الحمدلله , والصلاة والسلام على رسول الله , وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه , أما بعد :
فهذا تنبيه لطيف من كلام علمائنا السلفيين حول كلمة يكثر التلفظ بها , وهيقولهم ( إن الله على ما يشاء قدير ) وهذه كلمة خطيرة لمن تدبر مراد قائليها من أهلالبدع , ولانتشار هذه الكلمة بين طبقات كثيرة من المجتمع , أحببت أن أنقل كلامعلمائنا حول هذه الكلمة , والله الموفق إلى سبيل الرشاد .
1)قال الشيخعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ في ترجمة صاحب فتح المجيد: ( وقد كان رحمه اللهمتنبها فطنا لدسائس أهل البدع كتب له مرة الشيخ عثمان بن بشر صاحب تاريخ عنوانالمجد . وقال في آخر دعائه : إنه على ما يشاء قدير . وقال في أثناء جوابه : إن هذهالكلمة اشتهرت على الألسن من غير قصد ، وهي مثل قول الكثير إذا سأل الله تعالى قال : وهو القادر على ما يشاء . وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرا وكل ما في القرآن} وهو على كل شيء قدير } ، وليس في القرآن والسنة ما يخالف ذلك أصلا ، لأن القدرةشاملة كاملة . وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات ، وإنما قصدأهل البدع بقولهم : وهو القادر على ما يشاء أي إن القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقتالمشيئة ) الدرر السنية 2/63 , مشاهير علماء نجد 1/60
قالالعلامة ابن مانع : يجئ في كلام بعض الناس : وهو على ما يشاء قدير ، وليس ذلك بصواببل الصواب ما جاء بالكتاب والسنة وهو على كل شيء قدير ، لعموم مشيئته وقدرته تعالىخلافا لأهل الاعتزال الذين يقولون إن الله سبحانه لم يرد من العبد وقوع المعاصي بلوقعت من العبد بإرادته لا بإرادة الله ، ولهذا يقول أحد ضلالهم :
زعم الجهول ومن يقول بقوله أن المعاصي من قضاءالخالق
إن كان حقا ما يقول فلم قضاحد الزنا وقطع كفالسـارق
وقال أبو الخطاب رحمه الله في بيان الحق والصواب :
قالوا : فأفعال العباد خلقت مامن خالق غير الإلهالأمجـد
قالوا : فهل فعل القبيح مراده قلـت الإرادة كلهـاللسيـد
لو لم يرده وكان نقيصة سبحانه عن أن يعجزهالردى
وهذه الإرادة التي ذكرها أبو الخطاب في السؤال هي الإرادةالكونية القدرية لا الإرادة الكونية الشرعية . من حاشية من مانع على الطحاوية , ص 7
3)قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله :
الأولى أن يطلق ويقال : إن الله على كل شيء قدير ، لشمول قدرة الله جلجلاله لما يشاؤه ولما لا يشاؤه . وقد غلط من نفى قدرته على ما لا يشاؤه ، ومن الحجةعليهم قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } الآية ،ويكثر ذكر هذه العبارة في تفسيره ابن كثير رحمه الله . مجموع فتاوى الشيخ 1/207
4)سئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – هذاالسؤال :
ما حكم قول الإنسان: "إن الله على ما يشاء قدير" عند ختمالدعاء ونحوه؟
فأجاب –رحمه الله - :
هذا لا ينبغيلوجوه:
الأول: أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلكبالمشيئة في قوله تعالى: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيءقدير}، وقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير}، وقوله: {ألم تعلم أن الله لهملك السماوات والأرض}، فعمم في القدرة كما عمم في الملك، وقوله: {ولله ملك السمواتوالأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير}، فعمم في الملك والقدرة،وخص الخلق بالمشيئة لأن الخلق فعل، والفعل لا يكون إلا بالمشيئة.
أماالقدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء وما لم يشأه، لكن ما شاءه سبحانه وقع وما لميشأه لم يقع والآيات في ذلك كثيرة.
الثاني: أن تقييد القدرة بالمشيئةخلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فقد قال الله عنهم: {يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربناأتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير}، ولم يقولوا: "إنك على ما تشاءقدير"، وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علماً وأقومعملاً.
الثالث: أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه اللهتعالى فقط، لاسيما وأن ذلك التقييد يؤتى به في الغالب سابقاً حيث يقال: "على مايشاء قدير" وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يُعلم ذلك في تقرير علماء البلاغةوشواهده من الكتاب والسنة واللغة، وإذا خصت قدرة الله تعالى بما يشاؤه كان ذلكنقصاً في مدلولها وقصراً لها عن عمومها، فتكون قدرة الله تعالى ناقصة حيث انحصرتفيما يشاؤه، وهو خلاف الواقع فإن قدرة الله تعالى عامة فيما يشاؤه وما لم يشأه، لكنما شاءه فلابد من وقوعه، وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه.
فإذا تبين أن وصفالله تعالى بالقدرة لا يُقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلكلا يعارضه قول الله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}، فإن المقيد هنا بالمشيئةهو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أنالله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره، ويقيدهبالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: {وإذا تتلى عليهم آياتنابينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين * قل الله يحييكم ثميميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، فلماطلبوا الإتيان بآبائهم تحدياً وإنكاراً لما يجب الإيمان به من البعث، بين اللهتعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحديهؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربيلتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذيأنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يومالتغابن}.
والحاصل أن قوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} لايعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائداً إلى القدرة وإنما يعود إلىالجمع.
وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب "الإيمان" في "بابآخر أهل النار خروجاً" من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "آخر من يدخل الجنة رجل" فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قالللرجل: "إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر" وذلك لأن القدرة في هذا الحديثذكرت لتقرير أمر واقع، والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكرالصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلاً وأبداً، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل: "قادر" دون الصفة المشبهة: "قدير" وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أويستبعده فقيل له في تقريره: "إن الله على ما يشاء قادر" فلا حرج في ذلك، وما زالالناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا: "قادر على ما يشاء"، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلاتقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة لأنالواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه،والله سبحانه أعلم. ( مجموع الفتاوى والرسائل /1 )
5- وقال الشيخ – رحمه الله – أيضا في تفسير سورة البقرة :
وهناك كلمة يقولها بعض الناسفيقول: «إن الله على ما يشاء قدير»؛ وهذا لا ينبغي:
أولا: لأنه خلاف إطلاقالنص؛ فالنص مطلق.
ثانيا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة بما يشاء الله دون مالم يشأ؛ والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لا يشاء.
ثالثا: أنه قد يفهم منه مذهبالمعتزلة القدرية الذين قالوا: «إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد؛ فهو غير قادرعليها».
ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، فنقول: إن الله على كل شيءقدير؛ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، كما فيقوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [الشورى: 29] ؛ فإن {إذا يشاء} عائدةعلى «الجمع» ؛ لا على «القدرة» ؛ فهو قدير على الشيء شاءه، أم لم يشأه؛ لكن جمعه لايقع إلا بالمشيئة؛ ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى، فقال: «ولكني على ما أشاء قادر»(1)؛ لأنه يتكلم عن فعل معين؛ ولهذا قال: «قادر» : أتىباسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة ــــ «قدير» ــــ الدالة علىالاتصاف بالقدرة.
7-وقال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ في شرحهللطحاوية شارحا أيضا قول الطحاوي السابق :
أهل السنة يجعلون قدرة الرب - عز وجل - متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله - عز وجل - غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ - عز وجل -.
وهذاهو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكل ما في القرآن تعليق القدرةبكل شيء {والله على كل شيء قدير} {وكان الله على كل شيء مقتدرا}[الكهف:45]، {وكانالله على ذلك قديرا}[النساء:133]، {إن الله على كل شيء قدير} ونحو ذلك من الآياتالتي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
أهل البدع وأهل الكلام يعلقون القدرة بما يشاؤهالرب - عز وجل -.
فيقولون تعلق قدرة الرب - عز وجل - بما يشاؤه.
ولذلك ترىأنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول {والله على كل شيء قدير} إلى قولهم والله علىما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لميشأه.
فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لاتتعلق به القدرة.
فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يوجد إبليس؟ فيقولون: لا غيرقادر.
هل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأن القدرةعندهم متعلقة بما شاءه - عز وجل -، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعدأو مما حصل خلافه فإن القدرة غير متعلقة به.
* ولذلك فيقول قائلهم: ليس فيالإمكان أبدع مما كان.
لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله - عز وجل -.
وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:
1 - الدليل الأول: فإن الذي جاء فيالقرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفامنها.
2 - الدليل الثاني: أن الله - عز وجل - قال في سورة الأنعام {قل هو القادرعلى أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأسبعض}[الأنعام:65]، ولما نزلت هذه الآية تلاها ? فقال {قل هو القادر على أن يبعثعليكم عذابا من فوقكم} قال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا {أو من تحت أرجلكم} فقال ? (أعوذبوجهك) ثم تلا {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال ? (هذه أهون)(1).
والله - عز وجل - لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيهلككمبسنة بعامة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته سبحانه وتعالى العظيمةالعلية.
فدلت الآية على أن قدرة الله - عز وجل - تتعلق بما لم يشاء أن يحصل {قلهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم}، وهذا لم يشأه الله - عز وجل - ومعذلك تعلقت به القدرة.
* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالهافليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.
في بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاءقادر) و(إني على ما أشاء قادر)(2)وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة،وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على مالم يشأ - عز وجل -.
والله تعالى أعلم وأحكم , وصلى الله على نبينا محمدوعلى آله وصحبه وسلم
منقول..
فهذا تنبيه لطيف من كلام علمائنا السلفيين حول كلمة يكثر التلفظ بها , وهيقولهم ( إن الله على ما يشاء قدير ) وهذه كلمة خطيرة لمن تدبر مراد قائليها من أهلالبدع , ولانتشار هذه الكلمة بين طبقات كثيرة من المجتمع , أحببت أن أنقل كلامعلمائنا حول هذه الكلمة , والله الموفق إلى سبيل الرشاد .
1)قال الشيخعبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ في ترجمة صاحب فتح المجيد: ( وقد كان رحمه اللهمتنبها فطنا لدسائس أهل البدع كتب له مرة الشيخ عثمان بن بشر صاحب تاريخ عنوانالمجد . وقال في آخر دعائه : إنه على ما يشاء قدير . وقال في أثناء جوابه : إن هذهالكلمة اشتهرت على الألسن من غير قصد ، وهي مثل قول الكثير إذا سأل الله تعالى قال : وهو القادر على ما يشاء . وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرا وكل ما في القرآن} وهو على كل شيء قدير } ، وليس في القرآن والسنة ما يخالف ذلك أصلا ، لأن القدرةشاملة كاملة . وهي والعلم صفتان شاملتان يتعلقان بالموجودات والمعدومات ، وإنما قصدأهل البدع بقولهم : وهو القادر على ما يشاء أي إن القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقتالمشيئة ) الدرر السنية 2/63 , مشاهير علماء نجد 1/60
قالالعلامة ابن مانع : يجئ في كلام بعض الناس : وهو على ما يشاء قدير ، وليس ذلك بصواببل الصواب ما جاء بالكتاب والسنة وهو على كل شيء قدير ، لعموم مشيئته وقدرته تعالىخلافا لأهل الاعتزال الذين يقولون إن الله سبحانه لم يرد من العبد وقوع المعاصي بلوقعت من العبد بإرادته لا بإرادة الله ، ولهذا يقول أحد ضلالهم :
زعم الجهول ومن يقول بقوله أن المعاصي من قضاءالخالق
إن كان حقا ما يقول فلم قضاحد الزنا وقطع كفالسـارق
وقال أبو الخطاب رحمه الله في بيان الحق والصواب :
قالوا : فأفعال العباد خلقت مامن خالق غير الإلهالأمجـد
قالوا : فهل فعل القبيح مراده قلـت الإرادة كلهـاللسيـد
لو لم يرده وكان نقيصة سبحانه عن أن يعجزهالردى
وهذه الإرادة التي ذكرها أبو الخطاب في السؤال هي الإرادةالكونية القدرية لا الإرادة الكونية الشرعية . من حاشية من مانع على الطحاوية , ص 7
3)قال الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ – رحمه الله :
الأولى أن يطلق ويقال : إن الله على كل شيء قدير ، لشمول قدرة الله جلجلاله لما يشاؤه ولما لا يشاؤه . وقد غلط من نفى قدرته على ما لا يشاؤه ، ومن الحجةعليهم قوله تعالى : { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } الآية ،ويكثر ذكر هذه العبارة في تفسيره ابن كثير رحمه الله . مجموع فتاوى الشيخ 1/207
4)سئل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – هذاالسؤال :
ما حكم قول الإنسان: "إن الله على ما يشاء قدير" عند ختمالدعاء ونحوه؟
فأجاب –رحمه الله - :
هذا لا ينبغيلوجوه:
الأول: أن الله تعالى إذا ذكر وصف نفسه بالقدرة لم يقيد ذلكبالمشيئة في قوله تعالى: {ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيءقدير}، وقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير}، وقوله: {ألم تعلم أن الله لهملك السماوات والأرض}، فعمم في القدرة كما عمم في الملك، وقوله: {ولله ملك السمواتوالأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير}، فعمم في الملك والقدرة،وخص الخلق بالمشيئة لأن الخلق فعل، والفعل لا يكون إلا بالمشيئة.
أماالقدرة فصفة أزلية أبدية شاملة لما شاء وما لم يشأه، لكن ما شاءه سبحانه وقع وما لميشأه لم يقع والآيات في ذلك كثيرة.
الثاني: أن تقييد القدرة بالمشيئةخلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه، فقد قال الله عنهم: {يوم لايخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربناأتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير}، ولم يقولوا: "إنك على ما تشاءقدير"، وخير الطريق طريق الأنبياء وأتباعهم فإنهم أهدى علماً وأقومعملاً.
الثالث: أن تقييد القدرة بالمشيئة يوهم اختصاصها بما يشاؤه اللهتعالى فقط، لاسيما وأن ذلك التقييد يؤتى به في الغالب سابقاً حيث يقال: "على مايشاء قدير" وتقديم المعمول يفيد الحصر كما يُعلم ذلك في تقرير علماء البلاغةوشواهده من الكتاب والسنة واللغة، وإذا خصت قدرة الله تعالى بما يشاؤه كان ذلكنقصاً في مدلولها وقصراً لها عن عمومها، فتكون قدرة الله تعالى ناقصة حيث انحصرتفيما يشاؤه، وهو خلاف الواقع فإن قدرة الله تعالى عامة فيما يشاؤه وما لم يشأه، لكنما شاءه فلابد من وقوعه، وما لم يشأه فلا يمكن وقوعه.
فإذا تبين أن وصفالله تعالى بالقدرة لا يُقيد بالمشيئة بل يطلق كما أطلقه الله تعالى لنفسه فإن ذلكلا يعارضه قول الله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير}، فإن المقيد هنا بالمشيئةهو الجمع لا القدرة، والجمع فعل لا يقع إلا بالمشيئة ولذلك قيد بها فمعنى الآية أنالله تعالى قادر على جمعهم متى شاء وليس بعاجز عنه كما يدعيه من ينكره، ويقيدهبالمشيئة رد لقول المشركين الذين قال الله تعالى عنهم: {وإذا تتلى عليهم آياتنابينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين * قل الله يحييكم ثميميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون}، فلماطلبوا الإتيان بآبائهم تحدياً وإنكاراً لما يجب الإيمان به من البعث، بين اللهتعالى أن ذلك الجمع الكائن في يوم القيامة لا يقع إلا بمشيئته ولا يوجب وقوعه تحديهؤلاء وإنكارهم كما قال الله تعالى: {زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربيلتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير * فآمنوا بالله ورسوله والنور الذيأنزلنا والله بما تعملون خبير * يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يومالتغابن}.
والحاصل أن قوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} لايعارض ما قررناه من قبل لأن القيد بالمشيئة ليس عائداً إلى القدرة وإنما يعود إلىالجمع.
وكذلك لا يعارضه ما ثبت في صحيح مسلم في كتاب "الإيمان" في "بابآخر أهل النار خروجاً" من حديث ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: "آخر من يدخل الجنة رجل" فذكر الحديث وفيه أن الله تعالى قالللرجل: "إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر" وذلك لأن القدرة في هذا الحديثذكرت لتقرير أمر واقع، والأمر الواقع لا يكون إلا بعد المشيئة، وليس المراد بها ذكرالصفة المطلقة التي هي وصف الله تعالى أزلاً وأبداً، ولذلك عبر عنها باسم الفاعل: "قادر" دون الصفة المشبهة: "قدير" وعلى هذا فإذا وقع أمر عظيم يستغربه المرء أويستبعده فقيل له في تقريره: "إن الله على ما يشاء قادر" فلا حرج في ذلك، وما زالالناس يعبرون بمثل هذا في مثل ذلك، فإذا وقع أمر عظيم يستغرب أو يستبعد قالوا: "قادر على ما يشاء"، فيجب أن يعرف الفرق بين ذكر القدرة على أنها صفة لله تعالى فلاتقيد بالمشيئة، وبين ذكرها لتقرير أمر واقع فلا مانع من تقييدها بالمشيئة لأنالواقع لا يقع إلا بالمشيئة، والقدرة هنا ذكرت لإثبات ذلك الواقع وتقرير وقوعه،والله سبحانه أعلم. ( مجموع الفتاوى والرسائل /1 )
5- وقال الشيخ – رحمه الله – أيضا في تفسير سورة البقرة :
وهناك كلمة يقولها بعض الناسفيقول: «إن الله على ما يشاء قدير»؛ وهذا لا ينبغي:
أولا: لأنه خلاف إطلاقالنص؛ فالنص مطلق.
ثانيا: لأنه قد يفهم منه تخصيص القدرة بما يشاء الله دون مالم يشأ؛ والله قادر على ما يشاء، وعلى ما لا يشاء.
ثالثا: أنه قد يفهم منه مذهبالمعتزلة القدرية الذين قالوا: «إن الله عز وجل لا يشاء أفعال العبد؛ فهو غير قادرعليها».
ولهذا ينبغي أن نطلق ما أطلقه الله لنفسه، فنقول: إن الله على كل شيءقدير؛ أما إذا جاءت القدرة مضافة إلى فعل معين فلا بأس أن تقيد بالمشيئة، كما فيقوله تعالى: {وهو على جمعهم إذا يشاء قدير} [الشورى: 29] ؛ فإن {إذا يشاء} عائدةعلى «الجمع» ؛ لا على «القدرة» ؛ فهو قدير على الشيء شاءه، أم لم يشأه؛ لكن جمعه لايقع إلا بالمشيئة؛ ومنه الحديث في قصة الرجل الذي أكرمه الله سبحانه وتعالى، فقال: «ولكني على ما أشاء قادر»(1)؛ لأنه يتكلم عن فعل معين؛ ولهذا قال: «قادر» : أتىباسم الفاعل الدال على وقوع الفعل دون الصفة المشبهة ــــ «قدير» ــــ الدالة علىالاتصاف بالقدرة.
7-وقال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ في شرحهللطحاوية شارحا أيضا قول الطحاوي السابق :
أهل السنة يجعلون قدرة الرب - عز وجل - متعلقة بكل شيء، واسم الله القدير متعلق بكل شيء، وقدرة الله - عز وجل - غير محصورة، بل هو سبحانه قادر على ما شاء وعلى ما لم يشأ - عز وجل -.
وهذاهو مذهب أهل الحديث والسنة، وبه جاء القرآن العظيم، فكل ما في القرآن تعليق القدرةبكل شيء {والله على كل شيء قدير} {وكان الله على كل شيء مقتدرا}[الكهف:45]، {وكانالله على ذلك قديرا}[النساء:133]، {إن الله على كل شيء قدير} ونحو ذلك من الآياتالتي فيها تعليق القدرة بكل شيء.
أهل البدع وأهل الكلام يعلقون القدرة بما يشاؤهالرب - عز وجل -.
فيقولون تعلق قدرة الرب - عز وجل - بما يشاؤه.
ولذلك ترىأنه يعدلون عما جاء في القرآن، بقول {والله على كل شيء قدير} إلى قولهم والله علىما يشاء قدير؛ لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله وليست متعلقة بما لميشأه.
فعندهم قدرة الله تتعلق بما شاء أن يحصل أما ما لم يشأ أن يحصل فإنه لاتتعلق به القدرة.
فإذا قيل هل الله قادر على أن لا يوجد إبليس؟ فيقولون: لا غيرقادر.
هل الله قادر على أن لا توجد السموات؟ يقولون: لا، غير قادر. لأن القدرةعندهم متعلقة بما شاءه - عز وجل -، وما لم يشأه في كونه وفي ملكوته مما لم يحصل بعدأو مما حصل خلافه فإن القدرة غير متعلقة به.
* ولذلك فيقول قائلهم: ليس فيالإمكان أبدع مما كان.
لأن القدرة عندهم متعلقة بما شاءه الله - عز وجل -.
وهذا القول باطل بوضوح وذلك لدليلين:
1 - الدليل الأول: فإن الذي جاء فيالقرآن كما ذكرنا لك، تعليق القدرة بكل شيء في الآيات التي ذكرت لكم طرفامنها.
2 - الدليل الثاني: أن الله - عز وجل - قال في سورة الأنعام {قل هو القادرعلى أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأسبعض}[الأنعام:65]، ولما نزلت هذه الآية تلاها ? فقال {قل هو القادر على أن يبعثعليكم عذابا من فوقكم} قال ? (أعوذ بوجهك) ثم تلا {أو من تحت أرجلكم} فقال ? (أعوذبوجهك) ثم تلا {أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال ? (هذه أهون)(1).
والله - عز وجل - لم يشأ أن يبعث على هذه الأمة عذابا من فوقها أو من تحت أرجلها، فيهلككمبسنة بعامة، بل جعل بينهم بأسهم شديد، لحكمته سبحانه وتعالى العظيمةالعلية.
فدلت الآية على أن قدرة الله - عز وجل - تتعلق بما لم يشاء أن يحصل {قلهو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم}، وهذا لم يشأه الله - عز وجل - ومعذلك تعلقت به القدرة.
* وهذه من الكلمات التي يكثر عند أهل العصر استعمالهافليتنبه أنها من آثار قول أهل الاعتزال.
في بعض الأحاديث جاء (والله على ما يشاءقادر) و(إني على ما أشاء قادر)(2)وهذا الجواب عنه معروف بأنه متعلق بأشياء مخصوصة،وليست تعليقا للقدرة بالمشيئة، أو أن يقال قدرته على ما يشاء لا تنفي قدرته على مالم يشأ - عز وجل -.
والله تعالى أعلم وأحكم , وصلى الله على نبينا محمدوعلى آله وصحبه وسلم
منقول..


تعليق