عصر التنوير تميز برفض الأفكار اللاهوتية و القدرية التي كانت تروج لها الكنيسة و تسيطر على أساليب التفكير التي تدعم سلطتها في المجتمع الأوربي و كان هذا الرفض عبارة عن قيام الأفكار العقلانية التي اتجهت لنقد النظم الاجتماعية و تقويمها بمعيار المنطق و العقل ، كانت فكره " التقدم " مستحوذة على أذهان الفلاسفة في القرن الثامن عشر حيث طغت النظريات المادية في الكثير من أطروحاتهم التي تؤمن بفكرة التغيير الجذري الذي سيؤدي بالضرورة الى تقويض النظم الاجتماعية الأوربية التقليدية و استبدالها بنظم جديده ، بينما كان في الجهة الأخرى الفكر التقليدي المحافظ الذي يرفض فكره التقدم و يتمسك باستمرارية النظم التقليدية ، هنا تكونت " نظرية الوفاق " التي تجمع بين الطرفين أي أنها تؤمن بفكرة التقدم و في نفس الوقت تتمسك بمفهوم الاستمرارية في النظم التقليدية ، فأصحاب تلك النظريات يرفضون فكرة التغير الجذري ، ويؤمنون بأن التغير لا بد أن يتم في حلقات متصلة تربط بين الماضي الحاضر و المستقبل ، و كان انبثاقها بعد الثورة الصناعية والثورةالفرنسية
Consensus Perspective الوفاق في الفكر الأوربي للجمع بين النظريات العقلانية المتطرفة و النظريات اللاهوتية التي تنادي بعودة الأخلاق الدينية السابقة لإصلاح المجتمع و رأب الصدع الذي أحدثته الثورة الفرنسية في البناء الاجتماعي الذي يرون أنه تداعى و أنهار نتيجة المد العقلاني المتزايد ، فقد بدأ دور الطبقة الوسطى يتعاظم في السياسة و إدارة المؤسسات الصناعية و لم تكن نتائج الثورة الفرنسية بالنسبة لهذه الفئة الاجتماعية سببا مقنعا للرجوع إلى الفكر اللاهوتي العقيم ، و بنفس القدر خوفهم من تزايد القوى السياسية الحضرية ، لذلك اتخذوا موقفا وسطاً ، و من خلال ذلك تبلور فكر الوفاق او أيضا كما يطلق علية الفكر الرومانسي بين الطبقة الوسطى ، و يتضح أن نظريات الوفاق في تلك المرحلة كانت تنطوي على كثير من التناقضات في موقفها بين المحافظين و العقلانيين في تلك المرحلة . ( أ.د. سعيد الغامدي ، الانثروبولوجيا ، ص 30- 40 ) .
من غير أن نسقط ذلك العصر بالكامل على وقتنا الحاضر رغم تشابه الصراع بين الليبرالية و الدين أو بعض أجزائه فعصر التنوير من أهم إفرازاته العلمانية و هنا الغطاء المستخدم هو الليبرالية بمعنى أن القالب جاهز من الأصل ، ظهر البعض بمسمى " ليبرالي إسلامي " ، يخيل إلىّ من الاسم بأنهم جمعوا بين متناقضين ، فقد تشابه موقفهم مع حركة الوفاق الفكرية ، من حيث عدم الرفض الكامل و من حيث عدم القبول الكامل ، و كأنهم يحتلون الموقع صفر بين طرفين متصارعين ، هناك احتمالات عده تنطوي تحت مسمى الليبرالي الإسلامي ، إما أن الداخل في هذه التسمية فَهم بان الليبرالية لا تتعارض مع الدين بتاتا أو أنه فهم بأن الدين عبارة عن ليبرالية تستوجب التغير في بعض الفروع بما يتناسب مع الزمن أو أنه فهم الليبرالية على وجهها المراد و حاول أن يكون موقفه منها مثل موقف الوفاق بأن يأخذ من بعض أجزائها ما يتناسب مع طبيعته الدينية ويترك الباقي .
قد لا يهم في الوقت الحالي مسمى الليبرالي الإسلامي ، لأن مجرد وجود الليبرالية في الاسم أو الفكر يُكسب نوع من النفور من قبل الإسلاميين المعارضين للبراليين جملة و تفصيلا ، أعتقد أن اللبراليين الإسلاميين ما زالوا في طور الأجنة أو في مرحلة التخبط التي ستأخذ فتره من الزمن
بعدها سيستقر هؤلاء على موقف معين و ربما يضمحل هذا الاسم و يدفن مع تناقضاته إلى غير رجعه .
ساري نهار
6/2/2008م
6/2/2008م




تعليق