تمضي بنا الأيام مثل قافلةٍ تعرف وجهتها لكنها لا تسير بلا زاد. وزاد القافلة قلوبٌ تحلم وأقدامٌ تتعب، وعيونٌ تتطلع إلى بعيدٍ لا تراه الأيادي بعد. ما بين نسيمٍ يداعب الأرواح وطرقاتٍ تُقرع تحت الخطى، نصنع نحن تفاصيل حياتنا: نخطُّ أمنياتٍ على الورق، ونحاول أن نكسوها لحمًا من الجدّ والعمل، ونعدّل على مقاسها كلما ضاق بنا الطريق أو اتسع. ليس الحلم رفاهيةً نعلّقها على جدارٍ جميل، ولا الواقع قيدًا نرتديه إلى الأبد؛ كلاهما شريكان في صناعة يومٍ يليق بنا.
الأحلام في أصلها وعدٌ بالمسير. هي الصوت الخافت الذي يوقظك قبل الفجر، كأنما يقول: “انهض، فما زال في العمر متسعٌ لما تريد.” يشتعل ذلك الصوت في قلب الطالب وهو يراجع دروسه على مصباحٍ أصفر، وفي يد الحرفي وهو يصقل قطعة الخشب حتى تلمع، وفي عيون التاجر وهو يفتح متجره باكرًا قبل أن تكتحل الأرصفة بخطوات المارة. يختبر كل هؤلاء معنى أن يكون للحياة هدفٌ يُساق إليه الجهد، فالمسافة بين فكرةٍ وواقعٍ هي مسافة صبرٍ لا مسافة زمنٍ فقط. وحين يتبطّن الحلمُ بالعمل، يتحول من صورةٍ معلّقة إلى بابٍ مفتوح.
لكن الواقع ـ بصلابته المعهودة ـ لا يطرق الأبواب برفق. يأتيك أحيانًا على هيئة ضائقةٍ مالية، أو وظيفةٍ لا تحبها، أو التزاماتٍ عائلية تقتطع من يومك حصة الأسد. هنا تظهر البلاغة الحقيقية للإنسان: أن يعرف أين يلين وأين يشتد، كيف يوزّع أنفاسه، وأيّ طريقٍ يختار حين تتشعب الدروب. الواقعية ليست سكب ماءٍ باردٍ على جمر الأحلام، بل هي إناءٌ يحفظ الجمر كي لا ينطفئ. أن نعرف حدود الممكن اليوم، ونوسّعها رويدًا رويدًا حتى تستوعب ما نظنه بعيدًا.
ولأننا لا نعيش في الفراغ، فإن المجتمع من حولنا يصوغ جزءًا من حكايتنا. مجتمعٌ يحتفي بالمحاولة يسقي فينا الشجاعة، ومحيطٌ لا يرى في الخطأ إلا فشلًا يُطفئ الحماسة في النفوس. غير أن المرء، متى ما امتلك بوصلةً داخلية، استطاع أن يستخرج من كل بيئةٍ حُجّتها للعمل: فإن مدّت له الطريق ركض، وإن ضيّقته شقّ لنفسه ممشى صغيرًا ثم وسّعه بعرق الجبين. وما أكرم الحياة حين ترضى عن المثابر؛ تمنحه من عطاياها ما يكفيه ليبتسم، ثم تمتحنه مرةً أخرى ليزداد قوةً ولباقةً في التعامل مع أثقالها.
قد يخاصمنا البعض قائلًا: وما نفع الأحلام إن لم تُطعم جوعًا أو تداوِ ألمًا؟ ونقول: إن الحلم ليس رغيفًا يؤكل، لكنه اليد التي تزرع القمح، هو الذي يدفع الطبيب ليبحث، والمعلم ليصبر، والوالد ليحسن التدبير. هو نهرٌ تحت الأرض، إن جفّت السواقي يومًا ظل يجري حتى يُنبِت بعد حين. ثم إن الحلم الأذكى هو ما عَرَفَ أصحابه كيف يُقسّمونه على مراحل، وكيف يحيطونه بخطواتٍ صغيرةٍ لا تُرى من بعيد ولكنها تُحدث فرقًا حين تُجمع. خطوةٌ اليوم، وأخرى غدًا، وفي نهاية الأسبوع خطوةٌ أطول، ثم مراجعةٌ لما تمّ وتصحيحٌ للوجهة؛ هكذا تُبنى القلاع حجَرًا حجَرًا.
تاريخنا الشخصي ليس سطرين يُكتبان عند النجاح، بل فصولٌ من المحاولة والتعديل والتعلم. الطالب الذي لم ينجح في تخصصٍ أحبه ثم وجد نفسه متألقًا في مسارٍ آخر؛ الموظف الذي تحوّلت وظيفته المرهِقة إلى خبرةٍ صلبةٍ أطلقته نحو فرصٍ أرحب؛ الأم التي نسجت من صبرها اليومي مشروعًا صغيرًا نما مع أبنائها؛ التاجر الذي تعثر في صفقةٍ ثم تعلّم درسًا حفظه من الخسارات التالية. كل هؤلاء لم يطفئوا الحلم حين أقبل عليهم الواقع بوجهٍ عابس، ولم يستسلموا للواقع حتى يسرق منهم بهجة المعنى. أخذوا من هذا وذاك، واستخرجوا من اليوم ما يصلح للغد.
والميزان الحسن في حياتنا أن نجعل لكل شيءٍ لسانًا يتكلم به. لسانُ الحلم يقول: “تجرّأ.” ولسانُ الواقع يقول: “تأنَّ.” وبين الجرأة والأناة يولد القرار الصائب. فإذا هممتَ بقفزةٍ كبيرة، فاسأل نفسك: ما أول خطوةٍ صغيرةٍ تُهيّئ لها الطريق؟ وإذا استبد بك التردد، فاذكر أن التردد لا يبني جسرًا ولا يُقلع سفينة. اكتب هدفك بصياغةٍ واضحة، ضع له زمنًا معقولًا، قسّمه إلى مهام، علّق قائمةً على شاشة هاتفك أو جانب مكتبك، واسمح لنفسك أن تُخطئ لتتعلم، وأن تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسك، ثم تعود أقوى مما كنت.
ولنكن صريحين مع أنفسنا: ليس كل ما نتمناه سيصبح ممكنًا، وليس كل ما هو ممكنٍ يستحق أن نُفني أعمارنا فيه. لهذا تأتي لحظاتُ مراجعةٍ هادئة، نُعيد فيها ترتيب الأولويات، نوفّق بين الواجب والميل، ونضع قلبًا في يدٍ وعقلاً في الأخرى. قد نقلّص حلمًا كبيرًا ليصير مشروعين أصغر، وقد نؤجّل أمنيةً إلى حينٍ أنضج، وقد نغلق بابًا اكتشفنا أن وراءه فراغًا، لنفتح نوافذ على أفقٍ أوسع. المهم ألّا نسمح للخيبة أن تعلّمنا العجز، ولا للنجاح أن يُصيبنا بالغرور.
يبقى الأجمل أن نحمل معنا أخلاق الطريق؛ فالنجاح بلا خُلقٍ ضيفٌ ثقيل، والعمل بلا نيةٍ طيبةٍ جهدٌ بارد. ليكن لنا من رقيّ التعامل نصيب، ومن شكر النعمة عادة، ومن مساعدة الآخرين سلوكٌ يومي، فما يَثبت من الأثر بعد أن تنطفئ الأضواء هو ما زرعناه في قلوب الناس من خير. وإذا اختلفنا في الرأي ـ ونحن نكتب ونتحاور هنا ـ فليكن اختلافًا يثري ولا يهدم، يقرّب ولا يبعِد؛ فالكلمة مسؤولية، والمنتدى بيتٌ يجمعنا على احترامٍ وصدرٍ رحب.
ولكي لا يبقى الكلام عابرًا، فلنحوّل سطورنا إلى خطوات. اختر حلمًا واحدًا تُحبه ولا يُثقلك، اسمه باسمك، واكتب بجانبه: لماذا أريده؟ ماذا أفعل هذا الأسبوع لأقترب منه؟ ما المهارة التي يلزمني أن أتعلمها؟ من الشخص الذي يمكن أن أستفيد من خبرته؟ ثم ابدأ. وإذا شاركتنا هنا بتجربتك، حفّزتَ غيرك على البدء، وصرتَ أنت جزءًا من سيرة نجاحٍ لا تخصك وحدك بل تمتد في نفوس من يقرأك.
هذه مساحةٌ للبوح والعمل معًا. احكِ لنا عن حلمٍ نجا من العثرات لأنك حميته بالصبر، أو عن واقعٍ تصالحت معه ففتح لك بابًا لم تكن تراه. أخبرنا عن عادةٍ صغيرةٍ غيّرت شكل يومك، أو درسٍ كبيرٍ علّمك أن تطلب الأحسن دون أن تُهدر ما بين يديك.
الكلمة لكم يا أهل ساندروز، ومن دفءِ كلماتكم تبدأ حكاياتٌ جديدة تستحق أن تُروى.
الأحلام في أصلها وعدٌ بالمسير. هي الصوت الخافت الذي يوقظك قبل الفجر، كأنما يقول: “انهض، فما زال في العمر متسعٌ لما تريد.” يشتعل ذلك الصوت في قلب الطالب وهو يراجع دروسه على مصباحٍ أصفر، وفي يد الحرفي وهو يصقل قطعة الخشب حتى تلمع، وفي عيون التاجر وهو يفتح متجره باكرًا قبل أن تكتحل الأرصفة بخطوات المارة. يختبر كل هؤلاء معنى أن يكون للحياة هدفٌ يُساق إليه الجهد، فالمسافة بين فكرةٍ وواقعٍ هي مسافة صبرٍ لا مسافة زمنٍ فقط. وحين يتبطّن الحلمُ بالعمل، يتحول من صورةٍ معلّقة إلى بابٍ مفتوح.
لكن الواقع ـ بصلابته المعهودة ـ لا يطرق الأبواب برفق. يأتيك أحيانًا على هيئة ضائقةٍ مالية، أو وظيفةٍ لا تحبها، أو التزاماتٍ عائلية تقتطع من يومك حصة الأسد. هنا تظهر البلاغة الحقيقية للإنسان: أن يعرف أين يلين وأين يشتد، كيف يوزّع أنفاسه، وأيّ طريقٍ يختار حين تتشعب الدروب. الواقعية ليست سكب ماءٍ باردٍ على جمر الأحلام، بل هي إناءٌ يحفظ الجمر كي لا ينطفئ. أن نعرف حدود الممكن اليوم، ونوسّعها رويدًا رويدًا حتى تستوعب ما نظنه بعيدًا.
ولأننا لا نعيش في الفراغ، فإن المجتمع من حولنا يصوغ جزءًا من حكايتنا. مجتمعٌ يحتفي بالمحاولة يسقي فينا الشجاعة، ومحيطٌ لا يرى في الخطأ إلا فشلًا يُطفئ الحماسة في النفوس. غير أن المرء، متى ما امتلك بوصلةً داخلية، استطاع أن يستخرج من كل بيئةٍ حُجّتها للعمل: فإن مدّت له الطريق ركض، وإن ضيّقته شقّ لنفسه ممشى صغيرًا ثم وسّعه بعرق الجبين. وما أكرم الحياة حين ترضى عن المثابر؛ تمنحه من عطاياها ما يكفيه ليبتسم، ثم تمتحنه مرةً أخرى ليزداد قوةً ولباقةً في التعامل مع أثقالها.
قد يخاصمنا البعض قائلًا: وما نفع الأحلام إن لم تُطعم جوعًا أو تداوِ ألمًا؟ ونقول: إن الحلم ليس رغيفًا يؤكل، لكنه اليد التي تزرع القمح، هو الذي يدفع الطبيب ليبحث، والمعلم ليصبر، والوالد ليحسن التدبير. هو نهرٌ تحت الأرض، إن جفّت السواقي يومًا ظل يجري حتى يُنبِت بعد حين. ثم إن الحلم الأذكى هو ما عَرَفَ أصحابه كيف يُقسّمونه على مراحل، وكيف يحيطونه بخطواتٍ صغيرةٍ لا تُرى من بعيد ولكنها تُحدث فرقًا حين تُجمع. خطوةٌ اليوم، وأخرى غدًا، وفي نهاية الأسبوع خطوةٌ أطول، ثم مراجعةٌ لما تمّ وتصحيحٌ للوجهة؛ هكذا تُبنى القلاع حجَرًا حجَرًا.
تاريخنا الشخصي ليس سطرين يُكتبان عند النجاح، بل فصولٌ من المحاولة والتعديل والتعلم. الطالب الذي لم ينجح في تخصصٍ أحبه ثم وجد نفسه متألقًا في مسارٍ آخر؛ الموظف الذي تحوّلت وظيفته المرهِقة إلى خبرةٍ صلبةٍ أطلقته نحو فرصٍ أرحب؛ الأم التي نسجت من صبرها اليومي مشروعًا صغيرًا نما مع أبنائها؛ التاجر الذي تعثر في صفقةٍ ثم تعلّم درسًا حفظه من الخسارات التالية. كل هؤلاء لم يطفئوا الحلم حين أقبل عليهم الواقع بوجهٍ عابس، ولم يستسلموا للواقع حتى يسرق منهم بهجة المعنى. أخذوا من هذا وذاك، واستخرجوا من اليوم ما يصلح للغد.
والميزان الحسن في حياتنا أن نجعل لكل شيءٍ لسانًا يتكلم به. لسانُ الحلم يقول: “تجرّأ.” ولسانُ الواقع يقول: “تأنَّ.” وبين الجرأة والأناة يولد القرار الصائب. فإذا هممتَ بقفزةٍ كبيرة، فاسأل نفسك: ما أول خطوةٍ صغيرةٍ تُهيّئ لها الطريق؟ وإذا استبد بك التردد، فاذكر أن التردد لا يبني جسرًا ولا يُقلع سفينة. اكتب هدفك بصياغةٍ واضحة، ضع له زمنًا معقولًا، قسّمه إلى مهام، علّق قائمةً على شاشة هاتفك أو جانب مكتبك، واسمح لنفسك أن تُخطئ لتتعلم، وأن تتوقف قليلًا لتلتقط أنفاسك، ثم تعود أقوى مما كنت.
ولنكن صريحين مع أنفسنا: ليس كل ما نتمناه سيصبح ممكنًا، وليس كل ما هو ممكنٍ يستحق أن نُفني أعمارنا فيه. لهذا تأتي لحظاتُ مراجعةٍ هادئة، نُعيد فيها ترتيب الأولويات، نوفّق بين الواجب والميل، ونضع قلبًا في يدٍ وعقلاً في الأخرى. قد نقلّص حلمًا كبيرًا ليصير مشروعين أصغر، وقد نؤجّل أمنيةً إلى حينٍ أنضج، وقد نغلق بابًا اكتشفنا أن وراءه فراغًا، لنفتح نوافذ على أفقٍ أوسع. المهم ألّا نسمح للخيبة أن تعلّمنا العجز، ولا للنجاح أن يُصيبنا بالغرور.
يبقى الأجمل أن نحمل معنا أخلاق الطريق؛ فالنجاح بلا خُلقٍ ضيفٌ ثقيل، والعمل بلا نيةٍ طيبةٍ جهدٌ بارد. ليكن لنا من رقيّ التعامل نصيب، ومن شكر النعمة عادة، ومن مساعدة الآخرين سلوكٌ يومي، فما يَثبت من الأثر بعد أن تنطفئ الأضواء هو ما زرعناه في قلوب الناس من خير. وإذا اختلفنا في الرأي ـ ونحن نكتب ونتحاور هنا ـ فليكن اختلافًا يثري ولا يهدم، يقرّب ولا يبعِد؛ فالكلمة مسؤولية، والمنتدى بيتٌ يجمعنا على احترامٍ وصدرٍ رحب.
ولكي لا يبقى الكلام عابرًا، فلنحوّل سطورنا إلى خطوات. اختر حلمًا واحدًا تُحبه ولا يُثقلك، اسمه باسمك، واكتب بجانبه: لماذا أريده؟ ماذا أفعل هذا الأسبوع لأقترب منه؟ ما المهارة التي يلزمني أن أتعلمها؟ من الشخص الذي يمكن أن أستفيد من خبرته؟ ثم ابدأ. وإذا شاركتنا هنا بتجربتك، حفّزتَ غيرك على البدء، وصرتَ أنت جزءًا من سيرة نجاحٍ لا تخصك وحدك بل تمتد في نفوس من يقرأك.
هذه مساحةٌ للبوح والعمل معًا. احكِ لنا عن حلمٍ نجا من العثرات لأنك حميته بالصبر، أو عن واقعٍ تصالحت معه ففتح لك بابًا لم تكن تراه. أخبرنا عن عادةٍ صغيرةٍ غيّرت شكل يومك، أو درسٍ كبيرٍ علّمك أن تطلب الأحسن دون أن تُهدر ما بين يديك.
الكلمة لكم يا أهل ساندروز، ومن دفءِ كلماتكم تبدأ حكاياتٌ جديدة تستحق أن تُروى.



تعليق