الفدائي الزاهد

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • كريم ابو ايهاب
    عضو فعال
    • Sep 2005
    • 359

    #1

    الفدائي الزاهد

    الفدائي الزاهد
    البهلول بن راشد
    يحسب بعض الناس اذا سمع حديثاً عن الفداء – ان الفداء لا يتحقق معناه الا بالموت في ميدان مع أن الفداء انواع والوان فالمجاهد الذي يناضل في سبيل ربه وعقيدته حتى يسقط شهيداً في الميدان انسان فدائي .
    والرجل الذي يضحي من اجل حريته وعزته ـ سواء أمات أم نجا ـ انسان فدائي .
    والطبيب المخلص الحي الضمير , الذي يقاوم الوباء ,ويتعرض للأخطار , كي ينقذ الذي حوله أنسان فدائي . والذي يجهر بكلمه الحق أمام الجبروت والطغيان أنسان فدائي . والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (( أفضل الجهاد كلمه حق عند سلطان جائر ))
    وهناك طائفة من هولاء كانوا من أهل الزهد والتصرف, الذين أعرضوا عن متاع الحاة , وشغلوا أنفسهم بذكر الله , وقاموا فتنة الشهرة والجاه , ومع ذلك لبوا دعوه الاصلاح ونداء الواجب .
    وهذا واحد من هؤلاء :
    ان العالم المجاهد , والفقيه العابد , والفدائي الزاهد , ابو عمرو البهلول بن راشد الرعيني , الذي كان من اهل قيروان المشهورة في شمال افريقية .
    وقد ولد البهلول سنة ثمان وعشرين ومائة للهجرة, ونشاء الزاهد عابداً , ثم صار عالماً مجتهداً , ثم اصبح ثقة رائداً .
    ولقد شغل نفسه اولاً بالعبادة والذكر , حتى قال فيه انس بن مالك: هذا عابد بلده . وقال فيه بعض واصفيه : أنه وتد من اوتاد المغرب , ولكنه رأى الناس في حاجة الى العلم والفقه , فعكف على الدراسة والطلب والتحصيل , وسمع من طائفة كبيرة , في طليعتها : مالك , والثوري , والليث أبن سعد .
    ثم اخذ يعلم الناس ويفقههم ويفتيهم في فقه المالكية , ذاكراً ان هذا التفقيه من افضل القربات الى الله عز وجل فهو سبحانه القائل في تنزيله الحكيم : (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون )).
    ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو القائل ( لان يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم )).
    ومع ان البهلول بن راشد قد صار علماً يشار اليه بالبنان . وقد ذاع صيته هنا وهناك .
    ولقد وصلت شهرة البهلول من القيروان , في اقصى المغرب الى سمرقند خراسان في اقصى المشرق : فكتبت اليه امرأة من سمرقند رسالة تقول له فيها : هذا كتاب من امرأة من سمرقند خراسان ارتكبت من المجون والآثام ما لم يرتكبه غيرها ثم تابت الى الله , وسالت عن العباد في الارض , فذكروا لها اربعة, منهم بهلول بأفريقية , فسألتك بالله ان تدعو لها بأن يدوم عليها ما فتحه الله لها من هداية .
    فلما قرأ البهلول كلامها اخذ يبكي تأثراً به ويقول لنفسه: يا بهلول وصلت شهرتك سمرقند خراسان الويل لك من الله ان لم يستر عليك.
    وقد كان البهلول عالماً بصيراً بحكمة التشريع ووجوه الاصلاح الاجتماعي , وكان يؤمن بأن معاونة المحتاجين من افضل العبادات والقربات عند الله جل شأنه .
    ثم ختم البهلول بن راشد المرحلة الاخيرة من حياته بصفحة من صفحات النضال الباهرة الرائعة . فقد كان على افريقية في زمنه أمير يسمى ( محمد ابن مقاتل العكي )) وام يرع هذا الامير امانة الاسلام او حرمة المسلمين , فأنشاء صداقة بينه وبين عدو الاسلام والمسلمين ملك اسبانيول في ذلك الوقت مع ان الحق جل جلاله يقول ( لايتخذ المؤمنون الكافرين اولياء من دون المؤمنين , ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ الا ان تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير)). ويقول الله جل جلاله (( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض )) .
    وعلم البهلول ان ذلك الملك الطاغية , قد ارسل الى العكي ليبعث اليه بمقادير من السلاح والحديد والنحاس , وكان المسلمون في حاجة الى كل هذا , فذهب البهلول الى الامير ونصحه بأن يقطع صداقته مع ذلك العدو , ووعظه في ذلك وعظاً بليغاً , فكبر ذلك على العكي , وامر بحبس البهلول وتقيده وضربه بالسياط واحدث ذلك قرحه في جسد البهلول ومات بسببها في سنة ثلاث وثمانون ومائة .
    ولم يمهل القدر ذلك الامير الخائن الا نزلت عليه النكبات والنوازل ومضى الى اخرته مشيعاً باللعنات والشتائم , على حين تالق اسم البهلول في تاريخ الاسلام والمسلمين , علماً من اعلام الزهد والورع , واماماً في الفقه والعلم ومجاهداً لخدمة الناس ةاصلاح المجتمع .
    رضوان الله تبارك وتعالى عليه .


    المصادر
    كتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض
    كتاب رياض النفوس
    كتاب رجال صدقوا للدكتور احمد الشرباصي


مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...