شهادة المرأة
يسعد صباحكم جميعا.. موضوع قرأته فأحببت طرحه بين صفحاتكم الغالية.. تفضلوا مشكورين
تعريف الشهادة:
الشهادة مشتقة من المشاهدة وهى المعاينة لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه ومعناها الأخبار عما علمه بلفظ أشهد أو شهدت .
ولا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم والعلم يحصل بالرؤية أو السماع أو باستفاضة فيما يتعذر علمه غالباً بدونها . والاستفاضة هى الشهرة التى تثمر الظن أو العلم
حكم الشهادة :
هى فرض عين على من تحملها متى دعى إليها وخيف من ضياع الحق بل تجب إذا خيف من ضياعه ولم يدع لها لقول الله تعالى :
(وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة : من الآية 283)
(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: من الآية 2)
وفى الحديث الصحيح
" أنصر أخاك ظلماً أو مظلوماً " وفى أداء الشهادة نصره.
النصوص القرآنية الواردة بتحديد نصاب الشهادة:
1- ففى الحدود ورد قوله تعالى:
(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء: من الآية 15)
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 4)
وقوله تعالى:
(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 13)
2- فى الطلاق والرجعة : نقرأ قوله تعالى :
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق: من الآية2)
3- وفى الحقوق المالية: نقرأ قوله تعالى فى سورة البقرة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)(البقرة: من الآية 282).
حيث أنها نصت على جعل شهادة الرجل تعدل امرأتان مما جعل البعض ينظر لهذا الأمر على انه دليل لتأخير درجة المرأة عن الرجل.
وبالنظر فى دلالات الآية المشار إليها يتضح دقة التشريع وأهدافه وصحة إجراءاته حيث تقرر الآية مبدأ كتابة الدين وأن يقوم به كاتب وليس أحد المتعاقدين وأن الذى عليه الحق-المدين- هو الذى يملى على الكاتب مقدار الدين وشروطه وأجله وأن كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو به آفه حسية أو عقلية لأى سبب من الأسباب فيتولى القيم عليه الإملاء.
ثم تقرر الآية وجوب شاهدين على العقد (ممن ترضون من الشهداء) والرضا يشتمل معينين أن يكون الشاهدان مرضيين فى الجماعة والثانى أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد وأن يدعى إلى هذا الرجال فإن لم يتيسر ذلك فيكون رجلا وامرأتين .
وسبب تقديم الرجال هنا يرجع إلى أن الرجال فى ذلك الوقت كانوا هم الذين يزاولون الأعمال التجارية ووثائق الديون وغيرها من سائر المعاملات المالية إنما تتم فى مجامع الرجال الذين هم أصحاب النشاط الأوفر فيها وقلماً كان يتاح للمرأة أن تشهد هذه المجالس فى هذا الزمان وعليه تكون قدره الرجل على الإلمام بكل جزئيات هذا المجال اكبر من المرأة لابتعادها عنها و احتمال الا تلم إلماما كاملا بكل التفاصيل التى يعيشها الرجل من خلال عمله اليومى أما عن جعل شهادة الرجل تساوى شهادة امرأتين فقد أوضح النص السبب فى هذا من خلال قوله تعالى :
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة :من الآية 282)
والضلالة هنا بمعنى النسيان والضلال ينشا من أسباب كثيرة فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح فى عقلها بحيث تؤدى عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء فتذكرها الأخرى بالتعاون معا على تذكر ملابسات الموضوع كله
ونستشف من هذا التعليل الوارد بالآية القرآنية عدة أمور:
1. 1- أن النسيان عارض قد يعرض لبعض النساء وليس لكل النساء بسبب نقص الخبرة خاصة فى الأمور التى لا تلم بخصائصها وجزيئاتها الدقيقة فإن قصرت ذاكرة إحدى الشاهدتين عن استيعاب جميع ملابسات الموقف فتذكرها الأخرى بما تملكه من ذاكرة حافظة تكمل نقص ذاكرة الشاهدة الأخرى إن وجد هذا النقص .
2. 2- إن التذكر الوارد فى التعليل فى الآية يعنى أنه سيطلب من المرأة أن تؤدى الشهادة عما جاء بالعقد عند الاقتضاء فى وقت لاحق خاصة وأن الآية جاءت بشأن الدين لأجل والتذكر يكون مطلوباً فى حالة استعادة أمر تم مشاهدته أو سماعه فى زمن ماض وأدائه على النحو الذى تم به وهذا يشير أن المرأة هنا كانت أمية وأن شهادتها ستكون قائمة على تذكر ما حدث ومطابقة ما تقول بما هو مدون فى العقد لضمان صحة ما جاء به وأنه هو نفس ما سمعته عندما أملاه الذى عليه الحق- أى المدين- ويؤكد هذا أن الشخص الذى يقرأ ويكتب ويشهد على ما جاء فى عقد أبرم أمامه يكون توقيعه عليه هو إقرار بصحة محتواه وأنه مطابق الواقع وعند الاقتضاء يقدم العقد بتوقيع الشهود ولا يكون هناك بحث إلا فى التوثيق من صحة التوقيع فقط ولن يكون هناك مجال للتذكر.
لذلك كان النص على وجود امرأتين من مجتمع الكتابة والقراءة غير منتشرة بين أفراده مع ابتعاد المرأة فى ذلك الحين عن الأمور التجارية كما سبق وأوضحنا إنما جاء ليتم التأكد من صحة ما ورد بالوثيقة بناء على ما تقرر المرأة أنها سمعته من المدين وهو يمل على الكاتب خاصة وأن الآية القرآنية تأمر الكاتب أن يكتب بالعدل – ولهذا دلالته – فلو كان الحضور من الكتبة والقراء لصححوا أى خطأ فى الكتابة سيقع من الكاتب لا يقره طرفى العقد أو الشهود لمخالفته للواقع كما أنه فى الغالب سيحمل الضرر لأحد طرفى العقد على الأقل . أما وقد جاء الأمر الإلهى للكاتب أن يكتب بالعدل فهذا يعنى أن الرقيب عليه لن يكون سوى الله وضميره ثم يجئ دور الشهداء عند الاقتضاء ليقرروا أن ما ورد بالعقد هو ما سبق وأن سمعوه من المدين .
أما لماذا قبلت شهادة الرجل الواحد – واحتمال أميته قائمة كالمرأة – فى مقابل شهادة امرأتين نقول أن السبب فى هذا كما سبق وأوضحنا يرجع إلى ابتعاد النساء عن مجال التعاملات المالية خلاف الرجل الذى يعيشها ويمارسها دائماً مما يجعل احتمال نسيان المرأة لبعض الجزئيات أو التفاصيل فى هذا الشأن أقرب للحدوث منها فى شأن الرجل . وهذا الإجراء يعكس حرص الإسلام على الحفاظ على أداء الحقوق المالية ولقد علل القرطبى هذا الحرص بقوله:
لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لعموم البلوى بها وتكررها فجعل فيها التوثيق تارة للإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان وأدخل فى جميع ذلك النساء مع الرجال.
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نفهم ما جاء فى سورة البقرة من تحديد لنصاب الشهادة فى مجال أداء الديون وعليه نستطيع أن نقول أنه جاء فى خصوص مجتمع المرأة فيه لا تعرف القراءة والكتابة فى النسبة الغالبة الأعم إلى جانب أنها كانت قلما تتعامل فى النواحى التجارية والمالية. وعليه فإن ما ذكر فى آية البقرة جاء فى أمر له ظروفه ومتغيراته وليس من شأنه أن يقاس عليه أو يمنع غيره خاصة وأننا لم نطلع على أثر نبوى أو صحابى صحيح أو من الكتاب يؤيد ذلك .
ولقد ناقش ابن القيم فى اعلام الموقعين هذه المسألة فى الجزء الأول وانتهى إلى القول أن النصوص القرآنية والآثار النبوية لا تقيد شهادة المرأة فى أمور دون أمور وأن شهادتها تصح فى جميع الشئون واستند إلى جملة.
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: من الآية2)
وجملة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة : من الآية 106)
قائلاً أن المتفق عليه أن كل خطاب بصيغة الجمع المذكر للمؤمنين فى القرآن يشمل المؤمنين والمؤمنات إذا لم يكن فيه قرينه مخصصة. وهذا كله حق وصواب بحيث يصح القول أن امرأتين تعدان شاهدتين تامتين فى الحالات المذكورة فى آيات سورتى الطلاق والمائدة .
وقد يكون من الدلائل عليه ما فى الجملة التى نحن بصددها من – آية سورة البقرة – تخصيص دون الجملتين فى سورتى الطلاق والمائدة. ويمكن أن يضاف على ما استشهد به ابن القيم جملة .
(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء: من الآية 15)
وجملة :
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 4)
بحيث يصح أن يقال أن عدم تقييد الشهداء بغير الإسلام يجعل الجملتين شاملتين للمرأة وتكون الجملتان سنداً لشهادة المرأة فى الجرائم والحدود.
ولقد روى أبو داود والترمذى عن عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبى صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرها .
وفى رواية أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية . ولأبى داود (لا تجوز شهادة بدوى على صاحب قرية) وفى القرآن منع الشهادة القاذف الذى يوقع عليه الحد إلا من تاب كما جاء فى سورة النور الآية الرابعة .
ومقتضى هذا أن المرأة التى لا تتصف بأى صفة من هذه الصفات تصح شهادتها مطلقا.
وإذا تأملنا جملة :
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة : من الآية 282)
وكذلك جملة :
(فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء : من الآية 15)
وجملة :
(بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق : من الآية 2)
نجد أن كلها تفيد أن الشهود الذين أمر الله أن يستشهدوا ليسوا شهود صدفة وواقعة مفاجئة وإنما شهود طلب منهم أن يحضروا ويشهدوا .
وهناك وقائع كثيرة متنوعة فى الشئون المالية وغير المالية تقع مفاجأة وصدفة ولا يكون شاهداً عليها إلا امرأة أو امرأتان. وعدم الأخذ بشهادة الشاهدة أو الشاهدتين قد يؤدى على ضياع حق أو جريمة أو حالة شرعية يجب التحقق منها. والذى نعتقده أن اعتبار ذلك ضرورة شرعية . وليس فى القرآن ولا فى السنة الصحيحة ما يمنع ذلك وحكمة الله ورسوله أعظم من الرضاء بضياع حق أو جريمة أو حالة شرعية بسبب كون شاهد ذلك امرأة أو امرأتين.
ولقد روى الخمسة إلا البخاري عن ابن عباس (أن رسول الله قضى بيمين وشاهد) وأيضاً قبل شهادة الرجل الواحد العدل.
قال ابن عمر (أخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنى رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه) أى صيام رمضان.
وفى هذه الأحاديث تأييد لما نقول من حيث أن النبى صلى الله عليه وسلم جارى الموقف ولم يلتزم بشاهدين أو يقبل بضياع حق مسلم بسبب عدم وجود شاهدين. وقد قال فى ذلك الإمام الشافعى : القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لأنه لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه . وبهذا قضى أبو بكر وعلى وعمر بن عبد العزيز وجمهور السلف والخلف ومنهم مالك وأصحابه والشافعى وابتاعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود وهو الذى لا يجوز خلافه .
ويؤكد هذه المعانى أن الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد على الولادة وشهادة المعلم وحده فى قضايا الصبيان وشهادة الخبير فى تقويم المتلفات وشهادة الواحد فى تزكية الشهود وجرحهم وفى أخبار عزل الوكيل وفى أخبار عيب المبيع كما أجاز الإمام مالك شهادة الصبيان فى الجراح وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجاريح بعضهم بعضاً وهذا هو الراجح فإن الرجال لا يحضرون معهم فى لعبهم ... فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده .
فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد فى المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذى هو دون ذلك .
كذلك ذهب مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى قبول ترجمة المترجم الواحد العدل. والترجمة كالشهادة (وغنى عن البيان أن نذكر أن وضع المرأة المترجمة كوضع الرجل المترجم سواء بسواء) . ومنهم أيضاً ابن القيم الذى قال (والصواب أن كل ما بين الحق فهو بينه ولم يعطل الله ولا رسوله حقاً بعد ما تبين بطريق من الطرق أصلاً بل حكم الله ورسوله الذى لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضع بأى طريق كان وجب تنفيذه ونصره وحرمه تعطيله وإبطاله) .
وقال كذلك (يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه فى غير الحدود ولم يوجب الله على الحكام أن لا يحكموا إلا بشاهدين أصلاً وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين أو بشاهد وامرأتين وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك بل قد حكم النبى صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين وبالشاهد فقط).
فالطرق التى يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التى يرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها . أجاز الرسول شهادة الإعرابى وحده على رؤية الهلال . وأجاز شهادة الشاهد فى قضية سلب. وجعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين وقال (من شهد له خزيمة فهو حسبه) وليس هذا مخصوصاً بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة فلو شهد أبو بكر أو عمر او عثمان أو على أو أبى بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده) قاله أبو داود باب – إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به) .
كذلك قبل الرسول عليه الصلاة والسلام شهادة المرأة الواحدة إذا كانت ثقة ففيما أخرجه البخارى أن عقبة بن الحارث تزوج أم يحيى بنت أبى أهاب فجاءت امرأة فقالت : لقد أرضعتكما . فسأل النبى صلى الله عليه وسلم . فقال : كيف ؟ وقد قيل؟ ففارقها عقبة فنكحت زوجاً غيره .
وقد أجاز ابن عباس شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال (صراخ الطفل عند الولادة) وقد روى عن الشعبى والنخعى وروى عن على وشريح أنهما قضيا بهذا .
وعند الحنابلة أن ما لا يطلع عليه الرجال غالباً يقبل فيه شهادة امرأة عدل.
وبناء على ما سبق – خاصة وأن الشهادة فرض عين – نقول أن وضع المرأة فى الشهادة كوضع الرجل وأن منع الأخذ بشهادة المرأة فى بعض الشئون أم لم يرد به نص صريح من قرآن أو سنة .
وأن ما جاء من اعتبار شهادة الرجل تساوى شهادة امرأتين فى سورة البقرة فقد جاء بشأن الدين لأجل وتوضح الآيات فى اشتراط المرأتين أن تذكر إحداهما الأخرى بما يدل أن شهادتها التى ستقدمها عن الاقتضاء تكون تصديقاً لما كتب – بوثيقة الدين – بما سمعته من إملاء صاحب الحق على الكاتب . وهذا يعنى أنها امرأة أمية وسيلتها فى استعادة ما يبق حدوثه هو الذاكرة فقط على النحو الذى سبق إيضاحه فى الصفحات الماضية . فإذا تغير الوضع تغير الحكم بالضرورة .
وعليه يكون قياس شهادة المرأة فى جميع الشئون التى لم ترد فيها نص على ما جاء بسورة البقرة هو اجتهاد فقهى محدود باجتهاد الفقهى فى حدود فكرة وظروف عصره وهذا أمر غير مطلق لأن المصلحة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحوال وتجميد أراء الفقهاء وعدم مراعاة الواقع المتغير أمر لا يستفيد منه المجتمع ولا الدين لأن فيه ابتعاد عن جوهر الدين .
ومما يؤكد قولنا هذا موقف سيدنا عمر ابن الخطاب أمير المؤمنين عندما أوقف العمل بحد السرقة فى عام المجاعة وأيضاً عندما منع إعطاء المؤلفة سهماً من الزكاة حسب ما تنص الآية القرآنية :
(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة : 60)
واعتبر هذا حكماً وقتياً على الرغم من أن الآية لم تنسخ كما أنها تنص على أن هذه الأنصبة فريضة من الله . ولقد اعتبر أن ما فعله عمر هذا ، يعتبر بمقاييس الفقه وآراء الشراح فخراً للإسلام ودليلاً على أهمية الاجتهاد .
وأيضاً منع عمر بن الخطاب زواج المتعة وهو زواج مؤقت ليست له أحكام الزواج وآثاره مع أن هذا الزواج مازال قائماً لدى الشيعة يستندون فيه إلى الآية القرآنية :
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(النساء : من الآية 24)
واعتبر عمر أن هذا الحكم وقتياً زالت كل قوة له وأثر .
كـذلك أحكام الرق فى القرآن اعتبرت أحكاماً وقتية . والقول بغير ذلك يعنى أن الرق من صميم الإسلام وانه حال مؤبد وأحكامه دائمة وإلغائه وتحرير الإنسان وقف العمل بأحكام شرعية وعليه فقد ألغى المشرع المصرى الرق دكريتو فى 4/8/1877م أمر عال فى 21/6/1896م.
وعلى ضوء ما سبق نؤكد أن شهادة المرأة كشهادة الرجل خاصة وأنه ليس هناك نص يمنع من ذلك إلى جانب أن ما جاء بسورة البقرة كان متعلقاً بواقع معين محدد به. فإن تغير الواقع تغير الحكم بالضرور
يسعد صباحكم جميعا.. موضوع قرأته فأحببت طرحه بين صفحاتكم الغالية.. تفضلوا مشكورين
تعريف الشهادة:
الشهادة مشتقة من المشاهدة وهى المعاينة لأن الشاهد يخبر عما شاهده وعاينه ومعناها الأخبار عما علمه بلفظ أشهد أو شهدت .
ولا يحل لأحد أن يشهد إلا بعلم والعلم يحصل بالرؤية أو السماع أو باستفاضة فيما يتعذر علمه غالباً بدونها . والاستفاضة هى الشهرة التى تثمر الظن أو العلم
حكم الشهادة :
هى فرض عين على من تحملها متى دعى إليها وخيف من ضياع الحق بل تجب إذا خيف من ضياعه ولم يدع لها لقول الله تعالى :
(وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (البقرة : من الآية 283)
(وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: من الآية 2)
وفى الحديث الصحيح
" أنصر أخاك ظلماً أو مظلوماً " وفى أداء الشهادة نصره.
النصوص القرآنية الواردة بتحديد نصاب الشهادة:
1- ففى الحدود ورد قوله تعالى:
(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء: من الآية 15)
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 4)
وقوله تعالى:
(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 13)
2- فى الطلاق والرجعة : نقرأ قوله تعالى :
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق: من الآية2)
3- وفى الحقوق المالية: نقرأ قوله تعالى فى سورة البقرة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا)(البقرة: من الآية 282).
حيث أنها نصت على جعل شهادة الرجل تعدل امرأتان مما جعل البعض ينظر لهذا الأمر على انه دليل لتأخير درجة المرأة عن الرجل.
وبالنظر فى دلالات الآية المشار إليها يتضح دقة التشريع وأهدافه وصحة إجراءاته حيث تقرر الآية مبدأ كتابة الدين وأن يقوم به كاتب وليس أحد المتعاقدين وأن الذى عليه الحق-المدين- هو الذى يملى على الكاتب مقدار الدين وشروطه وأجله وأن كان المدين سفيهاً أو ضعيفاً أو به آفه حسية أو عقلية لأى سبب من الأسباب فيتولى القيم عليه الإملاء.
ثم تقرر الآية وجوب شاهدين على العقد (ممن ترضون من الشهداء) والرضا يشتمل معينين أن يكون الشاهدان مرضيين فى الجماعة والثانى أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد وأن يدعى إلى هذا الرجال فإن لم يتيسر ذلك فيكون رجلا وامرأتين .
وسبب تقديم الرجال هنا يرجع إلى أن الرجال فى ذلك الوقت كانوا هم الذين يزاولون الأعمال التجارية ووثائق الديون وغيرها من سائر المعاملات المالية إنما تتم فى مجامع الرجال الذين هم أصحاب النشاط الأوفر فيها وقلماً كان يتاح للمرأة أن تشهد هذه المجالس فى هذا الزمان وعليه تكون قدره الرجل على الإلمام بكل جزئيات هذا المجال اكبر من المرأة لابتعادها عنها و احتمال الا تلم إلماما كاملا بكل التفاصيل التى يعيشها الرجل من خلال عمله اليومى أما عن جعل شهادة الرجل تساوى شهادة امرأتين فقد أوضح النص السبب فى هذا من خلال قوله تعالى :
(أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة :من الآية 282)
والضلالة هنا بمعنى النسيان والضلال ينشا من أسباب كثيرة فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح فى عقلها بحيث تؤدى عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء فتذكرها الأخرى بالتعاون معا على تذكر ملابسات الموضوع كله
ونستشف من هذا التعليل الوارد بالآية القرآنية عدة أمور:
1. 1- أن النسيان عارض قد يعرض لبعض النساء وليس لكل النساء بسبب نقص الخبرة خاصة فى الأمور التى لا تلم بخصائصها وجزيئاتها الدقيقة فإن قصرت ذاكرة إحدى الشاهدتين عن استيعاب جميع ملابسات الموقف فتذكرها الأخرى بما تملكه من ذاكرة حافظة تكمل نقص ذاكرة الشاهدة الأخرى إن وجد هذا النقص .
2. 2- إن التذكر الوارد فى التعليل فى الآية يعنى أنه سيطلب من المرأة أن تؤدى الشهادة عما جاء بالعقد عند الاقتضاء فى وقت لاحق خاصة وأن الآية جاءت بشأن الدين لأجل والتذكر يكون مطلوباً فى حالة استعادة أمر تم مشاهدته أو سماعه فى زمن ماض وأدائه على النحو الذى تم به وهذا يشير أن المرأة هنا كانت أمية وأن شهادتها ستكون قائمة على تذكر ما حدث ومطابقة ما تقول بما هو مدون فى العقد لضمان صحة ما جاء به وأنه هو نفس ما سمعته عندما أملاه الذى عليه الحق- أى المدين- ويؤكد هذا أن الشخص الذى يقرأ ويكتب ويشهد على ما جاء فى عقد أبرم أمامه يكون توقيعه عليه هو إقرار بصحة محتواه وأنه مطابق الواقع وعند الاقتضاء يقدم العقد بتوقيع الشهود ولا يكون هناك بحث إلا فى التوثيق من صحة التوقيع فقط ولن يكون هناك مجال للتذكر.
لذلك كان النص على وجود امرأتين من مجتمع الكتابة والقراءة غير منتشرة بين أفراده مع ابتعاد المرأة فى ذلك الحين عن الأمور التجارية كما سبق وأوضحنا إنما جاء ليتم التأكد من صحة ما ورد بالوثيقة بناء على ما تقرر المرأة أنها سمعته من المدين وهو يمل على الكاتب خاصة وأن الآية القرآنية تأمر الكاتب أن يكتب بالعدل – ولهذا دلالته – فلو كان الحضور من الكتبة والقراء لصححوا أى خطأ فى الكتابة سيقع من الكاتب لا يقره طرفى العقد أو الشهود لمخالفته للواقع كما أنه فى الغالب سيحمل الضرر لأحد طرفى العقد على الأقل . أما وقد جاء الأمر الإلهى للكاتب أن يكتب بالعدل فهذا يعنى أن الرقيب عليه لن يكون سوى الله وضميره ثم يجئ دور الشهداء عند الاقتضاء ليقرروا أن ما ورد بالعقد هو ما سبق وأن سمعوه من المدين .
أما لماذا قبلت شهادة الرجل الواحد – واحتمال أميته قائمة كالمرأة – فى مقابل شهادة امرأتين نقول أن السبب فى هذا كما سبق وأوضحنا يرجع إلى ابتعاد النساء عن مجال التعاملات المالية خلاف الرجل الذى يعيشها ويمارسها دائماً مما يجعل احتمال نسيان المرأة لبعض الجزئيات أو التفاصيل فى هذا الشأن أقرب للحدوث منها فى شأن الرجل . وهذا الإجراء يعكس حرص الإسلام على الحفاظ على أداء الحقوق المالية ولقد علل القرطبى هذا الحرص بقوله:
لأن الأموال كثر الله أسباب توثيقها لعموم البلوى بها وتكررها فجعل فيها التوثيق تارة للإشهاد وتارة بالرهن وتارة بالضمان وأدخل فى جميع ذلك النساء مع الرجال.
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نفهم ما جاء فى سورة البقرة من تحديد لنصاب الشهادة فى مجال أداء الديون وعليه نستطيع أن نقول أنه جاء فى خصوص مجتمع المرأة فيه لا تعرف القراءة والكتابة فى النسبة الغالبة الأعم إلى جانب أنها كانت قلما تتعامل فى النواحى التجارية والمالية. وعليه فإن ما ذكر فى آية البقرة جاء فى أمر له ظروفه ومتغيراته وليس من شأنه أن يقاس عليه أو يمنع غيره خاصة وأننا لم نطلع على أثر نبوى أو صحابى صحيح أو من الكتاب يؤيد ذلك .
ولقد ناقش ابن القيم فى اعلام الموقعين هذه المسألة فى الجزء الأول وانتهى إلى القول أن النصوص القرآنية والآثار النبوية لا تقيد شهادة المرأة فى أمور دون أمور وأن شهادتها تصح فى جميع الشئون واستند إلى جملة.
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) (الطلاق: من الآية2)
وجملة :
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ) (المائدة : من الآية 106)
قائلاً أن المتفق عليه أن كل خطاب بصيغة الجمع المذكر للمؤمنين فى القرآن يشمل المؤمنين والمؤمنات إذا لم يكن فيه قرينه مخصصة. وهذا كله حق وصواب بحيث يصح القول أن امرأتين تعدان شاهدتين تامتين فى الحالات المذكورة فى آيات سورتى الطلاق والمائدة .
وقد يكون من الدلائل عليه ما فى الجملة التى نحن بصددها من – آية سورة البقرة – تخصيص دون الجملتين فى سورتى الطلاق والمائدة. ويمكن أن يضاف على ما استشهد به ابن القيم جملة .
(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء: من الآية 15)
وجملة :
(وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) (النور : من الآية 4)
بحيث يصح أن يقال أن عدم تقييد الشهداء بغير الإسلام يجعل الجملتين شاملتين للمرأة وتكون الجملتان سنداً لشهادة المرأة فى الجرائم والحدود.
ولقد روى أبو داود والترمذى عن عمر ابن شعيب عن أبيه عن جده (أن النبى صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذى الغمر على أخيه ورد شهادة القانع لأهل البيت وأجازها لغيرها .
وفى رواية أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية . ولأبى داود (لا تجوز شهادة بدوى على صاحب قرية) وفى القرآن منع الشهادة القاذف الذى يوقع عليه الحد إلا من تاب كما جاء فى سورة النور الآية الرابعة .
ومقتضى هذا أن المرأة التى لا تتصف بأى صفة من هذه الصفات تصح شهادتها مطلقا.
وإذا تأملنا جملة :
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) (البقرة : من الآية 282)
وكذلك جملة :
(فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ) (النساء : من الآية 15)
وجملة :
(بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) (الطلاق : من الآية 2)
نجد أن كلها تفيد أن الشهود الذين أمر الله أن يستشهدوا ليسوا شهود صدفة وواقعة مفاجئة وإنما شهود طلب منهم أن يحضروا ويشهدوا .
وهناك وقائع كثيرة متنوعة فى الشئون المالية وغير المالية تقع مفاجأة وصدفة ولا يكون شاهداً عليها إلا امرأة أو امرأتان. وعدم الأخذ بشهادة الشاهدة أو الشاهدتين قد يؤدى على ضياع حق أو جريمة أو حالة شرعية يجب التحقق منها. والذى نعتقده أن اعتبار ذلك ضرورة شرعية . وليس فى القرآن ولا فى السنة الصحيحة ما يمنع ذلك وحكمة الله ورسوله أعظم من الرضاء بضياع حق أو جريمة أو حالة شرعية بسبب كون شاهد ذلك امرأة أو امرأتين.
ولقد روى الخمسة إلا البخاري عن ابن عباس (أن رسول الله قضى بيمين وشاهد) وأيضاً قبل شهادة الرجل الواحد العدل.
قال ابن عمر (أخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنى رأيت الهلال فصام وأمر الناس بصيامه) أى صيام رمضان.
وفى هذه الأحاديث تأييد لما نقول من حيث أن النبى صلى الله عليه وسلم جارى الموقف ولم يلتزم بشاهدين أو يقبل بضياع حق مسلم بسبب عدم وجود شاهدين. وقد قال فى ذلك الإمام الشافعى : القضاء بشاهد ويمين لا يخالف ظاهر القرآن لأنه لا يمنع أن يجوز أقل مما نص عليه . وبهذا قضى أبو بكر وعلى وعمر بن عبد العزيز وجمهور السلف والخلف ومنهم مالك وأصحابه والشافعى وابتاعه وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وداود وهو الذى لا يجوز خلافه .
ويؤكد هذه المعانى أن الأحناف أجازوا شهادة الرجل الواحد على الولادة وشهادة المعلم وحده فى قضايا الصبيان وشهادة الخبير فى تقويم المتلفات وشهادة الواحد فى تزكية الشهود وجرحهم وفى أخبار عزل الوكيل وفى أخبار عيب المبيع كما أجاز الإمام مالك شهادة الصبيان فى الجراح وكذلك عمل الصحابة وفقهاء المدينة بشهادة الصبيان على تجاريح بعضهم بعضاً وهذا هو الراجح فإن الرجال لا يحضرون معهم فى لعبهم ... فإن الظن الحاصل حينئذ من شهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين وهذا مما لا يمكن دفعه وجحده .
فلا نظن بالشريعة الكاملة الفاضلة المنتظمة لمصالح العباد فى المعاش والمعاد أنها تهمل مثل هذا الحق وتضيعه مع ظهور أدلته وقوتها وتقبله مع الدليل الذى هو دون ذلك .
كذلك ذهب مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى قبول ترجمة المترجم الواحد العدل. والترجمة كالشهادة (وغنى عن البيان أن نذكر أن وضع المرأة المترجمة كوضع الرجل المترجم سواء بسواء) . ومنهم أيضاً ابن القيم الذى قال (والصواب أن كل ما بين الحق فهو بينه ولم يعطل الله ولا رسوله حقاً بعد ما تبين بطريق من الطرق أصلاً بل حكم الله ورسوله الذى لا حكم له سواه أنه متى ظهر الحق ووضع بأى طريق كان وجب تنفيذه ونصره وحرمه تعطيله وإبطاله) .
وقال كذلك (يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه فى غير الحدود ولم يوجب الله على الحكام أن لا يحكموا إلا بشاهدين أصلاً وإنما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين أو بشاهد وامرأتين وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك بل قد حكم النبى صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين وبالشاهد فقط).
فالطرق التى يحكم بها الحاكم أوسع من الطرق التى يرشد الله صاحب الحق إلى أن يحفظ حقه بها . أجاز الرسول شهادة الإعرابى وحده على رؤية الهلال . وأجاز شهادة الشاهد فى قضية سلب. وجعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين وقال (من شهد له خزيمة فهو حسبه) وليس هذا مخصوصاً بخزيمة دون من هو خير منه أو مثله من الصحابة فلو شهد أبو بكر أو عمر او عثمان أو على أو أبى بن كعب لكان أولى بالحكم بشهادته وحده) قاله أبو داود باب – إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به) .
كذلك قبل الرسول عليه الصلاة والسلام شهادة المرأة الواحدة إذا كانت ثقة ففيما أخرجه البخارى أن عقبة بن الحارث تزوج أم يحيى بنت أبى أهاب فجاءت امرأة فقالت : لقد أرضعتكما . فسأل النبى صلى الله عليه وسلم . فقال : كيف ؟ وقد قيل؟ ففارقها عقبة فنكحت زوجاً غيره .
وقد أجاز ابن عباس شهادة القابلة وحدها فى الاستهلال (صراخ الطفل عند الولادة) وقد روى عن الشعبى والنخعى وروى عن على وشريح أنهما قضيا بهذا .
وعند الحنابلة أن ما لا يطلع عليه الرجال غالباً يقبل فيه شهادة امرأة عدل.
وبناء على ما سبق – خاصة وأن الشهادة فرض عين – نقول أن وضع المرأة فى الشهادة كوضع الرجل وأن منع الأخذ بشهادة المرأة فى بعض الشئون أم لم يرد به نص صريح من قرآن أو سنة .
وأن ما جاء من اعتبار شهادة الرجل تساوى شهادة امرأتين فى سورة البقرة فقد جاء بشأن الدين لأجل وتوضح الآيات فى اشتراط المرأتين أن تذكر إحداهما الأخرى بما يدل أن شهادتها التى ستقدمها عن الاقتضاء تكون تصديقاً لما كتب – بوثيقة الدين – بما سمعته من إملاء صاحب الحق على الكاتب . وهذا يعنى أنها امرأة أمية وسيلتها فى استعادة ما يبق حدوثه هو الذاكرة فقط على النحو الذى سبق إيضاحه فى الصفحات الماضية . فإذا تغير الوضع تغير الحكم بالضرورة .
وعليه يكون قياس شهادة المرأة فى جميع الشئون التى لم ترد فيها نص على ما جاء بسورة البقرة هو اجتهاد فقهى محدود باجتهاد الفقهى فى حدود فكرة وظروف عصره وهذا أمر غير مطلق لأن المصلحة متغيرة بتغير الزمان والمكان والأحوال وتجميد أراء الفقهاء وعدم مراعاة الواقع المتغير أمر لا يستفيد منه المجتمع ولا الدين لأن فيه ابتعاد عن جوهر الدين .
ومما يؤكد قولنا هذا موقف سيدنا عمر ابن الخطاب أمير المؤمنين عندما أوقف العمل بحد السرقة فى عام المجاعة وأيضاً عندما منع إعطاء المؤلفة سهماً من الزكاة حسب ما تنص الآية القرآنية :
(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة : 60)
واعتبر هذا حكماً وقتياً على الرغم من أن الآية لم تنسخ كما أنها تنص على أن هذه الأنصبة فريضة من الله . ولقد اعتبر أن ما فعله عمر هذا ، يعتبر بمقاييس الفقه وآراء الشراح فخراً للإسلام ودليلاً على أهمية الاجتهاد .
وأيضاً منع عمر بن الخطاب زواج المتعة وهو زواج مؤقت ليست له أحكام الزواج وآثاره مع أن هذا الزواج مازال قائماً لدى الشيعة يستندون فيه إلى الآية القرآنية :
(فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)(النساء : من الآية 24)
واعتبر عمر أن هذا الحكم وقتياً زالت كل قوة له وأثر .
كـذلك أحكام الرق فى القرآن اعتبرت أحكاماً وقتية . والقول بغير ذلك يعنى أن الرق من صميم الإسلام وانه حال مؤبد وأحكامه دائمة وإلغائه وتحرير الإنسان وقف العمل بأحكام شرعية وعليه فقد ألغى المشرع المصرى الرق دكريتو فى 4/8/1877م أمر عال فى 21/6/1896م.
وعلى ضوء ما سبق نؤكد أن شهادة المرأة كشهادة الرجل خاصة وأنه ليس هناك نص يمنع من ذلك إلى جانب أن ما جاء بسورة البقرة كان متعلقاً بواقع معين محدد به. فإن تغير الواقع تغير الحكم بالضرور

