تحـرّي الـرأي الـصـواب 2/4

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • TopGenerous
    موقوف
    • Sep 2001
    • 24

    #1

    تحـرّي الـرأي الـصـواب 2/4

    تحـرّي الـرأي الـصـواب 2/4


    أولاً:ـ استناد الرأي لدليله الصحيح على الوجه الصحيح.
    ثانياً:ـ مطابقة الرأي للواقع المحسوس.
    ثالثاً:ـ الشورى، بأخذ رأي الآخرين.
    رابعاً:ـ الابتعاد عن الهوى.

    هذه هي الأمور الأربعة التي يلزم ملاحظتها لكل من يبحث عن الرأي الصواب.

    أولاً - أما الدليل، فإنه لغةً كل ما يستدل به أو الدالّ، وجمعه أدلة، وهو من دلّ على الشيء بمعنى سدّده أو أرشده إليه، فيُقال دللت عليه بهذا الطريق أي عرفته بها، فسُمّيت الطريق دليلة.

    فالدَّلالة معناها ما يتوصل به إلى معرفة الشيء كدلالة الألفاظ على المعاني والإرشادات والكتابة والرموز على مدلولاتها، سواءٌ أحصل ذلك بقصد أم بغير قصد كمن يرى حركة الإنسان فيستدل أنه حي، وهذا ما يُفهم من قوله تعالى: ]ما دلَّهم على موتِهِ إِلاّ دابَّةُ الأرض[، وفي حديث علي كرّم الله وجهه في وصفه للصحابة قال: «ويخرجون من عنده أدلة» أي من عند رسول الله r بما قد علموا فيدلون الناس عليه، أي يخرجون من عنده فقهاء يعلمون الناس. هذا هو معنى الدليل لغةً، ولا تخرج جميع المعاني الاصطلاحية عن هذا المعنى إذا أُخذ الاصطلاح بعين الاعتبار، فالدليل كل ما يرشد إلى شيء آخر.

    وعلاقة الرأي بالدليل آتية من كونه يرشد إليه، أي يصلح أساساً للرأي الذي يعبر عن فكر، أما إذا استند إلى تصورات الرائي وأوهامه فلا قيمة للرأي ويسقط عن درجة الاعتبار، لأن العبرة بالرأي الذي يستند إلى دليل. ومن نافلة القول أن المفكر أو حامل الدعوة يعمد دائماً إلى الإتيان بالدليل أولاً ثم يليه الرأي المرشد إليه، ولذلك تختلف الآراء باختلاف أدلتها وتتطابق بتطابقها. فإذا اختلف القائل والمستمع على الدليل فإن اختلافهما على الرأي من باب أولى. وما اختلاف آراء المجتهدين والفقهاء والعلماء والمفكرين إلا من هذا الباب. فاختلاف الأدلة يتبعه اختلاف في الآراء قطعاً، فليس من الممكن مثلاً أن يتفق القائل والسامع على رأي مستنبط من حديث رواه أبو هريرة t إذا اختلفا في قبول الحديث. فمن أراد جمع الناس على رأي واحد عليه أن يوحدهم على دليل واحد أولاً وقبل كل شيء. لذلك كانت الأدلة على الأنبياء والرسل قطعية في دلالتها بحيث لا تترك مجالاً لعاقل في التردد بقبولها والتسليم بها، اللهم إلا المستكبر الذي لا ينصاع لكلمة الحق.

    والناظر في الأدلة يجد أنها تختلف باختلاف المستدل والمخاطب وموضوع البحث، فمثلاً عالم الأصول يبحث عن الأدلة التي تتصل بالوحي والفقيه يبحث عن الأدلة التفصيلية، واللغوي عما قالته العرب الأقحاح والمؤرخ عن الآثار والرواية والسياسي عن الأسباب الكامنة وراء الأحداث الجارية... وهكذا.

    أما المخاطب بالدليل، فيجب أولاً أن يخاطب بما يقدر على فهمه وإدراكه، إذ كيف نقيم الحجة عليه بدليل لا يسعه استيعابه؛ روى البخاري عن علي t قال: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله r» وزاد أبو نعيم في مستخرجه «ودعوا ما ينكرون واتركوا ما يشتبه عليهم فهمه».

    كما يختلف الدليل باختلاف حال المخاطب إن كان منكراً له أو مقراً به، فإذا كان منكراً كحال الكافر مثلاً فمن العبث مخاطبته بأدلة الأحكام قبل أدلة العقيدة إذا أريد إقناعه بصحة الإسلام وأحكامه؛ أما المسلم المقر بالدليل فيكفي معه بيان صحة الدليل حتى يقبل الرأي الذي يستند إليه.

    أما موضوع البحث فإذا كان من العلوم النقلية فإن دليله يختلف عما لو كان من العلوم العقلية؛ ولا يكون دليل النقليات عقلياً ولا العقليات نقلياً، فلا نبحث عن علاج مرض في كتب الفقه ولا عن نواصب الفعل المضارع في المختبر، وقد يتطلب الدليل القطع في بعض المعارف ولا يتطلبه في بعضها بل تكفيه غلبة الظن؛ فالعقيدة والعلوم العقلية والتجريبية لا بد وأن يكون الدليل عليها عقلياً أو ما ثبت أصله بالعقل، أما النقليات كأدلة الأحكام والسياسة والتاريخ واللغة فيكفي بها غلبة الظن، وهذا بسبب اختلاف المعارف وظروف الحياة وأحوالها وأهمية النتائج التي تترتب على أخذ الدليل، كما وتختلف الأدلة في شموليتها واتساعها، فمنها ما يصلح لاستنباط العديد من الآراء، ومنها ما لا يصلح إلا لرأي واحد.

    وقد تتعارف على قبول الدليل الجماعة الواحدة، كأهل اللغة مثلاً، وقد تقبله الأمة الواحدة، كقبول الأمة الإسلامية للقرآن والسنة. وقد يصلح الدليل دليلاً عند جماعة ولا يصلح عند غيرها، فإذا صلح صحَّ الاستدلال به فيما بينها وإلا فلا يصح.

    والدليل موجود في حقول المعرفة، فقد يأتي به الوحي من عند الله أو يكون حقيقة لا مناص من إنكارها أو عرفاً تعارف الناس عليه زمناً طويلاً أو رأياً لمفكر سلم الناس بصحته فقبلوه. وهكذا يلاحظ أن منشأ الدليل منشأ خارجيٌّ أي يأتي لداخل الإنسان من الله مثلاً أو من البيئة والظروف المحيطة؛ وحين يعثر عليه المرء عليه أن يفهمه ويدركه بالوقوف على مدلول معناه. وهو بخلاف الرأي الذي ينشأ من داخل الإنسان فيأتي به من عند نفسه بعد إجراء العملية التفكيرية بواسطة العقل؛ ومن هنا تظهر أهمية معرفة ما هو خارج الإنسان من معارف خارجية لتدعيم صحة رأيه، ولا يحصل ذلك إلا بالتعليم والدراسة والبحث وإجهاد النفس وتحمل العناء بالقراءة والسماع والتلقي. وكلما زاد الإنسان اطلاعاً ازداد حجة ودليلاً.

    ومن هنا كان تحصيل الثقافة وغيرها من المعارف والعلوم التي تلزم لحامل الدعوة من أجل أداء دعوته فرضاً من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» لأن عدم تحصيله لهذه المعارف يجعله قاصراً عن أداء مهمته في حمل دعوته للناس أي قاصراً عن أداء فرض من الفروض.

    وصحة الدليل شرط في صحة الرأي الذي يرشده إليه وإن كان ليس كافياً، إذ لا بد من صحة الاستدلال، أي انطباق الدليل على مدلوله.

    وتختلف شروط صحة الدليل باختلاف نوع المعرفة، فإن كانت من النقليات فإنها تقتضي سلامة النقل من الكذب والخلط والغلط والتحريف، وكل ما يؤثر على سلامة النقل. وإن كان من العقليات فإن صحة الدليل تقتضي موافقته للعقل أو موافقة أصله للعقل، وتقتضي موافقته للواقع المحسوس.

    وقد وضع العلماء في كل عصر لكل نوع من أنواع المعرفة ضوابط دقيقة لضمان صحة الأدلة القائمة عليها وألفوا بها آلاف المراجع والكتب، فوضع علماء الأصول مثلاً ضوابط لصحة الأدلة التي ثبتت بنـزول الوحي فيها، فيكفي عندها مثلاً بطلان حجية المصالح المرسلة لأنها مرسلة من الدليل.

    كما وضع علماء مصطلح الحديث ضوابط لمعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها، فانبرى لتنقية الحديث من الشوائب التي علقت به علماء جهابذة أفذاذ وضعوا قواعد علم المصطلح اشتمل على علم رجال الحديث وعلم الجرح والتعديل والرواية والرواة وغيرها، فتمكنوا بذلك من تنقية كل ما علق به، فأصبح من الميسور أخذ الحديث نقياً صافياً كما أخذه الصحابة عن رسول الله r؛ فيكفي عندها معرفة أن الحديث ضعيف حتى يضرب بالرأي المستنبط منه عُرضَ الحائط.

    أما وجه الاستدلال، فإنه لا يقل أهمية عن لزوم صحة الدليل لصحة الرأي، فمثلاً قد يكون الدليل صحيحاً لا تشوبه شائبة، كآية أو حديث صحيح ولكن وجه الاستدلال به غير صحيح فيكون الرأيُ المستنبطُ خطأً قطعاً؛ إذ يتراءى للمرء أنه يدل على المسألة ولكن في حقيقة الأمر يكون خلاف ذلك، أو قد يقوم مغرضٌ صاحب هوىً بإقحام دليل صحيح ليس به أي وجه من أوجه الاستدلال للتدليل على صحة رأيه.

    وإن من أكثر الأمور خطورةً على صحة الرأي هو بطلان الدليل أو الاستدلال أو بطلانهما معاً، فإذا كان الدليل صحيحاً وكان وجه الاستدلال صحيحاً بعد فقه الواقع ومطابقته له، فإن الرأي يكون أقرب إلى الصواب إذا سلم من الأمور الأخرى التي تؤثر على صوابه. ولصحة الدليل القسطُ الأكبرُ في معرفة حقائق الأمور وهو الضمان الصحيح لتحصين الإنسان من تأثير الهوى وزيغ الضلال، ولذلك لم يترك الشارعُ الإنسانَ يتخبط في فهمه للحياة بل زوده بالأدلة الصحيحة القاطعة عنها لفهمها فهماً واقعياً مستنيراً ولمعرفة دقائقها؛ فحصّنه مثلاً من الشرك حين بنى العقائد على يقين وحصّنه من الضلال حين بنى الأحكام على أدلة أتى بها الوحي من عند الله.

    والمفكر، أو حامل الدعوة يهتم بالدليل قبل التفاته للرأي، كالمهندس الذي يهتم بالأساس قبل البناء لضمان سلامة الإنشاء، سواء أكان الرأي رأياً لحامل الدعوة أم رأي الآخرين من الناس، فإن كان رأيه اطمأن لصحته ونَقَله للناس نقلاً مؤثراً، من القلب إلى القلب، عن قناعة وإيمان. وإن كان رأي الآخرين حكم على صحته من صحة دليله وصحة وجه استدلاله، فيطمئن لأخذه أو لرفضه، فيكون قد حصن نفسه من الآراء المغرضة أو الأهواء الضالة.

    وحتى يحقق حامل الدعوة هدفه من حمل الأفكار للناس، وهو جعلهم يحملونها، عليه أن يدعِّم رأيه بالدليل المثبت لصحة رأيه، فلا يكتفي بإعطاء الرأي مرسلاً من غير دليله، بل لا بد وأن يفهمه مستمعه بالدليل الصحيح. ولذا كان لزاماً على حامل الدعوة البحث عن الأدلة والتنقيب عنها وحفظها واستظهارها ليزداد بها حجة وحتى يؤثر في مستمعه، لأنه بدون إسناد الرأي إلى دليله لا يأخذ المستمع بسهولة كل ما يسمع، بل يظل الرأي عنده محل شك وحيرة إلى أن يهتدي هو بنفسه إلى دليل على صحة ما سمع أو ينسى أو يتناسى ذلك الرأي قبل أن يهتدي إلى دليل على صحته.

    ولذلك من الطبيعي أن نرى الناس أكثر قبولاً وأسرع استجابة لنشرات الحزب السياسية وغيرها التي تحتوي على الأدلة من التي تفتقر إليها؛ بينما النشرات الموجهة للشباب خاصة تلاقي قبولاً، بل تسليماً، ولو خلت من الأدلة، لأن الثقة المطلقة في فهم القيادة وفي فهم مقدرتها أمر مُسَلَّم به عندهم ويقوم مقام الدليل؛ وهذا هو وجه الاختلاف عنه مع باقي الناس.

    وتأتي أهمية الدليل في نقل الأفكار للمستمع من أن الدليل هو الخطاب الموجه للعقل بمنأى عن عواطف الإنسان ورغباته وميوله، فهو الفيصل والحَكَمُ المحايد بين القائل والسامع؛ إذ إنه لا سلطان على الإنسان أقوى من سلطان العقل، ولا سلطان على العقل أقوى من سلطان الفكر، ولا سلطان للفكر إلا بدليل. وهكذا فإن حامل الفكر للناس بدون دليله كالجندي في المعركة بدون سلاحه.

    وعند إيراد الدليل الصحيح لا بد للمستمع من الاستجابة السريعة، إن كان نزيهاً، ومن الاستجابة بينه وبين نفسه إن كان مكابراً، لأن الإنسان لا يملك عدم التأثر بالفكر أو الرأي الصواب، وإن كان يملك التظاهر برده.

    فإذا كان المستمع نزيهاً ترى وتلاحظ علامات الاستجابة والارتياح بادية على محيّاه عند سماع الدليل، على الأخص إن كان صحيحاً. فإيراد الدليل من قبل حامل الدعوة هو البداية الجادة للتأثير فيمن يستمع إليه أو يقرأ له.

    هذا من حيث الدليل وماهيته وعلاقته بالرأي وأهمية هذه العلاقة

    يتبع ثانياً وثالثاً. . .

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...