محاولة التقريب بين الإسلام والكفر
ظهرت في العصر الحديث مجموعة من الأصوات والدعوات التي تنادي وتسعى إلى الحوار بين الأديان، وامتزاج الثقافات، والتقاء الحضارات، سعيا منها إلى محاولة التقريب بينها وبين الإسلام، والى إظهار أن الإسلام يستوعب ولا يخالف تلك الأديان والثقافات والحضارات، وأنه يلتقي معها بقواسم مشتركة؛ إما في عقيدة الإيمان بالله، وإما في شكل النظام الذي اعتبروه ديمقراطيا على سبيل التأويل لحكم الشورى في الإسلام ليصلوا بذلك إلى انتصارهم في الدفاع عن الإسلام الذي اعتبروه متهما ونهضوا للدفاع عنه عندما هوجم في كثير من أفكاره وأحكامه، من مثل أنه قام وانتشر بالسيف والقوة، وأنه همجي رجعي في كثير من أحكامه كتعدد الزوجات وعقوبة القطع والرجم وغير ذلك.
وهذه الأصوات التي نهضت لهذه الدعوات منها ما كان حسن النية ومنها ما كان سيئ النية. إلا أن المحصلة لذلك واحدة فلا اعتبار هنا لحسن النية أو لسوئها لأنها في النهاية أدت إلى فهم الإسلام فهماً يخالف كونه ديناً أنزله الله مهيمنا على كل الأديان وثقافة هي وحدها الثقافة المعتبرة شرعاً وحضارة لها تصوير معين للحياة تقوم على أساس فلسفة خاصة ومتميزة وتحدد وجهة نظر المسلم بحيث تميزه عن غيره بوصفه عبدا لله لا يأخذ الفكر إلا منه ولا يسير سلوكه في الحياة إلا وفق أوامره ونواهيه، لأنه أخرج نفسه من داعية هواه حتى أصبح عبدا صادقا لله في عقيدته وسلوكه. لذلك كان لا بد من بيان واقع هذه الفكرة الخبيثة من وجهة النظر الشرعية وإبطال زيفها وبيان وجه الحق فيها:
أولا: نظرة الإسلام إلى الأديان والعقائد الأخرى: إن العقيدة الإسلامية هي عقيدة واحدة بكلياتها وجزئياتها وما بني عليها وما تعلق بها، ولا يعتبر الإنسان مسلما إلا إذا آمن بكل ما طلب الإيمان به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر قال تعالى: ]ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر فقد ضل ضلالاً بعيداً[ وإلا إذا آمن بالجنة والنار والنعيم والعذاب والجن والشياطين والأجل والرزق وغير ذلك من أمور العقيدة… وبالقضاء والقدر وعصمة الأنبياء والوحي، وعدم دخول الكافرين الجنة، ودخول المسلمين فيها وغير ذلك من الأمور التي بنيت على العقيدة أو تعلقت بها. وبغير ذلك يعتبر الإنسان كافراً بعقيدة الإسلام سواء آمن بالله خالقا كما هو الحال عند أهل الكتاب أولم يؤمن كما هو الحال عند الشيوعيين والملاحدة قال تعالى: ]إن الدين عند الله الإسلام[ والعقيدة هي أصل الدين، (وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان) فتح القدير، وقال تعالى: ]ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين[، وقال: ]وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه[ بمعنى مسيطرا عليه وناسخا له، وقال: ]لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة[ و(من) هنا للبيان، فهي تبين أن أهل الكتاب والمشركين كفار، قال في فتح القدير: المراد بـ (الذين كفروا من أهل الكتاب) اليهود والنصارى. من ذلك يتبين أن عقيدة الإسلام هي وحدها العقيدة المجْزِئة وهي وحدها التي يعتبر بها الإنسان مؤمناً وبغيرها يعتبر كافراً سواء أكان يهودياً أم نصرانياً أم شيوعياً أم رأسمالياً أم غير ذلك من الأديان والعقائد.
لذلك فإنه من ناحية العقيدة الإسلامية لا يوجد تقارب بين الإسلام والكفر، ولا بين عقائد الإسلام وعقائد الكفر، لأن الكفر كله، سواء أكان يهودية أم نصرانية أم شيوعية أم رأسمالية أم غير ذلك، ملة واحدة، لا فضل لإحداها على الأخرى، فكلها عقائد كفر من وجهة نظر الإسلام. وإنه أيضا لا تؤخذ العقائد بالقواسم المشتركة كالإيمان بالله خالقاً وكالنسبة إلى نبي واحد كإبراهيم عليه السلام، ومن هنا فإنه لا حوار بين الأديان ولا قواسم مشتركة بين الإسلام وغيره حتى ولو كانوا يؤمنون بالله خالقاً أو كانوا يشتركون مع غيرهم في الاعتراف بنبي معين، لأن الإسلام اعتبرهم بشكل صريح لا يقبل التأويل كفاراً، فأي حوار معهم فيما يتعلق بالعقيدة من أجل اختزالها أو من أجل اعتبار غيرها من العقائد إيماناً هو مخالفة صريحة لمنهج القرآن قد يصل الداعي إليه للكفر إن اعتقد بهذه الدعوة.
ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يجوز الحوار مع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من الرأسماليين والشيوعيين، بل إن دعوتهم إلى الإسلام فرض على المسلمين والحوار معهم على هذا الأساس واجب قال تعال: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة[ وقال: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير[. إلا أن هذا الحوار يجب أن يكون مبنيا على أساس متين هو دعوتهم للدخول في الإسلام وعدم التنازل عن شيء من العقيدة ولا من الأحكام حتى تتوافق مع عقائدهم وأحكامهم، قال تعالى: ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ وهذا يعني أن دعوتهم للإسلام واجبة فإن قبلوا به فهم مسلمون مثلنا وإن رفضوه فقد أقمنا عليهم الحجة بأنا مسلمون وأنهم كافرون ووجب علينا قتالهم حتى يقروا بالجزية ويخضعوا لأحكام الإسلام.
ثانياً: الحاكمية لله وحده: لقد جاءت رسالة الإسلام عامة وشاملة لكل شيء، وأقام الله بها الحجة على العباد بحيث أمرهم باعتقاد عقيدتها وحدها وألزمهم بما ورد فيها من أحكام، وجعلها الأصل في فكر العباد وفي سلوكهم فلا يعتقدون إلا عقيدتها ولا يسيّرون سلوكهم في الحياة إلا بأحكامها، وهذه الأحكام هي وحدها الملزمة دون سواها وهي المبرئة للذمة وهي المنجية عند الله، سواء أكانت هذه الأحكام متعلقة بالأفعال أم بالأشياء، قال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً[ أي أن الله يعذب من بعث لهم رسولاً وخالفوا رسالته. وبما أن رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات وهي عامة لجميع البشر قال تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[ وقال: ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً[ فإن الله يعذب كل من خالف رسالة الإسلام وهو تعالى لا يرضى إلا بأحكام شريعتها.
هذه مسألة. والمسألة الأخرى هي أن الحاكم هو الله، أي أن الذي يصدر عنه الحكم هو الله، فلا حكم على الأفعال والأشياء إلا لله ولا حكم قبل ورود شرعه، وهذا يعني أن الحكم لا يعتبر حكما شرعيا إلا إذا قام الدليل الشرعي عليه فالحاكمية لله وحده، قال تعالى: ]إن الحكم إلا لله[ وقال: ]ألا له الحكم[ وقال: ]وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله[ وقال: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول[ وقال r: «كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» لذلك فإن الذي يملك صلاحية التشريع هو الله تعالى وليس لأحد غيره حق التشريع. وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين الذين فهموا واقع الأحكام الشرعية وكيف تعالج مشاكل الإنسان وأنها وحدها الصالحة لذلك دون غيرها، ولم يجعلوا للعقل البشري محلا في التشريع سوى فهم النصوص الشرعية واستنباط الحكم الشرعي من خلاله. قال الآمدي في الإحكام: [اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى ولا حكم إلا ما حكم به، ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن ولا يقبح (…) وأنه لا حكم قبل ورود الشرع]. وقال البيضاوي: [الفصل الأول في الحاكم وهو الشرع دون العقل لما بينهما من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب المصباح]. وقال الأسنوي: [ولا نزاع في أن من صدر عنه الحكم بمعنى خطاب الله…الخ هو الله تعالى]. وقال عبد الكريم زيدان في كتاب الوجيز: [وعلى هذا فالحاكم أي الذي يصدر عنه الحكم هو الله وحده فلا حكم إلا ما حكم به ولا شرع إلا ما شرعه وعلى هذا دل القرآن وأجمع المسلمون]. وقال عبد الوهاب خلاف في علم أصول الفقه: [لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مصدر الأحكام الشرعية لجميع أفعال المكلفين هو الله سبحانه سواء أظهر حكمه في فعل المكلف مباشرة من النصوص التي أوحى بها إلى رسوله أم اهتدى المجتهدون إلى حكمه في فعل المكلف بواسطة الدلائل والأمارات التي شرعها لاستنباط أحكامه]. وكل هذا وغيره الكثير ينفي أن يكون هناك أدنى شبهة تجيز أن يكون للبشر أدنى صلاحية وحق في التشريع. وبذلك يكون كل من أعطى نفسه أو غيره حق التشريع قد نصب نفسه ربّاً من دون الله يشرع شرعا غير شرعه ويحكم خلافاً لحكمه.
ومن هنا فإنه لا محل لفكرة الحوار ولفكرة الامتزاج بين الثقافات والتقاء الحضارات للخلاف الواسع بين الإسلام والكفر وللبعد الكبير بين من يجعل عقله محلا لفهم الأحكام وبين من يجعل عقله محلاً للتشريع ووضع الأحكام، فالأحكام الشرعية تجعل للإنسان اتجاهاً فكرياً مختلفاً كل الاختلاف عن اتجاهات الفكر الأخر بحيث تجعله عبداً صادقاً لله يرجع إليه في كل أمور حياته، فالحلال عنده ما أحل الله والحرام ما حرم، أما غير الإسلام فإنه يقوم على أساس مخالف قطعاً ويجعل الإنسان عاصياًٍ لله أو فاسقاً عن أحكامه أو كافراً به بالجملة.
ثالثاً: الديمقراطية كفر: لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الصحيحة، وهي المقبولة عند الله سبحانه وتعالى، وأن غيرها من العقائد هي عقائد كفر مرفوضة عند الله تعالى وعند المسلمين، وثبت أيضاً بشكل قطعي أن ألحاكمية لله وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وأنه ليس لأحد أن ينصب نفسه مصدراً للتشريع ولا يقر تشريعاً ولا يرفض تشريعاً إلا إذا كان عنده دليل لإقراره أو لرفضه من أحد الأدلة المعتبرة، وأن مهمة العقل هي فهم التصور الشرعي ليس غير.
يتبع . . .
ظهرت في العصر الحديث مجموعة من الأصوات والدعوات التي تنادي وتسعى إلى الحوار بين الأديان، وامتزاج الثقافات، والتقاء الحضارات، سعيا منها إلى محاولة التقريب بينها وبين الإسلام، والى إظهار أن الإسلام يستوعب ولا يخالف تلك الأديان والثقافات والحضارات، وأنه يلتقي معها بقواسم مشتركة؛ إما في عقيدة الإيمان بالله، وإما في شكل النظام الذي اعتبروه ديمقراطيا على سبيل التأويل لحكم الشورى في الإسلام ليصلوا بذلك إلى انتصارهم في الدفاع عن الإسلام الذي اعتبروه متهما ونهضوا للدفاع عنه عندما هوجم في كثير من أفكاره وأحكامه، من مثل أنه قام وانتشر بالسيف والقوة، وأنه همجي رجعي في كثير من أحكامه كتعدد الزوجات وعقوبة القطع والرجم وغير ذلك.
وهذه الأصوات التي نهضت لهذه الدعوات منها ما كان حسن النية ومنها ما كان سيئ النية. إلا أن المحصلة لذلك واحدة فلا اعتبار هنا لحسن النية أو لسوئها لأنها في النهاية أدت إلى فهم الإسلام فهماً يخالف كونه ديناً أنزله الله مهيمنا على كل الأديان وثقافة هي وحدها الثقافة المعتبرة شرعاً وحضارة لها تصوير معين للحياة تقوم على أساس فلسفة خاصة ومتميزة وتحدد وجهة نظر المسلم بحيث تميزه عن غيره بوصفه عبدا لله لا يأخذ الفكر إلا منه ولا يسير سلوكه في الحياة إلا وفق أوامره ونواهيه، لأنه أخرج نفسه من داعية هواه حتى أصبح عبدا صادقا لله في عقيدته وسلوكه. لذلك كان لا بد من بيان واقع هذه الفكرة الخبيثة من وجهة النظر الشرعية وإبطال زيفها وبيان وجه الحق فيها:
أولا: نظرة الإسلام إلى الأديان والعقائد الأخرى: إن العقيدة الإسلامية هي عقيدة واحدة بكلياتها وجزئياتها وما بني عليها وما تعلق بها، ولا يعتبر الإنسان مسلما إلا إذا آمن بكل ما طلب الإيمان به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر قال تعالى: ]ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الأخر فقد ضل ضلالاً بعيداً[ وإلا إذا آمن بالجنة والنار والنعيم والعذاب والجن والشياطين والأجل والرزق وغير ذلك من أمور العقيدة… وبالقضاء والقدر وعصمة الأنبياء والوحي، وعدم دخول الكافرين الجنة، ودخول المسلمين فيها وغير ذلك من الأمور التي بنيت على العقيدة أو تعلقت بها. وبغير ذلك يعتبر الإنسان كافراً بعقيدة الإسلام سواء آمن بالله خالقا كما هو الحال عند أهل الكتاب أولم يؤمن كما هو الحال عند الشيوعيين والملاحدة قال تعالى: ]إن الدين عند الله الإسلام[ والعقيدة هي أصل الدين، (وقد ذهب الجمهور إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان) فتح القدير، وقال تعالى: ]ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين[، وقال: ]وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه[ بمعنى مسيطرا عليه وناسخا له، وقال: ]لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة[ و(من) هنا للبيان، فهي تبين أن أهل الكتاب والمشركين كفار، قال في فتح القدير: المراد بـ (الذين كفروا من أهل الكتاب) اليهود والنصارى. من ذلك يتبين أن عقيدة الإسلام هي وحدها العقيدة المجْزِئة وهي وحدها التي يعتبر بها الإنسان مؤمناً وبغيرها يعتبر كافراً سواء أكان يهودياً أم نصرانياً أم شيوعياً أم رأسمالياً أم غير ذلك من الأديان والعقائد.
لذلك فإنه من ناحية العقيدة الإسلامية لا يوجد تقارب بين الإسلام والكفر، ولا بين عقائد الإسلام وعقائد الكفر، لأن الكفر كله، سواء أكان يهودية أم نصرانية أم شيوعية أم رأسمالية أم غير ذلك، ملة واحدة، لا فضل لإحداها على الأخرى، فكلها عقائد كفر من وجهة نظر الإسلام. وإنه أيضا لا تؤخذ العقائد بالقواسم المشتركة كالإيمان بالله خالقاً وكالنسبة إلى نبي واحد كإبراهيم عليه السلام، ومن هنا فإنه لا حوار بين الأديان ولا قواسم مشتركة بين الإسلام وغيره حتى ولو كانوا يؤمنون بالله خالقاً أو كانوا يشتركون مع غيرهم في الاعتراف بنبي معين، لأن الإسلام اعتبرهم بشكل صريح لا يقبل التأويل كفاراً، فأي حوار معهم فيما يتعلق بالعقيدة من أجل اختزالها أو من أجل اعتبار غيرها من العقائد إيماناً هو مخالفة صريحة لمنهج القرآن قد يصل الداعي إليه للكفر إن اعتقد بهذه الدعوة.
ولكن ليس معنى ذلك أنه لا يجوز الحوار مع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من الرأسماليين والشيوعيين، بل إن دعوتهم إلى الإسلام فرض على المسلمين والحوار معهم على هذا الأساس واجب قال تعال: ]ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة[ وقال: ]ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير[. إلا أن هذا الحوار يجب أن يكون مبنيا على أساس متين هو دعوتهم للدخول في الإسلام وعدم التنازل عن شيء من العقيدة ولا من الأحكام حتى تتوافق مع عقائدهم وأحكامهم، قال تعالى: ]قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون[ وهذا يعني أن دعوتهم للإسلام واجبة فإن قبلوا به فهم مسلمون مثلنا وإن رفضوه فقد أقمنا عليهم الحجة بأنا مسلمون وأنهم كافرون ووجب علينا قتالهم حتى يقروا بالجزية ويخضعوا لأحكام الإسلام.
ثانياً: الحاكمية لله وحده: لقد جاءت رسالة الإسلام عامة وشاملة لكل شيء، وأقام الله بها الحجة على العباد بحيث أمرهم باعتقاد عقيدتها وحدها وألزمهم بما ورد فيها من أحكام، وجعلها الأصل في فكر العباد وفي سلوكهم فلا يعتقدون إلا عقيدتها ولا يسيّرون سلوكهم في الحياة إلا بأحكامها، وهذه الأحكام هي وحدها الملزمة دون سواها وهي المبرئة للذمة وهي المنجية عند الله، سواء أكانت هذه الأحكام متعلقة بالأفعال أم بالأشياء، قال تعالى: ]وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً[ أي أن الله يعذب من بعث لهم رسولاً وخالفوا رسالته. وبما أن رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات وهي عامة لجميع البشر قال تعالى: ]اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً[ وقال: ]قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً[ فإن الله يعذب كل من خالف رسالة الإسلام وهو تعالى لا يرضى إلا بأحكام شريعتها.
هذه مسألة. والمسألة الأخرى هي أن الحاكم هو الله، أي أن الذي يصدر عنه الحكم هو الله، فلا حكم على الأفعال والأشياء إلا لله ولا حكم قبل ورود شرعه، وهذا يعني أن الحكم لا يعتبر حكما شرعيا إلا إذا قام الدليل الشرعي عليه فالحاكمية لله وحده، قال تعالى: ]إن الحكم إلا لله[ وقال: ]ألا له الحكم[ وقال: ]وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله[ وقال: ]فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول[ وقال r: «كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» لذلك فإن الذي يملك صلاحية التشريع هو الله تعالى وليس لأحد غيره حق التشريع. وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين الذين فهموا واقع الأحكام الشرعية وكيف تعالج مشاكل الإنسان وأنها وحدها الصالحة لذلك دون غيرها، ولم يجعلوا للعقل البشري محلا في التشريع سوى فهم النصوص الشرعية واستنباط الحكم الشرعي من خلاله. قال الآمدي في الإحكام: [اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى ولا حكم إلا ما حكم به، ويتفرع عليه أن العقل لا يحسن ولا يقبح (…) وأنه لا حكم قبل ورود الشرع]. وقال البيضاوي: [الفصل الأول في الحاكم وهو الشرع دون العقل لما بينهما من فساد الحسن والقبح العقليين في كتاب المصباح]. وقال الأسنوي: [ولا نزاع في أن من صدر عنه الحكم بمعنى خطاب الله…الخ هو الله تعالى]. وقال عبد الكريم زيدان في كتاب الوجيز: [وعلى هذا فالحاكم أي الذي يصدر عنه الحكم هو الله وحده فلا حكم إلا ما حكم به ولا شرع إلا ما شرعه وعلى هذا دل القرآن وأجمع المسلمون]. وقال عبد الوهاب خلاف في علم أصول الفقه: [لا خلاف بين علماء المسلمين في أن مصدر الأحكام الشرعية لجميع أفعال المكلفين هو الله سبحانه سواء أظهر حكمه في فعل المكلف مباشرة من النصوص التي أوحى بها إلى رسوله أم اهتدى المجتهدون إلى حكمه في فعل المكلف بواسطة الدلائل والأمارات التي شرعها لاستنباط أحكامه]. وكل هذا وغيره الكثير ينفي أن يكون هناك أدنى شبهة تجيز أن يكون للبشر أدنى صلاحية وحق في التشريع. وبذلك يكون كل من أعطى نفسه أو غيره حق التشريع قد نصب نفسه ربّاً من دون الله يشرع شرعا غير شرعه ويحكم خلافاً لحكمه.
ومن هنا فإنه لا محل لفكرة الحوار ولفكرة الامتزاج بين الثقافات والتقاء الحضارات للخلاف الواسع بين الإسلام والكفر وللبعد الكبير بين من يجعل عقله محلا لفهم الأحكام وبين من يجعل عقله محلاً للتشريع ووضع الأحكام، فالأحكام الشرعية تجعل للإنسان اتجاهاً فكرياً مختلفاً كل الاختلاف عن اتجاهات الفكر الأخر بحيث تجعله عبداً صادقاً لله يرجع إليه في كل أمور حياته، فالحلال عنده ما أحل الله والحرام ما حرم، أما غير الإسلام فإنه يقوم على أساس مخالف قطعاً ويجعل الإنسان عاصياًٍ لله أو فاسقاً عن أحكامه أو كافراً به بالجملة.
ثالثاً: الديمقراطية كفر: لقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن العقيدة الإسلامية هي العقيدة الصحيحة، وهي المقبولة عند الله سبحانه وتعالى، وأن غيرها من العقائد هي عقائد كفر مرفوضة عند الله تعالى وعند المسلمين، وثبت أيضاً بشكل قطعي أن ألحاكمية لله وأنه لا حكم قبل ورود الشرع، وأنه ليس لأحد أن ينصب نفسه مصدراً للتشريع ولا يقر تشريعاً ولا يرفض تشريعاً إلا إذا كان عنده دليل لإقراره أو لرفضه من أحد الأدلة المعتبرة، وأن مهمة العقل هي فهم التصور الشرعي ليس غير.
يتبع . . .