الفدائي الزاهد
البهلول بن راشد
يحسب بعض الناس اذا سمع حديثاً عن الفداء – ان الفداء لا يتحقق معناه الا بالموت في ميدان مع أن الفداء انواع والوان فالمجاهد الذي يناضل في سبيل ربه وعقيدته حتى يسقط شهيداً في الميدان انسان فدائي .
والرجل الذي يضحي من اجل حريته وعزته ـ سواء أمات أم نجا ـ انسان فدائي .
والطبيب المخلص الحي الضمير , الذي يقاوم الوباء ,ويتعرض للأخطار , كي ينقذ الذي حوله أنسان فدائي . والذي يجهر بكلمه الحق أمام الجبروت والطغيان أنسان فدائي . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (( أفضل الجهاد كلمه حق عند سلطان جائر )) والرجل الذي يضحي من اجل حريته وعزته ـ سواء أمات أم نجا ـ انسان فدائي .
وهناك طائفة من هولاء كانوا من أهل الزهد والتصرف, الذين أعرضوا عن متاع الحاة , وشغلوا أنفسهم بذكر الله , وقاموا فتنة الشهرة والجاه , ومع ذلك لبوا دعوه الاصلاح ونداء الواجب .
وهذا واحد من هؤلاء :
ان العالم المجاهد , والفقيه العابد , والفدائي الزاهد , ابو عمرو البهلول بن راشد الرعيني , الذي كان من اهل قيروان المشهورة في شمال افريقية .
وقد ولد البهلول سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة, ونشاء الزاهد عابداً , ثم صار عالماً مجتهداً , ثم اصبح ثقة رائداً .
ولقد شغل نفسه اولاً بالعبادة والذكر , حتى قال فيه انس بن مالك: هذا عابد بلده . وقال فيه بعض واصفيه : أنه وتد من اوتاد المغرب , ولكنه رأى الناس في حاجة الى العلم والفقه , فعكف على الدراسة والطلب والتحصيل , وسمع من طائفة كبيرة , في طليعتها : مالك , والثوري , والليث أبن سعد .
ثم اخذ يعلم الناس ويفقههم ويفتيهم في فقه المالكية , ذاكراً ان هذا التفقيه من افضل القربات الى الله عز وجل فهو سبحانه القائل في تنزيله الحكيم : (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون )).
ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل
( لان يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )).ومع ان البهلول بن راشد قد صار علماً يشار اليه بالبنان . وقد ذاع صيته هنا وهناك .
ولقد وصلت شهرة البهلول من القيروان , في اقصى المغرب الى سمرقند خراسان في اقصى المشرق : فكتبت اليه امرأة من سمرقند رسالة تقول له فيها : هذا كتاب من امرأة من سمرقند خراسان ارتكبت من المجون والآثام ما لم يرتكبه غيرها ثم تابت الى الله , وسالت عن العباد في الارض , فذكروا لها اربعة, منهم بهلول بأفريقية , فسألتك بالله ان تدعو لها بأن يدوم عليها ما فتحه الله لها من هداية .
فلما قرأ البهلول كلامها اخذ يبكي تأثراً به ويقول لنفسه: يا بهلول وصلت شهرتك سمرقند خراسان الويل لك من الله ان لم يستر عليك.
وقد كان البهلول عالماً بصيراً بحكمة التشريع ووجوه الاصلاح الاجتماعي , وكان يؤمن بأن معاونة المحتاجين من افضل العبادات والقربات عند الله جل شأنه .
ثم ختم البهلول بن راشد المرحلة الاخيرة من حياته بصفحة من صفحات النضال الباهرة الرائعة . فقد كان على افريقية في زمنه أمير يسمى
( محمد ابن مقاتل العكي )) وام يرع هذا الامير امانة الاسلام او حرمة المسلمين , فأنشاء صداقة بينه وبين عدو الاسلام والمسلمين ملك اسبانيول في ذلك الوقت مع ان الحق جل جلاله يقول
( لايتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين , ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير)). ويقول الله جل جلاله (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض )) .وعلم البهلول ان ذلك الملك الطاغية , قد ارسل الى العكي ليبعث اليه بمقادير من السلاح والحديد والنحاس , وكان المسلمون في حاجة الى كل هذا , فذهب البهلول الى الامير ونصحه بأن يقطع صداقته مع ذلك العدو , ووعظه في ذلك وعظاً بليغاً , فكبر ذلك على العكي , وامر بحبس البهلول وتقيده وضربه بالسياط واحدث ذلك قرحه في جسد البهلول ومات بسببها في سنة ثلاث وثمانون ومائة .
ولم يمهل القدر ذلك الامير الخائن الا نزلت عليه النكبات والنوازل ومضى الى اخرته مشيعاً باللعنات والشتائم , على حين تالق اسم البهلول في تاريخ الاسلام والمسلمين , علماً من اعلام الزهد والورع , واماماً في الفقه والعلم ومجاهداً لخدمة الناس ةاصلاح المجتمع .
رضوان الله تبارك وتعالى عليه .
المصادر
كتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض
كتاب رياض النفوس
كتاب رجال صدقوا للدكتور احمد الشرباصي

