كانت الغريبة ........تسقي ....زرعها المطل على الطريق حين رشقها أحد الصبية الأشقياء بحجر ...فج رأسها و أسال دمها ...دمها الذي لم يبد مختلفا" عن دماء أهل البلدة كما كانت الأقاويل تدعي....دم أحمر غطى وجهها ....فأخذت تنتحب كطفلة ....صراخها ملأ الحي ...تراكض الناس لا لينقذوا من يستغيث بل ليتفرجوا ...لطالما كانت الغريبة فرجة اهل الحي ..و ملهمة لخيالاتهم و خرافاتهم و قصص لا يقبلها عقل و لا يستحلها خلق....الغريبة بنت الجان كانت مثارا" للفزع و السخط و الكره..... كانت لعبة أولاد الحارة الذين يعبثون باحاسيسها أكثر مما يعبثون بالعابهم..
لم يتجرأ أحد على مد يد العون و هم يشاهدوها مكومة على الأرض تبكي و يدها المصبوغة بالدم تغطي عينيها ...كأنهم لم يصدقوها أو لم يدركوا حقيقة المها.......مزقت طرف ثوبها و ربطت رأسها ثم وقفت تتأملهم فتراجعوا الى الوراء برهبة و خوف .....قهقهت بسخرية ثم أخذت تضحك ضحكا" جنونيا" أذهل البعض فغادروا مسرعين الى منازلهم ...الله يجيرنا .....هاي الضحك مش خير أكيد في مصيبة رايحة تنزل فوق رؤوسنا.....
لملم الأهالي أولادهم و أدخلوهم البيوت اتقاء" لشر الغريبة فهي منذ حلت بينهم منذ سنوات جلبت معها الأذى و النكبات .....بدءا" من طوفان نهر البلدة و اغراقه لكثير من المزارع الى حريق البيدر الذي أكل كل تعبهم و التهم قمحهم ...الى غرق ابن الحلاق في بئر البلدة المهجورة....الى الى ......لكن من يجرؤ على اتهامها أو ابعادها ....انها جنية و العياذ بالله ......عيونها تفدح شررا" أو شرا" .......غريبة الأطوار ......يقال أن لها ابنا" ممسوخا يعيش معها و تطعمه كل شيء حتى الحجارة ....و التراب فبعض الناس رأوها مرارا" و هي تجرف من تربة الحقول المجاورة بعد مغيب الشمس ثم تتوارى بسرعة في غياهب كوخها المظلم الذي لم يجرؤ أحد على استكشاف ما فيه...
ذلك اليوم ..أرعدت السماء و أبرقت ...هبت عاصفة هوجاء اقتلعت ما تيسر لها من أغصان الأشجار المتناثرة في كل مكان.......ما غادر أحد منزله ...كانت الحكايا حول مدافئهم تدور و تدور كعجلة طاحونة الماء ...أخبار لا يدرون مصدرها عن لعنة الغريبة بسبب ما أصاب رأسها ...الله ينجينا ....و تمضي هاليلة على خير......... ما ان هل فجر اليوم التالي حتى هرع الناس يتفقدون مزارعهم و مداجنهم.. كان حجم الكارثة كبير ......حالة من الفوضى العارمة .....أشلاء من كل شيء .....أغصان و طيور ......و ثمار بعثرتها العاصفة عند كل العتبات.....
و كان للمدرسة نصيب في التخريب و الدمار ...فقد تكسرت نوافذها و تخلعت أبوابها .......و تهدم قسم من حائط الصف الذي كثيرا" ما طالب الاهالي بترميمه......
هجر معلم المدرسة البلدة عائدا" الى المدينة ....ما عاد يحتمل فهو أصلا" ما أحب يوما" العيش فيها ولا استطاع التعايش مع أهاليها .......لهم عقليتهم و له عقليته ...رغم أنه ما بذل جهدا" كي يغير فيهم شيئا" لكنه ....شعر فور اقامته بالاحباط و استحالة تغيير ما تربوا عليه من قيم و اعتقادات....
و صل المدرس الجديد بعد أيام ....كان شابا" لطيف الطلة مبتهجا" ودودا" .......بدا عليه الاهتمام بمكانه الجديد و فضوله لاستكشاف ماهية البلدة و نوعية سكانها.....جالسهم ...قبل دعواتهم على الغداء و العشاء و النذور التي غالبا" ما تقام فدية لمصاب حل بهم .......ساهرهم و رافق شبابهم الى الكروم حيث السهر و أحاديث و حكايا...
معلم المدرسة الجديد كان أول شخص يطأ عتبة باب الغريبة مذ سكنت في هذه البلدة ...رغم تحذيرات الناس له و تخويفه الا أنه صمم على كسر حاجز الخوف و معرفة الحقيقة فهو أبعد ما يكون عن التصديق بوجود هكذا خرافات .....جان و عفاريت ....معقول في ناس لسه بتؤمن بالخرافات هاي....
طرق بابها ....عدة مرات و انتظر ...كانت بعض الجموع تراقبه من بعيد ......يحول الخوف و الوجل دون اقترابها....بعد دقائق ....فتح الباب .....و أطلت امرأة في الاربعينات من عمرها .......تلف شالا" أسود يغطي معظم وجهها ...بقيت صامتة مذهولة من مجيء هذا الزائر.....
السلام عليكم ..كيف الحال أختي ...أنا المعلم الجديد ...جاي أتعرف على سكان هالبلدة و ......لم تنطق بكلمة ....
يعني قلت يمكن عندك ولد لازم يروح على المدرسة ......بتعرفي العلم ضروري ....و مفيد و انا مش رح اترك احد يتغيب بعد اليوم عن الدروس ....لم تجبه بشيء......
يعني اذا ما عندك مانع ممكن أدخل و أشرب فنجان شاي ...أو نعنع ....اللي موجود .....مش حلوة ابقى واقف على عتبة البيت .....فتحت الغريبة الباب ......و ابتعدت عن طريقه ...دخل و أغلق الباب وراءه فتعالت همهمات الناس ....مجنون يدخل برجليه عشان تسوي فيه شي ...يمكن تدبحو و تطعميه لولدها ...شو نسوي لازم نخبر المختار .....تفرق البعض و بقي آخرون دفعهم الفضول للبقاء و معرفة ما سيجري.....مرت ساعة قبل أن يفتح الباب مرة أخرى و تطل صاحبة الدار ......خرجت وحيدة ...وقفت تتأمل جموع الناس المتوارين خلف الأشجار ....ثم خرج خلفها معلم المدرسة .......يحمل بين يديه طفلا هكذا كان يبدو ...طفل لين الجسد كأنه لا يقو على تحريك جسده او شده ......اقترب الناس ليشاهدوا أفظع شيء مر عليهم ......كان طفلا" .....بضآلة جسده شابا" بملامح وجهه ...بدا عاجزا" حتى عن التنفس ......لم يكن مسخا" او جنيا" بل انسانا" مريضا" مشلولا" .....يعجز جسده المكوم عن النمو ...هذا كان سر الغريبة ...طفل لم يقبل به حتى حتى أبوه و لا حتى أهلها ...هربت به من تلميحاتهم و سخريتهم و التجأت الى دار مهجورة في قرية ما تجرأت يوما" على السير في طرقاتها الا مع آخر الليل كي لا يعترضها أحد و يكتشف مصيبتها .....هذا قدر ما ذنبها .......سنوات و هي تطعم هذا الصبي المقعد العاجز عن النمو و الكلام ......كانه غير موجود...كتلة من الأسى ....تختصر مصائب القدر ......ما أرادت يوما" من الناس الا ان يتركوها بحالها ان يكفوا أذاهم عنها و عن ابنها المسكين ......عاشت مخدرة الاحساس حتى تتحمل ويلات عالمها ......رضيت بعتمتها .....رضيت بما قسم لها لكن الناس لم ترض .......زرعت محيط بيتها و أكلت من ثمره.....اكتفت بالعيش في الظل كي تحمي ابنها من قساة القلوب ...هذا كان حال الغريبة .....كان معلم المدرسة يشرح للأهالي المتجمهرين حوله سرها و حكايتها ...و هم مذهولون ....كان يبرر لهم أسباب الكوارث التي حلت بهم ....النهر الهائج الذي يحتاج سدا" ليقمعه ...البئر المهجورة التي عليهم ردمها قبل ان تبتلع المزيد من الضحايا .....و غير ذلك ..كل شيء له سبب .......الله ما شفناه بالعين بس عرفناه بالعقل......كلمات المعلم المنتقاة لتناسب عقول أهل البلدة على اختلاف ثقافاتهم فعلت فعلها في تغيير بعض معتقداتهم .....تفرقوا ....عادوا الى منازلهم يتباحثون الحقيقة الجديدة بين مصدق و غير مصدق....
صباح اليوم التالي .....فتحت الغريبة بابها لتجد عشرات السلال المملوءة بالغلال و الجبن و قطع الحم و الثياب مصفوفة قرب عتبة المنزل ........كان هذا أول عهدها بالقلوب السمحة ...البسيطة التي .......منحتها ثقة بأن من حقها و حق ولدها ان يعيشوا ....تحت الشمس .......لا خلف الستار...
انتهت
لم يتجرأ أحد على مد يد العون و هم يشاهدوها مكومة على الأرض تبكي و يدها المصبوغة بالدم تغطي عينيها ...كأنهم لم يصدقوها أو لم يدركوا حقيقة المها.......مزقت طرف ثوبها و ربطت رأسها ثم وقفت تتأملهم فتراجعوا الى الوراء برهبة و خوف .....قهقهت بسخرية ثم أخذت تضحك ضحكا" جنونيا" أذهل البعض فغادروا مسرعين الى منازلهم ...الله يجيرنا .....هاي الضحك مش خير أكيد في مصيبة رايحة تنزل فوق رؤوسنا.....
لملم الأهالي أولادهم و أدخلوهم البيوت اتقاء" لشر الغريبة فهي منذ حلت بينهم منذ سنوات جلبت معها الأذى و النكبات .....بدءا" من طوفان نهر البلدة و اغراقه لكثير من المزارع الى حريق البيدر الذي أكل كل تعبهم و التهم قمحهم ...الى غرق ابن الحلاق في بئر البلدة المهجورة....الى الى ......لكن من يجرؤ على اتهامها أو ابعادها ....انها جنية و العياذ بالله ......عيونها تفدح شررا" أو شرا" .......غريبة الأطوار ......يقال أن لها ابنا" ممسوخا يعيش معها و تطعمه كل شيء حتى الحجارة ....و التراب فبعض الناس رأوها مرارا" و هي تجرف من تربة الحقول المجاورة بعد مغيب الشمس ثم تتوارى بسرعة في غياهب كوخها المظلم الذي لم يجرؤ أحد على استكشاف ما فيه...
ذلك اليوم ..أرعدت السماء و أبرقت ...هبت عاصفة هوجاء اقتلعت ما تيسر لها من أغصان الأشجار المتناثرة في كل مكان.......ما غادر أحد منزله ...كانت الحكايا حول مدافئهم تدور و تدور كعجلة طاحونة الماء ...أخبار لا يدرون مصدرها عن لعنة الغريبة بسبب ما أصاب رأسها ...الله ينجينا ....و تمضي هاليلة على خير......... ما ان هل فجر اليوم التالي حتى هرع الناس يتفقدون مزارعهم و مداجنهم.. كان حجم الكارثة كبير ......حالة من الفوضى العارمة .....أشلاء من كل شيء .....أغصان و طيور ......و ثمار بعثرتها العاصفة عند كل العتبات.....
و كان للمدرسة نصيب في التخريب و الدمار ...فقد تكسرت نوافذها و تخلعت أبوابها .......و تهدم قسم من حائط الصف الذي كثيرا" ما طالب الاهالي بترميمه......
هجر معلم المدرسة البلدة عائدا" الى المدينة ....ما عاد يحتمل فهو أصلا" ما أحب يوما" العيش فيها ولا استطاع التعايش مع أهاليها .......لهم عقليتهم و له عقليته ...رغم أنه ما بذل جهدا" كي يغير فيهم شيئا" لكنه ....شعر فور اقامته بالاحباط و استحالة تغيير ما تربوا عليه من قيم و اعتقادات....
و صل المدرس الجديد بعد أيام ....كان شابا" لطيف الطلة مبتهجا" ودودا" .......بدا عليه الاهتمام بمكانه الجديد و فضوله لاستكشاف ماهية البلدة و نوعية سكانها.....جالسهم ...قبل دعواتهم على الغداء و العشاء و النذور التي غالبا" ما تقام فدية لمصاب حل بهم .......ساهرهم و رافق شبابهم الى الكروم حيث السهر و أحاديث و حكايا...
معلم المدرسة الجديد كان أول شخص يطأ عتبة باب الغريبة مذ سكنت في هذه البلدة ...رغم تحذيرات الناس له و تخويفه الا أنه صمم على كسر حاجز الخوف و معرفة الحقيقة فهو أبعد ما يكون عن التصديق بوجود هكذا خرافات .....جان و عفاريت ....معقول في ناس لسه بتؤمن بالخرافات هاي....
طرق بابها ....عدة مرات و انتظر ...كانت بعض الجموع تراقبه من بعيد ......يحول الخوف و الوجل دون اقترابها....بعد دقائق ....فتح الباب .....و أطلت امرأة في الاربعينات من عمرها .......تلف شالا" أسود يغطي معظم وجهها ...بقيت صامتة مذهولة من مجيء هذا الزائر.....
السلام عليكم ..كيف الحال أختي ...أنا المعلم الجديد ...جاي أتعرف على سكان هالبلدة و ......لم تنطق بكلمة ....
يعني قلت يمكن عندك ولد لازم يروح على المدرسة ......بتعرفي العلم ضروري ....و مفيد و انا مش رح اترك احد يتغيب بعد اليوم عن الدروس ....لم تجبه بشيء......
يعني اذا ما عندك مانع ممكن أدخل و أشرب فنجان شاي ...أو نعنع ....اللي موجود .....مش حلوة ابقى واقف على عتبة البيت .....فتحت الغريبة الباب ......و ابتعدت عن طريقه ...دخل و أغلق الباب وراءه فتعالت همهمات الناس ....مجنون يدخل برجليه عشان تسوي فيه شي ...يمكن تدبحو و تطعميه لولدها ...شو نسوي لازم نخبر المختار .....تفرق البعض و بقي آخرون دفعهم الفضول للبقاء و معرفة ما سيجري.....مرت ساعة قبل أن يفتح الباب مرة أخرى و تطل صاحبة الدار ......خرجت وحيدة ...وقفت تتأمل جموع الناس المتوارين خلف الأشجار ....ثم خرج خلفها معلم المدرسة .......يحمل بين يديه طفلا هكذا كان يبدو ...طفل لين الجسد كأنه لا يقو على تحريك جسده او شده ......اقترب الناس ليشاهدوا أفظع شيء مر عليهم ......كان طفلا" .....بضآلة جسده شابا" بملامح وجهه ...بدا عاجزا" حتى عن التنفس ......لم يكن مسخا" او جنيا" بل انسانا" مريضا" مشلولا" .....يعجز جسده المكوم عن النمو ...هذا كان سر الغريبة ...طفل لم يقبل به حتى حتى أبوه و لا حتى أهلها ...هربت به من تلميحاتهم و سخريتهم و التجأت الى دار مهجورة في قرية ما تجرأت يوما" على السير في طرقاتها الا مع آخر الليل كي لا يعترضها أحد و يكتشف مصيبتها .....هذا قدر ما ذنبها .......سنوات و هي تطعم هذا الصبي المقعد العاجز عن النمو و الكلام ......كانه غير موجود...كتلة من الأسى ....تختصر مصائب القدر ......ما أرادت يوما" من الناس الا ان يتركوها بحالها ان يكفوا أذاهم عنها و عن ابنها المسكين ......عاشت مخدرة الاحساس حتى تتحمل ويلات عالمها ......رضيت بعتمتها .....رضيت بما قسم لها لكن الناس لم ترض .......زرعت محيط بيتها و أكلت من ثمره.....اكتفت بالعيش في الظل كي تحمي ابنها من قساة القلوب ...هذا كان حال الغريبة .....كان معلم المدرسة يشرح للأهالي المتجمهرين حوله سرها و حكايتها ...و هم مذهولون ....كان يبرر لهم أسباب الكوارث التي حلت بهم ....النهر الهائج الذي يحتاج سدا" ليقمعه ...البئر المهجورة التي عليهم ردمها قبل ان تبتلع المزيد من الضحايا .....و غير ذلك ..كل شيء له سبب .......الله ما شفناه بالعين بس عرفناه بالعقل......كلمات المعلم المنتقاة لتناسب عقول أهل البلدة على اختلاف ثقافاتهم فعلت فعلها في تغيير بعض معتقداتهم .....تفرقوا ....عادوا الى منازلهم يتباحثون الحقيقة الجديدة بين مصدق و غير مصدق....
صباح اليوم التالي .....فتحت الغريبة بابها لتجد عشرات السلال المملوءة بالغلال و الجبن و قطع الحم و الثياب مصفوفة قرب عتبة المنزل ........كان هذا أول عهدها بالقلوب السمحة ...البسيطة التي .......منحتها ثقة بأن من حقها و حق ولدها ان يعيشوا ....تحت الشمس .......لا خلف الستار...
انتهت






تعليق