قصة الملحن الذي تاب بآية
قصـة قصـيرة
الـمـلـحـــــــن
قصـة قصـيرة
الـمـلـحـــــــن
“والنازعات غرقا. والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا. يوم ترجف الراجفة. تتبعها الرادفة. قلوب يومئذ واجفة. أبصارها خاشعة. يقولون أئنا لمردودون في الحافرة. أئذا كن ا عظاما نخرة. قالوا تلك إذا كرة خاسرة. فإنما هي زجرة واحدة. فإذا هم بالساهرة.” ..
آيات سمعها الملحن الكبير في المذياع فإذا و ق عها الموسيقي يؤثر تفكيره، وإذا به يدندن بها وتتقاذف الجمل الموسيقية في رأسه .. وتمتم .. عظيم .. عظيم.
اجتمع في النادي مع شلته المفضلة.. صحفي كبير، نائب رئيس تحرير جريدة “التنوير” وكاتب وشاعر وملحن، وروى لهم عن المشروع الذي ينويه: تلحين مقدمة سورة النازعات بجرسها الموسيقي الخطير .. وإذا بهم ينهالون عليه بالثناء .. رائع، إنك لقادر على تلحين الكلام العادي فما بالك بكلام القرآن .. سوف تضيف جديدا للقرآن .. إنه التفسير الموسيقي للقرآن ولسوف يخلدك التاريخ .. إنك لرائد من رواد التنوير بهذا العمل الضخم ولسوف تضيف تراثا عظيما للأمة وللإنسانية بنقلها من الجمود والتخلف إلى النورانية والعالمية، وانهالت عليه الكلمات بالمديح، وانتفخت أوداج الرجل وشرع عقله في تركيب الجمل الموسيقية: والنااازعاات .. واستغرق في جمله عنهم فاستأذنوه وقال له الصحفي : سوف أنشر الخبر، إن هذا عمل حضاري كبير.
ومرت الأيام على الملحن وهو حابس نفسه بين جدران معمله الموسيقي في منزله الهادئ.. وأخذ يلحن ثم يعيد التلحين وقد استجمع كل مهارات صنعته .. إنه القرآن العظيم، أعظم نصوص الأرض وأقدسها .. فيجب أن يكون العمل على هذا المستوى .. يجب أن تكون الموسيقى معبرة عن الجلال والمهابة والغموض والقدرة وقطع الهاتف حبل أفكاره .. قرأت إنك ستلحن مطلع سورة النازعات، عمل رائع، لو أخذته منك سيكون رصيدا طيبا لمجموعتي الدينية، قالت ذلك مغنية مشهورة، واسترسلت: لن يستطيع أحد غيري توصيل هذه المعاني.. سوف أبهر بها الجمهور .. وقاطعها قائلا: سوف أفكر في الأمر .. مازال في بدايته واتصل به آخر، كاتب تنويري كبير: أن ع م م الأزهر سوف ت هاجمك .. لا تبالي فهم جامدون وكلنا نقف وراءك نؤازرك، إنهم لايفهمون عظمة هذا الدين وسماحته ، إن به طاقات لم تخرج بعد وما تفعله الآن سوف يخرج منه طاقة هائلة بلغة العصر ولسوف يخلدك التاريخ كما خلد كبار الموسيقيين الذين لحنوا للكنيسة، إنه عمل متأخر قليلا ولكنه يجب أن يبدأ.. ورد عليه بالشكر وأن الأمر لا يأخذ عنده كل هذه الأبعاد فكل ما يفكر فيه هو استغلال الجرس الموسيقي الفطري الموجود في كلمات القرآن وأنه سيحاول المحافظة على هذه الفطرة بالجمل الموسيقية اليسيرة التراكيب والعميقة المعنى ذات التأثير في الشعور والوجدان .. واتصل به آخر من الملحنين الذي حذره من غلبة التجريد على الموسيقى دون التطبيق الواقعي من الموسيقى الشعبية .. ووعده أنه سيبذل قصارى جهده وأنه يعتبر نفسه في صلاة وعبادة .. وطلب منه الدعاء، فدعا له.
ومل الرجل بيته قبل الفجر بقليل فقرر أن يذهب إلى الناس حيث أل ف ذلك دائما .. قرر الذهاب إلى منطقة الأزهر وبها الزحام الشعبي الذي يستوحي منه موسيقاه الشعبية في أعماله.. وبعد قليل وجد نفسه في أحضان المنطقة، ورائحة البخور الندية تملأ الصدور وأحجار التاريخ القديم تضفي الغموض والراحة على النفس.. واختفى بين الناس ومع الناس.. يأكل ويشرب ويستوحي هذه المنطقة القديمة بسحرها الغامض وتراثها القديم .. وأخذ ينظر إلى الأزهر من بعيد بأحجاره ومآذنه وشموخه المعماري الفريد .. وأ ذ ن لصلاة الفجر، وكان هذا هو ميعاد انصرافه قديما .
وهم بالانصراف لولا أن قابله صديق قديم متجه إلى الأزهر، وأخذه بالأحضان، مر عمر .. نعم ولكن أخبارك عندنا من الإعلام لا تنقطع .. وأين أنت الآن؟ أنا مدرس للشريعة في جامعة الأزهر، تزوجت وعندي أولاد وحالي طيب والحمد لله، هيا بنا قبل أن تضيع علينا الصلاة.. وتردد الملحن وتلعثم في الرد.. ولكن الصديق القديم جذبه كما كان يجذبه في الأمس.. هيا يارجل حتى لاتضيع منك الجوهرة.. وبحد الحياء ذهب معه، توضأ ودخل المسجد.. كم مر عليك من زمن ولم تصل؟ يا الله زمن طويل.. الأزهر بديع في الفجر وهو يلفه الظلام المتدثر بالنور الخافت مما يزيد أحجاره القديمة بهاء وغموضا .. وهذا الباب الحجري الضيق الذي يكاد ينكتم فيه تنفسك ثم تعبره لتجد نفسك حرا طليقا في فناء المسجد الواسع المترامي الأطراف .. وكأنك قد تحررت من قيودك ومن قيود المجتمع والناس .. ولا تجد إلا المحراب بعد ذلك يشدك للصلاة .. وشعر بارتياح نفسي كبير وقال لنفسه: هذه هي الحالة المثالية لتلحين المشروع .. ليتني آخذ ركنا هنا .. وقطع الأذان عليه تفكيره، وجذبه صديقه ليقوم للصلاة .. الله أكبر ، واستمع إلى الإمام: والنازعات غرقا. والناشطات نشطا. والسابحات سبحا.. وانتبه الملحن إلى الكلمات .. أي قدر هذا .. وترددت الكلمات في جنبات المسجد الرحب وانعكست جميعها في آذانه الصاغية .. أي مهابة وأي غموض وأي جلال.. واشتغل اللحن في رأسه وتداخل مع الألفاظ القرآنية تصارعه ويصارعها.. وجذبه صاحبه للركوع ثم للسجود.. وهكذا حتى انتهت الصلاة.
ونظر إليه صاحبه بعد الصلاة في شفقة ومحبة .. وقال له: أين كنت؟ ما هذا الذهول البادي على وجهك .. فرد عليه : لقد كنت أصلي .. فتعجب صاحبه من الرد الغامض .. وقال له الملحن : أتعرف تفسيرا لمطلع سورة النازعات التي قرأها الإمام .. ابتسم صاحبه وصمت برهة من الزمن ثم قال : النازعات غرقا هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم بشدة، والناشطات نشطا هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها، والسابحات هي الملائكة تسبح وتسبح في الفضاء الكوني كله، والسابقات هي الملائكة التي سبقت الإنسان لعبادة الله الواحد القهار، والمدبرات أمرا هي الملائكة المدبرة لما أ مرت به من أوامر الله سبحانه وتعالى .. قال الملحن: إذن فالحديث عن الملائكة!.. قال له صاحبه : نعم فهي خلق الله اللاتي لا تعصي لله أمرا وكأن الله ي ق س م بهذا النوع من خلقه العظيم والذي لانشعر به من حولنا وهو يدبر الأمور وينفذ أوامر الله بطاعة بحتة وجندية مؤبدة .. إنه حديث نادر لا يأتي إلا من عند الله فهو الخالق، ووحده القادر على وصف أعمالهم .. ومن يستطيع أن يخبر بذلك؟ .. انتبه الملحن لهذا التفسير وازدادت نفسه تشوقا لمعرفة المزيد من التفسير والذي أضاف : يوم ترجف الراجفة وهي الأرض والجبال للنفخة الأولى يوم القيامة ثم تتبعها الرادفة أي النفخة الثانية لبعث الموتى يوم القيامة ثم القلوب الواجفة الخائفة من عظيم الهول النازل وأبصارها خاشعة ذليلة أمام قدرة الله وعظمته وقد أصبحت وجها لوجه أمام قدراته سبحانه وتعالى لا تملك الهروب أو التكذيب .. ويتساءلون هل لنا رجعة كما كنا قبل هلاكنا؟ .. بعد أن نصبح عظاما نخرة بالية وإنها لرجعة خاسرة إذ لا ندري ماذا سيفعل بنا ولكن الله قادر فلا يتحمل الأمر إلا زجرة واحدة تنفخ في الصور والأجساد فإذا هي على الأرض مرة أخرى كما كانت من قبل .. ياله من حديث .. وازداد ذهول الملحن .. أي صورة هذه ؟ .. أي غموض؟ .. ملائكة لا ندري عن خلقهم شيئا يروحون ويجيئون ويدبرون الأمور ثم هذا اليوم العظيم بهذه الصورة المخيفة المرعبة .. وقال له صاحبه : ياصديقي إنه يوم عظيم يجب أن يعمل له العاملون ،، والله لو أننا عبدنا الله صلاة وتسبيحا وجاهدنا صباحا ومساء ما ضمن ا ماذا يفعل بنا في هذا اليوم؟ ..فهل نحن من أهل الجنة مع المكرمين أم مع أهل النار مع المعذبين .. وسأل الملحن في شغف : أين أستطيع أن أجد هذا التفسير ؟ .. ودله صاحبه عليه .. واستأذن الملحن وقد بدا عليه الإجهاد من يوم طويل حافل.. وانصرف إلى بيته.
عكف الملحن على كتاب التفسير وانشغل مع الصور والمعاني التي يحفل بها النص الذي يريد تلحينه .. ووجد نفسه يعرج إلى القرآن من أوله.. عل ه يعطيني إلهاما لمشروعي؟ .. وبدء فيه : بسم الله الرحمن الرحيم “الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون.أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون”.
“الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له مافي السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم”. “لله مافي السموات ومافي الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير. آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير . لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لاطاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين”.
“أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون. وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين”.
“لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون. هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون. هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له مافي السموات والأرض وهو العزيز الحكيم”. “اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم. كلا إن الإنسان ليطغى”.
وقرأ: “قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد”.
تملكته التلاوة والمعاني والصور أياما انقطع فيها عن العالم .. العالم الذي ينتظر منه ولادة المشروع العظيم : التفسير الموسيقي للقرآن.. حاول العودة إلى ما بدأه ولكنه استحقره كله.. استمع إلى أعمال الموسيقيين في الترانيم الكنسية.. فلم تلهمه معاني تتقارب إلى ما يشعر به من جلال ومهابة وخوف ووجل ورجاء وتمن وحسرة وندم وإشراق واستمتاع حسي وذهني.. كيف أستطيع أن أعبر عن ذلك كله؟ .. وإذا عبرت ما الذي سأضيفه للبشرية؟
وشعر بالعجز .. بل شعر أنه يتجرأ على الله.. ودب الخوف في قلبه فقطع كل ما كتبه وأحرق تسجيلاته . ثم توضأ وانغمس في صلاة طويلة طوال الليل وقرأ فيها: “والنازع
ات غرقا . والناشطات نشطا. والسابحات سبحا. فالسابقات سبقا. فالمدبرات أمرا ...”.

تعليق