اكتشافات من "والنهار إذا جلاّها"
عطية زاهدة - الخليل
تمهيـــــــد
كلما كشف العلم كشفاً جاء هذا المسلمُ أو ذاك من المهتمين بالتفسير ليقولَ لنا: إن القرآنَ الكريمَ قد سبق إلى مثل هذا في قول الله تعالى من هذه الآية الكريمة، أو تلك. وقد لا يكون هذا الربطُ خارجاً عن الصواب. ولكن ما دمنا نؤمن بأن آيات الذكر المجيد، ومن خلال الاكتشافات العلميّة، تشتمل على حقائق سبق القرآنُ الكريمُ العلومَ في ذكرها، فلماذا ننتظر العلومَ لتكشفَ، ولنكتشفَ من بعدها، أن القرآنَ الكريمَ كان قد ذكر ذلك من قبلِها؟..
لماذا لا نكشف العلومَ بالقرآن بدلا من أن ننتظر أن نفسر الآياتِ باكتشافات العلوم قائلين بأن القرآنَ هو صاحبُ السبق؟..
لماذا لا نسبق إلى الاكتشافات بفهم ما في الآيات من حقائق ما دمنا نؤمن بأنه حق؟..
لماذا لا نستخرج حقائقَ علميّةً من القرآن الكريم قبل أن تكتشفها العلوم؟.. أيّهما الأفضل والأجمل: أن نحاول أن نثبت أن القرآن يحتوي على ما تمَّ كشفه، أو اكتشافه من حقائق، أم أن نكشفَ، أو نكتشفَ، الحقائقَ من القرآن المجيدِ نفسِهِ؟
حسنا، إنني في بحثي هنا أذهب ليس إلى ربط الآية بحقيقةٍ سبق للعلم أن كشفها، بل أذهب إلى كشف حقائقَ علميّةٍ أسبقُ بها العلمَ بالقرآن الكريم.
إعجاز في الآية الكريمة: "والنهارِ إذا جلاها"
يقول الله تعالى في سورة الشمس: "والشمسِ وضُحاها (1) والقمرِ إذا تلاها (2) والنهارِ إذا جلاّها (3) والليلِ إذا يغشاها (4)" - والآية موضوع الحديث في الإعجاز العلميِّ هي قوله تعالى: "والنهارِ إذا جلاّها".
أرى أن الضمير في: "جلاها" يعود على الشمس التي هي المذكور المؤنث الوحيد المذكور قبل النهار. ولا أرى أن الضمير يعود على الدنيا، أو الظلمة، كما ذهب بعض المفسرين في تقديرهم لمعهودٍ ذهنيٍّ معروفٍ.
حسناً، أذهب ليس إلى ربط الآية بحقيقة سبق للعلم أن كشفها، بل أذهب إلى كشف حقائقَ علميّةٍ أسبقُ بها العلمَ بالقرآن الكريم.
وأهم تلك الحقائق التي أرى أن الآية: "والنهارِ إذا جلاها" تتضمنها وتصحِّح بها أشهرَ المسلَّماتِ العلميّةِ هي:
1) ضوء النهار المنساب في السماء diffuse sky light هو في جُلِّه على حساب أنوار تتولد في الأيونوسفير بنفس طريقة توليد الأفجار القطبيّة auroras.
2) الضوء المستقبل على الأرض مباشرة من قرص الشمس هو في جزء منه غيرُ قادمٍ من الشمس نفسها، بل إن هذا الجزء متولد أصلا في الأيونوسفير، ومتجمع بؤريّاً في الماغنيتوسفير فيبدو كأنه قادم من الشمس نظرا لتواقع البؤرة المجمِّعة في وجه الشمس وذلك بالنسبة للناظرين من سطح الأرض وحتى ارتفاع آلاف الكيلومترات: "ذلك تقدير العزيز العليم".
الفرضيـــــــــات
1- جزء رئيس من الضوء النهاري المنساب في السماء يأتي من نشاطات أوروريّةٍ تجري عالميّاً فوق كل خطوط العرض.
2- من خلال التعاون والتنسيق بين الأيونوسفير وبين الماغنيتوسفير، بما فيه من أحزمة فان ألن، فإن الأيونوسفيرَ نفسَه يقوم بدور مصباح لاصف fluorescent على مستوى الكرة الأرضيّة.
3- الشمس - كما تظهر من الأرض - تشتمل بصريّاً في رؤيتها من الأرضِ نفسِها على نقطة تشعُّعٍ أوروريّةٍ مع إكليلها الأوروريِّ المرافقِ كاملِ التطور.
4- الضوء الابتدائيُّ القادمُ من الشمس نفسها، بأطيافِه السينيّةِ وأطيافِه فوقَ البنفسجيّة، يلعب دوراً رئيساً في توفير الطاقة المشغّلة للنشاطاتِ الأوروريّة فوقَ كل خطوط العرض النهاريّة.
وأسمّي هذه الفرضيّات : "نظريّة شمس عطيّة".
لغة الآية ونحـــْوُها
يقول الله تعالى في سورة الشمس: "والشمسِ وضحاها (1) والقمرِ إذا تلاها (2) والنهارِ إذا جلّاها (3) والليلِ إذا يغشاها (4)".
أقوال في النهار في لسان العرب لابن منظور:
1) انتشار ضوء السماء واجتماعه.
2) ضياء ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها.
3) وقت الضوء الذي هو الضد، أو المخالف، لوقت الليل.
الاختيار:
النهار هو كل ضوء طبيعيٍّ منتشر في السماء والآفاق على قدر يمكن الإنسان من الإبصــار المتمثل فــي تمييزِ وحـــقِّ الألوان color resolution وتبيُّنِها: "والنهار مبصراً" (يونس: 67)، "وجعلنا آيةِ النهارِ مبصرةً" (الإسراء: 12)؛ فأي ضوء ينتشر في السماء طبيعيّا ويمكن الإنسان من الإبصار، ولو ظهر عابرا في عزِّ الليل، هوَ نهارٌ: "ويولج النهارَ في الليلِ" (لقمان: 29).
التجلية في المعاجم والتفاسير
التجلية هي: الإبانة، أو الإبداء، أو الكشف، أو الإظهار، أو الإبراز، أو التوضيح، أوِ الصقل. وتستعمل التجليةُ في حقِّ العروس؛ إذْ إنَّ تجلِّيَها هو أن تتزين بما يزيدها تألّقاً، بمثل وضع المساحيقِ المُبيِّضةِ، أو بلبس الأكاليل، أوْ بارتداء بذلة العرس البيضاء، أو بوضع تاجٍ من الماسات، أو عقدٍ من اللآلئِ فتصير تشّعُ إشراقاً.
ونلاحظ أن المعاني الواردة للتجلية في المعاجم والتفاسير متقاربة إلى حد الترادف.
الاختيار:
التجلية هي التنوير المتمثل في اكتساب التألق، في ازدياد التألق، في ازدياد الابيضاض في الشيء المبصَر، في ابيضاض مظهر الشيء المرئيّ. ولما كان الأمر يخص مظهر الشيء في العيون، أو يتعلق بالرؤية والإبصار، فالتجلية في المحصلةِ هي اكتساب مظهر ذي ابيضاض، أي أن يصل من الشيء المرئيِّ إلى العيون أطيافٌ ضوئيّةٌ ذاتُ جلاءٍ white visuality تعطيه مسحةً بيضاءَ، صدوراً منه، أو انعكاساً عنه. فالتجلية المقصودة في الآية: "والنهار إذا جلّاها" هي ظهور ابيضاض في الشمس ينكشف فيها بعد اكتمال الطلوعِ ببرهة وجيزة. فهل هذا الابيضاض الذي هوَ أمر مشاهد بوضوح في صدر كل نهار ذي صحْوٍ، هو بسبب ضياء صادر من الشمس نفسِها، أم هو منعكس من أمام وجهها، كأنه في ظاهره قادم منها؟..
دعنا نحدد الإجابة من فهم الآية نحويّاً (إعراباً).
النحو في "والنهار إذا جلاّها"
"والنهار إذا جلّاها"
النحو: الواو واو القسم وهي جارّة.
النهار: اسم مجرور بواو القسم وعلامة الجرِّ هي الكسر. "والنهار" الجار والمجرور متعلقان بفعل القسم وتقديره: أقسم.
إذا: اسم منصوب على الظرفيّة؛ لأنه في الآية متجرد للظرفيّة المحضة الخالية من الشرط ( مفعول فيه في محل نصب. وهو مضاف).
"جلاها"
جلّى: فعل ماضٍ مبنيٌّ على النصب منع تعذُّر اللفظ من ظهور الفتحة على آخره.
والضمير المستتر العائد على النهار وتقديره "هو" في محل رفع فاعل.
الهاء في "ها" ضمير ظاهر متصل في محل نصب مفعول به، والألف للتأنيث. وجملة "جلاها" في محل جرِّ مضاف إليه.
توسعة عن "إذا"
اعتماداً على "البرهان في علوم القرآن" لبدر الدين الزركشيّ يمكن أن نعتبر أن "إذا" في الآية يمكن أن تحمل وجهاً من هذه:
1- أنها جاءت ظرفَ زمانٍ للماضي. وهذا يعني أنَّه من السائغ أن نفهم الآية هكذا: (والنهار وقد جلاها)، أو: ( والنهار إذْ جلاها). ويدعم هذا الفهمَ أخذُ الضحى بمعنى وقت طلوع الشمس.
2- أنها جاءت للحال؛ فيكون التقدير: (والنهارِ مجلِّياً الشمسَ).
3- أن هناك عاملاً محذوفاً متعلقاً بـِ"إذا" في موضع نصب على الحال: (والنهارِ كائناً إذا جلّاها)، ويدعم هذا التقديرَ، وهوَ أنَّ الضحى قد تأتي بمعنى: الضياءِ أو الحرِّ:
أ- أنها قد تكون في الآية متجردةً ليس فقط عن الشرطيّة، بل وعن الظرفيّة أيضا، أي هي في الآية لمجرد الوقت، فتكون هنا مجرورةً محلاً لكونها بدلاً عن النهارِ، والتقدير: (أقسمُ بالنهار وقتَ تجليته للشمس) أوْ: (أقسم بوقت تجلية النهارِ للشمسِ).
ب- أنها للاستمرار والتكرار.
ج- أنها قد تكون زائدة فيكون فهم الآية هكذا: (والنهارِ الذي جلّاها).
وبأيٍّ من هذه الأوجه أخذنا فإنَّ ما نقصده من الإعجاز العلميِّ لن يتأثّر، بل إن هذه الأوجهَ تعضدُه.
خلاف بلا اكتشــــاف
ثار بين المفسرين هذا السؤال: على ماذا يعود الضمير الذي في "ها" من "جلاها"؟
الأقوى والأَوْلى، وهو ما ذهب إليه الطبريُّ، والزجّاجُ، وأبو حيّان الأندلسيّ، وما آخذ به أيضا، هو أن هذا الضمير عائد إلى الشمس المذكورة، لا إلى معهود ذهنيٍّ مؤنث غير مذكور جاء له أكثر من تقدير منها: الظلمة، والسماء، والآفاق، والأرض، والبسيطة، والمعمورة، والحيوانات، والدنيا. وهذه كلها من مثل ما قال به الفرّاءُ، ومال إليه المرحومُ الإمامُ "سيد قطب".
الخلاصـــة النحويّـــة
النهار مُجَلٍّ (الفاعل)، والشمس مُجَلاّةٌ (المفعول به).
المعنى المستنتج: اكتسابُ الشمسِ تجليةً من النهار. ووفق معنى التجلية السالف يكون النهار معطياً للشمس ضوءاً تتجلى به ينعكس بالنسبة للرائين لها من الأرضِ أمام قرصها مُظهراً فيه ومن حوله المباشر جلاءً، أيِ ابيضاضاً مبصراً.
فلماذا حصل هذا الاختلاف؟
يبدو لي أن الذين قالوا بعودة الضمير - الهاء في جلاها- على معهود ذهنيٍّ مؤنث غير مذكور قد فعلوا ذلك انطلاقاً من المعرفة السائدة عن أنّ الشمس هي مصدر النهار، أي حسب الفهم أنها هي المعطية لهذا الضياء، مما قد عنى لهم أن عودة الضمير إلى الشمس نفسِها سيكون مخالفةً من القرآن لتلك المعرفة المسلَّمِ بها، أي إنهم قد حاولوا أن يبعدوا الآية عن المعنى الذي يجعل النهار يعطي للشمس ضوءاً؛ لإدراكهم أنَّ ذلك مخالف لحقائقَ علميّةٍ مسلَّمٍ بها.
وأما الذين قالوا بعودة الهاء في "جلاها" إلى الشمس بسبب تقدم ذكرها؛ ولأنها موضوع الحديث أصلاً، فقد انقسموا إلى فريقيْن:
فريق أعطوْا للفعل: "جلّى" معاني تسمح بالتأويل: أبان، وأظهر، ووضّح، وأبدى، وكشف، وبيّن. ويبدو لي أن معظم هؤلاء لم يسألوا أنفسهم عن الكيفيّةِ التي يجلّي بها النهارُ الشمسَ، أي إنهم وفق معاني التجلية التي أوردوها لم يجلّوا ما ذهبوا إليه في شروح تعليليّة. وكان الزَّجّاج من القليل الذين حاولوا التعليل مبقياً على الأخذ بأن النهار هو من نور الشمس. وهذا ما ينقله عنه الفخرُ الرازيّ في التفسير الكبير ومفاتح الغيب: "الضمير في "جلّاها" عائد إلى الشمس، وذلك لأنَّ النهار عبارة عن نور الشمس. فكلما كان النهار أجلى ظهوراً كانت الشمس أجلى ظهوراً؛ لأن قوة الأثر وكمالَه تدل على قوة المؤثر، فكان النهار يُبرز الشمس ويظهرها".
وكأني بالزجاجِ يريد أن يقول إن مقدار تجلّي الشمس يظهر في مقدار تجلّي النهار، أي إنَّ تجلّيَ النهار مؤشر يقيس تجلِّيَ الشمس، أوْ هو صورة عنه، أي إن الزجاج قد بقي يعتبر أن نور الشمس هو المؤثر، وأن النهار أثر منه، فاتخذ قوةَ الأثرِ مقياساً لقوة المؤثِّر. وباختصار، كأنه يقول: إن تجلّيَ الشمس التي هي المؤثر ينكشف في تجلّي النهار الذي هو الأثر، أو إنَّ تجلّيَ النهار يفضح تجلّيَ الشمس.
وفريق أعطوْا للفعل "جلّى" معنى يوافق أن يكون النهار معطياً للنور، وأن تكون الشمس في النظر إليها من الأرض آخذةً منه. فالإمام الطبريُّ يقول في تفسيره: "أقسم الله تعالى بالنهار إذا أضاءَ الشمس. ويقول أيضا: النهارُ يجلّي الشمس ويظهرُها بضيائه". ومما أوردَه الإمام القرطبيُّ في جامعه أن "والنهارِ إذا جلّاها" تعني: أن النهار يبيِّنُ بضوئه جرمَ الشمسِ. ونسب الإمام ابن كثير في تفسيره رأياً إلى العالم "مجاهد" يعتبر أن معنى: "جلاها" هو: أضاءها. ومجاهدٌ نفسه يعتبر أن المقصود من ضحى الشمس هو ضوء الشمس. ومن هنا يكون العالم "مجاهد" قد نسب للنهار أنه يضيء الشمس ذات الضوء، أي إنه قد فهم أن النهار هو ضوء ليس بالضرورة قادما من الشمس نفسها.
"جلاّهــــــــــــــا"
إن تفسير "جلاها" بمعنى: أضاءها، هو المعنى الذي ذهبت إليه من قبل أن أقرأه للطبريِّ، أوْ لمجاهد، ومن قبل أن أعلم أنه جاء في التفاسير؛ فقد انطلقت إلى نظريتي ليس من قول الله تعالى: "والنهار إذا جلاها" وإنما من قولِه تعالى في حق الأرض: "وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام" (فصلت: 12). ورغم هذا فالسبق في إعطاء "جلاها" معنى: أضاءها، هو لمجاهد، وأمّا الفرقُ فهو أن مجاهدا عرف ولم يكتشف، وأما أنا، والفضل لله تعالى وحده، فقد عرفت واكتشفت: "سنُريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفُسهم حتّى يتبين لهم أنه الحقُّ أوَلم يكفِ بربِّكَ أنّه على كل شيءٍ شهيد"(فصلت: 53).
"الشمس كما تبدو غيرَ متجلّيةٍ من القمر"
ومما سبق نصل إلى أنَّ الرأي الأجلى والأقوى برجحان أدلته هو أن: "جلاها" تعني: أضاءها. وبذلك فهو المعنى الذي من الأجدر والأوْلى أن نتمسك به، وبالتالي فلا بدَّ أنَّ اكتشافات علوم الفلك في فضاء الأرض، وآفاق الكون، ستجلّي لنا أنَّ هذا المعنى هو الذي يتدثَّرُ بالحقِّ.
حسناً، لماذا لا نريح المسلمين من الاختلافات في تفسير الآية؟.. فهل فعلاً أن النهار يضيء الشمسَ ذاتَ النور بإعطائِها نوراً يجليها بالنسبةِ للناظرين إليها من الأرض وجوِّ السماءِ؟.. كيف يتم ذلك؟.. وما الأدّلةُ؟



تعليق