فرق كبير بين التكيف والاستسلام
الهام أحمد
نخلط كثيرا بين معان وأخرى في الحياة معتقدين بأننا نقوم بالصواب في فرض التشابه بينها. وقد يكون في هذا الخلط ارتباط باستراتيجية العقل لتقبل أمورمزعجة، أو مؤلمة. نفعل ذلك على سبيل المثال حينما نخلط بين الانبهار والحب، بين الطموح والتسلق، بين اللباقة الزائدة والضعف، بين الثناء والتملق. وكلها أموربينها خيط رفيع لكنها تفصل بين انسان وانسان في مواقف الحياة. المهم أنها جميعا تكشفك لنفسك خاصة لو كنت من هؤلاء الذين يحرصون على فلترة ذواتهم بشكل مستمر حتى لايتبقى فيها سوى الصالح.
اليوم نحاول أن نرى تلك الشعرة البسيطة بين ما نسميه(تكيف) وما نقول عنه (استسلام). كلتا الكلمتين تستخدمان للتعبير عن حالة التراضي مع مواقف آنية في حياتنا. لكنها في الحقيقة تعتمد على قناعاتنا الداخلية تجاه هذه المواقف. فقد يمر شخصان بنفس الأزمة في العمل أو الأسرة أو في المحيط الاجتماعي . الأول يحاول أن يتقبل الأمر الواقع مفترضا أنه لا بدائل لديه ، والثاني لا يغمض له جفن حتى يجرب كل الحلول قبل أن يعلن تقبله للأمر الواقع. وكلا الاثنين يظن أنه(تكيف).
السؤال هنا : متى يصبح التكيف إيجابيا ومتى يكون استسلاما؟ والتكيف كمانعلم هو حالة يقف فيها الإنسان أمام نفسه بسبب تغيير مفاجئ ، وهذا التغيير قد يكون أمرا طبيعيا كالانتقال من مكان إلى مكان، أو التعرف على أشخاص جدد، أو تغيير نوع العمل، وفي هذه الحالة يحاول الإنسان أن يبني بينه وبين عالمه الجديد نوعا من الألفة حتى يتمكن من التخفيف من حالة الغربة التي قد يشعر بها في البداية . لكن هناك منحى آخر لما نشير إليه هنا.
فقد يمر أحدنا بمواقف يشعر فيها بالغبن أوالظلم من شخص أو رئيس أو صديق حينها يكون من المؤلم التأقلم مع واقع هذا التغييرلأن التكيف هنا يصبح طعمه مرا ، لماذا ؟ لأنه يرغمك على قبول أمر تمت استباحة حقوقك أو مشاعرك، أو قدراتك فيه .أو بمعنى آخر تم التقليل فيه من قيمتك ، وهذا أقسى أنواع الظلم . حينها قد يقول لك من حولك حاول أن تتقبل الأمر وتتكيف معه. لكن محاولة تقبل الأمر دون الاجتهاد في فهم أسباب حدوثه ومحاولة تغيير تلك الصورة المؤلمة يعتبراستسلاما. ولا تحاول أن تخدع نفسك لأنك حينما تعتبره تكيفا فإنك تخذل إرادتك في المثابرة من أجل نيل حقك. وهنا فقط يكون التكيف سلبيا . ومهما حاولت أن تأتي بالأسباب والمبررات فإنك لن تصل إلى نقطة تريحك من الداخل . إلا إذا كنت من فئة الناس التي تتقن الكذب على نفسها.
ولكن ... هل يتعارض ما نقوله مع قبول الانسان لقضاء الله ؟ يقول د. ضيف الله مهدي مستشار الصحة النفسية (إن كل فرد يحمل حاجات متعددة، ويعمل باستمرار على اشباعها. ولو تم اشباعها كلها بطريقة سهلة، لما كان هناك داع لعملية التكيف. إن هذه الحاجات والدوافع تحرك السلوك باستمرار ومن الصعب للفرد اشباعها ، وقد يعترضه في ذلك عقبات شتى بعضها ذاتي (داخل الفرد) وبعضها خارجي ( من المجتمع والمحيط الطبيعي) . وإذا استطاع الفرد إشباع حاجاته فإن حالة التوتر تنتفي عنده ويشعر بالرضا والطمأنينة، وإذا فشل فإنه يبذل محاولات أخرى وأساليب أخرى مثل : الانسحاب، والتبرير، واليأس. وفي هذه يكون التكيف السيئ دليلا على اضطراب الشخصية، كما ننظر إلى التكيف من حيث أنه نتيجة فهل هو جيد أم سيئ؟ فإذا كان التكيف حسنا وحقق الانسجام والتآلف المطلوبين فإنه دليل على الصحةالنفسية ، أما إذا كان سيئا ولم يحقق التآلف المطلوب فإنه دليل على اعتلال الصحة النفسية ) .
وهناك عبارات كثيرة تتكرر على مسامعنا وقت حدوث الأزمات الفاصلة في حياتنا، عبارات مثل : (لا فائدة مهما حاولت) أو (لست وحدك من حدث له ذلك، لذلك تقبل الأمر الواقع كما فعل غيرك)، وبعضنا يستسيغ الانسياق وراء لذة هذه العبارات لأنها توفر له الحل الأسهل. لكن قوانا الداخلية لا تنمو إلا عندما يكون تكيفنا مع الأمور منطقيا . فإن كنت تشعر بأن ما حدث لك من تغير لم يكن مناسبا لما كنت تطمح إليه وكان هذا التغير مسقطا لقدراتك ونقاط قوتك وكفاءتك، فتركك للأمر وقتها دون معالجة أو جهد للإصلاح يعتبر استسلاما. كما أن هذا التكيف السلبي يترك شوائب ألم ومرارة يظهر أثرها مع الأيام دون أن تنتبه، وأولها أنك ستفقد الاحساس بقيمة الأشياء التي تدفعك للتقدم إلى الأمام بثقة، بل إنك قد تكون مصدرا لنشر اليأس لمن يعيشون بقربك.
السؤال الأهم : متى يمكن أن نشعر بالرضا الكامل، وأن تكيفنا بات إيجابيا وفيه نوع من القوة الذاتية ؟ يحدث ذلك فقط عندما تجتاز كل المحاولات لتغيير وضعك فإن تركتك تلك المحاولات إلى قدر أصابك لا محالة بأمر الله، فلم تستطع الوصول إلى الرضا الكامل في تغيير ظلم أصابك،حينها لا تندم ولا تنظر للوراء فيكفي أنك أشبعت حاجتك الاساسية في النضال من أجل ما تستحقه، ويصبح عدم حدوث الأمور كما تتمناها محكا للصبر على قضاء الله. وهذا التكيف صحي لأنه يأتي بعد اختبار قدرة الذات على المحاولة لإيصال صوتك للآخرين، كما أنه يمنحك سلاما داخليا منبعه إيمانك بقوةعزيمتك،حينها ستكتمل لديك الرؤية في أن الخلل لا يكمن في ضعفك بل في قصور آلية الفهم والتقدير لدى الآخرين الذين لم يدركوا قيمة ما منحته وستمنحه .
لؤلؤة:
· إن الهامات العالية تتألم ولا تنكسر ، تبكي ولا تخضع ، وهذا الحد الفاصل بين إنسان وآخر وقت المحنة.
· المصدر/ جريدة اليوم السعودية
الهام أحمد
نخلط كثيرا بين معان وأخرى في الحياة معتقدين بأننا نقوم بالصواب في فرض التشابه بينها. وقد يكون في هذا الخلط ارتباط باستراتيجية العقل لتقبل أمورمزعجة، أو مؤلمة. نفعل ذلك على سبيل المثال حينما نخلط بين الانبهار والحب، بين الطموح والتسلق، بين اللباقة الزائدة والضعف، بين الثناء والتملق. وكلها أموربينها خيط رفيع لكنها تفصل بين انسان وانسان في مواقف الحياة. المهم أنها جميعا تكشفك لنفسك خاصة لو كنت من هؤلاء الذين يحرصون على فلترة ذواتهم بشكل مستمر حتى لايتبقى فيها سوى الصالح.
اليوم نحاول أن نرى تلك الشعرة البسيطة بين ما نسميه(تكيف) وما نقول عنه (استسلام). كلتا الكلمتين تستخدمان للتعبير عن حالة التراضي مع مواقف آنية في حياتنا. لكنها في الحقيقة تعتمد على قناعاتنا الداخلية تجاه هذه المواقف. فقد يمر شخصان بنفس الأزمة في العمل أو الأسرة أو في المحيط الاجتماعي . الأول يحاول أن يتقبل الأمر الواقع مفترضا أنه لا بدائل لديه ، والثاني لا يغمض له جفن حتى يجرب كل الحلول قبل أن يعلن تقبله للأمر الواقع. وكلا الاثنين يظن أنه(تكيف).
السؤال هنا : متى يصبح التكيف إيجابيا ومتى يكون استسلاما؟ والتكيف كمانعلم هو حالة يقف فيها الإنسان أمام نفسه بسبب تغيير مفاجئ ، وهذا التغيير قد يكون أمرا طبيعيا كالانتقال من مكان إلى مكان، أو التعرف على أشخاص جدد، أو تغيير نوع العمل، وفي هذه الحالة يحاول الإنسان أن يبني بينه وبين عالمه الجديد نوعا من الألفة حتى يتمكن من التخفيف من حالة الغربة التي قد يشعر بها في البداية . لكن هناك منحى آخر لما نشير إليه هنا.
فقد يمر أحدنا بمواقف يشعر فيها بالغبن أوالظلم من شخص أو رئيس أو صديق حينها يكون من المؤلم التأقلم مع واقع هذا التغييرلأن التكيف هنا يصبح طعمه مرا ، لماذا ؟ لأنه يرغمك على قبول أمر تمت استباحة حقوقك أو مشاعرك، أو قدراتك فيه .أو بمعنى آخر تم التقليل فيه من قيمتك ، وهذا أقسى أنواع الظلم . حينها قد يقول لك من حولك حاول أن تتقبل الأمر وتتكيف معه. لكن محاولة تقبل الأمر دون الاجتهاد في فهم أسباب حدوثه ومحاولة تغيير تلك الصورة المؤلمة يعتبراستسلاما. ولا تحاول أن تخدع نفسك لأنك حينما تعتبره تكيفا فإنك تخذل إرادتك في المثابرة من أجل نيل حقك. وهنا فقط يكون التكيف سلبيا . ومهما حاولت أن تأتي بالأسباب والمبررات فإنك لن تصل إلى نقطة تريحك من الداخل . إلا إذا كنت من فئة الناس التي تتقن الكذب على نفسها.
ولكن ... هل يتعارض ما نقوله مع قبول الانسان لقضاء الله ؟ يقول د. ضيف الله مهدي مستشار الصحة النفسية (إن كل فرد يحمل حاجات متعددة، ويعمل باستمرار على اشباعها. ولو تم اشباعها كلها بطريقة سهلة، لما كان هناك داع لعملية التكيف. إن هذه الحاجات والدوافع تحرك السلوك باستمرار ومن الصعب للفرد اشباعها ، وقد يعترضه في ذلك عقبات شتى بعضها ذاتي (داخل الفرد) وبعضها خارجي ( من المجتمع والمحيط الطبيعي) . وإذا استطاع الفرد إشباع حاجاته فإن حالة التوتر تنتفي عنده ويشعر بالرضا والطمأنينة، وإذا فشل فإنه يبذل محاولات أخرى وأساليب أخرى مثل : الانسحاب، والتبرير، واليأس. وفي هذه يكون التكيف السيئ دليلا على اضطراب الشخصية، كما ننظر إلى التكيف من حيث أنه نتيجة فهل هو جيد أم سيئ؟ فإذا كان التكيف حسنا وحقق الانسجام والتآلف المطلوبين فإنه دليل على الصحةالنفسية ، أما إذا كان سيئا ولم يحقق التآلف المطلوب فإنه دليل على اعتلال الصحة النفسية ) .
وهناك عبارات كثيرة تتكرر على مسامعنا وقت حدوث الأزمات الفاصلة في حياتنا، عبارات مثل : (لا فائدة مهما حاولت) أو (لست وحدك من حدث له ذلك، لذلك تقبل الأمر الواقع كما فعل غيرك)، وبعضنا يستسيغ الانسياق وراء لذة هذه العبارات لأنها توفر له الحل الأسهل. لكن قوانا الداخلية لا تنمو إلا عندما يكون تكيفنا مع الأمور منطقيا . فإن كنت تشعر بأن ما حدث لك من تغير لم يكن مناسبا لما كنت تطمح إليه وكان هذا التغير مسقطا لقدراتك ونقاط قوتك وكفاءتك، فتركك للأمر وقتها دون معالجة أو جهد للإصلاح يعتبر استسلاما. كما أن هذا التكيف السلبي يترك شوائب ألم ومرارة يظهر أثرها مع الأيام دون أن تنتبه، وأولها أنك ستفقد الاحساس بقيمة الأشياء التي تدفعك للتقدم إلى الأمام بثقة، بل إنك قد تكون مصدرا لنشر اليأس لمن يعيشون بقربك.
السؤال الأهم : متى يمكن أن نشعر بالرضا الكامل، وأن تكيفنا بات إيجابيا وفيه نوع من القوة الذاتية ؟ يحدث ذلك فقط عندما تجتاز كل المحاولات لتغيير وضعك فإن تركتك تلك المحاولات إلى قدر أصابك لا محالة بأمر الله، فلم تستطع الوصول إلى الرضا الكامل في تغيير ظلم أصابك،حينها لا تندم ولا تنظر للوراء فيكفي أنك أشبعت حاجتك الاساسية في النضال من أجل ما تستحقه، ويصبح عدم حدوث الأمور كما تتمناها محكا للصبر على قضاء الله. وهذا التكيف صحي لأنه يأتي بعد اختبار قدرة الذات على المحاولة لإيصال صوتك للآخرين، كما أنه يمنحك سلاما داخليا منبعه إيمانك بقوةعزيمتك،حينها ستكتمل لديك الرؤية في أن الخلل لا يكمن في ضعفك بل في قصور آلية الفهم والتقدير لدى الآخرين الذين لم يدركوا قيمة ما منحته وستمنحه .
لؤلؤة:
· إن الهامات العالية تتألم ولا تنكسر ، تبكي ولا تخضع ، وهذا الحد الفاصل بين إنسان وآخر وقت المحنة.
· المصدر/ جريدة اليوم السعودية






تعليق