عندما لفه ظلام الليل بحسرته، وسرى البرد المتسرب من تحت الباب في جسده، أصابته رعشة حاول على اثرها أن يضم صدره بساعديه ليبعث في نفسه شعورا بالدفء والطمأنينة فحالت قيوده التي التفت حول معصميه دون ذلك، حاول الحراك فسمره ذلك الكرسي اللعين بالأرض، نظر حوله – فرأسه هو الوحيد الذي كان حر الحركة – لم يطل به الأمر حتى أدرك أخيراً، وتيقن أنه حقيقة وحيداً في هذا المكان بين جدران أربعة و ... نافذة، نعم نافذة، نظر نحوها بلهفة ثم ارتسمت على شفتيه مشروع ابتسامة لم تكد تنشأ حتى غاصت بين جروح وجنتيه وتلاشت ... لقد رأى القمر في كبد السماء، لم يكد يمتع طرفه به ويأنس إليه حتى حجبته عنه غيوم الشتاء، تنهد جهاد، وأحرق بزفرته التي أخرجها من أعماق صدره آلامه التي كابدها عبر مشواره النضالي الطويل خلال سنين الانتفاضة الأولى.
حتى أنت يا قمر ... قالها جهاد مع تزامن رجوع صدره إلى وضعه الطبيعي بعد تلك الزفرة، .. حتى أنت تتركني في محنتي وتدعني وحيدا ؟!! ألم تكن أنت يا قمر من سهر معي في الوديان والجبال ؟!! ألم تكن أنت الذي تدلني على مواقع الجنود المتسللين عبر الظلام فارشقهم بوابل الحجارة المدفوعة بجام غضبي وحقدي على أحفاد القردة والخنازير ؟! ألم تكن أنت الذي اقرأ من على صفحته أخبار الرفاق والأحبة عندما أغيب عنهم الشهور في مشوار المطاردة مع أعداء الأمة ؟ .. ألم تكن أنت الذي تمدني بالشجاعة والدفء أيام الشتاء ؟! آه يا قمر أتتركني الآن وترحل .. هل نقلت إليك الأمة عدواها فأصبت بدائها ؟!
تنهد جهاد مرة أخرى ومر بمخيلته شريط الذكريات التي أمضاها مع المطاردين أيام الانتفاضة، تذكر كيف كانوا يجتمعون في الكهوف حول كومة من الحطب استعرت بها النار، كيف كان كل منهم يحلم بالحرية وبعودة الحق المسلوب وبعودة الديار الى أهلها وبعودة الأقصى إلى قلعة الإسلام، تذكر كيف كانوا يخرجون في المظاهرات يرشقون الحجارة والزجاجات ويشعلون في الشوارع الاطارات ... تذكر وتذكر ثم تذكر حسن ... ذلك الشاب الذي رافقه عبر مشوار المطاردة ثم ها هو الان يقف على باب زنزانته يحرسه شرطياً جلاداً لا أخاً مسجونا .
ثم هو في سجون ذوي القربى، في سجون من ظن يوماً أنهم سيكونوا له العون والسند ثم ها هم الآن يخدمون من رملوا النساء وثكلوا الأمهات ويتموا الأبناء و البنات، ألا يكفي أن يحرم اليهود أسرانا من رؤيتنا حتى يقوم إخوتنا بنفس الدور ؟
ولكن ما السبب ؟!! ولماذا ...
اشتعل الغضب في صدره .. نادى من زنزانته باعلى صوته على حسن .. نادى وكرر النداء مرات عديدة متتالية لكن لم يجبه سوى صدى صوته، ولم يكترث به أحد.
نظر نحو النافذة .. كانت الغيوم قد انقشعت عن القمر وبزغ من جديد يؤنسه في وحدته ... قرا من على صفحته هذه المرة عبارات الأسى والمواساة .. حاول تحريك يديه، فتذكر القيد الملتف حول معصميه فطاطأ رأسه واستسلم لواقعه، وسؤال يتردد في جوفه : لماذا ؟؟ لماذا كل هذا ؟!!
حتى أنت يا قمر ... قالها جهاد مع تزامن رجوع صدره إلى وضعه الطبيعي بعد تلك الزفرة، .. حتى أنت تتركني في محنتي وتدعني وحيدا ؟!! ألم تكن أنت يا قمر من سهر معي في الوديان والجبال ؟!! ألم تكن أنت الذي تدلني على مواقع الجنود المتسللين عبر الظلام فارشقهم بوابل الحجارة المدفوعة بجام غضبي وحقدي على أحفاد القردة والخنازير ؟! ألم تكن أنت الذي اقرأ من على صفحته أخبار الرفاق والأحبة عندما أغيب عنهم الشهور في مشوار المطاردة مع أعداء الأمة ؟ .. ألم تكن أنت الذي تمدني بالشجاعة والدفء أيام الشتاء ؟! آه يا قمر أتتركني الآن وترحل .. هل نقلت إليك الأمة عدواها فأصبت بدائها ؟!
تنهد جهاد مرة أخرى ومر بمخيلته شريط الذكريات التي أمضاها مع المطاردين أيام الانتفاضة، تذكر كيف كانوا يجتمعون في الكهوف حول كومة من الحطب استعرت بها النار، كيف كان كل منهم يحلم بالحرية وبعودة الحق المسلوب وبعودة الديار الى أهلها وبعودة الأقصى إلى قلعة الإسلام، تذكر كيف كانوا يخرجون في المظاهرات يرشقون الحجارة والزجاجات ويشعلون في الشوارع الاطارات ... تذكر وتذكر ثم تذكر حسن ... ذلك الشاب الذي رافقه عبر مشوار المطاردة ثم ها هو الان يقف على باب زنزانته يحرسه شرطياً جلاداً لا أخاً مسجونا .
ثم هو في سجون ذوي القربى، في سجون من ظن يوماً أنهم سيكونوا له العون والسند ثم ها هم الآن يخدمون من رملوا النساء وثكلوا الأمهات ويتموا الأبناء و البنات، ألا يكفي أن يحرم اليهود أسرانا من رؤيتنا حتى يقوم إخوتنا بنفس الدور ؟
ولكن ما السبب ؟!! ولماذا ...
اشتعل الغضب في صدره .. نادى من زنزانته باعلى صوته على حسن .. نادى وكرر النداء مرات عديدة متتالية لكن لم يجبه سوى صدى صوته، ولم يكترث به أحد.
نظر نحو النافذة .. كانت الغيوم قد انقشعت عن القمر وبزغ من جديد يؤنسه في وحدته ... قرا من على صفحته هذه المرة عبارات الأسى والمواساة .. حاول تحريك يديه، فتذكر القيد الملتف حول معصميه فطاطأ رأسه واستسلم لواقعه، وسؤال يتردد في جوفه : لماذا ؟؟ لماذا كل هذا ؟!!



تعليق