بسم الله الرحمن الرحيم
الدعوى بأن اختلاف أهل السنة مع معطِّلة الصفات
بمنزلة الاختلاف في المذاهب الفقهية، باطلٌ وبُهتانٌ
( رداً على عبدالرحيم العمري ) 1/2
بقلم د/ إبراهيم بن عامر الرّحيليّ
الأستاذ المشارك في قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية
اطّلعت في ملحق الرّسالة ليوم الجمعة الموافق 21/7/1426هـ على مقالٍ للكاتب عبد الرّحيم العمريّ تعرض فيه لموضوعٍ مهمٍّ وخطيرٍ، وهو عقيدة أهل السّنة والجماعة في باب الأسماء والصّفات، ومحلّ النّزاع بينهم وبين مخالفيهم في هذا الباب، وقد تضمّن هذا المقال على دعاوى باطلةٍ، وتُهَمٍ جائرةٍ، وتمويهٍ وتلبيسٍ، ومِنْ مقتضى الواجب في نصرة الحقّ وإبطال الباطل والنّصح للكاتب في نفسه ولغيره من المسلمين مِمَّن يطّلعون على مقاله، أنبّه على أبرز ما جاء في مقاله من أخطاء وما توفيقي إلاّ بالله:
أوّلاً: ذكر الكاتب: (أنّ هذه المذاهب(الأثرية، الأشاعرة، الماتريدية) لا تتكئ على وسادة خارج الدّائرة الإسلامية، بل كلّ واحدةٍ منها جادّة في الوصول إلى الحقّ وتنْزيه الخالق...) إلى أن قال: (ولا فرق بين هذه المذاهب وما يقابلها من المذاهب الفقهية؛ إذ إنّ طبيعة النّصّ الإسلاميّ يسمح بهذه التّعددية في العقيدة والفقه على السّواء، ولا دليل على التّفريق ولا عبرة بِمَن يصف ذلك بتمييع العقيدة الإسلامية).
فأقول: إنّ دعواه: أنّ هذه المذاهب لا تتكئ على وسادة خارج الدّائرة الإسلامية؛ فغير صحيحٍ على إطلاقه، أمّا مذهب السّلف فمرجعه للأدلّة الشّرعية، وأمّا مذهب كلٍّ مِنَ الأشاعرة والماتردية وغيرهما مِنَ المذاهب الكلامية؛ فإنّ من أصولهم المقرَّرة في الاستدلال في باب الاعتقاد (تقديم العقل على النّقل) كما قرّره الرّازي في كتابه: (أساس التّقديس) تحت قاعدة ما يسمّونه بـ: (القانون الكلّيّ) المتضمّن أنّه إذا تعارض النّقل والعقل وجب تقديم العقل.
وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم: (درء تعارض العقل والنّقل) على ما هو معلوم عند أهل العلم.
فهل مَنْ يُقَدِّم العقل على النّصوص الشّرعية ويبطل النّصوص ودلالتها الحقّة بالشّبهات العقلية مجتهدٌ في فهم النّصوص، أم معطّلٌ لها تحت ستار دلالة العقل ومسلك التّأويل الباطل؟!
وأمّا دعواه أنّ اختلاف أهل السّنة مع مَنْ خالفهم من معطّلة الصّفات بِمَنْزلة الاختلاف في المذاهب الفقهية فباطلٌ وبهتانٌ؛ فإنّ المذاهب الفقهية السّنية كلّها ترجع إلى النّصوص الشّرعية، وكلّ إمامٍ من الأئمة الأربعة ومَنْ كان على طريقهم من أصحابهم يقرّرون أنّ النّصوص مرجعهم في الاستدلال لا العقل، وأنّهم إذا اجتهدوا في مسألةٍ فقالوا بقولٍ يخالف النّصوص فالنّصوص مقدَّمةٌ، وأقوالهم مطرحة، وقال غير واحدٍ منهم: (إذا صحّ الحديث بِخلاف مذهبِي فاضربوا بقولي عرض الحائط)؛ فأين حال هؤلاء مِمَّن يقول: إذا عارض النّصّ قولي فقولي وعقلي مقدَّمٌ والنّصّ معطَّلٌ مؤوَّلٌ؟!
وكذلك قوله: (إنّ طبيعة النّصوص تسمح بهذه التّعددية في العقيدة)؛ فهذا من أعظم التّجنِّي على النّصوص، ولا أدري إلى أيّ حدٍّ ستنتهي هذه التّعددية التي تسمح بها النّصوص عند الكاتب، هل ستنتهي عند اختلاف أهل السّنة مع الأشاعرة والماتردية أم تتّسع لتشمل الجهمية والمعتزلة والرّافضة والقدرية إلى سائر فرق الضّلال، والكاتب مُطالَبٌ بنصٍّ واحدٍ من الكتاب والسّنة يسمح بهذه التّعددية في العقيدة، وعليه قبل البحث والتّنقيب أن يُعِدَّ الإجابة عن النّصوص الدّالة على أنّ الحقّ واحدٌ لا يتعدّد،وأنّ سبيل الله واحدٌ.
ثانياً: قوله: (إنّ هذه المذاهب وأقصد بذلك: الأشاعرة والماتردية والأثرية تجتهد ضمن دائرة النّصّ الإسلامي، فلا يمكن أن يستأثر أحدها بالصّواب دون أخويه، وإنّما الكلّ معرض للصّواب والخطأ).
وجوابه: أنّه تقدّم أنّ الأشاعرة والماتردية وعامّة أهل الكلام ليس اجتهادهم ضمن دائرة النّصّ بل يعملون العقول في النّصوص، ويُقَدِّمون العقل على النّصّ عند التّعارض، ولهم في ذلك أدلّةٌ عقليةٌ مشهورةٌ، وقواعدُ كلاميةٌ موروثةٌ لا يتّسع المقام لذكرها،وبيان طرقهم في تعطيل النّصوص بها.
وأمّا قوله: (فلا يمكن أن يستأثر أحدها بالصّواب دون أخويه)؛ فيقال له: بل يمكن أن يستأثر بالصّواب أحد المجتهدين دون الآخر، كما قال النَّبِيّ صلَّى الله عليه وسلّم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، متّفق عليه.
وهذا إذا كان مرجع الاجتهاد إلى فهم النّصّ فأحدهما مصيبٌ والآخر مخطئ؛ فكيف إذا كان الاختلاف بين مَنْ يحكم النّصّ ويأخذ به، وبين مَنْ يعارضه بعقله وهواه، كيف لا يكون أحدهما مصيباً لموافقة النّصّ والآخر مخطئاً لمخالفته؟ فهل ينازع في هذا مسلم ؟!
(صحيفة المدينة ـ ملحق الرسالة) الجمعة 28 رجب 1426 - الموافق - 2 سبتمبر 2005 - العدد 15472
(( منقول عن شبكة الرد ))
الدعوى بأن اختلاف أهل السنة مع معطِّلة الصفات
بمنزلة الاختلاف في المذاهب الفقهية، باطلٌ وبُهتانٌ
( رداً على عبدالرحيم العمري ) 1/2
بقلم د/ إبراهيم بن عامر الرّحيليّ
الأستاذ المشارك في قسم العقيدة بالجامعة الإسلامية
اطّلعت في ملحق الرّسالة ليوم الجمعة الموافق 21/7/1426هـ على مقالٍ للكاتب عبد الرّحيم العمريّ تعرض فيه لموضوعٍ مهمٍّ وخطيرٍ، وهو عقيدة أهل السّنة والجماعة في باب الأسماء والصّفات، ومحلّ النّزاع بينهم وبين مخالفيهم في هذا الباب، وقد تضمّن هذا المقال على دعاوى باطلةٍ، وتُهَمٍ جائرةٍ، وتمويهٍ وتلبيسٍ، ومِنْ مقتضى الواجب في نصرة الحقّ وإبطال الباطل والنّصح للكاتب في نفسه ولغيره من المسلمين مِمَّن يطّلعون على مقاله، أنبّه على أبرز ما جاء في مقاله من أخطاء وما توفيقي إلاّ بالله:
أوّلاً: ذكر الكاتب: (أنّ هذه المذاهب(الأثرية، الأشاعرة، الماتريدية) لا تتكئ على وسادة خارج الدّائرة الإسلامية، بل كلّ واحدةٍ منها جادّة في الوصول إلى الحقّ وتنْزيه الخالق...) إلى أن قال: (ولا فرق بين هذه المذاهب وما يقابلها من المذاهب الفقهية؛ إذ إنّ طبيعة النّصّ الإسلاميّ يسمح بهذه التّعددية في العقيدة والفقه على السّواء، ولا دليل على التّفريق ولا عبرة بِمَن يصف ذلك بتمييع العقيدة الإسلامية).
فأقول: إنّ دعواه: أنّ هذه المذاهب لا تتكئ على وسادة خارج الدّائرة الإسلامية؛ فغير صحيحٍ على إطلاقه، أمّا مذهب السّلف فمرجعه للأدلّة الشّرعية، وأمّا مذهب كلٍّ مِنَ الأشاعرة والماتردية وغيرهما مِنَ المذاهب الكلامية؛ فإنّ من أصولهم المقرَّرة في الاستدلال في باب الاعتقاد (تقديم العقل على النّقل) كما قرّره الرّازي في كتابه: (أساس التّقديس) تحت قاعدة ما يسمّونه بـ: (القانون الكلّيّ) المتضمّن أنّه إذا تعارض النّقل والعقل وجب تقديم العقل.
وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه العظيم: (درء تعارض العقل والنّقل) على ما هو معلوم عند أهل العلم.
فهل مَنْ يُقَدِّم العقل على النّصوص الشّرعية ويبطل النّصوص ودلالتها الحقّة بالشّبهات العقلية مجتهدٌ في فهم النّصوص، أم معطّلٌ لها تحت ستار دلالة العقل ومسلك التّأويل الباطل؟!
وأمّا دعواه أنّ اختلاف أهل السّنة مع مَنْ خالفهم من معطّلة الصّفات بِمَنْزلة الاختلاف في المذاهب الفقهية فباطلٌ وبهتانٌ؛ فإنّ المذاهب الفقهية السّنية كلّها ترجع إلى النّصوص الشّرعية، وكلّ إمامٍ من الأئمة الأربعة ومَنْ كان على طريقهم من أصحابهم يقرّرون أنّ النّصوص مرجعهم في الاستدلال لا العقل، وأنّهم إذا اجتهدوا في مسألةٍ فقالوا بقولٍ يخالف النّصوص فالنّصوص مقدَّمةٌ، وأقوالهم مطرحة، وقال غير واحدٍ منهم: (إذا صحّ الحديث بِخلاف مذهبِي فاضربوا بقولي عرض الحائط)؛ فأين حال هؤلاء مِمَّن يقول: إذا عارض النّصّ قولي فقولي وعقلي مقدَّمٌ والنّصّ معطَّلٌ مؤوَّلٌ؟!
وكذلك قوله: (إنّ طبيعة النّصوص تسمح بهذه التّعددية في العقيدة)؛ فهذا من أعظم التّجنِّي على النّصوص، ولا أدري إلى أيّ حدٍّ ستنتهي هذه التّعددية التي تسمح بها النّصوص عند الكاتب، هل ستنتهي عند اختلاف أهل السّنة مع الأشاعرة والماتردية أم تتّسع لتشمل الجهمية والمعتزلة والرّافضة والقدرية إلى سائر فرق الضّلال، والكاتب مُطالَبٌ بنصٍّ واحدٍ من الكتاب والسّنة يسمح بهذه التّعددية في العقيدة، وعليه قبل البحث والتّنقيب أن يُعِدَّ الإجابة عن النّصوص الدّالة على أنّ الحقّ واحدٌ لا يتعدّد،وأنّ سبيل الله واحدٌ.
ثانياً: قوله: (إنّ هذه المذاهب وأقصد بذلك: الأشاعرة والماتردية والأثرية تجتهد ضمن دائرة النّصّ الإسلامي، فلا يمكن أن يستأثر أحدها بالصّواب دون أخويه، وإنّما الكلّ معرض للصّواب والخطأ).
وجوابه: أنّه تقدّم أنّ الأشاعرة والماتردية وعامّة أهل الكلام ليس اجتهادهم ضمن دائرة النّصّ بل يعملون العقول في النّصوص، ويُقَدِّمون العقل على النّصّ عند التّعارض، ولهم في ذلك أدلّةٌ عقليةٌ مشهورةٌ، وقواعدُ كلاميةٌ موروثةٌ لا يتّسع المقام لذكرها،وبيان طرقهم في تعطيل النّصوص بها.
وأمّا قوله: (فلا يمكن أن يستأثر أحدها بالصّواب دون أخويه)؛ فيقال له: بل يمكن أن يستأثر بالصّواب أحد المجتهدين دون الآخر، كما قال النَّبِيّ صلَّى الله عليه وسلّم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، متّفق عليه.
وهذا إذا كان مرجع الاجتهاد إلى فهم النّصّ فأحدهما مصيبٌ والآخر مخطئ؛ فكيف إذا كان الاختلاف بين مَنْ يحكم النّصّ ويأخذ به، وبين مَنْ يعارضه بعقله وهواه، كيف لا يكون أحدهما مصيباً لموافقة النّصّ والآخر مخطئاً لمخالفته؟ فهل ينازع في هذا مسلم ؟!
(صحيفة المدينة ـ ملحق الرسالة) الجمعة 28 رجب 1426 - الموافق - 2 سبتمبر 2005 - العدد 15472
(( منقول عن شبكة الرد ))


تعليق