدة في بساتين دجلة.
            خفتت الأصوات بعد اجتياز الجسر وبدت المنازل الأنيقة والقصور المنيفة ساكنة غارقة في الصمت، ليس هناك من صوتٍ سوى ما تبعثه النوافذ المفتوحة والشرفات من أنغام لموسيقى فاتنة.
            وربّما سمع المرء وقع أحذية الحرّاس ورجال الشرطة وهم يمضون لإنجاز مهمّة ما أو القيام بمأمورية أُنيطت بهم.
            قصر هارون يربض فوق مساحة واسعة، وقد بدا صَدَفة عملاقة تحدق بها مختلف الأشجار، وتحفّ بها أشكال وألوان من الورود.
            وفي بوّابة القصر انتصب حرّاس غلاظ في أيديهم رماح وعلى عواتقهم سيوف.
            رهبة المكان، وتلك الأبّهة، لابدّ وأن تقذف في قلب الزائر قدراً مخيفاً من سطوة أهله وأصحابه.
            كان « أبو إبراهيم » الرجل الأسمر الذي قدم بغداد على قدر يشق طريقه في خطىً هادئة.
            يستشف الذي يراه أنه في قبال شخص يختلف تماماً ممّا يراه المرء في هذه الأطراف، فالخطى واثقة ليس فيها كبرياء ولا خضوع.. فيها تواضع مفعم بشعور بالعزّة، وفيها رجولة تطفح إنسانية. العينان نافذتان، لا ترى في أبهة القصر سوى خرائب، ولا في الحرّاس سوى ضحايا بشرية.. ضحايا لوحش القدرة والسيطرة.
            بَهْو القصر يعجّ بالمنتظرين، رجال يرتدون مختلف الأزياء.. كان بعضهم ينتظر منذ عام وآخر مضت على انتظاره شهور، وبعضهم أسابيع، وقد وقف « الحاجب » كجدار صخري في يده مفاتيح اللقاء.. لقاء هارون الرشيد.. لقاء الدنيا العريضة والمجد والثراء.
            هبّ الحاجب للقاء « موسى ».
            أبو إبراهيم يحضر في الساعة المحدّدة لم يتخلف عن مواعيده أبداً.. إنهار الجدار الصخري تماماً، ووجد موسى نفسه أمام هارون، ليس هناك من يتحدّث عن لحظات اللقاء، إنه ولا شك مشحون.. مشحون بكل القيم المتصارعة..
            مشحون بكل رموز الصراع.
            إرادة بشرية تتجلى في عين هارون، وبريق مخيف يموج في المِحجرَين، كما لو أنهما تطلاّن على جحيم مستعرة.
            وفي مواجهة هارون، يقف موسى، بكل ملامحه التي تعكس تألقات السماء، في عينين صافيتين غسلتها الدموع.. دموع الإنسان العاشق.. دموع من يتوق إلى حبيبه في الآفاق البعيدة.
            في مجلس هارون بدا أبو يوسف قاضي القضاة متحفزاً قد هيأ أسلحته، هكذا طلب منه « الخليفة » أن يقهر موسى ولو بسؤال واحد يوقفه متحيّراً عاجزاً بعض العجز.
            التفت هارون، وقد ومضت في عينيه صورة الفرعون، وتنحنح القاضي قبل أن يُلقي بحباله وسؤاله.. قال أبو يوسف وهو يحدّق في وجهٍ أسمر يتألق فيه نور عجيب:
            ـ يا موسى، ما تقول في التظليل للمُحْرِم ؟
            أجاب ابن النبيّ:
            ـ لا يصحّ.
            ومضت في عينَي أبي يوسف أفعى لها فحيح:
            ـ فيضرب الخباء في الأرض ويدخل البيت ؟
            ـ نعم.
            خُيّل « للخليفة » وقاضيه أن الأفاعي ستلقف موسى وتبتلعه..
            قال القاضي منقضّاً:
            ـ فما الفرق بين الموضعين ؟
            وألقى موسى بسؤاله وعصاه:
            ـ ما تقول في الطامث، أتقضي الصلاة ؟
            أجاب القاضي بلهجة خائفة:
            ـ لا.
            ـ أتقضي الصوم ؟
            أجاب القاضي متخاذلاً:
            ـ نعم.
            قال له موسى وهو يسدّد الضربة القاضية:
            ـ ولمَ ؟
            قال القاضي مستسلماً:
            ـ هكذا جاء.
            قال موسى وقد لقفت كلماته أسئلة القاضي وخليفته أنّ ما فعلوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى.
            ـ وهكذا جاء هذا.
            سكت القاضي.. راح ينظر إلى « خليفته » مخذولاً.
            نظر إليه هارون حانقاً، وقد غادر موسى المكان فيما بدت الأسئلة حبالاً ممزَّقة وعصيّاً مهشمة. قال هارون وهو يصرّ على أسنانه:
            ـ ما أراك فعلت شيئاً.
            أجاب قاضي القضاة، وهو يلملم ما بقي من حباله وسؤاله:
            ـ رماني بحجَر دامغ.


            يتبع

            تعليق

            • بحير
              عضو فعال
              • Sep 2004
              • 564

              #7
              الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

              ليلة بِشر الحافي
              منازل بغداد في ذلك الغروب الحالم بدت وكأنها جوارٍ حِسانٌ جلسنَ على الشاطئ، ينظرن إلى تدافع المياه، وقد تكسرت فوقها بقايا أشعة الشمس قبل أن تغيب.
              النوافذ المفتوحة والكوى تبعث ضوءً واهناً لقناديل أُسرجت توّاً استعداداً لليلة طويلة فاتنة، الرجل الأسمر يجوس خلال القصور آخذاً سمته نحو بيت يقبع ما بين مقابر قريش ودير القباب على شاطئ دجلة، حيث تتناثر بيوت الفقراء هنا وهناك.
              الأزقّة النظيفة المرصوفة بالحجارة شهدت ذلك الغروب خطىً هادئة لرجل قَدِم من الجزيرة على قدر.
              ليس هناك من يسبر آلام موسى في ذلك الزمن النحاسي، زمن حُسبت ساعاته بكُرات من نحاس، حتّى الفارس الذي ما يزال متربعاً فوق القبّة الخضراء يحمل رمحاً نحاسياً، يدور به في كل الجهات، لكأنه يبحث عن أفق تلمع فيه بروق الثورات.
              كل شيء كان هادئاً، والنوافذ التي كانت ترسل أضواءً واهنة راحت تبعث بأنغام الموسيقى، وقد ظهر القمر متألّقاً فوق ذرى النخيل.
              بغداد تبدأ لَهْوها الليلي، تعدّ موائدها الساهرة، وقد ارتدت الجواري الحسان ثياباً منسوجة من حرير مضمّخة بأنواع الشذى والعطور.
              كان الرجل الذي يحمل في صدره هموم النبوّات ما يزال يجوس خلال الديار، خلال زمن نحاسي ضاعت فيه مواعظ الأنبياء.
              وفيما كان الرجل الأسمر ينعطف في زقاقٍ مرصوف بالحجارة المفخورة، فُتحت باب خشبية أنيقة، وظهرت جارية حسناء، وتدفقت عبر الباب أصوات الموسيقى والغناء.
              وضعت الجارية قمامة في مكان على مبعدة من الباب، ووقفت تتطلع إلى الرجل الغريب، الواثق الخُطى، ربما كانت تقارن بين طلعته وصور الدراويش المخزونة في ذاكرتها.
              توقفت الخطى عند الباب حيث تتدفق أصوات اللهو والمجون والعربدة.
              قال موسى وهو يسدّد نظرة تكاد تخترق الزمن:
              ـ يا جارية! صاحبُ هذه الدار حرٌّ أم عبد ؟
              شعرت الجارية أن السؤال قد باغتها تماماً، كانت تتوقع كلمات أخرى طالما سمعتها، كلمة مستعطِفة، أو كلمات غزل عابرة، هتفت الجارية حتّى لا تبدو بَكْماء في نظر الغريب:
              ـ بل هو حرّ!
              همس أبو إبراهيم بصوت يشوبه حزن غامض:
              ـ صدقتِ، لو كان عبداً لخاف مولاه.
              ومضى الغريب، فيما وقفت الجارية تنظر مذهولة إلى خطىً هادئة تبتعد رويداً رويداً..
              كانت تتطلع إلى رجل نحيف تموج في سُمرته تألقات نور غريب، نور يشبه ما يسطع في أعماق النفوس المطمئنة المفعمة بالسلام.
              انبعث صوت من أعماق المنزل:
              ـ أين أنتِ يا روحي! كؤوسي فارغة، وفي قلبي تستعر الجحيم.
              دخلت الفتاة، وقد علا وجهَها وجوم.. ربما كانت مشغولة بفكّ رموز كلمات لم تسمعها من قبل.. كلمات نفّاذة تسبر الأعماق..
              قال الرجل السكران قليلاً:
              ـ ماذا دهاكِ ؟! لماذا تقفين هكذا كالمعتوهة ؟!
              ـ لا شيء يا سيدي.. لقد مرّ الساعةَ رجل.. رجل غريب سألني عن صاحب هذه الدار.
              ـ عنّي أنا ؟! ماذا قال ؟
              ـ قال: صاحب هذه الدار حرّ أم عبد ؟
              ـ حرّ أم عبد ؟!
              ـ قلتُ: بل هو حرّ.
              ـ هل قال شيئاً آخر ؟
              ـ قال: صدقتِ، لو كان عبداً لخاف مولاه.
              مثلما يضرب الزلزال الأرض، فترتعش ذرّات التراب وترتجف الأشياء. كانت الكلمات النفّاذة تضرب الأعماق، تطيح بكل الصروح تمزّق خيوط العناكب، تحيل الأنفاق المظلمة إلى خرائب.
              سقط الكأس من يده.. وانتفض كمحموم، مهرولاً باتجاه الباب، لحقت به فتاته تدلّه على وجهة الرجل الأسمر الذي مرّ بها قبل لحظات..
              وشهدت ظلمة المساء رجلاً حافياً ينهب الأرض بخطاه، يبحث عن رجل أسمر يحمل في صدره هموم الأنبياء.
              هتف الحافي بصوت مخنوق وقد لاح له موسى:
              ـ يا سيدي.
              توقفت الخطى، والتفت أبو إبراهيم إلى رجل حافٍ يَشرِق بدموعه..
              والتقى الرجلان.. رجل أسمر، ورجل حافٍ يبحث عن جادّة الطريق..
              وبكى الحافي ما شاء له أن يبكي.. شعر أن روحه تغتسل تحت رشاش من مطر طهور.
              جثا الحافي عند قدمَي موسى، ينشده الخلاص.. الأمل.. الطريق إلى ينابيع النور، وانحنى أبو إبراهيم يمسح على رأس العائد إلى الله.
              لقد اكتوى بنار الشيطان أمداً طويلاً، قال له موسى عليه السّلام وهو يعظه:
              ـ كفى بالتجارب تأديباً، وبممر الأيّام عِظة، وبأخلاق من عاشرتَ معرفة، وبذِكر الموت حاجزاً من الذنوب والمعاصي. والعَجبُ كلّ العجب للمحتمين من الطعام والشراب مخافة الداء إن نزل بهم! كيف لا يحتمون من الذنوب مخافة النار إذا اشتعلت في أبدانهم ؟!
              الرجل الحافي ما يزال مستغرقاً في بكاء صامت، كغيمة حزينة كانت عيناه تهملان الدموع..
              الدموع.. دموع الندم والعودة والحنين، تطفئ الحرائق المشتعلة في الأعماق لتنفتح نافذة من نور على سماء صافية ذابت في فضائها الغيوم فبدت مرصّعة بالنجوم.
              تساءل الحافي وكان اسمه بُشراً(43):
              ـ مَن تكون يا سيّدي ؟
              قال الذي قدم من المدينة على قدر:
              ـ أنا ابن محمّد حبيب الله، وابن إسماعيل ذبيح الله، وابن إبراهيم خليل الله.. أنا موسى بن جعفر.
              وفي تلك اللحظة عندما تحطمت آنية الخمر، ولج « بُشر » عالم الملكوت.


              بين السَّكينة والقلق
              ريح خريفية، تهبّ من الشمال تبشّر بليالي البرد القادمة والليل الطويل.
              ما يزال يتقلب في فراشه، منذ منتصف الليل.
              عجزت كؤوس الخمر أن تطير به على أجنحة الخيال والوهم، حتّى الجواري الحسان عجزت أن يُبددن في أعماقه شعوراً قاتلاً بالحقارة.
              ووقف « الأصمعي »(44) عاجزاً هو الآخر من إدخال شيء من التسلية إلى قلبه..
              بدا « الخليفة » في تلك الليلة كائناً ممزَّقاً نهباً للقلق والمرارة، لقد استحال إلى عبد تافه.. عبد ذليل لرغبات مجنونة لا يستطيع الفكاك منها ولا التحرّر من قبضتها.
              نهض من فراشه الوثير، أزاح وسائد الحرير.. وترك رداءه ينساب من فوق كتفيه كحيّةٍ ملساء.
              في الرواق ألقى نظرة فارغة على أكياس متخمة بالذهب والفضة.. خراج خراسان الذي وصل صباحاً.
              التفت يميناً وشمالاً لكأنما يبحث عن شيء يبدد شعوره بالمرارة.. عن أحد يبدد وحشته، لا شيء.. لا أحد.
              إنه يقف وحيداً.. حتّى زوجته زبيدة باتت تفصلها عنه آلاف الأميال..
              انتبه الحرّاس إلى شبح يمشي مرنّحاً في طريقه إلى بوابة القصر.. استعدّ الحرس لتقديم فروض الطاعة..
              عجزت مشاعل القصر عن تبديد ظلمة الليل البهيم.. وبدا القصر في عينَي « الخليفة » المرهق الأعصاب كائناً خرافياً..
              للمرّة الألف استعاد تفاصيل الرؤيا.. رؤيا أقضّت مضجعه، سلبت من عينه حلاوة النوم.. نشوة السلطان.. رأى موسى كبيراً.. كبيراً كعملاق، ورأى نفسه ضئيلاً.. ضئيلاً كجرذ.. ولفرط دهشته رأى موسى ينقضّ بعصا في يده على قصره، فيحيل صروحه إلى أنقاض، ورأى نفسه يفرّ في دروب مظلمة تطارده أشباح ضحاياه في منعطفات مخيفة موحشة.
              لا « الخندريسية »(45) المعتّقة، ولا الشراب « القطربلي »(46) ولا حتّى نبيذ العسل بقادرة على تهدئة أعصابه الهائجة كفرس مجنونة..
              لقد بلغ ذروة اللذائذ وبات ينشد المزيد.. المزيد، ولكنه كان يعي بمرارة خواء الأعماق.. كصحراء مليئة أضحت روحه الضائعة.
              دجلة يجري صامتاً.. غير آبه بما يجري حوله.. دجلة يمضي في طريقه غير مكترث بالقصور المتناثرة على ضفافه كأصداف ولآلئ.
              هناك في الجانب الآخر من النهر رجل حجازي.. رجل يتدفق كنهر.. يجري كنهر.. تنثال فضائله كما تنثال مياه دجلة فتهب الخضرة والحياة للجميع.
              هناك في الجانب الآخر من دجلة في الأعالي، ما بين محلة باب التبن وقطيعة زبيدة، كوخ من جريد النخل، يعيش فيه رجل أسمر يوشك أن يسطع اسمه في الآفاق.. تنجذب إليه القلوب من كل مكان.. يهب السلام لمن يبحث عن السّلام.
              ـ الخطر يكمن هنا.
              دوّت صرخة رعب في أعماق هارون.. هناك من يهدد عرشه وملكه بالزوال.. هناك من يهدد دنياه بالبوار.. هناك من يبدد أحلامه وأمانيَّه.. ويجعل ليله طويلاً عاصفاً بالقلق.
              لقد قهر كل من يقف في طريق لذائذه التي تزداد شَرَهاً يوماً بعد آخر وليلة وراء أُخرى..
              الضرائب تزداد، وتأوّهات المعذَّبين تصّاعد في السماء، وتزداد هبات « الخليفة » للمغنّين والمغنّيات، وتأخذ الجواري طريقها إلى قصور « الخليفة » في بغداد وخارجها.. جوارٍ من كل الألوان، ومن كل الأعراق.
              رجل واحد كان يقضّ مضجعه، يطارده في ليله ونهاره.. موسى..
              من أجل هذا صرخ « الخليفة » وقد بزعت الشمس حمراء كعيني هارون:
              ـ جئني بذلك الحجازي.
              تساءل الحاجب:
              ـ أي الحجازيين يا سيدي ؟!
              ـ موسى بن جعفر.
              وأردف وهو يصرّ على أسنانه:
              ـ ابن محمد بن علي بن الحسين.. بن علي بن أبي طالب..
              أعرفته أم ما تزال تجهله ؟
              كان « الخليفة » يقلّب سيفاً كثعبان صحراوي.
              ـ ومن لا يعرف موسى ؟!
              وانحنى الحاجب قبل أن يتوجه لتنفيذ مهمته في الجانب الآخر من دجلة.. هتف الرشيد بحاجبه:
              ـ أحضر أولاً سوطين وجلاّدين.
              بذل الحاجب جهداً جبّاراً لإخفاء مشاعره ولينحني مرّة أخرى أمام « الخليفة ».. إنه لا يملك غير الانحناء وتنفيذ الأوامر..
              ومضى الحاجب مع مفرزة من الحرّاس.. عليه أن يكون حذراً في تنفيذ مهمته، فهناك من يترصّده في خفاء ربّما يكون حارساً أو غلاماً، وربما جارية أيضاً.
              الطريق إلى محلّة باب التبن ليس طويلاً، لطالما ذهب إلى هناك.. وفي كل مرّة يُخيَّل إليه أنه يذهب إلى عالم آخر.. فمن القصور إلى الأكواخ، ومن علية القوم بأزيائهم المزركشة التي يغلب عليها السواد، إلى الناس البسطاء، ومن الخيول الفارهة إلى حمير السقّائين.
              كانت كوكبة الفرسان تشق طريقها إلى أحياء الفقراء في الجانب الآخر من قنطرة « قطربل »:
              اعترف الفضل في قراره نفسه وهو يتأمل كوخ الجريد أنّ لموسى سلطاناً عجيباً، وفي كلّ مرّة أراد أن يدرك مصادر قوّة هذا الرجل الحجازي كان يشعر بالعجز، وكم مرّة كان يحاول أن يحاوره كنِدّ.. كحاجب « للخليفة ».. كشخصية مهمة في الدولة، ولكنه كان يخفق لأسباب لا يعرف طبيعتها.
              الفقراء والأثرياء.. البسطاء وأعيان البلد ينحنون له إجلالاً وتكريماً.. ربّما يرون في ملامحه هويّة الإنسان.. هويّة افتقدوها منذ أجيال.. ربما يرون فيه مصدراً للسلام في زمن يلفّه الضباب والدخان.. في زمن الشيطان.. ربما يرون فيه قلعة للمقاومة.. مقاومة للطغيان.. يقول كلمة: لا.. كلمة ثمنها باهض.. ربما يدفع صاحبها ما فوق رقبته ثمناً.. وربما يطوي بقية حياته في « المطبق ».. سجن يشبه قبراً هائلاً.
              ترجّل الحاجب وخاطب غلاماً أفريقياً:
              ـ استئذن لي على مولاك.
              أجاب الغلام دونما اكتراث، وربّما معرّضاً:
              ـ لجْ.. فليس له حاجب، ولا بوّاب..
              لم يكن في الكوخ سوى موسى وغلام أفريقي آخر في يده مقص يأخذ اللحم من جبين أشرق بالسجود إلى نور السماوات.
              ـ السلام على أبي إبراهيم.
              ـ وعليك السلام ورحمة الله.
              والتقت نظرات الرجلين.. وجد الحاجب نفسه يقول متخلصاً من عبء ثقيل:
              ـ أجب الرشيد.
              أجاب موسى بمرارة:
              ـ ما للرشيد ومالي.. أما تشغله نعمته عني ؟!
              وأردف وهو ينهض:
              ـ لولا أني سمعت في خبر عن جدّي رسول الله أنّ طاعة السلطان للتقية واجبة ما جئته.
              امتطى موسى بغلة تشبه بغال السقّائين الذين يحملون المياه الصافية من أعالي النهر.
              قال الحاجب وهو يلقي نظرة على البغلة:
              ـ أتلقى الخليفة بهذه الدابّة التي إن طلبت عليها لم تسبق، وان طُلبت عليها تلحق ؟!
              قال له موسى وهو يحاوره:
              ـ لست أحتاح أن أطلب، ولا أن أُطلب.. ولكنها دابّة تنحطّ عن خيلاء الخيل وترتفع عن ذلّة الحمير، وخير الأمور أوسطها.
              سكت الحاجب، لاذ بصمت لا يعرف كنهه.
              التفت إلى موسى وقال بعد أن عبرا قنطرة قطربل:
              ـ إستعدَّ للعقوبة يا أبا إبراهيم.
              قال له موسى وهو يرمق السماء:
              ـ أليس معي مَن يملك الدنيا والآخرة ؟!
              وفي القصر دار حوار مقتضب، قال هارون وهو يتفحص غريمه بنظرات تقطر حقداً:
              ـ ما الذي قطعك عن زيارتنا ؟
              قال موسى وقلبه يخفق بسلام:
              ـ سعة ملكك، وحبّك للدنيا.
              لبرهة قصيرة ومضت أسئلة في ذهن الرشيد! لماذا يبدو موسى هادئاً مطمئناً ؟ هل هناك حقاً ما يستحق التضحية بالدنيا الدنيا.. الجميلة.. جمال القصور.. الفاتنة فتنة الجواري الروميات.. وهل هناك ما يفتن القلب ويستحوذ على النفس غير لذائذ الطعام والشراب ؟!
              لماذا أبدو ضئيلاً في حضرة موسى ؟! ثم ما هذه السكينة المطلقة التي تجعله راسخاً كجبل ؟.. ومن أين استمدّ كل هذا الحبّ الذي يهيمن على آلاف القلوب من محبّيه ؟! لبرهة ومضت كل هذه الافكار في ذهن هارون.. لم ينتبه إلى نفسه الاّ عندما نهض موسى وهو يهمس بهدوء تام:
              ـ الحمد لله.
              ولفترة وجيزة كانت الكلمة تضيء المكان وتهيمن على مشاعر « الخليفة » قبل أن يغرق مرّة أخرى في هاوية تتراكم داخلها ظلمات رهيبة.


              الاستغراق في ذات الله
              سافر الرشيد إلى « الرقة ».. هناك القصور.. وكؤوس الخمور، وعالم من اللذة مسحور..
              هناك، يمكنه أن يرى بغداد جيداً. سوف يلعب الشطرنج، يقضي على خصومه واحداً.. واحداً.. من أجل هذا أمر باعتقال موسى عليه السّلام.. أودعه عند الفضل البرمكي سجيناً ومضى إلى « الرقة ». وبغداد تدور فيها كلاب سرّية تشمّ كلّ شيء من بعيد.. كلاب مسعورة لا تعرف غير النهش.. تلتذّ بتحطيم العظام الآدمية.
              بغداد خائفة.. أنهكتها الضرائب.. أوهنها الخوف وقد بلغت القلوب الحناجر.. والرجل الذي يتدفق سلاماً معتقَل لدى الفضل، السلام مغيَّب.. بغداد تبحث عن السلام..
              من فوق سطح قصر الفضل بدت بغداد في ذلك الأصيل الخريفي ساكنة.
              منظر هادئ ولوحة ثابتة.. كل شيء بدا ساكناً ما خلا تألفات دجلة بمياهه الغرينيّة وهي تتدافع، لتمنح القرى في الجنوب الخصب للمواسم القادمة.
              سربٌ مهاجر من الطيور يعبر السماء يبحث عن مكان دافئ.. أما أشجار النخيل المُحدق بالنهر فقد بدت كرموشِ حوريةٍ شهيدة.
              كان الفضل يحدّق في لوحة رسمها الأصيل.. لوحة منسجمة تماماً.. لوحة يبدو فيها الوجود وكأنه يدور بهدوء حول محورٍ ما.
              محور يكمن في جوهر الأشياء ذاتها..
              ربما وحده الإنسان هو الذي يعكّر صفو العالم المتناغم.. ولكنه عندما يُمعن النظر في هذا الرجل السجين.. الذي يرتدي مدرعة صوف.. يدرك أن الإنسان هو الآخر يمكنه ولوج ملكوت الوجود..
              الإنسان جزء من الكون الفسيح اللامتناهي.. لشدّ ما أثار انتباهَه هذا الحِجازيُّ، هذا القادم من رمال الجزيرة.. لقد رأى كثيراً من الصوفيين.. ورأى كثيراً من حكماء فارس، ورأى رهبان النصارى.. كانوا حقاً يعيشون حالة من الصفاء، ولكنه كان يشعر بغربتهم عن العالم، لكأنهم في واد من الخيال والوهم..
              أمّا موسى فيختلف كثيراً عن أولئك، إنه يبدو متجرداً تغمره سكينة مطلقة يحيط به بحر زاخر بالسلام.. ولكنّ المرء يمكنه أن يلحظ في أعماقه حركة طاهرة نقية.. شيءٌ ما يتشابك في حركة فاعلة.. قوّةٌ ما على استعدادٍ لخوض الحرب.. تضطرم ثورة ومقاومة.. ولعلّ هذا ما يُقلق هارون.. ما يجعله يشعر بالفزع.. الذعر.. الأرق.
              انتبه الفضل إلى نفسه.. كما يُخرج المرء نفسه من أعماق بُحيرة صافية انتشل البرمكي نفسه من تأملاتٍ كان غارقاً فيها.
              لقد جاء صديقه عبدالله.. إنه يثق به كما يثق بنفسه.. يعرف أن « الشيعي » يقدّس أسرار الإنسان.. يمجّ الخيانة كما يمج المرء الحنظل في أعماقه.
              قبس من إنسان.. نور من هذه الروح المسالمة.. التي ما تزال غارقة في سجدة طويلة حتّى الغروب.
              قاد الفضل صديقه إلى جدار في السطح يشرف على باحة القصر.
              قال الفضل لضيفه وهو يحاوره:
              ـ انظر، ماذا ترى ؟
              ـ لا شيء.
              ـ تأملْ جيداً، أرجِع البصر مرّة أخرى.
              ـ تعني ذلك الثوبَ المطروح ؟!
              ـ أرجع البصرَ كرّتين.. وانظر!
              ـ أرى رجلاً ساجداً.
              ـ هل تعرفه يا عبدالله ؟
              ـ لا.
              ـ هذا مولاك.
              ـ مولاي ؟!.. مَن يكون مولاي هذا ؟
              ـ تتجاهل علَيّ يا عبدالله.. إنّني أعرفك جيداً.
              ـ أنا لا أتجاهل، ولكني لا أعرفه!
              ـ هذا موسى بن جعفر.
              شعر عبدالله بقلبه يخشع.. واجتاحت الفضلَ موجةٌ من الإجلال استحوذت على وجوده.. فلا شيء في ذهنه سوى موسى.. العبد الصالح.. راح يتحدث ذاهلاً:
              ـ منذ أسابيع وهو رهين عندي.. طالما تفقّدته بنفسي ليلاً ونهاراً فلم أره إلاّ ساجداً..
              يصلي الفجر فيعقّب بعد صلاته حتّى مطلع الشمس.. ثم يهوي ساجداً لله حتّى الزوال، وقد وكّل غلاماً يترصّد له وقت الزوال، فاذا هتف الغلام: إن الشمس قد زالت، وثب يصلّي.. من غير أن يجدّد وضوءً، فأعرف أنه لم يَنم في سجوده ولا أغفى.. ويستمر في صلاته حتّى العصر.. فإذا صلّى العصر سجد سجدة.. فلا يزال غارقاً فيها إلى أن تغيب الشمس.
              فإذا غابت وثب من سجوده فصلّى المغرب من غير أن يجدّد وضوءً، ولا يزال في صلاته حتّى يصلّى العتمة.
              فإذا صلّى أفطر على شواء، عندها ينهض ليجدّد وضوءه ثمّ يسجد طويلاً، ثمّ يرفع رأسه فيغفو إغفاءة خفيفة، ثمّ ينهض فيجدّد الوضوء فيقيم الصلاة.. فلا يزال يصلّي في جوف الليل حتّى مطلع الفجر.
              فلستُ أدري متى يقول الغلام: إنّ الفجر قد طلع ؟ إذا به يثب لصلاة الفجر.. فهذا دأبه منذ حُوِّل إليّ.
              قال عبدالله وعيناه تمتلئانِ دموعاً كسماء مثقلة بالمطر:
              ـ اتق الله يا فضل، ولا تستجب لداعي الهوى.. فتزول نعمتك.. إنك تعلم أنه لم يفعل أحدٌ بأحدٍ سوءً إلاّ زالت نعمته.
              أجاب الفضل وقلبه يستشعر هول الجريمة:
              ـ أرسلَ إليّ الرشيد غير مرّة يأمرني بقتله، فلم أُجبه، وأعلمته أني لن أفعل ذلك حتّى لو مزّقني مسرور بالسيف.
              غرقت الشمس بين سعفات النخيل، بدت الذرى متوقدة بحمرة تشبه جراح الأنبياء.. وشيئاً فشيئاً كان المساء ينثر رماده في حنايا الكون.. وفي تلك اللحظات وقد عادت الطيور إلى أوكارها، وظهرت في الأفق الغربي نجمتان، نهض الرجل الساجد ليصلّي، ليندمج مع أسرار العالم يطوف في عظمة الوجود، وهبط الفضل مع ضيفه درجات سُلّم مرمري، وقد امتلأت نفساهما إجلالاً للإنسان عندما يسجد لله وحده.


              إلى طامورة أُخرى
              نسمات باردة، لاذعة تدفع بالمرء إلى التماس الدفء، الليل يلفّ بغداد.. يغمرها بالغموض والأسرار، وفي الوقت الذي تنطفئ أو تخبو الفوانيس في أكواخ المدينة وبيوتها الطينية، تتوهج القناديل في القصور وتبدأ المدينة سهرتها، لَهْوها.. حتّى الصباح.
              وفي ليالي الشتاء الطويلة ينصرف الأثرياء وعلية القوم إلى إمضاء الليل في مجالس اللهو أو في أحضان الجواري، وهكذا فعل الفضل البرمكي كعادته.
              ولج غرفةً واسعة تطلّ على حديقة غنّاء.. حديقة لم يغيّر الشتاء من بهجتها الاّ قليلاً..
              الصمت يهيمن في الغرفة، والفضل يكرع من كؤوس اللذة مُتعاً لا نهاية لها.
              كانت ريح الشتاء لا تكفّ عن الولولة وهي تجوس خلال النخيل. فجأة.. سمع الفضل صوتاً غريباً.. صوتاً يشبه انصفاق باب المقصورة. أرهف سمعه ونظر إلى فتاته.. إحساس بالخطر قفز في أعماقه.. شعرت الفتاة بما يموج في قلب رجلها من ذعر، قالت مطمئنة:
              ـ لعلّ هذا من فعل الرياح..
              حاول أن يستريح لهذا التفسير.. ولكنّ باب الغرفة ينفتح بعنف ويظهر « مسرور » كقدر صارم..
              وجه قاس جامد الملامح، وسيف عريض يشبه سكّينة عملاقة.. وعينان تشتعلان قسوة.. شعر الفضل أن قلبه يقفز إلى حنجرته.. كطبل مجنون.. كانت دقات القلب تدوّي في الأعماق المنهارة.. لقد دنت ساعته ولا شك.
              ـ أين موسى ؟
              اجتاحته موجة عارمة من الارتباك والفوضى، لا يدري ماذا يفعل ؟
              بلع ريقه ونزل من سريره الوثير، وبدا إلى جانب مسرور كائناً ضئيلاً جداً، كجرذ في براثن قطٍّ وحشي.
              ولأوّل مرّة وجد رجلَيه تخونانهِ فيسقط..
              وجه مسرور جامد لا يتحرّك، تقدمت الفتاة وهمست في أذن سيّدها..
              ـ ثق بالله!
              تماسك الفضل.. نزل درجات سلّم مرمري، وكان العملاق يتْبعه كجنّي.. في آخر القصر توجد حجرة.. هناك يقبع موسى بن جعفر.. دخل العملاق..
              كان موسى غارقاً في الصلاة.. غارقاً في عوالمَ مفعمةٍ بكلمات السماء..
              شعر الفضل أنه يثأر من العملاق.. ليس في هذه الحجرة من يكترث له..
              آه، ما أقواك يا موسى! من أين لك كل هذا العزم ؟! من أين لك كل هذه القوّة..؟! حتّى مسرور بوجهه الجامد.. القاسي، تتغير ملامحه في حضرتك.
              أجال العملاق بصره النافذ في الحجرة.. وكانت ذاكرته تسجّل ملاحظاته، واسعة.. نظيفة. سجّادة أنيقة.. والسجين في حال جيدة.. ينعم ولا شك بخدمة طيبة.. ليست في قدميه ولا يديه قيود ولا حديد.
              غادر العملاق الحجرة بصمت، كما دخلها بصمت.. وأثار صمته الهلع في قلب الفضل..
              ليس هناك ما هو أرعب من صمت مسرور.. قدر غامض، ومصير مجهول..
              غادر العملاق المخيف القصر.. وسُمعت ـ رغم دويّ رياح الشتاء ـ سنابكُ حصان يبتعد..
              مسرور يشق طريقه في ظلمة ليل طويل إلى قصر منيف لعباسيّ يمقت البرامكة..
              يمقت فيهم نفوذهم.. استحواذهم على مقدّرات الخلافة.. وفي صمت رهيب سلّم مسرور الرجلَ العباسي رسالة من الرشيد.. وانطلق العملاق إلى مدير شرطة بغداد السندي بن شاهَك.. رسالة أخرى من الرشيد وفيها أن يمتثل لأوامر « العباسي ».. وهكذا تمّ كلّ شيء في الظلام..
              هبّت بغداد مذعورة على دويّ الدوريات.
              العشرات من رجال الشرطة يتدفقون صوب الأماكن الحساسة في المدينة.. ومفارز خاصّة تقتحم قصر الفضل..
              تسوقه مخفوراً مذعوراً إلى قصر « العباسي ».. لا أحد يعرف ما حصل في تلك الليلة الطويلة.
              جُرّد الفضل من ثيابه وانهالت عليه سياط الجلاّدين.. مئة سوط جعلت منه كياناً ممزَّقاً.. متهافتاً.. مسحوقاً.. لم تبق في أعماقه.. ولا حتّى أمام الناس ذرّة من هيبته السابقة كوزير ولا حاكم عامّ لخراسان، ولا كقائد لنصف مليون جندي فارسي.. لقد غدا صفراً.. ميتاً.
              وأُطلق سراحه فوراً.. ولكن بعد أن تحول إلى عبد ذليل.. عبد خسر حرّيته ونفسه..
              خرج الفضل من قصر العباسي كياناً لا قيمة له.. خرج مترنّحاً.. راح يسلّم على الناس يميناً وشمالاً.. نظر بعضهم شامتاً، وآخرون نظروا إليه بشيء من الشفقة.
              يا لَبؤس الملوك إذا كانت نهايتهم هكذا!
              وفي مراسم خاصّة تسلّم « السنديُّ » السجينَ الصامد من قصر الفضل، ليُنقل سرّاً إلى سجن مجهول.. سجن تحت الأرض حيث يمتد الليل إلى ما لا نهاية..
              كان السنديّ يشرف بشكل غليظ على مراسم إيداعه السجن الجديد.. طامورة تحت الأرض تشبه قبراً هائلاً.. قيّد سجّان قاسٍ سجينَه بأرطال الحديد.. وكان السندي في كل مرّة يأمر بزيادة القيود.. حتّى بلغت ثلاثين رطلاً..
              كان موسى ينظر بشيء من الرحمة إلى سجّانيه.. كان وجهه الأزهر يتألق حزناً سماوياً في ضوء المشاعل.
              بدا السندي غليظاً.. منحطّاً في هاوية من الحقد.. وثنياً تعيساً.. من غير مناسبة.. شتم السنديُّ عليّاً.. علياً الذي أراد له الطاغوت أن يموت.. ولكن.. ولأول مرّة بدا وجه موسى تكسوه غمامة من حزن عميق..
              بدت عيناه غيمتين مشحونتين بالمطر.. وعندما غادر مدير الشرطة الطامورة وغادرت المشاعل، وغمرت الظلمة الرهيبة المكان.. شهق السجين بعبرته وفاءً لذكرى شهيد المحراب والإنسان.


              على عتبة الهدى
              مضت الأيام في قطار الزمن المسافر.. مضت سريعة كأنها تسّاقط في هاوية مظلمة.. ليس هناك من يعرف أين يذهب الزمن.. أين تمضي الأيام.. حلاوتها ومرارتها تمضي، لتخلّف في الذاكرة مشاهد غائمة.. ضبابية سرعان ما تندثر تحت ركام السنين وغبار القرون..
              البشر يحمل عبء الأيام ينوء بثقل الزمن، يشتعل الرأس شيباً وتنفتح براعم الأجنّة وتتجدّد الحياة كنهر دافق يمضي في طريقه لا يلوي على شيء.
              موسى قابع في سرداب مظلم.. طامورة تحت الأرض، وهارون يمرح بين القصور، يتقلب في لذائذه.. كؤوس مترعة بالخمرة وجوارٍ حسان.. لم يطمثهن إنس قبله ولا جانّ.
              موسى ينوء بثقل الحديد.. ويعاني القيود.. لم يبق أحد في بغداد لم يسمع بقصّة السجين..
              رجل أسمر ذرّف على الخمسين، في جبينه الوضيء تطوف النبوّات.
              منذ أن انتقل السجين إلى دار السنديّ بن شاهَك والمؤمنون يؤمّون المسجد الملاصق للدار، حيث توجد الطامورة المظلمة.. هناك في تلك الأعماق تُعتقل الشمس!
              جلس عليّ بن سُوَيد(47).. الرجل الذي ترك قريته بين مكّة والمدينة وجاء يبحث عن الشمس.. يبحث عن الدفء والنور.
              جلس في المسجد يحدّق في الجدار الصخري الذي يفصل الطامورة عن المحراب.
              كان الوقت أصيلاً.. عليٌّ ما يزال وحده عندما دخل ابن السكّيت(48) النحوي يرافقه رجل آخر.. جلسا إلى أُسطوانة قريبة من المحراب، كان يبدو عليهما أنهما يتحدّثان قبل ولوج المسجد.. قال ابن السكّيت بلهجة فيها أسف:
              ـ واللهِ لقد ذهب سيبويه مظلوماً.
              قال صاحبه مؤيداً:
              ـ الجميع يعرف ذلك.
              ـ راح ضحية دسيسة.
              ـ على النحو بعده العفا.. لقد غلب الكسائيّ « سيبويه » بقوّةٍ، السلطانُ « الأمين » يحبّ الكسائي.. لانه أستاذه.. والفضل بن الربيع يحبّ الأمين لغايةٍ في نفسه.. والأعرابي يحبّ المال.. والكسائي يحبّ الجاه والمجد..
              ـ يا لَكَمَد سيبويه وحظه العاثر! لا يعرف من بغداد شيئاً.. خُيِّل إليه أنّ العلم وحده يرفع من شأن الإنسان.. غفل عن الدسائس والضمائر التي تُباع وتُشرى بدراهم معدودة..
              ـ سمعت أن الأعرابي لم يطاوعه لسانه أن يقول، فإذا هو إيّاها.. رغم محاولته ذلك..
              ـ ولكنّا ننطقها بسهولة.
              ـ الأعرابي نشأ في البوادي..
              ـ إذا سارت الأمور على هذا المنوال.. فسيُلحن الأعراب أيضاً.
              كان عليّ بن سويد يُصغي بمرارة للحوار، قال لهما دون مقدّمة:
              ـ يا هؤلاء! أنتم إلى إقامة دينكم أحوج منكم إلى إقامة ألسنتكم.. أين تذهبون.. وأين يُذهَب بكم ؟ هل تعرفون طريقكم ؟ أم تسيرون على غير هدى ؟!
              ألَكُم إمام فيُرشدكم؟.. أم تراكم في مرعىً بلا راع. واللهِ ليس بينكم وبين إمام العصر غير هذا الجدار..
              كان علي يشير إلى جدار صخري حيث يوجد المحراب، تساءل ابن السكّيت:
              ـ لعلّك تعني هذا المحبوس.
              وقال صاحبه:
              ـ موسى بن جعفر ؟!
              أجاب علي:
              ـ أجل.. لقد كنتُ عنده بالأمس.. لم أعرف طريقي إليه وظننت أنّ السندي قد دبّر لي حيلة فأخذ أموالي وألقلاني في البئر.. حتّى ناداني موسى أن اقترب.. فإذا هو مُثقل بأرطال الحديد.. يا ويل الأمّة تُسوّد فُجّارها وتسجن أعلامها!
              تلفّت الرجلان ذعراً، وقال الرجل الذي يرافق ابن السكّيت:
              ـ إذهب واستر على نفسك.. إذهب يا هذا لا نبتلي بسببك.
              ـ والله لا يفعلون ذلك ابداً، والله ما قلت لكم الذي قلت إلاّ بأمره وإنه ليرانا، ويسمع كلامنا، ولو شاء أن يكون ثالثَنا لَفعل..
              نظر ابن السكّيت إلى علي نظرات فيها شكّ وريبة.
              فجأةً ظهر من باب المسجد رجل مهيب، شيخ وقور، أدرك ابن السكّيت للوهلة الأولى أنه موسى.. قال موسى:
              ـ ذلك الرجل الذي حَدّثكم عني صاحبي..
              وفي لحظة دهمت الشرطة المسجد وظهر السندي بن شاهك عصبياً يكاد يتميّز من الغيظ، صاح السندي:
              ـ يا ويحك، كم تخرج بسِحرك من وراء الأبواب والأغلاق ؟ فلو كنتَ هربتَ كان أحبَّ إليّ من وقوفك هاهنا.. أتريد يا موسى أن يقتلني الخليفة ؟
              أحتوشت الشرطة موسى.. ليعود إلى سجنه. وأقفر المسجد.. كمشهد بدأ وانتهى.. بدأ فجأة وانتهى فجأة..
              تقدّم ابن السكّيت إلى عليّ، كان ما يزال مبهوراً بما رأى. قال:
              ـ أخبرْني يا هذا عن علمه في غير الحلال والحرام، من أين له ؟
              قال عليّ:
              ـ من الباب الذي علّمه رسولُ الله عليَّ بن أبي طالب..
              قال ابن السكّيت:
              ـ أتعني أنه يعلم الغيب.
              ـ مَن قال ذلك ؟! لقد سألته عن علمه فقال لي: هو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأمّا الماضي فمفسَّر، وأمّا الغابر فمزبور، وأمّا الحادث فقذفٌ في القلوب ونقر في الأسماع وهو أفضل علمنا.. ولا نبيَّ بعد نبينا(49).
              ـ أيُوحى إليه ؟!
              ـ ليس بوحيِ نبوّة..
              ـ لا أفهم ماذا تقول.. وحيٌ وليس بوحي ؟!
              قال عليّ:
              ـ هل كانت مريم نبيّةً، وهل كانت أمُّ موسى نبية، وهل كان آصف بن برخيا نبيّاً ؟!
              سكت ابن السكّيت.. أدرك أن لأهل هذا البيت شاناً.
              قال وقد توهّجت في أعماقه رغبة للقاء موسى:
              ـ أدخلني عليه.
              ـ ومَن تظنّني أكون ؟! لقد دفعت مالاً كبيراً للسندي حتّى أدخلني.
              ـ وأنا أيضاً أدفع مالاً.


              إرادات ونوايا حائرة
              إنّها بداية النهاية.. نهاية مجد البرامكة.. إنّهم الآن في ذروة المجد والنفوذ، ولكن هناك ما يجري في الخفاء.. هناك في قلب الظلمات دسائسُ ومؤامرات.. تمتم يحيى بن خالد:
              ـ كم أخشى الفضلَ بن الربيع.. إنّه يطمح إلى الوزارة!
              رد جعفر بضيق:
              ـ كلّ هذا من تقصير الفضل.. لا أدري ماذا دهاه ؟! أظنّه قد مال إلى موسى بن جعفر..
              قال يحيى وعيناه تبرقان:
              ـ كلّ ما يهمّني أن أتدارك الأمر.
              لقد جُلد الفضل أمام الملأ، وهذه إهانة كبرى لنا جميعاً. لقد بِتّ أخشى الرشيد كثيراً، لم يعد كما مضى.. يخلو مع حاجبه كثيراً..
              وزبيدة فيما يبدو تشجّع زوجها أكثر فأكثر.
              ابن الربيع قاب قوسين أو أدنى من الوزارة.. أُنظر يا جعفر، لقد عُدت وزيراً بلا وزارة..
              هتف بمرارة:
              ـ كلاّ.. كلاّ لن أسمح..
              قال جعفر:
              ـ كان بمقدورنا أن نفعل شيئاً بالأمس، لقد كنّا أقوياء وكان هناك من يتعاون معنا من أبناء عليّ.
              قال الأب بحسرة:
              ـ لقد فات الأوان يا جعفر.. لم يبق لنا إلاّ طريق واحد.
              ـ ماذا تعني يا أبي ؟
              ـ أن نعبر على جثة موسى أو نهزمه.. الرشيد يتوجّس خِيفة منه.. لا ينام ليله.. موسى يهدّد عرشه وسلطانه..
              ـ ماذا تنوي أن تفعل ؟
              ـ سأذهب إلى الرقّة فوراً وأتحدّث مع الرشيد في الأمر.. لا مفرّ من ذلك.
              البرامكة في خطر.. يحيى بن خالد يطوي المسافات من بغداد إلى الرقة.. يسابق الزمن..
              وفي الرقة جلس الرشيد أمام الجماهير.. أُمّة تشبه القطيع في كل شيء.. مسَخَها الخوف.. لا تعرف شيئاً غير ترديد كلمات السلطان..
              ببغاوات خائفة مذعورة، ساذجة فقيرة جاهلة.. الناس صفوف.. تنظر إلى « الخليفة » كما تنظر إلى وثن.. تعتقد أن « الخليفة » إذا قُتل اختلّ نظام الكون، ربّما تنطفئ الشمس أو تحتجب.. ربّما ينقطع المطر وتجفّ الأرض.. اصطفّت الجماهير كمُومياءات..
              أصحاب الحناجر القوّية والطوال احتلّوا الصفوف الأولى.
              نثر الجلاوزة دنانير ذهبية فوق الرؤوس، أصبحت « الأمّة » جاهزة للإصغاء.. « الخليفة » يرمق القطيع باستعلاء، هتف بهم:
              ـ أيّها الناس، إن الفضل بن يحيى قد عصاني، وخالف طاعتي، ورأيت أن ألعنه، فالعنوه.
              هدرت الأصوات باللعن وارتجّت الأرض.. اللعنات تلاحق البرامكة؛ لأن « الخليفة » غاضب.
              وصل يحيى، وكانت أمطار اللعنة تملأ الفضاء.. أسرع إلى حيث جلس الرشيد.. دخل من الباب الخلفي المؤدي إلى المنصّة وهمس:
              ـ يا أمير المؤمنين.
              ارتاع الرشيد للوهلة الأولى.. ربما كانت مؤامرة.. منذ مدّة وهو يتوجس خيفة من البرامكة.. إشتعلت في ذهنه ذكرى أخيه ليلة قُتل.. ربّما جاء دوره.. ربّما كانوا يتهامسون لقتله..
              استأنف خالد:
              ـ إن الفضل شابّ لا يعرف ما تريد.. أنا أكفيك.
              اجتاحت وجهَ الرشيد البهجة.. سوف ينتهي كلّ شيء.. سيتخلّص من موسى.. يحيى يعرف كيف يتصرّف..
              قال يحيى:
              ـ يا أمير المؤمنين، قد غضضتَ من الفضل بعلنك إيّاه، فشرّفه بإزالة ذلك..
              التفت الرشيد صوب الجماهير.. كانت ما تزال تصبّ لعناتها. هتف الرشيد وقد انطلقت أسارير وجهه:
              ـ أيها الناس، إنّ الفضل قد عصاني في شيء فلعنته، وقد تاب وأناب إلى طاعتي فتولَّوه (50).
              البغاوات تضجّ بالهتاف:
              ـ يا أمير المؤمنين! نحن أولياء مَن واليت، وأعداء مَن عاديت، وقد تولَّيناه!
              انتهت الحفلة، ومضت الجماهير بعد أن أدّت ما عليها، وأقفر المكان إلاّ من الرشيد ويحيى وبعض الحرّاس الذين وقفوا كالتماثيل.. همس « الخليفة » مستكشفاً خطط البرمكي:
              ـ أما ترى ما نحن فيه من المصائب، ألا تُدبّر في أمر موسى تدبيراً تريحنا منه ؟
              قال يحيى وعيناه تبرقان:
              ـ رأيي أن تمنّ عليه وتطلق سراحه.. بعد أن يعتذر إليك، فإن أقرّ بالإساءة أصبح في قبضتك، فتستطيع أن تحبسه إن شئت أو تقتله.
              تمتم الرشيد بإعجاب:
              ـ اين كنت عن هذا الرأي!
              وأردف وقد وجد نفسه متحمّساً:
              ـ إنطلقْ إليه، وأطلق عنه الحديد وأبلغه عني السلام وقل له: يقول لك ابن عمك: انّه قد أقسم ألاّ يطلقك حتّى تعترف لي بالإساءة وتسألني العفو عمّا سلف، وليس عليك في إقرارك عار..
              استدرك الرشيد كمن يفيق من أحلامه وأوهامه:
              ـ فإن لم يفعل ذلك ؟!
              قال يحيى:
              ـ عندها أرى فيه أمري.. لن نُمهله أكثر من هذا.. سيموت ميتة طبيعية..
              سكت يحيى قليلاً ووجد نفسه يقول:
              ـ ألم يمت أخوك حتف أنفه ؟!
              ظل الرشيد حائراً، ماذا يعني يحيى في كلامه، هل هو يهدّده أم يُطَمْئنُه باغتيال موسى ؟!
              تبادل الرجلان نظرات مستكشِفة:
              قال يحيى:
              ـ إننا لم نجرّب معه جميع الأسلحة..
              انتبه الرشيد لكأنه يستيقظ من غفلة، قال في نفسه: أجل، إنني لم أجرّب معه سوى السجن والجوع.
              قال الرشيد وهو ينهض فينهض وراءه يحيى:
              ـ اذهب إلى بغداد.. فان استجاب لك موسى فهو ما نبغي، وإلاّ فانتظرْني ريثما أعود ونرى فيه رأينا.


              يتبع

              تعليق

              • بحير
                عضو فعال
                • Sep 2004
                • 564

                #8
                الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

                آخر المكائد.. السِّحر!
                ولج يحيى الطامورة.. إرتدى وجهه ثوب الثعلب.. وبدا وجهه في ضوء المشاعل جمرة متوهجة.. عينان تحدّقان في الفراغ.. أشار إلى الحرس بالانصراف فتركوه وحيداً مع موسى.. قال متصنّعاً النصحية:
                ـ يا أبا إبراهيم، أتقضي عمرك في هذا المكان.. ألا ترحم نفسك وأهلك ؟!
                اكتفى الإمام بأن رمقه بإشفاق، فأردف يحيى قائلاً:
                ـ لقد أرسلني الخليفة.. لا تنسَ أنّه ابن عمك.. وقد أقسم ألاّ يخلِّيَ سبيلك حتّى تُقرّ له بالإساءة.. أفي هذا عار؟! لا يا أبا إبراهيم لا.. إفعل ما يخرجه عن يمينه لتخرج من السجن!
                ـ قل لهارون: إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء.. حتّى ينقضي عنك يوم من الرخاء.. ثمّ نفنى جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء، وهنالك يخسر المبطلون. وستعلم غداً إذا جاثيتُك بين يدَيِ الله مَن الظالم والمعتدي.
                سرت رجفة في جسد الرجل البرمكيّ.. خُيّل إليه أنّها بسبب رطوبة المكان.. نهض.. وهتف بالحرس..
                ـ فكّوا قيوده..
                سمع صليل أجراس الحديد.. ثلاثون رطلاً أو تزيد تلتفّ حول قدمَي الإمام ويدَيه.. أنهكت جسده، أمّا روحه فكانت تتوهج، تزداد سطوعاً.. فالرجل على وشك الرحيل.
                غادر يحيى المكان وفي نفسه أمل أن يقهر موسى بأُسلوب آخر، خُيِّل إليه أنه سمع كلمات موسى وهو يقول:
                ـ مساكين آل برمك! لا يعلمون ما يجري عليهم(51).
                أخذته الرجفة فأسرع إلى خارج الطامورة.. شعر بدوار شديد في رأسه لكأنّ آلاف الأفكار تتراكض في داخله كأفراس مجنونة.
                رعب يتفجّر في أعماقه يحيله إلى إنسان خائر لا حول له ولا قوّة.. هناك أشياء لا يفهمها.. لقد أُقيل الفضل من الوزارة.. ثمّ حُلّ الجيش الخراسانيّ.. جعفر يرتقي الوزارة ولكنّه يبقى في معزل عن الحلّ والعقد.
                الفضل يُجرّد من ثيابه فتنهال عليه السياط بأمر من محمد بن العبّاس.. ثمّ يموت العبّاس فجأة مسموماً.. تُرى ماذا يحدث في الظلام ؟!
                يحيى ذاهل يقف مشدوهاً أمام هارون! لم يكن يتصوّر أنّ هذا الشاب الذي صنعه على يديه يتحول إلى لغز.. يتحول إلى مصّاص للدماء لا يرتوي.. يأكل من لحوم أبناء عمه وحتّى من إخوته وعمومته..
                حتّى ابنه أحمد(52) لم يَسلم من طاحونة الموت، ترك دنيا أبيه ومضى يتكسّب ويعمل فلا يأكل إلاّ من كدّ يده، لا أحد يدري ماذا يجري في هذه المدينة اللعوب..
                الناس جميعاً نيام.. وحده هارون يُحيي الليل.. يلعب الشطرنج فتتساقط الرؤوس الآدمية..
                أصبح يخاف من الرطب لكثرة ما لقي منه الضحايا من المصير الغامض المجهول.
                انتبه يحيى بن خالد إلى نفسه بعد أن سقط ظِلّ الرشيد بحُلّته السوداء المخيفة.. امتلأت نفسه رعباً، لقد بات يخشى هذا الرجل.. هتف الرشيد وهو يتصنّع الابتسام:
                ـ ماذا فعلت يا أبا عليّ ؟!
                ـ ماذا بمقدوري أن أفعل ؟! موسى يقاوم الغربة والجوع والظلام.. يقاوم الحديد والقيود..
                ـ يبدو أنّك أخفقت..
                ـ موسى رجل عجيب.. فيه شيء لا أكاد أفهمه.. يتحدّث عن أشياء لا نراها.. بل لا نتوقّعها.. لقد سمعت من السجّانين أشياء لا تُصدَّق.. حتّى أخت السندي أصبحت عابدة..
                تعمّد الرشيد أن يطلق ضحكة عالية:
                ـ لقد سحرك موسى.. موسى يقول أشياء كثيرة.. وربّما سيدّعي النبوّة بعد أيام(53).
                اكتسى وجه هارون الجدّ وبدا مخيفاً.. كانت عيناه تبرقان بشيء مخيف.. أحنى يحيى رأسه مستأذناً وأدار وجهه منصرفاً.. فيما ظلّ هارون يحرق قفاه بنظرات مشتعلة. قال وهو يصرّ على أسنانه بغيظ:
                ـ سيأتي دوركم أيها البرامكة.. سأجعل منكم أُحدوثة لأهل بغداد.. أنا حفيد المنصور(54).
                لا أحد يدري ماذا يجري في الظلام.. ربّما تعرف الجواري الحسان اللائي أهداهنّ الحاكم إلى عِلْية القوم، ماذا يحصل.. من يتوهج اسمه ومن ينطفئ نجمه!
                هتف الرشيد باسم حاجبه، وذهبا معاً إلى شرفة في القصر.. ربما كانا يحوكان مؤامرة جديدة.. لا أحد يدري..
                من زاوية في القصر ظهر مسرور.. كان ينظر إلى « الخليفة » كما ينظر الوثني إلى صنم بشري، قال الرشيد:
                ـ هل أحضرتَ الجارية ؟
                ـ نعم يا مولاي.. خلف الستر تنتظر.
                سار الرشيد باتجاه ستائر حريرية مذهبة.. في الرواق كانت أكداس من الأكياس المليئة بالذهب والفضة تتّكئ إلى الجدار المرمريّ الصقيل..
                أحنت الجارية جذعها الممشوق « للخليفة »..
                اشتعلت في عينيه شهوة حمراء.. حمراء بلون الدماء.. ربّما كان يفكر أنها آخر الأسلحة لقهر موسى.. ليس هناك من لا يركع لهذا الجمال.. لهذه الفتنة.. ليس هناك من لا ينحني لهذا السحر.. قال لها « الخليفة ».
                ـ أنظري يا « سَحَر ».. انظري إلى هذا الذهب، سأمنحك ما تشائين إذا جئتني بقلبه.. إذا حطّمتِ إرادتَه..
                ابتسمت سحر لكأنها تريد أن تقول:
                ـ بعزّة هارون سأغلبه! سأفتنه عن دينه..
                ومضت « سحر » يتقدمها « مسرور ».. مضت تتضوّع شذىً وسحراً.. تملأ القلوب فتنة.. وازدادت فتنةً عندما أصبحت تحارب من أجل مجد السلطان المهدّد بالخطر.. ستصبح سيّدة القصر الأثير بعد الانتصار.


                السلاح الأخير
                انهمك الحرّاس في إدخال قَدْر من الرفاه في الطامورة، فالسيدة الحسناء في طريقها إلى السجن.. تبادلَ بعضهم نظرات لها معنى.. « الخليفة » يقاتل خصمه بكل الأسلحة..
                وصلت الفتاة دار السندي بن شاهك.. وعندما ترجّلت عن بغلتها.. وتألقت في شمس الضحى حسبها البعض حورية هبطت من جنّتها إلى الأرض..
                ليس هناك من يصمد أمام هذه الفتنة الطاغية.. القوام الممشوق.. والوجه الباسم المضيء.. والعينان المكحولتان.. والفم اللوزي.
                وقف الحرس مشدوهين.. ألقَوا أسلحتهم واستسلموا للنظرات القاتلة.. بين بوابة قصر السندي والسجن رواق ملأته الحسناء شذىً وعبيراً وسِحراً.. مسرور يتقدم كل هذا الجمال الطاغي.. وبدا في تلك اللحظات جنّيّاً قد أوقع بعروس البحر وجاء بها إلى السجن..
                وجدت الفتاة طريقها إلى سرداب بددت وحشتَه القناديلُ المضيئة.. تمتم مسرور بكلمات جافّة:
                ـ هذه جارية بعثها الخليفة لتخدمك.
                رفع موسى عينَين تتألّق فيهما الأنوار كسماء تزخر بالنجوم.
                قال يخاطب العملاق:
                ـ قل لهارون: بل أنتم بهديّتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها.
                ظلّت الحسناء واقفة، ربّما لأول مرّة في حياتها تشهد رجلاً استثنائياً..
                وقفت تتأمل موسى تحاول اكتشافه، تُرى مَن يكون هذا الرجل الذي حار في أمره هارون ؟!
                استدار الجنّي خارجاً، ووجدت الفتاة نفسها تتبعه بصمت.. مَرّ وقت طويل.. ربّما ساعات ثلاث أو أكثر عندما عاد الجنّي ومعه الحسناء الفاتنة.. دلف إلى السرداب وخاطب موسى بفظاظة:
                ـ يقول الخليفة: ليس برضاك حبسناك، ولا برضاك أخدمناك.
                لم يصبر ليسمع جواباً.. ترك الفتاة في السرداب وصفق خلفه الباب..
                هيمن صمت متوتر.. شعرت الفتاة أنها في حضرة إنسان يشعّ طمأنينة وسلاماً.. سَكينة مطلقة كنبع يتدفق بهدوء، ووقار مهيب يجعل للزمن حديثاً تحسّه النفس بوضوح.
                وتمرّ أيام وليالي.. موسى غارق في صلاة لا نهاية لها..
                فالرحيل وشيك، حاولت الحسناء أن تسبر غوره، أن تستكشف عوالمه، فقالت متودّدة وفي كلماتها مكر أُنثوي:
                ـ هل لك حاجة أُعطيكها ؟
                رفع الإمام عينيه ورمقها بعطف.. إنها ضحية هارون وكنوزه. قال لها موسى وهو يفتح أمام عقلها المحجوب عوالمَ مترعة بالسلام:
                ـ وما حاجتي إليك ؟
                ـ لا أدري، ولكني أُدخلت عليك لحوائجك.
                هناك أشياء محجوبة عن بصر الإنسان.. مرئيات تحتاج إلى بصيرة نفّاذة.. بصيرة يمكنها أن ترى في الجماد حركته الهائلة، ترى الأشجار وهي تمدّ عروقها في التراب والطين، وترى الجذور وهي تشرب المياه.. وترى البراعم وهي تتفتح.. وترى العالم الذي تسبح فيه الأرواح بسلام.. وفي لحظة رهيبة من اللحظات التي تتحطّم فيها جدران الزمن وتتمزّق فيها الحجب المظلمة.. فتسطع الحقائق..
                في مثل تلك اللحظات قال موسى كلمات وهو يشير إلى جدار صخريّ.. تحطم جدار الزمن لتسطع الحقائق لحظات في قلب الوقائع..
                وإذا بالفتاة أمام مشهد لم يكن ليخطر على بالها.. تلال خضراء مغمورة بالنور.. خضرة لا نهاية لها.. مجالس مفروشة بالوشي والديباج.. وفتيات حسان يرفلن بالحرير الأخضر، وعلى رؤوسهن أكاليلُ من اللؤلؤ والياقوت، في أيديهنّ أباريق ومناديل وأطباق الفاكهة.
                كان المشهد مثيراً. تيّارٌ من الحقائق الساطعة.. تيّار يصعق العقل البشري، يدمّر كل ما تراكم عليه من خطايا الإنسان..
                وسمعت ابنة حوّاء نداءً قادماً من عوالم مغمورة بالنور:
                ـ ابتعدي! عن العبد الصالح.
                سقطت الفتاة لوجهها.. سقطت ساجدة، وقد سطعت الحقائق في روحها.. أضاءت كل عالمها المظلم..
                لم يعد لهارون مكان في روحها.. لقد تحرّرت تماماً.. تدفقت الدموع من عينيها النجلاوين.. إنّها تغتسل.. قلبها.. روحها، وكل وجودها، إنها تُولَد من جديد وقد تطهّرت من كل أدران الأرض..
                غير أنها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بتوازنها.. غرقت في سجود طويل.. عميق.. لكأنها تغتسل في نبع يتدفق بالنور..
                كان هناك من يتلصّص.. من كوّة ضيقة.. بقَدْر ما تسَع للسجّان أن يراقب سجناءه..
                كان مسرور يترقّب اللحظة التي تنتصر فيها الفتنة الأُنثوية.. يشهد هزيمة الروح أمام ضجيج الغرائز الآدمية.
                ما أكثر مصارع الرجال في هذا المعترك.. ما أكثر الذين هزمهم هارون بجواريه!
                ولكن يا للدهشة! ما بال هذه الحمقاء ساجدة.. ما بالها تهتف من أعماق روحها: قُدّوس.. قدّوس.. قدّوس(55)..
                هزّ « مسرور » رأسه وراح يقلّب عينيه من خلال الكوّة في الجدران الصخرية لعلّه يعثر على شيء يفسّر له ما يرى.
                لقد حلّت الكارثة.. هُزمت آخر الأسلحة.. السجين ما يزال هو.. هو.. هو.. كقلعة حصينة تقاوم..
                أسرع « مسرور » إلى سيّده.. كلّ شيء يوحي بهزيمة ساحقة.
                صرخ هارون وهو يتفجّر غيظاً..
                ـ عليّ بها.. سَحَرها واللهِ موسى.
                انتُزِعت الحسناء بقسوة، جرّها الخادم إلى خارج السرداب كانت تنظر إلى السماء تبحث عن شيء اكتشفته.. لا تفتأ تهتف: قدّوس.. قدّوس.. ربُّ الملائكة والروح..
                الجسد الغضّ يرتعد.. ينتفض بشدّة.. إنّها حمّى الحقيقة التي يكتشفها المرء فجأة.. انتفاضة الروح.. اشتعال الفطرة الإنسانية تحت ركام الغرائز.. توهّج الإرادة.. وهزيمة الشيطان.
                كانت الفتاة ما تزال تنظر في السماء.. تحدّق في الأغوار اللانهائيّة.. وكان هارون يتميّز غيظاً.. صرخ بقسوة:
                ـ ما شأنُكِ ؟!
                أجابت الفتاة وعيناها النجلاوان تمتلئانِ دموعاً:
                ـ شأني الشأن البديع.. كنت واقفة عنده وهو قائم يصلّي.. فلما انصرف من صلاته قلت له: هل لك حاجة ؟ إني أُدخلت عليك لحوائجك.. فأشار بيده وقال: فما بال هؤلاء ؟! وأحسست أن الأرض تدورُ بي، فرأيت ما لا عين رأت.. وسمعت ما لا أذُنٌ سمعت، ولم يخطر على قلب بشر.. رأيت رياضاً خضراء تمتد في الأفق البعيد.. تغمرها أنوار بهيجة.. ورأيت صبايا كأنهنّ اللؤلؤ المنثور.. يخطرن في التلال الخضر.. وعلى رؤوسهنّ أكاليلُ من لؤلؤ ومن ياقوت.. وفي أيديهنّ أباريق من فضة ومناديل من إستبرق وحرير..
                صرّ هارون على أسنانه بغيظ:
                ـ يا خبيثة! إنكِ سجدتِ ونمت، ورأيتِ ذلك في النوم.. أضغاث أحلام!
                أجابت الحسناء وقد سطعت الحقيقة في أعماقها:
                ـ لا واللهِ يا سيدي.. رأيت هذا قبل سجودي.. فسجدتُ من أجل ذلك..
                التفت الرشيد إلى خادمه.. غمز بعينه.. أمسك الجنّي بالحسناء وقادها إلى حجرة في القصر.. تحوّلت الحجرة إلى معبد صغير.. إلى محراب للصلاة والتبتّل.
                سجود حتّى الاستغراق.. وعبادة حدّ التبتل.. وتأمّلٌ حتّى الذهول.. وتحديق في السماء حدّ السهوم، وتفكّر حتّى السُّكْر.. وسكر حتّى الانتشاء، وسطوعٌ للروح حتّى الفناء..
                وتمرّ الأيام.. أيام قليلة في حسابات الساعة ذات الأجراس النحاسية.. ولكنها رحلة اكتشاف سبرت كل معاني الحياة.
                لَشدّ ما يغيظ هارون.. أنّ سحره انقلب عليه.. وأن الخنجر الذي أراد أن يطعن به موسى يرتدّ إلى نحره..
                واشتعل مشهد يكاد يضيء التاريخ يوم وقف موسى بن عمران يَعِظ قومه، فنهضت امرأة أغراها قارون بكنوزه.. نهضت لتطعن المواعظ، لتقتل موسى..
                قالت: أنت راودتَني عن نفسي. وغضب موسى.. غضبت السماء.. وأقرّت البغيُّ أنّها فعلت ذلك بأمر قارون.. اهتزّت الأرض لغضب السماء.. ابتلعت قارونَ وكنوزَه، أصبحت أثراً بعد عين.. تُرى هل يعيد التاريخ نفسه ؟
                إختفت الفتاة بعد أيام.. تهامس سكان القصر، تحدّثوا عن قصّتها وهي لا تفتأ تَذكر موسى..
                تذكر العبد الصالح الذي أزاح عن عينيها غشاوة الحياة الدنيا.. فتح لها نوافذ تُطلّ على عالم الروح.. عالم مترع باللذائذ.. مفعم بالمحبّة والسلام..
                نامت الفتاة ذات يوم ولم تستيقظ.. وتهامس سكان القصر في قصّتها.. هل أكلت رطباً ؟ أم عنباً..؟ هل ذهبت إلى الحمّام؟ لا أحد يدري، ولكن من المؤكّد أنّها ذهبت شهيدةَ الحبّ الالهي.


                لآلئ.. من المعرفة
                كل شيء يُنذِر بوقوع كارثة.. كارثة من نوع غير مفهوم.
                بغداد يلفّها الضباب والشتاء يحمل غيوماً وسحباً.. ورجال الشرطة يجوبون الأزقة في الليل.. وكتابات على الجدران.. كلمات تتأوّه من الليل والبرد والفراق.. بغداد أضحت مدينة أشباح مخيفة غادرتها حمائم السلام.. وتكاثرت فيها أسراب الغربان ولم يعد الكروان يغنّي في لياليها.. وحدها الأبوام تنعب في الظلام تبشّر بالخرائب والأطلال..
                موسى ما يزال في السرداب.. تغمره السكينة ويتدفق من حوله تيار السلام.. وفي زاوية من السجن بدت رسائل ملفوفة، بعضها مفضوض وآخر ما يزال مختوماً.. رسائل من مختلف الأصقاع.. تسأل تبحث، تُنشد الحقيقة وتبحث عن الحق في زمن الأباطيل..
                وجلس أبو إبراهيم يسطّر رسالته الأخيرة.. رسالة إلى عليّ بن سويد.. موسى يسطّر آخر الكلمات.. لقد اشتدّت ظلمة الليل وأزفت ساعة الرحيل..
                الإمام يسطّر كلماته للأجيال.. كلمات مخزونة بالرعود وبالبروق.. مشحونة بالغضب.. والمقاومة حتّى الموت:
                ـ بسم الله الرحمن الرحيم.
                الحمد لله العلي العظيم.. الذي بعظمته ونوره أبصرت قلوب المؤمنين.. وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون..
                وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض إليه الوسيلةَ بالأعمال المختلفة.. والأديان المتضادة..
                فمصيب ومخطئ.. وضالّ ومهتدي.. وسميع وأصمّ وبصير، وحيران..
                فالحمد لله الذي عرّف، ووصف دينه محمّدٌ صلّى الله عليه وآله.
                أما بعد.
                فإنك امرؤ أنزلك الله من آل محمّد بمنزلة خاصّة، وحفظ مودّة ما استرعاك من دينه، وما ألهمك من رشدك، وبصّرك من دينك بتفضيلك إيّاهم وبردّك الأمور إليهم..
                كتبتَ إليّ تسألني عن أمور كنتُ منها في تقيّة ومن كتمانها في سعة..
                فلما انقضى سلطان الجبابرة وجاء سلطان ذي السلطان العظيم.. بفراق الدنيا المذمومة إلى أهلها العتاة على حالتهم.. رأيت أن أفسّر لك ما سألتني عنه.. مخافة أن تدخل الحيرة على ضعاف شيعتنا من قِبَل جهّالهم.
                فاتّقِ الله عزّ ذكره، وخُصَّ بذلك الأمرِ أهلَه، واحذر أن تكون سبب بليّة على الأوصياء أو حارشاً عليهم بإفشاء ما استودعتك، وإظهار ما استكتمتك، وأن تفعل إن شاء الله..
                إن أول ما أُنهي إليك أنّي أنعى نفسي في لياليّ هذه.. غير جازع.. ولا نادم.. ولا شاكّ فيما هو كائن ممّا قد قضى الله عزّوجلّ وختم.
                فاستمسك بعروة الدين آلِ محمّد.. والعروة الوثقى الوصيّ بعد الوصيّ.. والمسالمة لهم والرضا بما قالوا.. ولا تلتمس دين مَن ليس من شيعتك، ولا تُحبّنّ دينهم، فإنّهم الخائنون.. الذين خانوا الله ورسوله وخانوا أمانتهم.
                أوَ تَدري ما خانوا أمانتهم ؟
                ائتُمِنوا على كتاب الله فحرّفوه، وبدّلوه، ودُلّوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم فأذاقهم الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
                وسألتَ عن رجلين اغتصبا رجلاً مالاً، كان ينفقه على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، وفي سبيل الله، فلمّا اغتصباه ذلك لم يَرضيا حيث غصباه حتّى حملاه إيّاه كرهاً فوق رقبته إلى منازلهما، فلما أحرزاه تولّيا إنفاقه.. أيبلغان بذلك كفراً ؟
                فلَعمري، لقد نافقا قبل ذلك وردّا على الله عزّوجلّ كلامه وهزِئا برسوله، وهما الكافران عليهما لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
                واللهِ ما دخل قلبَ أحدهما منهما شيء من الإيمان منذ خروجهما من حالتيهما، وما زادا إلاّ شكاً..
                كانا خدّاعَين مرتابَين منافقَين، حتّى تَوفّتْهما ملائكة العذاب إلى محلّ الخزي في دار المُقام.
                وسألتَ عمن حضر ذلك الرجل وهو يُغصَب ماله، ويوضع على رقبته..
                منهم عارف ومنهم منكر.. فأولئك أهل الردّة الأولى من هذه الأمّة، فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
                وسألت عن مبلغ علمنا..
                هو على ثلاثة وجوه: ماض وغابر وحادث، فأمّا الماضي فمفسَّر، وأمّا الغابر فمزبور، وأمّا الحادث فقذفٌ في القلوب ونقر في الأسماع، وهو أفضل علمنا.. ولا نبيَّ بعد محمّد.
                وسألت عن نكاحهم وطلاقهم..
                فأمّا أمّهات أولادهم فهنّ عواهر إلى يوم القيامة..
                نكاح بغير وليّ، وطلاق في غير عِدّة..
                وأمّا مَن دخل في دعوتنا فقد هدم إيمانُه ضلالَه.. ويقينُه شكَّه.
                وسألتَ عن الزكاة فيهم..
                فما كان من الزكاة، فأنتم أحقّ به، لأنّا قد أحللنا ذلك لكم مَن كان منكم وأين كان.
                وسألتَ عن الضعفاء..
                فالضعيف من لم يُرفع إليه حجّة، ولم يعرف الاختلاف، فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف.
                وسألت عن الشهادة لهم..
                فأقم الشهادة لله عزّوجلّ ولو على نفسك والوالدين والأقربين فيما بينك وبينهم، فإن خفت على أخيك ضيماً فلا.. وادعُ إلى شرائط الله عزّ ذِكره مَن رجوتَ إجابته ولا تَحصّن بحصن رياء..
                ووال آل محمّد ولا تقل لما بلغك عنا ونُسب إلينا هذا باطلاً، وإن كنت تعرف منا خلافه.. فانّك لا تدري لما قلناه، وعلى أي وجه وضعناه.
                آمنْ بما أُخبرك.. ولا تُفشِ بما استكتمناك من خبرك، إنّ مِن واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئاً تنفعه به لأمر دنياه وآخرته، ولا تحقد عليه وإن أساء.. وأجب دعوته إذا دعاك، ولا تخلِّ بينه وبين عدوه من الناس، وإن كان أقرب إليه منك..
                وعُدْه في مرضه..
                ليس من أخلاق المؤمن الغشّ ولا الأذى، ولا الخيانة ولا الكِبْر، ولا الخَنا، ولا الفحش، ولا الأمر به. فإذا رأيت المشوّه الأعرابي في جحفل جرّار، فانتظر فرجك ولشيعتك المؤمنين..
                وإذا انكسفت الشمس فارفع بصرك إلى السماء، وانظر ما فعل الله بالمجرمين..
                فقد فسّرت لك جُمَلاً مجملاً..
                وصلّى الله على محمّد وآله الأخيار.


                الغدر.. آخر الطريق
                وفي قصر الخلافة كان هارون يفكّر.. ويدبّر، فقُتل كيف فكّر، ثمّ قُتل كيف فكّر.. ها هو يتهامس مع يحيى بن خالد وقد بدت عيونهما تبرقان دناءةً وغدراً.. وبينهما طبق فيه عنقود عنب وفيه رطب..
                الزمن يمضي واهناً وقد بدت النجوم بين أكوام الغيوم قلوباً حزينة تنبض بالألم.. وكان القمر يختفي ويظهر.. يشرق ويغيب.
                وفي منتصف تلك الليلة.. وفيما كانت السحب الدكناء تحتشد في السماء أيقظ يحيى بن خالد مديرَ الشرطة السنديَّ بن شاهَك؛ ليسلّمه طبقاً مترعاً بالرطب والعنب والغدر..
                أدرك السنديّ أن اللحظة الرهيبة قد حلّت.. دلف إلى السرداب.. كان يتألق بأنوار المشاعل.. وكان عليّ بن سويد ما يزال يشهق بعبرته.. رفسه السندي وخاطبه بفظاظة:
                ـ أنت ما تزال هنا..
                اقترب ابن سويد من سيّده العظيم، قبّل يده، شدّ عليها مودِّعاً.. كانت آثار القيود ما تزال محفورة، همس بحزن:
                ـ قلبي يحدّثني أنني لن أراك يا سيدي.
                ـ ستراني قريباً.
                سأل بلهفة:
                ـ متى يا سيدي ؟
                ـ يوم الجمعة.
                ـ أين يا ابن رسول الله ؟!
                ـ على الجسر ببغداد.
                جذبه السندي من يده:
                ـ أُخرج يا رافضيّ.
                خرج عليّ وقد ملأ الأمل قلبَه وروحه..
                خرج ليبشر المستضعفين والمقهورين.. خرج ليقول أن اليوم الذي ينتظرونه قد دنا.. إنْ هي إلاّ أيام ثلاثة وتكتحل العيون.. وتبتهج القلوب بيوم الخلاص.. يوم الحريّة.. ذلك وعد غير مكذوب.
                جثم صمت رهيب فوق المكان.. في ذلك السرداب البعيد عن سطح الأرض.. في ذلك القبو كان موسى يستعدّ للرحيل.. للخلاص.. وقف مدير الشرطة ينظر إلى سجينه.. وقد وضع بين يديه طبقَ « الخلافة ».. طبقاً مليئاً بالرطب وبالعنب.
                صفّق السندي بيديه.. فاقتحم الشرطة المكان.. وجوه قاسية جامدة.. منحوتة من صخر، وقلوب مصبوبة من الرصاص، وقد دقت الساعة النحاسية آخر دقّات الليل.. سقطت اثنتا عشرة كرة من نحاس.. رنّت في منتصف الليل.
                في ذلك الزمن النحاسي مدّ موسى يده المعروقة ليتناول رطباً مسموماً وعنباً..
                نظر الإمام إلى نقطة ما في سقف السرداب.. كانت نظراته تخترق القضبان والصخور والظلام، همس بصوت حزين:
                ـ يا ربّ.. إنك تعلم أنّي لو أكلتُ قبل اليوم كنتُ قد أعنتُ على نفسي..
                غمغم السندي بصوت أجشّ:
                ـ كُلْ يا موسى، إنه رطب لذيذ خصّك به الخليفة من دون الناس. نحن في الشتاء وهذه فاكهة الصيف!
                كان الإمام يلوك على مضض رطباً مسموماً، وعنباً.
                أمسك الإمام ولاذ بمحراب الصمت.
                قال السندي:
                ـ زِدْ على ذلك يا موسى.
                رمقه الإمام بحزن:
                ـ حسْبك، قد بلغتَ ما تحتاج إليه!.
                السمّ يسري في الجسد الواهن.. ورياح الشتاء تعصف ترشق النوافذ.. تدفع الأبواب الخشبية.. تُولول في الأزقة، تجوس خلال الديار، تعصف بشواهد القبور.. بغداد غارقة في الليل والظلام، نوافذها مطفئة ما خلا نوافذ القصور المنيفة تتدفّق منها أنوار حمراء وموسيقى وأصوات ناعمة..
                « الخليفة » يقضي ليله مع الجواري الحِسان.. والألحان.. والقيان، حتّى يطلع الصباح، وتكفَّ شهرزدادُ عن الكلام المُباح.
                وفي السماء.. كانت السحب الدكناء تتراكم بعضها فوق بعض.. بدت أكوام الغيوم لوحةً مشحونة بالمطر..
                تشكّلت خلجان ومرافئ وبحيرات وتلال وجبال.. وكانت الرياح تعصف.. تدور في الغيوم.
                اختفت المرافئ، وتهاوت التلال وتلاشت الخلجان، وكان القمر يفرّ خائفاً، لكأنه يبحث عن بقعة صافية في السماء.. ولكن لا جدوى، غرق القمر.. اندثر تحت ركام السحب.. وبدا الجوّ مشحوناً..
                فجأة انفجر البرق.. توهّج كسوط سماويّ.. جلجل الرعد في الفضاء اللانهائيّ، دارت معركة في السماء.. وكانت الصواعق تضيء كسيوف أُسطورية، وقد بدت السماء تنوء بثقل الغيوم..
                وأخيراً.. تدفّق المطر من خلال ركام الغيوم عنيفاً غزيراً.. راحت ميازيب المدينة الغارقة في الليل والمطر.. تنشج.. وقد بدا جسر الرصافة حيث يخترق دجلة المدينة.. بدا في تلك الليلة المطيرة ثعباناً أسطورياً جاثماً فوق النهر.. ورجال الشرطة يهرولون.. يطرقون بعض الأبواب الكبيرة في المدينة..
                استحال قصر السندي حيث يقبع السجن الخاصّ لمدير شرطة بغداد.. استحال تلك الليلة إلى معسكر أُعلنت فيه حالة إنذارٍ قصوى..
                الأعصاب متوتّرة، والأحذية الثقيلة تهزّ القاعات والأروقة.. وصهيل خيل الدوريات يوقظ النائمين.. وكان المطر ما يزال ينهمر بغزارة، والرعود تدوّي.. و « الخليفة » يحدّق في الظلام، مسّه طائف الأرق..
                وحده كان موسى هادئاً.. تغمره حالة من الطمأنينة والسلام.. وحده كان يمثّل النقطة المضيئة وسط الظلام.. وحده في وسط الإعصار حيث تدور الدوّامة الرهيبة.. توجد نقطة هادئة.. هي المركز..
                كان موسى في تلك النقطة الهادئة.. العالَم من حوله يموج بالمؤامرة.. بالغدر بالخسة والدناءة.. أمّا هو فقد بدا في تلك اللحظات رجلاً يشبه المسيح عيسى بن مريم..
                السرداب ما يزال مفعماً بالسلام.. وقد جلس موسى.. ينوء بآلام الإنسان.. السمّ يسري في أنحاء البدن المعذَّب.. كشرطة الدوريات تجوس خلال المدينة.. تدوس ورود البنفسج وتسحق رؤوس الأطفال.. تبقر بطون النسوة.. وتحيل شوارع المدينة إلى أنهار تتدفق دماءً وعذابات وآهات.
                وقف السندي قلقاً.. سرت في جسمه رعدة.. وكان يبذل جهداً جبّاراً للحفاظ على توازنه.. خاطب كاتب الضبط بقسوة:
                ـ إستعدّ.. سيأتي الشهود.. سَجّل الشهادات بدقة والأسماء والعناوين.. سجّل كلَّ شيء.. كل شيء، أفهمت ؟
                ـ نعم يا سيدي.
                ارتفعت جلبة.. أُحضر الشهود، كانوا ثمانين من أهل بغداد من أهل القصور المنيفة.
                وقفوا جميعاً ينظرون إلى موسى.. موسى الذي أرعب هارون.. أحال لياليه إلى أرق.. وقفوا يتطلعون إلى وجه أسمر يتألق بطيوف النبوّات.. رجل لم يقهره هارون.. لم تصرعه الدنيا.. ظلّ ثابتاً كجبل، قويّاً كإعصار.. طاهراً كقطرات الندى..
                قال السندي بلهجة مترعة بالدجل:
                ـ انظروا إلى هذا الرجل.. هل حدث به شيء ؟ إن الناس يزعمون.. أنه قد فُعل به مكروه.. يُكثرون من ذلك.. هذا منزله.. انظروا: قناديل.. مشاعل.. وهذا فراشه.. إنه يعيش في سعة.. لم يقصّر الخليفة في التوسعة عليه.. لا يعيش في ضيق.. لم يُرد به الخليفة سوءً.. لقد حبسه فقط.. حبسه ليناظره.. وها هو موسّع عليه فاسألوه!
                لم يجرؤ أحد على السؤال..
                عاصفة من الشكّ تجتاج المكان تعصف بالرؤوس.. قال موسى بصوت أوهنه العذاب:
                ـ أمّا ما ذُكر من التوسعة، وما أشبه ذلك، فهو على ما ذُكر.. غير أني أخبركم أيها النفر.. أني قد سُقيت السمَّ في تسع تمرات.. إنّني أموت..
                انهار السندي.. أُسقط ما في يده، لقد تكشّفت خيوط جريمته. لعبة قديمة.. يلعبها الطغاة.. يقتلون الإنسان من الداخل.. خنجر لا يراه أحد.. يأتي الطبيب.. يُجري فحوصات على سلامة الجسم من كل شدّة خارجية.. جرح، سوط عذاب.. يسجل شهادته: مات حتف أنفه.. ولكنّ الجوع والسم والعذاب.. كلّ هذا لا يحسب له طبيب السجن حساباً!


                يتبع

                تعليق

                • بحير
                  عضو فعال
                  • Sep 2004
                  • 564

                  #9
                  الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

                  الوداع.. أيّها العلقم!
                  تدهورت صحة السجين في اليوم التالي، اجتاحت وجهَه صفرة.. فرّت الدماء من الوجه الأسمر.. بات شاحباً تماماً.. قد يدهمه الموت بين لحظة وأخرى..
                  استُدعي الطبيب للكشف عن حالة السجين الغريب.. في الطريق عرف الطبيب أن السجين ليس بغدادياً ولا عراقياً.. إنه حجازيّ مدنيّ ليس له في بغداد أهل ولا عشيرة.
                  دلف الطبيب إلى السرداب.. كان كل شيء هادئاً ما خلا خطىً ثقيلة وئيدة لمدير الشرطة، كان يذرع أرض السرداب جِيئةً وذهاباً.. بدا عصيباً وهو يعقد يديه على صدره البارز فوق بطن منتفخة..
                  أجرى الطبيب فحوصات أوّلية.. كان يبحث عن سبب لعلّته.. لهذا الشحوب القاتل في وجهه.. إلى لسانه الذي اسودّ قليلاً.. هزّ رأسه حيرة وسأل مغمغماً:
                  ـ ما حالك ؟
                  سكت الإمام.
                  سأل الطبيب بلهجة فيها إلحاح:
                  ـ أتشكو علّة.. إنني لا أرى في جسمك أثراً لجرح ؟!
                  رمقه الإمام بطرف عينه، وفتح راحته اليمنى وقال بصوت أوهنته سنون العذاب:
                  ـ هذه علّتي..
                  كانت نقطة مُزْرَقّة تحكي سريان سُمّ فتّاك.. سم قاتل لا يرحم جسد الإنسان.
                  هزّ الطبيب رأسه بأسى ونهض، كان السندي يترقّب إفادة الطبيب.. قال الطبيب بلهجة فيها مرارة:
                  ـ واللهِ لَهُو أعلم بما فعلتم به منكم!
                  اكتفى السنديّ بأن رمق الطبيب بنظرة شزراء.. فيها تهديد ووعيد.. لم يصمد الطبيب، انسحب على عجل تاركاً الضحية والجلاّد..
                  صدرت الأوامر بمنع كافّة أنواع الزيارات.. شُدّدت الحراسة بشكل مكثف.. قُطع عنه الماء والغذاء.. ومُنعت جميع الاسعافات، تركوا السجين يواجه مصيره لوحده.. وبين الفينة والأخرى كان مدير الشرطة يدهم المكان ليُسمع ضحيتَه ألوان الشتائم.
                  موسى يواجه آلامه الرهيبة لوحده.. آلاماً لا يتحمّلها كائن بشريّ، ولكن الإنسان الذي سطعت في أعماقه الحقيقة، وأضاءت في طواياه النبوّات.. كل النبوّات، يتحمّل بعزم كلّ عذابات الأرض وويلاتها.
                  في منتصف الليل.. وفيما كانت بغداد تغطّ في نوم ثقيل.. تدهورت صحة السجين فأكثر فاكثر.. شعر أنه يقترب من النهاية.. نهاية كلّ الحيوات..
                  استُدعي مدير الشرطة فحضر على الفور.. جاء السندي يشهد اللحظات الأخيرة من عمر الضحيّة.. ليشهد الفصل الأخير من ملحمة المقاومة.. جاء ليرى كيف يموت الإنسان وحيداً.. كيف تنطفئ الشموع بصمت.. وكيف يرحل موسى..
                  سوف يهنأ هارون في دنياه العريضة.. ينصرف إلى مُتعه وغرائزه.. يخلو مع الكعاب الحسان.. سوف يسكت موسى.. يسكت إلى الأبد..
                  كان السندي يتوجّس خيفة من غضب شعبي عارم.. ربّما تثور بغداد.. لا يريد أن يصبح كبش فداء من أجل هارون.. إنّه يعرف جيداً ما يجري في الظلام.. وكيف يصبح البعض موتى دون سبب واضح..
                  من أجل هذا عزم على أن يتولّى مراسم الدفن.. ويتحمل نفقات الكفن.. وشق الضريح! لهذا تمتم بلهجة أراد لها أن تكون خالية من فظاظته المعروف بها:
                  ـ لقد عزمت على أن أتولّى الكفن والدفن.
                  قال الإمام دون أن ينظر إليه:
                  ـ إنّا ـ أهل بيت ـ مهورُ نسائنا وحجّ ضرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا.. وعندي كفني..
                  سكت هُنَيهة وأردف بصوت واهن، ولكن فيه عزيمة الروح القويّة:
                  ـ إن لي مولى يسكن في مشرعة القصب، عنده كفني وهو يتولّى غُسلي..
                  الجسد الآدمي لم يعد قادراً على احتمال روح تضجّ بالرحيل.. الجسد الآدمي تفتك به السموم.. بلع موسى ريقه.. كان جافّاً تماماً.. غادرته الحياة كأنّه عبر الصحراء بلا ماء.. طلب ماءً.. جاء حارس غليظ بجرّة صغيرة.. شربها على مَهل.. ثمّ سقط على وجهه.. فيما كانت تمتمات الصلاة تموج على شفتَيه..
                  إرتاع السندي، شعر بهَول الجريمة، لقد هوى موسى شهيداً له رهبة الشهادة.. أصبح صمته أكثر دويّاً.. أكثر رهبة!
                  وفيما كانت السماء تنثّ مطراً خفيفاً.. كان رجال الشرطة يجوبون أزقّة بغداد ويطرقون بعض الأبواب..
                  مرّة أخرى يريد مدير الشرطة أن يُبعد عن نفسه الاتهامات. طرق شرطي باب منزل في الرصافة من بغداد.. في غمرة الظلام والمطر.. ارتفعت دقّات تمزّق سكون الليل.. هتف رجل يُدعى عمرو بن واقد:
                  ـ مَن الطارق ؟
                  ـ إفتح الباب.
                  هبّت الأسرة مذعورة.. شرطي بالباب.. أرسله السندي مدير الشرطة العام لبغداد! ماذا حصل ؟! أوصى عمرو عياله.. قال لهم ربما لا يعود.. قال لهم إذا لم يعد هذه الليلة فليبحثوا عنه في الصباح..
                  تمتم وهو يتبع الشرطي في الظلام: إنا لله وإنا إليه راجعون.
                  الليل في هزيعه الأخير.. وصل عمرو قصر مدير الشرطة. كانت ثيابه قد ابتُلّت تماماً.. وأرنبة أنفه تقطر ماءً.. وقبل أن يُحيّيَ عمرُو السنديَّ هتف مدير الشرطة مرحّباً:
                  ـ يا أبا حفص، لعلنا أرعبناك وأزعجناك!
                  ـ نعم.
                  ـ ليس هنا إلاّ الخير.
                  ـ إذن فابعث إلى أهلي رسولاً ليخبرهم، فلقد تركتهم مُرَوَّعين.
                  ـ أفعل.
                  أشار السندي إلى جلواز وهمس في أذنه شيئاً.
                  قال السندي بعد أن استعاد عمرو توازنه:
                  ـ أتدري يا أبا حفص لِم أرسلتُ إليك ؟
                  ـ لا.
                  ـ أتعرف موسى بن جعفر ؟
                  ـ نعم أعرفه، وبيني وبينه صداقة منذ دهر.
                  ـ هل ببغداد ممن يُقبَل قوله وشهادته يعرف موسى.
                  ـ أعرف بعضهم..
                  ـ أُذكرْ أسماءهم.. حتى نبعث خلفهم..
                  مرّة أخرى تحوّلت دار السندي إلى معسكر يعجّ بالحركة.. رجال الشرطة آتون ذاهبون.. والشهود يتقاطرون زرافاتٍ ووحداناً.. حتّى إذا انبلج نور الفجر كان عدد الشهود قد ناهز السبعين.. الأعصاب متوتّرة.. والعيون حمراء بسبب السهر والتعب.
                  حضر كاتب الضبط فسجّل أسماء الشهود واحداً واحداً.. أعمالهم ومنازلهم وحتّى صفاتهم..
                  دخل كاتب الضبط وحيّى السنديَّ قائلاً:
                  ـ كل شيء جاهز.. ضُبطت جميع الأسماء، وفيهم فقهاء ورواة.
                  الشهود ينتظرون في إحدى القاعات الكبيرة.. دلف السندي وخاطب عمرو بن واقد:
                  ـ قم يا أبا حفص.
                  نهض عمرو ونهض الشهود.. قادهم السندي إلى السرداب حيث سُجِّيَ جثمان الشهيد.. سيطرت رهبة المكان على النفوس.. قال السندي:
                  ـ اكشف يا أبا حفص عن موسى بن جعفر.
                  تقدم عمرو وجِلاً وأزاح على مهل ملاءة بيضاء كالثلج..
                  ظهر وجه رجل أسمر بدا نائماً غارقاً في الشحوب.. التفتَ السندي إلى حشد الشهود فقال لهم:
                  ـ أُنظروا إليه.
                  راح أشباه الرجال يمرّون عليه الواحد تلو الآخر.. حتّى إذا تكامل عددهم قال السندي:
                  ـ تشهدون كلُّكم أنّ هذا موسى بن جعفر ؟
                  ـ نعم.
                  أشار السندي إلى جلواز قريب منه:
                  ـ جرّده من ثيابه.
                  تقدّم الجلواز وراح يجرّد الثياب كاشفاً عن جسد نحيل هزيل.. يحكي أيام الجوع والعذاب والقهر وثقل القيود.. وقسوة الجلاّدين.
                  هتف السندي بلهجة رسمية جافة:
                  ـ أترون به أثراً ؟
                  كان الشهود يدلون بشهادتهم الواحد بعد الآخر:
                  ـ لا..
                  ـ لا..
                  ـ لا... لا... لا... لا..
                  وكان السندي يخاطب كاتب الضبط.. سجّلْ شهاداتهم سجّل.. لا شك أنّ الجميع سيصدّقون أنّ موسى مات حتف أنفه.
                  لم يلتفت أحد إلى البقع الزرقاء في بعض الأجزاء من جسده.. لم يلتفتوا إلى بعض الأورام هنا وهناك.. لاح الصباح ولمّا تشرق الشمس بعد..
                  السماء ما تزال ملبّدة بالغيوم.. مثقلة بالسحب.. ما تزال تنثّ مطراً خفيفاً كدموع اليتامى في ليلة شتائية قارسة البرد.


                  تظلّ السماء تمطر
                  بدا ذلك الصباح رمادياً.. والمارّة كانوا يعبرون الجسر بسرعة بسبب المطر.. ورجال الشرطة يتمركزون في مناطق حسّاسة.
                  كل شيء كان يُنذر بالخطر.. شائعات كثيرة تحوم في سماء بغداد.. وفي الضحى، وفيما كانت السماء ما تزال تنث المطر على هون، خرج نعش الشهيد موسى بن جعفر يحمله رجال الشرطة والجيش يتقدّمهم السندي مدير شرطة بغداد.. بدوا ببزاتهم السوداء أسراباً من الغربان جاءت لتبشّر بزمن الخرائب.
                  الحشود السود تتجه صوب جسر الرصافة.. العابرون ينظرون بخوف إلى ما يجري.. الأحذية الثقيلة تهزّ الطرقات والسكك في طريقها إلى الجسر.. بدا دجلة حزيناً وأمواجه تندفع متلاحقة.. وقد امتدت جبهة النهر لتلتقي عند الأفق الغائم المُدْلهمّ.. فيما بدت أشجار النخيل أهدابَ حورية تبكي بصمت..
                  وصلت حشود الشرطة وهي تحفّ بالنعش إلى الجسر.. فجأة دوّت نداءات الجلاوزة:
                  ـ هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت، فانظروا إليه ميّتاً!
                  كانت الشرطة في حالة إنذار قصوى تحسّباً للطوارئ، فقد يستفزّ هذا النداء بعض أهالي بغداد.. إن موسى يعيش في القلوب، سلطانه في القلوب والضمائر الحرّة..
                  السماء ما تزال تسحّ من دموعها الثقال.. ووجه الشهيد مكشوف للعابرين.. النداء يرتفع بين الفينة والأخرى.. العابرون فوق الجسر.. تجمعوا ينظرون إلى موسى.. ينظرون إلى آخر الرجال..
                  ينظرون إلى السيّد العظيم.. يا للوعة!
                  أهكذا يرحل الرجال الصالحون ؟! سرت همهمة لا يُعرف مصدرها بعد. سرت الكلمات كالسحر تلاقفتها الآذان كخيال جميل..
                  ـ موسى لم يمت.. أُقسم أنّه ليس موسى بن جعفر.. لقد شُبّه لهم.. أما موسى فقد رُفع إلى السماء.. كما رُفع عيسى بن مريم. موسى لم يمت.. موسى ما يزال حيّاً..
                  السماء ما تزال تمطر.. والمطر ما يزال يغسل وجه الشهيد الراحل، ورجال الشرطة كأسراب الغربان ما تزال تنادي:
                  ـ هذا موسى بن جعفر.. مات الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت.. انظروا إليه.. إنه ميّت..
                  في الجانب الآخر من النهر.. وقريباً من الجسر على ضفاف النهر يرتفع قصر منيف.. إنّه قصر سليمان.. « عم الخليفة »..
                  كان سليمان يطلّ عبر النافذة على النهر.. رأى ذلك الصباح الغائم.. رأى جموعاً غفيرة من لابسي السواد تحمل نعشاً فوق الجسر..
                  وفي كل مرّة كان النعش يوضع على الأرض بقسوة، وصيحات تتعالى في الفضاء.. والجثمان تغسله السماء.. تساءل سليمان عما يجري فوق الجسر! قال أحدهم وقد أحاط بما يجري خُبْراً:
                  ـ هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر.
                  ـ ينادي ؟!
                  ـ نعم سمعتهم يصيحون: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت.
                  ـ موسى يُنادى عليه هكذا.. يا لهوان الدنيا!
                  لا أحد يدري لماذا هبّ سليمان.. لماذا تفجّرت في أعماقه الثورة، صاح بأولاده المسلّحين:
                  ـ انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم، فإن مانعوكم فاضربوهم، ومزّقوا ما عليهم من السواد.
                  وشهد الجسر عند الجثمان مشادّة بين رجال سليمان وبين الشرطة..
                  وجد رجال الشرطة أنفسهم عاجزين عن مقاومة عم « الخليفة » وأقوى شخصية في الأسرة العباسية بعد « الخليفة ».
                  حُمل الجثمان إلى القصر المنيف، وبدأت على الفور مراسم الغُسل والكفن.. ولُفّ الجسد الطاهر بحَبرة فيها كتابات قرآنية.. وشهد أحدهم أن شاباً كان يشارك في مراسم الغسل والكفن، وكانت دموعه تهمل من عينيه بصمت.
                  احتفى سليمان لإعلان فجيعته.. وبدأ موكب التشييع يتحرك منطلقاً من القصر إلى الجسر.. وعلى جسر الرصافة دوّت نداءات كان سليمان قد أمر بها:
                  ـ ألا مَن أراد أن يحضر جنازة الطيّب ابن الطيب، موسى بنِ جعفر، فلْيحضر.
                  الموكبُ الحزين يشق طريقه في أزقّة بغداد وشوارعها.
                  المطر ما يزال يتساقط كدموع اليتامى..
                  هبّ أهل بغداد.. هرعت المدينة عن بكرة أبيها لتشارك في موكب تشييع العبد الصالح موسى..
                  لم يبق أحد في منزله في ذلك اليوم المطير.. انتظم أهل بغداد في موكب جنائزي.. العيون تبكي وآهات تبحث عن السلام الراحل تتصاعد في الفضاء..
                  توقف الموكب في سوق الرياحين.. وحُطّ النعش فوق الأرض.. ليتحوّل ذلك المكان إلى بقعة طاهرة.. ونُثرت فوق النعش طاقات الرياحين.. فيما كان حملة مجامير العطور ينتظرون استئناف الموكب مسيرَه إلى مثوى الشهيد الأخير..
                  إرتفع النعش فوق الأنامل.. العيون تبكي، والقلوب صدّعها الحزن، والفجيعة تهزّ الأرواح.. لقد رحل السلام..
                  الموكب في طريقه إلى قنطرة قطربل.. حيث يتدفق دجلة عبر ممر مائي صغير..
                  الموكب يتجه إلى بقعة بين بساتين « زبيدة » ومحلّة باب التبن، حيث تنهض هناك بيوت الفقراء..
                  وفي مقابر قريش كان المثوى الأخير.. شُقّ ضريح الشهيد، ووُري الثرى المعطور.
                  وفي تلك البقعة حيث يمرّ دجلة بصمت.. وفيما كانت السماء ما تزال تبكي، والفضاء مفعماً برائحة الأرض المرشوشة بالمطر.. انبرى أحد المفجوعين لرثاء السلام الراحل:
                  ـ قد قلتُ للرجل المولَّى غُسلُه
                  هلاّ أطعت وكنت من نصحائِهِ!
                  جنّبْه ماءَك ثمّ غسّله بما
                  أذرت عيون المجد عند بكائِهِ
                  وأزلْ أفاويهَ الحنوط ونحِّها
                  عنه وحنّطْه بطيب ثنائِهِ
                  ومُرِ الملائكة الكرام بحملهِ
                  كرماً.. ألستَ تراهمُ بإزائهِ ؟!
                  لأ توه أعناقَ الرجال بحمله
                  يكفي الذي حملوه من نعمائهِ(56).
                  وشيئاً فشيئاً تفرقت الجماهير.. عادت إلى منازلها في محلّة باب التبن، وفي مشرعة القصب.. وفي سوق الرياحين، وفي الشماسية.. وفي محلّة باب الكوفة، ومحلة الكرخ والرصافة والشرقية والحربية والخطابية..
                  أقفر المكان تماماً ما خلا شابّاً ليس من أهل بغداد، كان يذرف الدموع، بينما السماء ما تزال تمطر بصمت.


                  ( رواية: على الجسر ببغداد، تأليف: كمال السيد
                  نشر مؤسسة أنصاريان، قم، 1418هـ / 1997 م )

                  تعليق

                  • برمودا
                    عضو متألق
                    • Jun 2004
                    • 3647

                    #10
                    الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

                    مشكور اخوي بحير على هذا المجهود
                    بس والله الروايه طويلة وايد
                    بس تسلم على هذا الجهد المبذول

                    تعليق

                    • بحير
                      عضو فعال
                      • Sep 2004
                      • 564

                      #11
                      الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

                      ألأخ
                      gemei

                      شكراً لك وعلى مرورك

                      الكريم

                      تعليق

                      • بحير
                        عضو فعال
                        • Sep 2004
                        • 564

                        #12
                        الرد: على الجسر ببغداد (رواية تاريخية)

                        ألأخ خادم علي 1 شكراً لمرورك الكريم

                        وشكراً على التعليق

                        تعليق

                        مواضيع مرتبطة

                        Collapse

                        جاري العمل...