بينما يعيش الجميع ضجيج الصيف، فصل الإجازات والاسترخاء، ينهمك طلاب الشهادة الثانوية (البكالوريا) بالتحضير للامتحانات النهائية، بوابتهم الوحيدة نحو تحقيق مستقبلهم وتحديد الفرع الجامعي أو التخصص الذي يرغبون في دراسته.
حاجز حديدي، ثم يرسم مصير كل طالب في امتحان آخر السنة دون اعتبار لسيرة الحياة الدراسية وإنجازات الطالب السابقة ولا فرصة أخرى تقوّم إمكاناته وتتفهم ظروفه. كما لا توجد فرصة لإظهار تميز الطالب المبدع أمام ضخامة المنهج وصعوبة أسئلة الامتحان التي أثبتت سنة تلو الأخرى، أن الطريقة الفضلى للدراسة هي «الحفظ بصم» أي «حرف حرف» على حد تعبير أحد الطلاب. ينطبق ذلك حتى على الفرع العلمي ومواد تحليلية كالرياضيات والفيزياء. فليست هناك قيمة مثلاً لابتكار طريقة جديدة في حل مسألة رياضية، بل يُجبر الطالب على التقيّد بطرق الحلول الواردة في الكتاب المدرسي. بالتالي، عليه أن يحفظها عن ظهر قلب من دون اللجوء الى «تشغيل عقله»!
تدفع هذه الشروط القاسية كثيرة من الطلاب للاستعانة بأساتذة خصوصين ومتمرسين في استنباط الأسئلة المتوقعة وتحضير طلابهم لكل ما يمكن أن يواجههم من مفاجئات في الامتحان. أمّا الأهل والأقرباء فيستنفرون لتوفير أفضل الأجواء ويهمون بتحضير قوائم الأطعمة والمشروبات المنشطة للذاكرة لمساعدة أبنائهم على الصمود خلال ساعات دراسية لا تكاد تنتهي. وينصرفون إلى سكب النصائح المفيدة كما يرفعون الصلوات كي يتجاوز ابنهم أو ابنتهم هذه المحنة بسلام، فلا يمرض مثلاً ويضيع الفرصة ويضطر لإعادة عامه الدراسي كاملاً.
لا أعذار ولا استثناءات، الجميع متأهب ولن يتنفس الصعداء قبل انتهاء الامتحان وإعلان النتائج ثم المعدلات التعجيزية لدخول الجامعة وتحقيق الحلم. «أحتاج إلى 236 درجة من أصل 240 درجة كي أحقق حلمي وأدخل الجامعة لدراسة الطب البشري، يعني أكثر من 95 على مئة»، يحتج أحد الطلاب غاضباً يضيف: «هذا من سابع المستحيلات، كيف أضمن أن لا ينقصني سوى ثلاث أو أربع علامات من كل المواد معا ً». ويضيف آخر قانعاً: «أنا شخصياً تخليت عن حلمي الكبير بدراسة الصيدلة وحولت ميولي إلى الفرع الأدبي فهو أضمن وأقل مغامرة. ثم أن أكون محاميا أو قاضيا أشرف بمئة مرة من أن أعيش حالة رعب وتعب لن يفضي بالضرورة إلى نتيجة طيبة».
مما لا شك فيه أن هذه الظروف مجتمعة جعلت من السنة الدراسية الأخيرة في حياة الطلاب أي سنة الشهادة الثانوية ظاهرة ملفتة اجتماعياً ونفسياً وصحياً أيضاً. فيحاط فيها طالب البكالوريا دائما بتعاطف يصل إلى حدّ الشفقة وتحل جملة «كيف الدرس؟» أو «الله يعينك» محل التحية المعتادة كالمرحبا أو كيف الحال، ناهيك بعبارات التشجيع والتمنيات بالتوفيق التي تنهال من كل حدب وصوب. ويزيد الطين بلة كبر آمال الأهل والأقرباء المعلقة على مستقبل الطالب الدراسي والمهني. فأبوه يريده طبيب الأسرة وأمه مهندساً بينما يراهن عمه على التجارة والاقتصاد.
كل هذه الأمور تضع طالبنا المسكين أمام امتحان اجتماعي خطير من نوعه، كأن ظروف الامتحان الدراسي الصعبة وما تسببه من قلق وتوتر لا يكفيان ليقضا مضاجع الطلاب، ليأتي الضغط الاجتماعي فيزيد من إرباكهم ويختبر قدراتهم على تسلق جبال من الهم.
يعجز الكثير من الطلاب على التكيف مع هذا الحصار فتتفاقم الأمور وينفجر الرعب الحبيس داخل نفوسهم أنواعاً مختلفة من الأعراض وحتى الانهيارات الجسدية والنفسية ويصبح تشخيص المرض معروفاً. «اسأل دوماً عن عمر المريض وصفه الدراسي، يكفي أن أعلم أنه طالب شهادة ثانوية حتى يزول العجب وتصبح الأعراض المرضية المتنوعة كالصداع المستمر وانقطاع الشهية وآلام المعدة والأرق اليومي وغيره أعراضاً منطقية»، يصف أحد الأطباء الوضع، ويضيف ضاحكاً: «هذا الموسم هو موسم مرض البكالوريا».
الضغط النفسي يظهر ألماً ومعاناة حقيقية عند بعض الشباب والشابات، بينما يستمر آخرون بالمكابرة حتى آخر لحظة، اللحظة الحاسمة عندما يواجهون أسئلة الامتحان المصيرية بعد موجة الترهيب تلك فمنهم من يصمد ومنهم من ينهار. «لا أدري ماذا حل بي؟»، تروي إحدى الضحايا: «ما ان قرأت أول سؤال، حتى شعرت بأنني نسيت كل شيء. لم أعد أرى، سقطت فاقدة الوعي وعندما أفقت وجدت نفسي في المنزل وقد ضيعت سنة كاملة من عمري».
حاجز حديدي، ثم يرسم مصير كل طالب في امتحان آخر السنة دون اعتبار لسيرة الحياة الدراسية وإنجازات الطالب السابقة ولا فرصة أخرى تقوّم إمكاناته وتتفهم ظروفه. كما لا توجد فرصة لإظهار تميز الطالب المبدع أمام ضخامة المنهج وصعوبة أسئلة الامتحان التي أثبتت سنة تلو الأخرى، أن الطريقة الفضلى للدراسة هي «الحفظ بصم» أي «حرف حرف» على حد تعبير أحد الطلاب. ينطبق ذلك حتى على الفرع العلمي ومواد تحليلية كالرياضيات والفيزياء. فليست هناك قيمة مثلاً لابتكار طريقة جديدة في حل مسألة رياضية، بل يُجبر الطالب على التقيّد بطرق الحلول الواردة في الكتاب المدرسي. بالتالي، عليه أن يحفظها عن ظهر قلب من دون اللجوء الى «تشغيل عقله»!
تدفع هذه الشروط القاسية كثيرة من الطلاب للاستعانة بأساتذة خصوصين ومتمرسين في استنباط الأسئلة المتوقعة وتحضير طلابهم لكل ما يمكن أن يواجههم من مفاجئات في الامتحان. أمّا الأهل والأقرباء فيستنفرون لتوفير أفضل الأجواء ويهمون بتحضير قوائم الأطعمة والمشروبات المنشطة للذاكرة لمساعدة أبنائهم على الصمود خلال ساعات دراسية لا تكاد تنتهي. وينصرفون إلى سكب النصائح المفيدة كما يرفعون الصلوات كي يتجاوز ابنهم أو ابنتهم هذه المحنة بسلام، فلا يمرض مثلاً ويضيع الفرصة ويضطر لإعادة عامه الدراسي كاملاً.
لا أعذار ولا استثناءات، الجميع متأهب ولن يتنفس الصعداء قبل انتهاء الامتحان وإعلان النتائج ثم المعدلات التعجيزية لدخول الجامعة وتحقيق الحلم. «أحتاج إلى 236 درجة من أصل 240 درجة كي أحقق حلمي وأدخل الجامعة لدراسة الطب البشري، يعني أكثر من 95 على مئة»، يحتج أحد الطلاب غاضباً يضيف: «هذا من سابع المستحيلات، كيف أضمن أن لا ينقصني سوى ثلاث أو أربع علامات من كل المواد معا ً». ويضيف آخر قانعاً: «أنا شخصياً تخليت عن حلمي الكبير بدراسة الصيدلة وحولت ميولي إلى الفرع الأدبي فهو أضمن وأقل مغامرة. ثم أن أكون محاميا أو قاضيا أشرف بمئة مرة من أن أعيش حالة رعب وتعب لن يفضي بالضرورة إلى نتيجة طيبة».
مما لا شك فيه أن هذه الظروف مجتمعة جعلت من السنة الدراسية الأخيرة في حياة الطلاب أي سنة الشهادة الثانوية ظاهرة ملفتة اجتماعياً ونفسياً وصحياً أيضاً. فيحاط فيها طالب البكالوريا دائما بتعاطف يصل إلى حدّ الشفقة وتحل جملة «كيف الدرس؟» أو «الله يعينك» محل التحية المعتادة كالمرحبا أو كيف الحال، ناهيك بعبارات التشجيع والتمنيات بالتوفيق التي تنهال من كل حدب وصوب. ويزيد الطين بلة كبر آمال الأهل والأقرباء المعلقة على مستقبل الطالب الدراسي والمهني. فأبوه يريده طبيب الأسرة وأمه مهندساً بينما يراهن عمه على التجارة والاقتصاد.
كل هذه الأمور تضع طالبنا المسكين أمام امتحان اجتماعي خطير من نوعه، كأن ظروف الامتحان الدراسي الصعبة وما تسببه من قلق وتوتر لا يكفيان ليقضا مضاجع الطلاب، ليأتي الضغط الاجتماعي فيزيد من إرباكهم ويختبر قدراتهم على تسلق جبال من الهم.
يعجز الكثير من الطلاب على التكيف مع هذا الحصار فتتفاقم الأمور وينفجر الرعب الحبيس داخل نفوسهم أنواعاً مختلفة من الأعراض وحتى الانهيارات الجسدية والنفسية ويصبح تشخيص المرض معروفاً. «اسأل دوماً عن عمر المريض وصفه الدراسي، يكفي أن أعلم أنه طالب شهادة ثانوية حتى يزول العجب وتصبح الأعراض المرضية المتنوعة كالصداع المستمر وانقطاع الشهية وآلام المعدة والأرق اليومي وغيره أعراضاً منطقية»، يصف أحد الأطباء الوضع، ويضيف ضاحكاً: «هذا الموسم هو موسم مرض البكالوريا».
الضغط النفسي يظهر ألماً ومعاناة حقيقية عند بعض الشباب والشابات، بينما يستمر آخرون بالمكابرة حتى آخر لحظة، اللحظة الحاسمة عندما يواجهون أسئلة الامتحان المصيرية بعد موجة الترهيب تلك فمنهم من يصمد ومنهم من ينهار. «لا أدري ماذا حل بي؟»، تروي إحدى الضحايا: «ما ان قرأت أول سؤال، حتى شعرت بأنني نسيت كل شيء. لم أعد أرى، سقطت فاقدة الوعي وعندما أفقت وجدت نفسي في المنزل وقد ضيعت سنة كاملة من عمري».
الحياة


تعليق