في هذه الحياة التي تتقاطع دروبها وتتشابك أزقتها، تتراءى لنا وجوهٌ وتمرّ بنا أقدامٌ لا نُحصي لها مَقدمًا ولا نُدرك لها مقصدًا. بيد أن في هذا المدِّ البشريِّ الجارفِ كرامًا، يحمل حضورُهم وشمًا لا يُمحى على جبين الذاكرة، وسمةً لا تتوارى عن الأنظار. هؤلاء هم من يُقال فيهم، والقولُ فيهم درٌّ: "كريمُ قومٍ أتاكم". فما أبلغَ هذه العبارةَ حين تتفتّق بها الشفاه، وما أوسعَ دلالاتِها التي تعانقُ أفقَ الكلماتِ وتتجاوزه!
"إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرِموه" ليست صيحةً عابرةً في فضاء الوجود، بل هي شِرعةٌ من شِرَع المروءة الخالدة، ومنارةٌ سامقةٌ تهدي إلى مكارم الأخلاق. إنها دعوةٌ صريحةٌ للتحليقِ فوق سَفاسفِ الذاتِ الضيقة، وتجاوزِ الحساباتِ الهامشيةِ، والتعاملِ مع الوجودِ بمنطقِ الفضلِ لا بمنطقِ الهوى أو تقلّباتِ المزاج.
فالكريمُ، يا هذا، ليس مجردَ حائزٍ للمال الوفير. لا، بل هو غنيُّ النفسِ التي تجودُ قبل أن تُسأل، عظيمُ الخُلقِ الذي يرتفعُ بالتعاملِ، ممدودُ اليدِ بالعطاءِ السخيِّ دونَ مِنّةٍ أو استعلاء، مشهودٌ له بالفضلِ في قومه، تذكرُه الألسنُ في المجالسِ بالجميل. وحين يخطو إليكَ، فاعلم أنه لا يأتي وحيدًا؛ بل يجيءُ متَّشحًا بكرامتِه، محاطًا بسمعتِه الزكيةِ، متوجًا بطيبِ ذكرهِ الذي شاعَ وذاع. فكيفَ يُقصّرُ المرءُ في إكرامِ من تعلّقتْ به الأعناقُ إجلالاً، وملأتْ سِيَرُه النبيلةُ المجالسَ احترامًا وتقديرًا؟
إن إكرامَ الكريمِ ليسَ انتقاصًا من قدرِ المُكرِمِ، بل هو سِفْرٌ إضافيٌّ يُسجّلُ في صحائفِ رفعتِه. ومن أحسنَ وفادةَ كريمٍ، فقد نالَ الكرمَ من وجهينِ: وجهِ الفعلِ الذي يرتسمُ سلوكًا نبيلًا، ووجهِ المفعولِ بهِ الذي ينعكسُ على النفسِ إشراقًا وسموًّا. فما أبهى الإنسانَ حين يُدركُ مقاديرَ الفضلِ لأهلِهِ، وأقدارَ المروءةِ لأصحابِها، فيُجيدُ وفادتَهم، ويَصونُ ماءَ وجوهِهم ببراعةٍ، ويُغمرُهم بفيضِ حسنِ الحديثِ، ولطيفِ العشرةِ، وكريمِ الضيافةِ. وقد صدقَ المثلُ حين قال: "من لا يعرف لأهل الفضل قدرهم، فليس من أهل الفضل."
وها هنا يصدحُ صوتُ الحكمةِ الشاعرةِ، مؤكدًا قولَ الشاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
هذه الأبياتُ تفتحُ نوافذَ البصيرةِ على فقهٍ عميقٍ في التعاملِ: فالكرمُ ليسَ نورًا يُلقى جزافًا في كلِّ وادٍ، بل هو هديةٌ تُهدى لمن يُدركُ قيمتَها، لمن يُبادلُ المعروفَ بمثلِهِ أو بأجلَّ منهُ، لمن يتوجُّ الفضلَ بالشكرِ والعرفانِ، ويُقابلُ الجودَ بالإجلالِ والامتنانِ. وليسَ المقصودُ بالإكرامِ مجردَ الطعامِ والشرابِ؛ فذلكَ جزءٌ من كلٍّ. الإكرامُ هو الترحابُ الذي يسبقُ الكلماتِ، هو الثناءُ الصادقُ الذي يلامسُ الروحَ، هو التقديرُ الرفيعُ في المحافلِ، هو الكلمةُ الطيبةُ التي تداوي، والابتسامةُ الحانيةُ التي تُطمئنُ، واليدُ التي تُصافحُ بحرارةِ القلبِ قبلَ الجسدِ.
في تاريخِ مجتمعاتِ العربِ، كانَت مجالسُهم مضاربَ مفتوحةً للوافدين، وقلوبُهم أرحسبَ من فيافِ الصحراءِ الشاسعةِ. كانوا يأنسون بالغريبِ إذا حلَّ، ويحتفون بالكريمِ إذا أقبلَ، ويرفعون رايةَ "ضيفٌ على الله" شعارًا لهم. فمن أكرمَ ضيفًا، فقد أكرمَ نفسَهُ في عليائِها، ومن أعرضَ عنه، فقد أضاعَ شرفَ اللحظةِ وتاريخَ العطاءِ.
وفي زمانِنا هذا، حيثُ ضاقتْ كثيرٌ من الصدورِ أمامَ زحامِ الحياةِ، وتكاثرتِ الحساباتُ الماديةُ الضيقةُ، نحنُ أحوجُ ما نكونُ لإعادةِ إحياءِ هذهِ القيمِ النبيلةِ. أن نُكرمَ الكريمَ، لا لأنهُ يتوقّعُ ذلكَ، بل لأننا أهلٌ لهذا الإكرامِ، ولأن الأخلاقَ العظيمةَ لا تُمارسُ بانتقاءٍ، بل تُبثُّ كالعطرِ الفواحِ في أرجاءِ الوجودِ.
فإذا أتاكم كريمُ قومٍ، فمدوا لهُ بساطَ القلبِ قبلَ بساطِ الدارِ، أكرموه... ليس لأنهُ يحتاجُ إلى إكرامِكم، بل لأنكم أنتم لا تليقُ بكم إلا المكارمُ، ولأنكم، إذ تكرمونهُ، إنما تُكرمّونَ أخلاقَكم، وتُوقّعونَ باسمكم في سجلِّ الرفعةِ الأبديِّ.
أكرموه، فإن في ذلكَ رفعةً له ولكم، وعزةً له ولأرضكم، وسموًّا لمجلسكم، يضاهي السحابَ ويُعاندُ النجومَ.
"إذا أتاكم كريمُ قومٍ فأكرِموه" ليست صيحةً عابرةً في فضاء الوجود، بل هي شِرعةٌ من شِرَع المروءة الخالدة، ومنارةٌ سامقةٌ تهدي إلى مكارم الأخلاق. إنها دعوةٌ صريحةٌ للتحليقِ فوق سَفاسفِ الذاتِ الضيقة، وتجاوزِ الحساباتِ الهامشيةِ، والتعاملِ مع الوجودِ بمنطقِ الفضلِ لا بمنطقِ الهوى أو تقلّباتِ المزاج.
فالكريمُ، يا هذا، ليس مجردَ حائزٍ للمال الوفير. لا، بل هو غنيُّ النفسِ التي تجودُ قبل أن تُسأل، عظيمُ الخُلقِ الذي يرتفعُ بالتعاملِ، ممدودُ اليدِ بالعطاءِ السخيِّ دونَ مِنّةٍ أو استعلاء، مشهودٌ له بالفضلِ في قومه، تذكرُه الألسنُ في المجالسِ بالجميل. وحين يخطو إليكَ، فاعلم أنه لا يأتي وحيدًا؛ بل يجيءُ متَّشحًا بكرامتِه، محاطًا بسمعتِه الزكيةِ، متوجًا بطيبِ ذكرهِ الذي شاعَ وذاع. فكيفَ يُقصّرُ المرءُ في إكرامِ من تعلّقتْ به الأعناقُ إجلالاً، وملأتْ سِيَرُه النبيلةُ المجالسَ احترامًا وتقديرًا؟
إن إكرامَ الكريمِ ليسَ انتقاصًا من قدرِ المُكرِمِ، بل هو سِفْرٌ إضافيٌّ يُسجّلُ في صحائفِ رفعتِه. ومن أحسنَ وفادةَ كريمٍ، فقد نالَ الكرمَ من وجهينِ: وجهِ الفعلِ الذي يرتسمُ سلوكًا نبيلًا، ووجهِ المفعولِ بهِ الذي ينعكسُ على النفسِ إشراقًا وسموًّا. فما أبهى الإنسانَ حين يُدركُ مقاديرَ الفضلِ لأهلِهِ، وأقدارَ المروءةِ لأصحابِها، فيُجيدُ وفادتَهم، ويَصونُ ماءَ وجوهِهم ببراعةٍ، ويُغمرُهم بفيضِ حسنِ الحديثِ، ولطيفِ العشرةِ، وكريمِ الضيافةِ. وقد صدقَ المثلُ حين قال: "من لا يعرف لأهل الفضل قدرهم، فليس من أهل الفضل."
وها هنا يصدحُ صوتُ الحكمةِ الشاعرةِ، مؤكدًا قولَ الشاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكتهُ وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا
هذه الأبياتُ تفتحُ نوافذَ البصيرةِ على فقهٍ عميقٍ في التعاملِ: فالكرمُ ليسَ نورًا يُلقى جزافًا في كلِّ وادٍ، بل هو هديةٌ تُهدى لمن يُدركُ قيمتَها، لمن يُبادلُ المعروفَ بمثلِهِ أو بأجلَّ منهُ، لمن يتوجُّ الفضلَ بالشكرِ والعرفانِ، ويُقابلُ الجودَ بالإجلالِ والامتنانِ. وليسَ المقصودُ بالإكرامِ مجردَ الطعامِ والشرابِ؛ فذلكَ جزءٌ من كلٍّ. الإكرامُ هو الترحابُ الذي يسبقُ الكلماتِ، هو الثناءُ الصادقُ الذي يلامسُ الروحَ، هو التقديرُ الرفيعُ في المحافلِ، هو الكلمةُ الطيبةُ التي تداوي، والابتسامةُ الحانيةُ التي تُطمئنُ، واليدُ التي تُصافحُ بحرارةِ القلبِ قبلَ الجسدِ.
في تاريخِ مجتمعاتِ العربِ، كانَت مجالسُهم مضاربَ مفتوحةً للوافدين، وقلوبُهم أرحسبَ من فيافِ الصحراءِ الشاسعةِ. كانوا يأنسون بالغريبِ إذا حلَّ، ويحتفون بالكريمِ إذا أقبلَ، ويرفعون رايةَ "ضيفٌ على الله" شعارًا لهم. فمن أكرمَ ضيفًا، فقد أكرمَ نفسَهُ في عليائِها، ومن أعرضَ عنه، فقد أضاعَ شرفَ اللحظةِ وتاريخَ العطاءِ.
وفي زمانِنا هذا، حيثُ ضاقتْ كثيرٌ من الصدورِ أمامَ زحامِ الحياةِ، وتكاثرتِ الحساباتُ الماديةُ الضيقةُ، نحنُ أحوجُ ما نكونُ لإعادةِ إحياءِ هذهِ القيمِ النبيلةِ. أن نُكرمَ الكريمَ، لا لأنهُ يتوقّعُ ذلكَ، بل لأننا أهلٌ لهذا الإكرامِ، ولأن الأخلاقَ العظيمةَ لا تُمارسُ بانتقاءٍ، بل تُبثُّ كالعطرِ الفواحِ في أرجاءِ الوجودِ.
فإذا أتاكم كريمُ قومٍ، فمدوا لهُ بساطَ القلبِ قبلَ بساطِ الدارِ، أكرموه... ليس لأنهُ يحتاجُ إلى إكرامِكم، بل لأنكم أنتم لا تليقُ بكم إلا المكارمُ، ولأنكم، إذ تكرمونهُ، إنما تُكرمّونَ أخلاقَكم، وتُوقّعونَ باسمكم في سجلِّ الرفعةِ الأبديِّ.
أكرموه، فإن في ذلكَ رفعةً له ولكم، وعزةً له ولأرضكم، وسموًّا لمجلسكم، يضاهي السحابَ ويُعاندُ النجومَ.





تعليق