نهضت نوال من نومها قلقة ...متوترة ...لم تنم جيدا" ....قلبتها أحلامها ذات اليمين
و ذات الشمال ..انها تحمل ثقلا" فاق طاقة جسدها النحيل المتلاصق و عمرها الذي
كهل قبل الأوان.
انطلقت مثقلة بهموم كل يوم ..أفواه جائعة عليها أن تشبعها ....مسؤولية كان لا بد من تحملها بأي شكل...
بين زحام الحافلات و تراكمات البشر ....اندست ....تتأمل الوجوه أولا" فهذه
طريقتها ...تستطلع وجه الفريسة قبل أن تحاول نشل ما في جيوبه......بعض الناس
تبدو عليهم سمات الحذر و الفطنة....هؤلاء لا داعي للتورط معهم ..و البعض الآخر
مستعجلون منهمكون .....قد لا يشعرون بشيء لو نشلت ما عليهم من ثياب....
على الرصيف جلست ...عيناها آخذتان بزمام الأمور هي لا تفوت شاردة و لا
واردة...هذا ما تتقنه منذ وجدت طريقها بين النشالين ...كان هذا بعيد وفاة والديها في
حادث سير مريع....أفاقت من صدمتها و هي الأخت الكبرى على صراخ أطفال ما
تعدى أصغرهم الرابعة و لا تجاوز أكبرهم السادسة عشر.....أسرة تقطعت
أوصالها .....و ما بقي لها من معين..أحست بغصة حرقت أنفاسها...تركت المدرسة
لتلتحق بركب أولئك الذين لم يجدوا سبيلا" غير هذا الطريق المنحرف الأقصر للحصول
على لقمة اليوم....عادت بذاكرتها الى الوراء...أيام خلت كانت ضحكاتها و أسرتها
تخترق جدران الليل الصامت....تكل الليلة قبل أيام من الحادث ..عاد والها الى البيت
مقطب الجبين ....صرخ بأعلى صوته ..نوال عبد الله شحادة...أريدك أمامي في
ثوان...وقفت أمامه مرتبكة ..كانت تعلم سبب صراخه العسكري الشديد و هو العسكري المعتق...انه تنبيه من المدرسة بسبب علاماتها المتدنية في اللغة العربية .نعم هي لم تحب المدرسة يوما" ....
"عفوا" سيدي...لم أقصد "سارعت بالاعتذار من رجل مسن اصطدمت به متعمدة موقعة
حقيبة يده بمحتوياتها على الأرض........نظرت الى عينيه النهمتان اللتان حاولتا
التهام ملامحها ...وكأنه يرى أنثى للمرة الأولى.....متجاهلة نظراته أعادت ترتيب أوراقه لتعيدها اليه و تعود أدراجها ..الى المنزل..
استفتاحتها الأولى...لم تكن على قدر الآمال لكنها كانت مثمرة نوعا" ما .....صحيح
أنها لم تجد مالا" بين ما ترامى بين يديها على الأرض لكنها ظفرت ضمن حقيبة جيب
صغيرة بساعة ثمينة و علبة مخملية حمراء تحتوي على خاتم ذهبي بالاضافة الى
حفنة أوراق......
عند الثانية ظهرا" عادت نوال الى البيت محملة بنتاج جهدها.....تراكض نحوها
الأولاد .....أما هي فقد رمت ما لديها أمامهم بكل فخر....انظروا .....هذا طعام
اليوم ...و هذا حذاء لكل منكم...هيا فلتجربوها....تراقص الأولاد امام عينيها
الواسعتين العميقتين...أحست احساس كل أم... انتصار كبير حين تهزم متطلبات الدنيا
و ترضي أبناءها....تنهدت و نظرت الى صورة والدتها على
الحائط ....المتشقق....آه يا اماه .....أنا تعبت لكن ما باليد حيلة....
رغم احترافها لهذا العمل الا أنها كانت دوما" حريصة ألا يعلم اخوتها به و أن لا
يحتاجون ما يدفعهم لسلوك طريق مشابه.....كانت سعيدة بحفاظها عليهم ...مكتفية
بتفوقهم في دراستهم و نظافة نفوسهم..
أين منيرة ....دخلت غرفة النوم التي أشبه ما تكون بمهجع الجنود....أسرة مترامية
على كل جانب ...وملابس و كتب .........أين منيرة ...يفترض أنها عادت من المدرسة ....الم تعد....أشار
أحد اخوتها بالنفي....أسرعت الى نافذة البيت و أخذت تستطلع أطراف الشارع ...لكن لا أثر لأختها...هذه البنت لا تسمع الكلام ..كل يوم أنبهها الى عدم التأخر عن المنزل.....و الله هذا كثير...
تمددت نوال على أريكة بالية في صالة البيت ....تفكر ....ماذا عن يوم غد...علي أن أحظى بغنيمة كافية ....كفاني ذلا" و ضياعا".أريد ان أكتفي ...لكن هؤلاء...نظرت حولها الى الاولاد المتوزعون في كل مكان.....لا أريد ان ينقصهم شيء...و لا أريد أيضا" أن يشعروا يوما" بالخجل مني أو من أنفسهم ...أريدهم أتقياء..أنقياء ....أنا أمري انتهى لكن همْ....قطعت شرود أفكارها منيرة و هي تدخل البيت بعدما قاربت الساعة الرابعة و النصف ...كانت منيرة فتاة ممتلئة في السادسة عشر من عمرها في أوج نضجها و أنوثتها ...سمراء جميلة الملامح ...هادئة أكثر من اللزوم حتى ليخيل الى المرء أنها لا تحسن الكلام ...بدت متعبة ....شاحبة.....ترامت على أقرب كرسي ......هرعت اليها نوال..ما بك أختي هل أصابك مكروه...قولي.. تكلمي....
لالا أنا بخير مجرد ارهاق....ربما من الدراسه.....لا تهتمي....
كان هذا يوما" اعتياديا" من أيام نوال .....باستثناء أمر فتح أمامها آفاقا" جديدة..من بين الاوراق التي وجدتها في الحقيبة الصغيرة ...ورقة معنونة بعبارة ...عقد زواج عرفي.....أنا المدعو عبد الرحيم تزوجت على سنة الله و رسوله ...قرأت محتويات الورقة بصعوبة دون اهتمام بالتفاصيل بسبب لغتها الركيكة.و .....تجمد عقلها عند فكرة ...هبت من أجلها ...كأنها اكتشفت مكان كنز.....هذا المحتال لقد تزوج زواجا" عرفيا"...سريا".أي أنه يخدع زوجته..أكيد هو بعمر والدي لو بقي حيا"......حسنا" هذه هي ضربة العمر يا نوال.....اذا أصابت...
مع طلوع الشمس كانت مزروعة عند موقف الحافلة تنتظر صاحب النصيب.....جاء الرجل بعينه....نعم تأكدت منه ...كيف لا و هي الخبيرة المدققة في وجوه ضحاياها.....عفوا" يا عم.....ماذا تريدين...هل أعرفك ...وجهك ليس غريبا" عني.....
حسنا" ستتمنى لو لم تعرفني ان لم تأتي معي حالا" لنتحدث...
تمعن في قسماتها بشيء من الاعجاب ....ابتسم وأشار برأسه ....لا مانع .....لكنْ ...من أنت؟؟
أنا طرف ثالث في حكاية زواجك العرفي.....هل تريد المجيء أم أتصرف بشكل قد لا يرضيك...
حسنا" .....انتظريني عند باب الحديقة ...في الشارع المجاور...سأوافيك بعد دقائق.......
انتهى الحوار على اتفاق......مبلغ من المال مقابل تسليم الورقة ....السرية...........على فكرة يعني ان احتجت مالا ...طبعا" في حالة طارئة ...لا تظن أني طماعة....لن أتردد بالبحث عنك....لقد حفظت بيانات الورقة عن ظهر قلب ...فتحت الورقة لتلقي عليها النظرة الأخيرة......جمدت نظراتها هبت من مكانها راكضة.............و قبل أن تصل باب البيت وجدت جمهرة من الناس ملتفين عند باب البيت ..ماذا يحدث .وصلت تلهث ..اخترقت الحشد لتجد أختها منيرة جالسة على عتبة المنزل تحاول التنفس بصعوبة واضحة ..... منيرة ..ما بك حبيبتي ....رفعت منيرة نظرها اليها ..سقطت دمعة واحدة منها قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة..... ترامت نوال فوقها تنتحب مسقطة" من يدها ورقة الزواج العرفي ....بين عبد الرحيم سالم و منيرة عبدالله شحادة..
انتهى







تعليق