ويجهد الناس في الدنيا منافسة، وليس للناس شيء غير ما رُزِقوا. جملة قصيرة، لكنها تكشف حقيقةً عميقة من حقائق الإيمان: الناس يركضون في ميادين الحياة، هذا في التجارة، وذاك في الوظيفة، وآخر في الجاه والمنصب، وكلٌّ يظن أن المزيد من الجهد وحده هو الذي يصنع الرزق، وينسى أن فوق الجهد مشيئةً وحكمة، وأن الأرزاق مقسومة مكتوبة، لا يزيدها حرصُ حريص ولا ينقصها زهدُ زاهد، إلا أن يشاء الله.
القرآن الكريم يربّي المؤمن على هذه الحقيقة منذ أول صفحة، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فالرزق مسؤولية مضمونة من رب العالمين، لا من المدير، ولا من السوق، ولا من تقلبات الاقتصاد. ويقول جلّ شأنه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، فالبسط والتضييق بيده وحده، يوسع على هذا لحكمة، ويضيق على ذاك لحكمة، وكلّ ذلك ابتلاء واختبار.
ومع هذه الحقيقة الواضحة، يظلّ الناس يجهد بعضهم بعضاً في ميدان الدنيا، يراقب هذا مكسب غيره، ويتألّم ذاك من تفوق زميله، وتتحول أبواب الرزق إلى ساحات حسد وخصومة، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ثم يذكّر كل واحد بما عنده: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. فلك نصيبك الذي كتبه الله، لا يضيع، ولن يأخذه سواك.
ومن جميل ما يُقال في ذلك من الشعر:
يا طالبَ الرِّزقِ هل تدري ملازمَهُ
إنَّ الرزاقَ قد سوَّاهُ أقساما
ما ضلَّ من جعلَ التقوى بضاعتَهُ
واللهُ بالغيبِ قد أعطاهُ إلهاما
لا تحسدِ الناسَ إن زادت خزائنُهم
فالمالُ إن لم يُزَكِّ النفسَ أوهاما
ارضَ بما قسمَ الرحمنُ واجتهِدِ
فالعبدُ يسعى، ومن يُعطيه منعاما
المؤمن لا يفهم هذه الحقيقة على أنها دعوة للكسل وترك الأخذ بالأسباب، بل يوازن بين السعي والتوكل. فيعمل ويخطط ويبذل الوسع، لكنه يعلّق قلبه بالله لا بالسبب. قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فأمر بالمشي في مناكب الأرض، وربط الأكل والرزق به سبحانه. فالخطوات خطواتنا، لكن العطاء عطاؤه، والنتيجة بيده لا بأيدينا.
لهذا جاء التوجيه النبوي يضع النقاط على الحروف، فيقول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ روحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعي أنَّه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكمِلَ رزقَها وأجَلَها، فاتَّقوا اللهَ وأجمِلوا في الطلبِ». هذا الحديث يختصر الطريق: رزقك لن تأخذه روح أخرى، ولن تموت قبل أن تستوفيه، إذاً لا حاجة للحرام، ولا للحيل، ولا للغش، ولا لسحق الناس في سوق المنافسة؛ فكل ذلك لن يزيد في رزقٍ كتبه الله ولا في عمرٍ حدده الله.
وفي حديث آخر يقرّب الصورة إلى الأذهان: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». الطير تخرج جائعة في أول النهار، لا تحمل مخازن، ولا توقعات سوق، ولا جداول أرباح، لكنها تقوم بما عليها من طيران وبحث، فيأتيها رزق الله، ثم تعود في آخر النهار وبطونها ممتلئة. هذا هو التوازن: سعي من غير قلق، وتوكل من غير كسل.
المشكلة أن كثيراً من الناس ينسون الآخرة، فيجعلون كل التنافس في الدنيا وحدها، مع أن القرآن يدعونا إلى نوع أرقى من المنافسة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، أي في طاعة الله، وفي العمل الصالح، وفي ما عنده من نعيم مقيم. أما دنيا اليوم وغداً، فهي كما قال سبحانه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فمهما اجتهد الناس في جمعها، لن يخرجوا من الدنيا إلا بما قدّموه للآخرة، لا بما وضعوه في البنوك أو المخازن.
بهذا الفهم يصبح لسان المؤمن يردد:
ما نلتُ من رزقٍ ففضلُ إلهِنا
لو شاءَ غيرُ الله ما نِلنا الهوى
واللهُ يقسِمُ بيننا أرزاقَنا
فلِمَ التنافسُ والسخط؟ حاشا النَّوى
حِين يعلم العبد أن «وليس للناس شيء غير ما رُزِقوا»، يهدأ القلب، وينطفئ نار الحسد، ويزول شعور المرارة من تفوق الآخرين. ما دام رزقي مكتوباً لن يسبقني إليه أحد، وما دام رزق غيري لا يمكن أن يكون لي، فلا معنى للغلّ والحقد. على العكس، يصبح النجاح رزقاً مضاعفاً حين أفرح لنعمة الله على أخي، فأُثاب على ذلك، ويُبارَك لي في رزقي أنا أيضاً.
هذا الفهم يغيّر طريقة تعاملنا مع الناس في مجالات التجارة والعمل. فبدل أن يكون السوق ساحةً لالتقاط الأخطاء، والشماتة بالسقوط، ومحاولات الإقصاء، يصبح ميداناً للتنافس الشريف، كل واحد يجتهد في تحسين خدمته، وتجويد بضاعته، والصدق في بيعه، طمعاً في رزق الله ورضاه. قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى»، فالرحمة تنزل على التاجر السمح، لا على المتشدّد الجشع، ولو ظنّ أن تشدده يزيد من مكاسبه.
ومن أعظم ما يضيّع البركة أن يُطلب الرزق بالحرام، ولو ظن صاحبه أن هذا طريق الثراء السريع. الربا، والغش، والتزوير، والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، كلها قد تعطي صاحبها أرقاماً كبيرة في الحساب، لكنها تسلبه بركة العمر والمال. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، فكم من مالٍ كثير محقته المعاصي، وكم من رزقٍ يسير باركه الله بالطاعة والقناعة والصدقة، فصار أغنى من أرقام الأغنياء.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يخفّ ضغط الحياة، وتهون علينا صدمات السوق وخسائر الدنيا. إذا فُصل الإنسان من عمله، أو خسر تجارة، أو فاته عقد، تذكر قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فعلم أن ما فاته لم يكن له، وما كتبه الله سيأتيه من طريق آخر ربما لم يخطر له على بال. عندها يتحول البلاء إلى باب جديد من أبواب التعلق بالله وحسن الظن به.
إن هذه الجملة: «ويجهد الناس في الدنيا منافسة وليس للناس شيء غير ما رُزِقوا» ليست دعوة لإغلاق المحال التجارية، ولا لترك الوظائف والمشاريع، وإنما هي دعوة لتصحيح النيّة والقلب: اعمل، وابذل، ونافس، لكن لا تتعلّق إلا برب الرزق، واطلبه بالحلال، وارضَ بما قسم، وقل كما قال الصالحون: رضيتُ بالله ربّاً، وبدينه شرعاً، وبقسمه رزقاً، وبحكمه قضاءً. فمن عاش بهذا الرضا، عاش مطمئناً وإن قلّ ما في يده، ومن عاش ينافس الناس على ما كُتب لهم ولغيرهم، عاش قلقاً وإن كثرت الأرقام في حسابه.
القرآن الكريم يربّي المؤمن على هذه الحقيقة منذ أول صفحة، فيقول سبحانه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فالرزق مسؤولية مضمونة من رب العالمين، لا من المدير، ولا من السوق، ولا من تقلبات الاقتصاد. ويقول جلّ شأنه: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، فالبسط والتضييق بيده وحده، يوسع على هذا لحكمة، ويضيق على ذاك لحكمة، وكلّ ذلك ابتلاء واختبار.
ومع هذه الحقيقة الواضحة، يظلّ الناس يجهد بعضهم بعضاً في ميدان الدنيا، يراقب هذا مكسب غيره، ويتألّم ذاك من تفوق زميله، وتتحول أبواب الرزق إلى ساحات حسد وخصومة، مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ثم يذكّر كل واحد بما عنده: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾. فلك نصيبك الذي كتبه الله، لا يضيع، ولن يأخذه سواك.
ومن جميل ما يُقال في ذلك من الشعر:
يا طالبَ الرِّزقِ هل تدري ملازمَهُ
إنَّ الرزاقَ قد سوَّاهُ أقساما
ما ضلَّ من جعلَ التقوى بضاعتَهُ
واللهُ بالغيبِ قد أعطاهُ إلهاما
لا تحسدِ الناسَ إن زادت خزائنُهم
فالمالُ إن لم يُزَكِّ النفسَ أوهاما
ارضَ بما قسمَ الرحمنُ واجتهِدِ
فالعبدُ يسعى، ومن يُعطيه منعاما
المؤمن لا يفهم هذه الحقيقة على أنها دعوة للكسل وترك الأخذ بالأسباب، بل يوازن بين السعي والتوكل. فيعمل ويخطط ويبذل الوسع، لكنه يعلّق قلبه بالله لا بالسبب. قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فأمر بالمشي في مناكب الأرض، وربط الأكل والرزق به سبحانه. فالخطوات خطواتنا، لكن العطاء عطاؤه، والنتيجة بيده لا بأيدينا.
لهذا جاء التوجيه النبوي يضع النقاط على الحروف، فيقول صلى الله عليه وسلم: «إنَّ روحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعي أنَّه لن تموتَ نفسٌ حتى تستكمِلَ رزقَها وأجَلَها، فاتَّقوا اللهَ وأجمِلوا في الطلبِ». هذا الحديث يختصر الطريق: رزقك لن تأخذه روح أخرى، ولن تموت قبل أن تستوفيه، إذاً لا حاجة للحرام، ولا للحيل، ولا للغش، ولا لسحق الناس في سوق المنافسة؛ فكل ذلك لن يزيد في رزقٍ كتبه الله ولا في عمرٍ حدده الله.
وفي حديث آخر يقرّب الصورة إلى الأذهان: «لو أنكم تتوكَّلون على الله حقَّ توكُّله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». الطير تخرج جائعة في أول النهار، لا تحمل مخازن، ولا توقعات سوق، ولا جداول أرباح، لكنها تقوم بما عليها من طيران وبحث، فيأتيها رزق الله، ثم تعود في آخر النهار وبطونها ممتلئة. هذا هو التوازن: سعي من غير قلق، وتوكل من غير كسل.
المشكلة أن كثيراً من الناس ينسون الآخرة، فيجعلون كل التنافس في الدنيا وحدها، مع أن القرآن يدعونا إلى نوع أرقى من المنافسة: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، أي في طاعة الله، وفي العمل الصالح، وفي ما عنده من نعيم مقيم. أما دنيا اليوم وغداً، فهي كما قال سبحانه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، فمهما اجتهد الناس في جمعها، لن يخرجوا من الدنيا إلا بما قدّموه للآخرة، لا بما وضعوه في البنوك أو المخازن.
بهذا الفهم يصبح لسان المؤمن يردد:
ما نلتُ من رزقٍ ففضلُ إلهِنا
لو شاءَ غيرُ الله ما نِلنا الهوى
واللهُ يقسِمُ بيننا أرزاقَنا
فلِمَ التنافسُ والسخط؟ حاشا النَّوى
حِين يعلم العبد أن «وليس للناس شيء غير ما رُزِقوا»، يهدأ القلب، وينطفئ نار الحسد، ويزول شعور المرارة من تفوق الآخرين. ما دام رزقي مكتوباً لن يسبقني إليه أحد، وما دام رزق غيري لا يمكن أن يكون لي، فلا معنى للغلّ والحقد. على العكس، يصبح النجاح رزقاً مضاعفاً حين أفرح لنعمة الله على أخي، فأُثاب على ذلك، ويُبارَك لي في رزقي أنا أيضاً.
هذا الفهم يغيّر طريقة تعاملنا مع الناس في مجالات التجارة والعمل. فبدل أن يكون السوق ساحةً لالتقاط الأخطاء، والشماتة بالسقوط، ومحاولات الإقصاء، يصبح ميداناً للتنافس الشريف، كل واحد يجتهد في تحسين خدمته، وتجويد بضاعته، والصدق في بيعه، طمعاً في رزق الله ورضاه. قال صلى الله عليه وسلم: «رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذا اقتضى»، فالرحمة تنزل على التاجر السمح، لا على المتشدّد الجشع، ولو ظنّ أن تشدده يزيد من مكاسبه.
ومن أعظم ما يضيّع البركة أن يُطلب الرزق بالحرام، ولو ظن صاحبه أن هذا طريق الثراء السريع. الربا، والغش، والتزوير، والرشوة، وأكل أموال الناس بالباطل، كلها قد تعطي صاحبها أرقاماً كبيرة في الحساب، لكنها تسلبه بركة العمر والمال. قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، فكم من مالٍ كثير محقته المعاصي، وكم من رزقٍ يسير باركه الله بالطاعة والقناعة والصدقة، فصار أغنى من أرقام الأغنياء.
وحين يستقر هذا المعنى في القلب، يخفّ ضغط الحياة، وتهون علينا صدمات السوق وخسائر الدنيا. إذا فُصل الإنسان من عمله، أو خسر تجارة، أو فاته عقد، تذكر قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فعلم أن ما فاته لم يكن له، وما كتبه الله سيأتيه من طريق آخر ربما لم يخطر له على بال. عندها يتحول البلاء إلى باب جديد من أبواب التعلق بالله وحسن الظن به.
إن هذه الجملة: «ويجهد الناس في الدنيا منافسة وليس للناس شيء غير ما رُزِقوا» ليست دعوة لإغلاق المحال التجارية، ولا لترك الوظائف والمشاريع، وإنما هي دعوة لتصحيح النيّة والقلب: اعمل، وابذل، ونافس، لكن لا تتعلّق إلا برب الرزق، واطلبه بالحلال، وارضَ بما قسم، وقل كما قال الصالحون: رضيتُ بالله ربّاً، وبدينه شرعاً، وبقسمه رزقاً، وبحكمه قضاءً. فمن عاش بهذا الرضا، عاش مطمئناً وإن قلّ ما في يده، ومن عاش ينافس الناس على ما كُتب لهم ولغيرهم، عاش قلقاً وإن كثرت الأرقام في حسابه.



تعليق