في كلِّ حديثٍ عن الحياة أجدني أعود إليها، دون أن أذكرها، ودون أن أجرؤ أن أنطق باسمها أمام أحد. أكتفي بضمير الغائب، وكأن اللغة كلها تواطأت معي لأخفيها في سطر، وأُعلنها في قلبي ألف مرة ومرة.
هي ليست حكاية عابرة في دفتر الأيام، بل سطر طويل ظلّ القدر يراجعه قبل أن يكتبه في طريقي. جاءت في وقتٍ كانت الأشياء فيه باهتة، فارتدى العالم لونًا جديدًا لا أعرف اسمه، لكني أشعر به في تفاصيل يومي؛ في مزاج قهوتي، وفي هدوء الطريق وأنا أمشي وحيدًا، وفي تلك الابتسامة التي لا أعرف سببها حين أتذكر شيئًا قالته ذات يوم.
لا أصفها كثيرًا، ولا أحتفظ بصورها في هاتفي، لكن لها صورة ثابتة في قلبي: مزيج من وقارٍ وطفولة، من حزمٍ ورقّة، من ضحكةٍ تشبه انفتاح نافذة في غرفة ضيقة، ومن حزنٍ خفيف يشبه غيمًا يمرّ دون أن يمطر، لكنه يترك في النفس شجناً جميلاً. لستُ متأكدًا أيُّهما أجمل: حضورها حين تكون قريبة، أم صداها حين تغيب. كل ما أعرفه أنّها لا تغادر المشهد، حتى لو خرجت من إطار الصورة.
أكتب كثيرًا، وأدّعي أنني أكتب عن الناس كلهم، عن المدن والذكريات والفصول، لكن الحقيقة أن معظم النصوص تنتهي إليها: هي الخاتمة التي لا تُكتب، والسبب الذي لا يُذكر. أترك بين السطور مساحاتٍ بيضاء أعرف أن روحها وحدها تفهمها، كأنني أُراسلها سرًّا برسائل لا يقرؤها أحد سواها. إن ضحكتُ في النص، كنت أقصد ضحكتها، وإن حزنتُ، كنت ألمّح إلى غيابها، وإن تحدّثت عن الأمل، فأنني أستعير بريق عينيها فقط.
هي لا تعلم، وربما تشعر، وربما تتجاهل ذلك الشعور كي لا تُحرجني، أو كي لا تجرّ قلبي إلى اختبارٍ لا أملك شجاعة خوضه. فأنا لا أريد أن أضعها في زاوية السؤال: "ماذا تعنين لي؟"، ولا أريد أن أجد نفسي أمام إجابة قد تُرضي الواقع وتكسِر الحلم. يكفيني هذا النصيب الهادئ من الحب: أن أكون قريبًا بما يكفي لأطمئن عليها، وبعيدًا بما يكفي لأحفظ ما تبقّى من قلبي.
أحيانًا أتخيل لو أنها تقرأ ما أكتب الآن: هل ستعرف أن هذا الكلام عنها؟ أم أنها ستمرّ مرّ الكرام وتقول في نفسها: "جميل هذا النص"، ثم تتابع يومها وكأن شيئًا لم يكن؟ ربما لا يهم. المهم أنني أعرف، وأن الله يعرف كم مرّة دعوت لها في سرّي دون أن أنتظر دعاءً يعود إليّ. يكفيني أن تظل بخير، أن تظل تلك الإنسانة التي إن ذُكرت في قلبي اتّسع صدرُ الحياة فجأة.
لا أطالبها بشيء، ولا أُحمّلها مسؤولية هذا الشعور. الحب الحقيقي لا يطالب، بل يزهر بصمت. أنا لا أريد منها وعدًا، ولا اعترافًا، ولا حتى التفاتة خاصة. كلّ ما أريده أن تظل كما هي: بسيطة، عفوية، صادقة، تمرّ في حياتي كنسمةٍ خفيفة، تترك في الروح أثرًا لا يُرى، لكن لا يُنسى.
إن سألتني يومًا: "عمّن تكتب؟" سأبتسم وأجيبها: أكتب عن فكرة، عن حالة، عن إنسانة لا تحتاج أن تعرف أنها مصدر هذا الحبر. ولو أصرّت، سأتهرّب كعادتي إلى اللغة: سأقول لها إن كل النساء في النص، لكن قلبي وحده يعرف أن هناك امرأة واحدة تسكن ما بين الكلمات، وأنها مهما ابتعدت، سيظلُّ لها في داخلي مقعدٌ محجوز لا يشاركها فيه أحد.
هكذا أحبّها: حبًّا مستورًا، أنيقًا، لا يُعلن اسمه، ولا يطرق أبواب الضجيج. حبًّا يكتفي بأن يكون، حتى لو لم يُكتَب له أن يكون لها.
هي ليست حكاية عابرة في دفتر الأيام، بل سطر طويل ظلّ القدر يراجعه قبل أن يكتبه في طريقي. جاءت في وقتٍ كانت الأشياء فيه باهتة، فارتدى العالم لونًا جديدًا لا أعرف اسمه، لكني أشعر به في تفاصيل يومي؛ في مزاج قهوتي، وفي هدوء الطريق وأنا أمشي وحيدًا، وفي تلك الابتسامة التي لا أعرف سببها حين أتذكر شيئًا قالته ذات يوم.
لا أصفها كثيرًا، ولا أحتفظ بصورها في هاتفي، لكن لها صورة ثابتة في قلبي: مزيج من وقارٍ وطفولة، من حزمٍ ورقّة، من ضحكةٍ تشبه انفتاح نافذة في غرفة ضيقة، ومن حزنٍ خفيف يشبه غيمًا يمرّ دون أن يمطر، لكنه يترك في النفس شجناً جميلاً. لستُ متأكدًا أيُّهما أجمل: حضورها حين تكون قريبة، أم صداها حين تغيب. كل ما أعرفه أنّها لا تغادر المشهد، حتى لو خرجت من إطار الصورة.
أكتب كثيرًا، وأدّعي أنني أكتب عن الناس كلهم، عن المدن والذكريات والفصول، لكن الحقيقة أن معظم النصوص تنتهي إليها: هي الخاتمة التي لا تُكتب، والسبب الذي لا يُذكر. أترك بين السطور مساحاتٍ بيضاء أعرف أن روحها وحدها تفهمها، كأنني أُراسلها سرًّا برسائل لا يقرؤها أحد سواها. إن ضحكتُ في النص، كنت أقصد ضحكتها، وإن حزنتُ، كنت ألمّح إلى غيابها، وإن تحدّثت عن الأمل، فأنني أستعير بريق عينيها فقط.
هي لا تعلم، وربما تشعر، وربما تتجاهل ذلك الشعور كي لا تُحرجني، أو كي لا تجرّ قلبي إلى اختبارٍ لا أملك شجاعة خوضه. فأنا لا أريد أن أضعها في زاوية السؤال: "ماذا تعنين لي؟"، ولا أريد أن أجد نفسي أمام إجابة قد تُرضي الواقع وتكسِر الحلم. يكفيني هذا النصيب الهادئ من الحب: أن أكون قريبًا بما يكفي لأطمئن عليها، وبعيدًا بما يكفي لأحفظ ما تبقّى من قلبي.
أحيانًا أتخيل لو أنها تقرأ ما أكتب الآن: هل ستعرف أن هذا الكلام عنها؟ أم أنها ستمرّ مرّ الكرام وتقول في نفسها: "جميل هذا النص"، ثم تتابع يومها وكأن شيئًا لم يكن؟ ربما لا يهم. المهم أنني أعرف، وأن الله يعرف كم مرّة دعوت لها في سرّي دون أن أنتظر دعاءً يعود إليّ. يكفيني أن تظل بخير، أن تظل تلك الإنسانة التي إن ذُكرت في قلبي اتّسع صدرُ الحياة فجأة.
لا أطالبها بشيء، ولا أُحمّلها مسؤولية هذا الشعور. الحب الحقيقي لا يطالب، بل يزهر بصمت. أنا لا أريد منها وعدًا، ولا اعترافًا، ولا حتى التفاتة خاصة. كلّ ما أريده أن تظل كما هي: بسيطة، عفوية، صادقة، تمرّ في حياتي كنسمةٍ خفيفة، تترك في الروح أثرًا لا يُرى، لكن لا يُنسى.
إن سألتني يومًا: "عمّن تكتب؟" سأبتسم وأجيبها: أكتب عن فكرة، عن حالة، عن إنسانة لا تحتاج أن تعرف أنها مصدر هذا الحبر. ولو أصرّت، سأتهرّب كعادتي إلى اللغة: سأقول لها إن كل النساء في النص، لكن قلبي وحده يعرف أن هناك امرأة واحدة تسكن ما بين الكلمات، وأنها مهما ابتعدت، سيظلُّ لها في داخلي مقعدٌ محجوز لا يشاركها فيه أحد.
هكذا أحبّها: حبًّا مستورًا، أنيقًا، لا يُعلن اسمه، ولا يطرق أبواب الضجيج. حبًّا يكتفي بأن يكون، حتى لو لم يُكتَب له أن يكون لها.


تعليق