إتباع الأحكام أم إتباع الأشخاص ؟ ونظرة في مقولة ( لحوم العلماء مسمومة )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • طالب عوض الله
    موقوف
    • Jul 2007
    • 262

    #1

    إتباع الأحكام أم إتباع الأشخاص ؟ ونظرة في مقولة ( لحوم العلماء مسمومة )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اتباع الأحكام أم اتباع الأشخاص؟

    ونظرة في مقولة:
    ( لحوم العلماء مسمومة )
    الشيخ أبو الحارث التميمي - الكويت
    الحلقة (1 )


    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه واتبع هداه.

    أما بعد،

    إن الإسلام هو الانقياد لله تعالى والالتزام بأوامره بعد الإيمان به وبمن أرسل وبما أنزل.

    وأوامر الله ونواهيه هي منهجه ورسالته التي أنزلها على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهي الإسلام، وجعلها الله تعالى خاتمة الرسالات، عن جابر بن عبد اللّه أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتب فغضب النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: (أمتهوّكون فيها يا ابن الخطّاب؟ والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّةً لا تسألوهم عن شيءٍ فيخبروكم بحقٍّ فتكذّبوا به أو بباطلٍ فتصدّقوا به والّذي نفسي بيده لو أنّ موسى صلى الله عليه وسلم كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتّبعني)[رواه أحمد] . وحدث أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: (والّذي نفس محمّدٍ بيده لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمّة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النّار) [رواه مسلم] . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : (ما من مولودٍ إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء ثمّ يقول (فطرة اللّه الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدّين القيّم ) ) [رواه البخاري] .

    وقد خاطب الله تعالى برسالة الإسلام الناس جميعاً. فقال تعالى: (يا أيّها النّاس اعبدوا ربّكم الّذي خلقكم والّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون) [البقرة:21] وقال عز من قائل: (يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً ولا تتّبعوا خطوات الشّيطان إنّه لكم عدوٌّ مبينٌ) [البقرة:168] وقال جل وعلا: (يا أيّها النّاس قد جاءكم الرّسول بالحقّ من ربّكم فآمنوا خيراً لكم وإن تكفروا فإنّ للّه ما في السّماوات والأرض وكان اللّه عليماً حكيماً) [النساء:170] وقال: (قل يا أيّها النّاس إنّي رسول اللّه إليكم جميعاً الّذي له ملك السّماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا باللّه ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن باللّه وكلماته واتّبعوه لعلّكم تهتدون) [الأعراف:158] وقال: (قل يا أيّها النّاس قد جاءكم الحقّ من ربّكم فمن اهتدى فإنّما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنّما يضلّ عليها وما أنا عليكم بوكيلٍ) [يونس:108] .

    فوجب على كل من سمع الخطاب أن يفهمه ويؤمن به ويعمل بمقتضاه، ولهذا كان الأصل أن يفهم المسلم الأدلة التشريعية فيعرف الحكم الشرعي المتعلقة به تلك الأدلة ليطبقه ويلتزمه.

    غير أن واقع الخطاب أنه لا بد من وجود القدرة على فهمه لاستنباط الحكم الشرعي منه، وهذه القدرة هي الاجتهاد، والاجتهاد في اللغة هو استفراغ الوسع في تحقيق أمر من الأمور مستلزم للكلفة والمشقة. وأما في اصطلاح الأصوليين فهو مخصوص باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه.

    والأصل في المسلم أن يكون مجتهداً يفهم الخطاب الشرعي ويستنبط منه الحكم الشرعي، ولذلك قرر الأصوليون للمجتهد شروطاً وهي: أن يكون مسلماً صحيح الفهم عالماً بمصادر الأحكام، من كتاب وسنّة وإجماع وقياس، وبالنّاسخ منها والمنسوخ، عالماً باللّغة العربيّة: نحوها وصرفها وبلاغتها، عالماً بأصول الفقه. والمراد بمعرفة الكتاب معرفة آيات الأحكام، وليس المراد حفظها بل معرفة مواقعها بحيث يستطيع الوصول إليها بيسر وسهولة، ويستطيع معرفة معانيها كذلك. والمراد بمعرفة السّنّة معرفة ما ورد من الأحاديث في الأحكام، وليس المراد حفظها، وإنّما يكفي أن يكون لديه أصل جامع لغالبيّة أحاديث الأحكام يستطيع أن يتعرّف فيه بيسر وسهولة، مواقع كلّ باب منها ليرجع إليه عند الحاجة، ولا بدّ أن يعرف المقبول منها من المردود. واشترطت معرفته بالنّاسخ والمنسوخ، لئلاّ يفتي بما هو منسوخ. واشترطت معرفته بالعربيّة لكي يتمكّن من فهم القرآن والسّنّة على وجههما الصّحيح، لأنّهما وردا بلسان العرب، وجريا على أساليب كلامهم. واشترطت معرفته بأصول الفقه لكي لا يخرج في استنباطه للأحكام، وفي التّرجيح عند التّعارض، عن القواعد الصّحيحة لذلك. وهذه الشّروط إنّما هي للمجتهد المطلق المتصدّي للاجتهاد في جميع مسائل الفقه.

    والمسلمون ليسوا على نفس القدر من الفهم والإدراك والاضطلاع بمعرفة الأدلة السمعية التي تؤخذ منها القواعد والأحكام، ومعرفة وجوه دلالة اللفظ المعتد بها في لسان العرب واستعمال البلغاء، لذلك كان من المتعذر عليهم جميعاً أن يكونوا مجتهدين، فصاروا من حيث أخذ الأحكام مجتهدين ومقلدين.

    ولا يقال أنه لا حاجة لتقليد المجتهد ويكفي النظر في النصوص ومعرفة الحكم الشرعي، لا يقال ذلك لأن النظر في النصوص يحتاج لمعرفة باللغة العربية التي جاءت هذه النصوص عليها، كما يقتضي معرفة الأدلة متقدمها ومتأخرها، فالصحابة عندما اختلفوا في حديث صلاة العصر في بني قريظة مثلاً فإنهم كانوا مجتهدين قادرين على فهم النص واستنباط الحكم الشرعي، فقد روى البخاري عن نافعٍ عن ابن عمر رضي اللّهم عنهما قال: (قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطّريق فقال بعضهم لا نصلّي حتّى نأتيها وقال بعضهم بل نصلّي لم يرد منّا ذلك فذكر ذلك للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فلم يعنّف واحدًا منهم) . ومثلاً إذا ذبح الجزار شاة ذبحاً شرعياً، فخرج من بطنها جنين ميت، فهل يحل أكله دون تذكيته، أو لا يحل إلا بتذكية وذبح غير ذبح أمه؟ وقد ورد في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (ذكاة الجنين ذكاة أمّه) [رواه الترمذي] مما يفهم منه أن ذبح الشاة يغني عن ذبح جنينها، ولكن لا يمكن أخذ الحكم الشرعي من هذا الحديث دون معرفة طرق روايته وكيف تنطق كلماته، فهذا الحديث مثلاً روي بالرفع والنصب، كما ذكر ابن الأثير في النهاية، فمن رفعه جعله خبر المبتدأ الذي هو ذكاة الجنين فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين فلا يحتاج إلى ذبح، ومن نصب كان التقدير عنده: ذكاة الجنين كذكاة أمة، فلما حذف الجار نصب المجرور، أو على تقدير يذكى تذكية مثل ذكاة أمه، فحذف المصدر وصفته، وأقام المضاف إليه مقامه، وقد أخذ بمقتضى الرفع الإمام الشافعي وغيره، وأخذ بمقتضى النصب الإمام أبو حنيفة وابن حزم الظاهري، وكل أيد ما ذهب إليه بما عنده من أدلة.

    وكذلك في قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري: عن عبد اللّه بن أبي قتادة عن أبيه قال بينما نحن نصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ سمع جلبة رجالٍ فلمّا صلّى قال: (ما شأنكم قالوا استعجلنا إلى الصّلاة قال فلا تفعلوا إذا أتيتم الصّلاة فعليكم بالسّكينة فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا) وجاء في رواية لعبد الرزاق والإمام أحمد (وما فاتكم فاقضوا) وهذا الاختلاف بين الكلمتين فاقضوا و فأتموا أدى إلا اختلاف في أحكام صلاة المسبوق، فعلى الرواية الأولى (فأتموا) فإن المسبوق يعتبر الركعة التي أدركها مع الإمام ركعة أولى بالنسبة إليه، فيتم صلاته تسلسلاً مع ما أدركه من ركعات، وعلى الرواية الثانية (فاقضوا) فإن المسبوق يعتبر الركعة التي أدركها مع الإمام كما صلاها الإمام إن كانت ثانية أو ثالثة أو رابعة، وعليه أن يقضي ما فاته فيصلي الركعة الأولى بعد انتهاء الإمام فيقرأ فيها دعاء الاستفتاح وهكذا، وقد أخذ بالرأي الأول الإمام الشافعي وأخذ بالثاني الإمام أبو حنيفة.

    يتبع/ ...


    __________________
    بربك أيها الغافي تيقظ*** فقد ضجت بغفوتك المُهودُ
    ألم توقظك ولولةُ العذارى*** مروعة ترددها النجودُ
  • طالب عوض الله
    موقوف
    • Jul 2007
    • 262

    #2
    الرد: إتباع الأحكام أم إتباع الأشخاص ؟ ونظرة في مقولة ( لحوم العلماء مسمومة )

    بسم الله الرحمن الرحيم
    اتباع الأحكام أم اتباع الأشخاص، ونظرة في مقولة:
    ( لحوم العلماء مسمومة )
    الشيخ أبو الحارث التميمي - الكويت
    الحلقة (2)


    وقد أجاز الإسلام للمسلم أن يقلد غيره من المجتهدين ليعرف حكم الله تعالى في حقه في المسألة المراد تقليد المجتهد فيها، قال تعالى: (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) [الأنبياء:7] والآية ((وإن كانت وردت في مقام الرد على المشتركين لما أنكروا كون الرسول بشراً، ولكن لفظها عام والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وهي ليست في موضوع معيّن حتى يقال أنها خاصة في هذا الموضوع، فإنها عامة في الطلب ممن لا يعلم السؤال ممن يعلم. إذ هي طلب من المشركين أن يسألوا أهل الكتاب ليعلموهم أن الله لم يبعث إلى الأمم السالفة إلا بشراً، وهذا خبر يجهلونه فطلب منهم أن يسألوا من يعرفه. فالآية تقول: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فجاءت كلمة فاسألوا عامة، أي اسألوا لتعلموا أن الله لم يبعث إلى الأمم السابقة إلا بشراً، فهو متعلق بالمعرفة وليس متعلقاً بالإيمان. وأهل الذكر وإن كان المشار إليهم في الآية هم أهل الكتاب فإنه جاء الكلام أيضاً عاماً فيشمل كل أهل ذكر. والمسلمون أهل الذكر لأن القرآن ذكر قال تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم) . فالعالمون بالأحكام الشرعية هم من أهل الذكر سواء أكانوا عالمين علم اجتهاد أم علم تلقٍ. والمقلد إنما يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة أو المسائل. وعلى ذلك فإن الآية تدل على جواز التقليد) [الشخصية الإسلامية-الجزء الأول] .

    قال الإمام القرطبي في تفسير الآية: (وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن; أي فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن; قال جابر الجعفي: لما نزلت هذه الآية قال علي رضي الله عنه نحن أهل الذكر. مسألة: لم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها, وأنهم المراد بقول الله عز وجل: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) أجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق، بالقبلة إذا أشكلت عليه; فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به لا بد له من تقليد عالمه, وكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا; لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم) .

    وعن الزّبير بن خريقٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: خرجنا في سفرٍ فأصاب رجلاً منّا حجرٌ فشجّه في رأسه ثمّ احتلم فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في التّيمّم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصةً، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل فمات. فلمّا قدمنا على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العيّ السّؤال إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصر أو يعصب شكّ موسى على جرحه خرقةً ثمّ يمسح عليها ويغسل سائر جسده) [رواه أبو داود] .
    فالمسلم مأمور أن يلتزم بالحكم الشرعي، فإن كان قادراً على استنباط الحكم الشرعي من خطاب الشارع فعل وكان مجتهداً بذلك، وإلا فإن عليه أن يأخذ الحكم الشرعي من مجتهد لديه القدرة على الاجتهاد.

    وقد قسم الفقهاء التقليد إلى تقليد واتباع وقسموا المقلدين إلى مقلد عامي ومقلد متبع، وفرقوا بينهما أن العامي هو الذي يسأل عن الحكم الشرعي ولا يعرف دليله، لجهله أو عدم قدرته على الفهم، والمتبع هو الذي يأخذ الحكم الشرعي من المجتهد بعد أن يعرف الدليل عليه، إلا أن هذا التقسيم لا يغير من واقع أخذ الحكم الشرعي أنه إما أن يكون اجتهاداً أو تقليداً.

    قال ابن المنظور (تبع الشيء تبعاً وتباعاً في الأفعال وتبعت الشيء تبوعاً: سرت في إثره؛ واتّبعه وأتبعه وتتبّعه قفاه وتطلّبه متّبعاً له وكذلك تتبّعه وتتبّعته تتبّعاً؛ قال القطامي: وخير الأمر ما استقبلت منه، وليس بأن تتبّعه اتّباعاً، وتبعت القوم تبعاً وتباعةً، بالفتح، إذا مشيت خلفهم أو مرّوا بك فمضيت معهم. وفي حديث الدعاء: تابع بيننا وبينهم على الخيرات أي اجعلنا نتّبعهم على ما هم عليه) .

    فالاتّباع في اللّغة بمعنى السّير وراء الغير وبمعنى الائتمام والائتمار والعمل بكلام الغير، وغير ذلك من المعاني. وفي الاصطلاح هو الرّجوع إلى قول ثبتت عليه حجّة، كما أطلقه الفقهاء على المعاني اللّغويّة المذكورة آنفاً في بعض الأبواب، وبنوا عليها أحكاماً.

    وقال الإمام أحمد: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم من هو من التابعين بخير.

    أما التّقليد لغة: فهو مصدر قلّد، أي جعل الشّيء في عنق غيره مع الإحاطة به.

    ويستعمل التّقليد بمعنى المحاكاة في الفعل، وبمعنى التّزييف، أي صناعة شيء طبقاً للأصل المقلّد. وكلا المعنيين مأخوذ من التّقليد للمجتهدين، لأنّ المقلّد يفعل مثل فعل المقلّد دون أن يدري وجهه. والأمر التّقليديّ ما يفعل اتّباعاً لما كان قبل، لا بناءً على فكر الفاعل نفسه، وخلافه الأمر المبتدع.

    فالتّقليد قبول قول الغير من غير حجّة، كأخذ العامّيّ من المجتهد فالرّجوع إلى قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليس تقليداً، والرّجوع إلى الإجماع ليس تقليدا كذلك، لأنّ ذلك رجوع إلى ما هو الحجّة في نفسه.

    ويرى جمهور الأصوليين أن التقليد جائز لأنّ المجتهد فيها إمّا مصيب وإمّا مخطئ مثاب غير آثم، فجاز التّقليد فيها، بل وجب على العامّيّ ذلك، لأنّه مكلّف بالعمل بأحكام الشّريعة، وقد يكون في الأدلّة عليها خفاء يحوج إلى النّظر والاجتهاد، وتكليف العوّام رتبة الاجتهاد يؤدّي إلى انقطاع الحرث والنّسل، وتعطيل الحرف والصّنائع، فيؤدّي إلى الخراب، ولأنّ الصّحابة رضي الله عنهم كان يفتي بعضهم بعضاً، ويفتون غيرهم، ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد. وقد أمر اللّه تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون) .

    إلا أن الأئمة العظام كانوا ينهون الناس عن التقليد وذلك لحثهم على أخذ الحكم الشرعي من مظانه، فقد كان أحمد يقول: (لا تقلّدني، ولا تقلّد مالكاً ولا الثّوريّ، ولا الأوزاعيّ، وخذ من حيث أخذوا) .

    وورد في قول لأبي حنيفة وأبي يوسف: (لا يحلّ لأحد أن يقول مقالتنا حتّى يعلم من أين قلنا) .

    ومع هذا فقد كانوا يأخذون من بعضهم، فقد قال الإمام أحمد: (إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبراً أفتيت فيها بقول الشّافعيّ، لأنّه إمام عالم من قريش) .

    فالتقليد هو العمل بقول الغير من غير حجّة. والاتّباع هو الرّجوع إلى قول ثبتت له حجّة، وهو في الفعل: الإتيان بالمثل صورةً وصفةً، وفي القول: الامتثال على الوجه الّذي اقتضاه القول.

    ولذلك لا يقال أن الاتباع محمود والتقليد مذموم، بل قد يكون الاتباع محموداً عندما يكون اتباع أمر الله تعالى، وقد يكون مذموماً عندما يكون اتباع الشيطان والهوى، وقد ذم الله تعالى الاتباع المذموم في عدة آيات وهو التقليد للغير:

    قال تعالى: (إذ تبرّأ الّذين اتّبعوا من الّذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطّعت بهم الأسباب ، وقال الّذين اتّبعوا لو أنّ لنا كرّةً فنتبرّأ منهم كما تبرّأوا منّا كذلك يريهم اللّه أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النّار) [البقرة:167] وقال تعالى: (وإذا قيل لهم اتّبعوا ما أنزل اللّه قالوا بل نتّبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) [البقرة:170] وقال: (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنّه أخلد إلى الأرض واتّبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الّذين كذّبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكّرون) [لأعراف:176] وقال: (وتلك عادٌ جحدوا بآيات ربّهم وعصوا رسله واتّبعوا أمر كلّ جبّارٍ عنيدٍ) [هود:59] وقال: (إلى فرعون وملأه فاتّبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيدٍ) [هود:97] وقال: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقيّةٍ ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممّن أنجينا منهم واتّبع الّذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين) [هود:116] وقال جل وعلا: (إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتّبعك من الغاوين) [الحجر:42] وقال: (فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّاً) [مريم:59] .

    كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين باتباع صراط الله تعالى ونهاهم عن اتباع أي صراط غيره، قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النّصارى حتّى تتّبع ملّتهم قل إنّ هدى اللّه هو الهدى ولئن اتّبعت أهواءهم بعد الّذي جاءك من العلم ما لك من اللّه من وليٍّ ولا نصيرٍ) [البقرة:120] ، (ولئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكلّ آيةٍ ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابعٍ قبلتهم وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعضٍ ولئن اتّبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنّك إذاً لمن الظّالمين) [البقرة:145] ، (فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي للّه ومن اتّبعن وقل للّذين أوتوا الكتاب والأمّيّين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولّوا فإنّما عليك البلاغ واللّه بصيرٌ بالعباد) [آل عمران:20] ، (قل إن كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني يحببكم اللّه ويغفر لكم ذنوبكم واللّه غفورٌ رحيمٌ) [آل عمران:31] ، (ربّنا آمنّا بما أنزلت واتّبعنا الرّسول فاكتبنا مع الشّاهدين) [آل عمران:53] ، (اتّبع ما أوحي إليك من ربّك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين) [الأنعام:106] ، (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتّبعوه ولا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلّكم تتّقون) [الأنعام:153] ، (وهذا كتابٌ أنزلناه مباركٌ فاتّبعوه واتّقوا لعلّكم ترحمون) [الأنعام:155] ، (ثمّ جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتّبعها ولا تتّبع أهواء الّذين لا يعلمون) [الجاثـية:18] .

    فاتباع المقلّد هو اتباع للحكم الشرعي وليس اتباعاً لشخص معين، إذ لا قيمة للشخص ولا لرأيه ما لم يكن حكماً شرعياً استنبطه المجتهد من النص بطريقة صحيحة.

    يتبع/ ...


    __________________
    بربك أيها الغافي تيقظ*** فقد ضجت بغفوتك المُهودُ
    ألم توقظك ولولةُ العذارى*** مروعة ترددها النجودُ

    تعليق

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...