قصة يوسف عليه السلام هذه القصة التي بدأنا الحديث عنها التي تصور صراع الإيمان والفتنة وصراع النور والظلمة وصراع المحنة والمنحة التي مر فيها هذا النبي الكريم بمحن شتى محنة الجب والظلمة ومحنة الغربة ومحنة الرق والغربة ومحنة السجن والوحشة ثم محنة الفتنة والنسوة ثم محنة العز والسلطة كلها دروس وعبر قد أشرنا في أولها الى تلك الرؤيا الصادقة التي تنبئ وتنبه على فضل وشرف صاحب هذه القصة وما يكون له من أثر وما يكرمه الله من النعم.
ونبدأ هذه القصة بقوله جل وعل ا) لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين ( وقصص القرآن كلها آيات وعبر وهذه من أجمعها ومن أوسعها واكثرها تفصيلاً واكثرها حوادث واكثرها تنوع في الشخصيات من حر ورقيق من ضعيف وقوي من فقير وغني من رجل وامرأة من صغير وشيخ كل هذه الشخصيات تمر بنا في هذه القصة ليكون في كل نوع درس وعبرة .
ونبدأ هذه القصة حوار جرئ بين الاخوة إخوة يوسف الذين كانوا إخوة له من أبيه وكان يوسف واخوه بنيامين أشقاء من أم أخرى وكانوا أصغر من بقية إخوانه إذ قالوا اخوة يوسف ) ليوسف واخوه احب الى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين(.
هذه المقالة جاءت منهم على سبيل القسم واليمين إذ اللام لام القسم أي والله ليوسف واخوه أحب إلى أبينا منا وهم يعلمون ذلك وما من أحد منهم يشك في ذلك فلماذا أقسموا؟ إنه نوع من حفز بعضهم بعضاًومن تشجيع بعضهم بعضاًعلىلازم هذه المحبة أن يقطعوا سببها وأن يغيروا طريقها لما نشأ في قلبهم من الحقد والحسد نسأل الله السلامة قالوا (ليوسف واخوه احب الى أبينا منا )ما وجه محبةأبي يوسف لابنه يوسف إنهاأمورفطرية جبليةإنهاقضاياطبيعية لم يكن فيها شئ من الظلم ولا شئ من اختلاف المعاملة.
ذلك أن يعقوب عليه السلام كان قد بلغ في ذلك الوقت من العمر عتيا وكان قد شاخ وكبر سنه وكان يوسف واخوه أصغر الأخوان ومعلوم أن الكبير في السن يتعلق تعلقاً ظاهراً بيناً بالصغار لما يكون فيه من الأنس لديه والسكون ولما يكون فيه من تعاظم الشفقة والرحمة لذا نجد الأجداد اكثر حنوا واكثر محبة وشفقة على الأحفاد وربما نرى في واقعنا أن الأب يأتي ليعاقب ابنه فيأتي أبوه أي جد الابن فيمنعه ويحول بينه وبين ذلك فهذه الجبلة الفطرية هي التي جعلت ميل يعقوب ابتداء الأمر ليوسف وأخيه.
ثم كذلك لامر آخر ذلك انه رأى ملامح الصلاح وعلائم النجابة والذكاء وحسن التصرف وكمال البر من يوسف وأخيه على وجه الخصوص فمال قلبه طبيعة وفطره عند الإحسان لأن الإنسان عبد الإحسان ومتى احسن الإنسان إليك فانه يكون قد استمال قلبك بل ربما استعبدك وطالما استعبد الإنسان الإحسان فان هذه أيضا طبيعة في البشر.
ثم كذلك أمر ثالث ذلك أن يوسف وأخاه كانوا صغارا في السن فكان يحدب عليهما ويخاف عليهما أكثر ممن كبر سنهم واشتد عودهم وصاروا يضربون في مناكب الأرض ويطلبون عيشهم بأنفسهم ويستطيعون دفع الضر عنهم.
كل هذه الأمورالطبيعية الفطرية جعلت ميل يعقوب عليه السلام لابنيه الصغيرين ظاهراًواضحاً بيناً ولم يكن في معاملته شئ من المخالفة أو من التمييز بين الصغار والكبار أو إعطاء أولئك حقوقاً ومنع هؤلاء الحقوق فإن ذلك لم يكن منه وهو النبي المعصوم وإنما هذه الملامح العادية الطبيعية الفطرية التي ينبغي أن تكون أيضا في قلوب هؤلاء الاخوة الكبار نحو إخوانهم الصغار هذه كانت مثار حقد ومثار نزاع وحسد في قلوبهم اججهم ضد هذه الفطرة الطيبة وضد هذه الطفولة البريئة نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة.
) إذ قالوا ليوسف وأخيه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ( وقولهم نحن عصبه فيه أيضا أمور ودروس مهمة قالوا :
نحن عصبه أي نحن أصحاب نفع وفائدة نقدمها لأبينا نعمل دونه ونقدم له النفع والفائدة وهؤلاء الصغار ليس فيهم نفع وليس منهم فائدة فظنوا بميزانهم الدنيوي وبميزان أهل البادية التي يعيشون فيها أن الابن الذي يعمل ويقدم لأبيه ويعينه ينبغي أن يكون هو المحبوب دون نظر الى إيمان في القلب ودون نظر الى إحسان في الخلق ودون نظر الى مراعاة للبر هذه موازين دنيوية لم تكن عند يعقوب عليه السلام إنما مال قلبه لفضل الخير والإحسان ولفضل الأخلاق الفاضلة ولتميز البر الصادق عند يوسف وأخيه عن بقية إخوانهم وهم قالوا: نحن عصبة نحن أصحاب النفع والفائدة فينبغي أن نكون نحن المخصوصون بالمحبة وهو ميزان ليس بصادق وليس بصحيح دائما.
ثم كذلك في قولهم نحن عصبة أي أصحاب قوة نستطيع أن نضر وننفع نستطيع أن نواجه وأن ندفع ولذلك كأنهم أيضا مازالوا في حديثهم يحرض بعضهم بعضا ويجرئ بعضهم بعضا مادامت لكم قوة فاسعوا الى تغير طريقة هذه المحبة وامنعوا سبلها ووسائلها وهذه والعياذ بالله من وسائل الشيطان حين يجتمع من في قلبه شئ من خلل مع من في قلبه شئ من الفساد وان كان قليلا هنا وقليلا هنا يقوي بعضهم بعضا ويدفع بعضهم بعضا ويحرض بعضهم بعضا فيتعاظم الشر في نفس كل واحد منهم فيحصل الفساد كما حصل في قصة يوسف اخوة يوسف وهم أصلهم مؤمنون ومن نسل نبي الله يعقوب وفيهم خير وصلاح لاشك فيه لكن الشيطان ووساوسه ولكن النفس ونزعاتها غلبت على ذلك فطمرته حينا من الدهر حتى قضى الله سبحانه وتعالى بالتوبة عليهم في آخر الأمر وحسن حالهم وشأنهم فيما يذكر الله سبحانه وتعالى .
هنا قالوا :نحن عصبة يجرؤن بعضهم بعضا على هذا الفعل القبيح "أن أبانا لفي ضلال مبين " ووصفهم لأبيهم في الضلال ليس من الدين والاعتقاد فانهم لو قالوا ذلك لكفروا وهم يعلمون نبوته وصلاحه وصلته بالله وانما رأوا أن هذا الميل الذي توهم وتضخم في عقولهم ونفوسهم أنه نوع من الخطأ أي خطأ في طريقة التعامل وفي طريقة الاتصال والمعاملة بين أبناءه "قالوا أن أبانا لفي ضلال مبين" .
ثم انظروا الى النقلة العجيبة الهفات اليسيرة ومن هذه الملامح البسيطة نوع من الميل والشفقة على صغار ضعاف من رجل كبير ماذا يجعل فيها الشيطان ينفث فيها ويزيد منها ويهول في أمرها فإذا هي من هذا التغيير اليسير "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا "وانظر كيف يعمل الحقد والحسد وكيف يعمي الغضب حينما يحل بالإنسان هل من المعقول أن يكون هذا التغير الذي لمحوه وظنوه توهما أن يكون دافعا لأكبر جريمة على وجه الأرض وفي تاريخ البشرية كلها وهي جريمة القتل وإزهاق النفس سيما وهي في طفل صغير برئ ليس له حول ولا قوة سيما وهي متعلقة بأبيهم الذي ينبغي أن يكون أعظم براً به وأحسن وأكثر مراعاة لحاله ومراعاة لشعوره ومحبته وما يميل إليه سيما وهي أيضا تأتي ممن؟من أخوة تربطهم به صلة النسب كما تربطهم صلة العقيدة والإيمان كل ذلك يبين لنا أثر الحقد والغضب.
ولذلك رسولنا e يحذر من الحقد والحسد كما أشرنا فيما مضى ويحذر من الغضب أيضا لان الغضب غليان الدم الذي يغطي العقل والذي يحجب البصيرة والذي يعمي عن الحق تماما فتجد صاحبه لا يأبه شئ يفعله نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة ولذا رأى رسول الله e رجلاً غضب من آخر وهو يتكلم ويزبل في الكلام وقد انتفخت اوادجه واحمر وجهه فقال e "إني لأعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما يجد أي لذهبت عنه ثورة الغضب وذهب عنه غشيان البصيرة قالوا ماهي يا رسول الله قال:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" هذا الدواء الرباني والإرشاد النبوي إذا حل الغضب أن تستعيذ بالله وان تلجأ الى الله سبحانه وتعالى فيذهب ذلك الغضب فجاء رجل سمع هذه المقالة من المصطفى e يقول كلمة لو قلتها لذهب عنك ما تجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال اذهب لست بمجنون لأن الغضب قد طغى عليه فلم يلتفت الى هذا المعنى ولم يلتفت الى هذه الهداية والإرشاد العظيم.
وكذلك ينبئنا رسول الله e ويعلمنا الى معالجة الغضب الذي نرى له آثار سيئة في مجتمعاتنا إذا غضب الواحد من الناس تجده يقذف بلسانه كلمات بشعة فاجرة أو يبطش بيده فإذا هو اعتداء واجرام أو يخطط ويمكر ويدبر فإذا القلوب تتناثر وإذا المفاسد تنتشر يقول e كما في سنن أبي داود "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس وإذا غضب وهو جالس فليضجع" .
ويذكر عليه الصلاة والسلام أن الغضبان ينبغي له أن يلجأ الى الوضوء أن الغضب جمرة من النار يطفئها الوضوء هذه تعليمات رسولنا e في هذا الأمر .
وشاهدالحال أن اخوة يوسف هنا بنفس الشيطان والحقدالذي ملأ قلوبهم حتى اسودت والعياذ بالله وبهذا الغضب الذي أعمى بصائرهم انتقلوا من هذا الحدث البسيط الى الجريمة الكبرى وهنا ينبغي أن يتنبه الإنسان الى أن المعصية قد تبدأ صغيرة قد تبدأ بظن سيئ ثم بعد ذلك يتعاظم فإذا هو ينتقل غيبة ونميمة ثم يتعاظم إذ هو تأليب وتحريف ثم يتعاظم فإذا هو بطش واعتداء ثم يتعاظم حتى يبلغ مالم يتصوره العقل .
كما ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في تسلسل المعاصي:" دافع الخطرة أي الخاطر الذي يمر فإن لم تفعل صارت فكرة فدافعها فإن لم تفعل صارت شهوة أي دخلت في القلب فحاربها فإن لم تفعل صارت همة وعزيمة فحاربها فإن لم تفعل وقعت في الذنب فتداركه بضده أي ارجع مباشرة".
وكان لاخوة يوسف موقع وموضع للرجوع ولكنه الشيطان أعمى بصائرهم وأذلهم عن سواء الصراط فإن لم تفعل أي فإن لم تتدارك الذنب باستغفار وعمل صالح صار عادة لك وصعب عليك الانتقال منها هكذا يبدأ الشيطان في وساوسه باليسير حتى يغدوا كبيرا "قالوا اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا" كلاهما أمران أحلاهما مر إما إن يقتلوه واما إن يجعلوه في أرض صحراوية منقطعة فيؤدي ذلك الى موته وهلاكه ) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم تكونوا من بعده قوم صالحين( وهذه وسوسة الشيطان وحبائله التي يحوكها على الناس قالوا لماذا قالوا لكم مقصد حسن وهو إن وجه أبيكم المراد قلبه وتعلقه وصلته قد حال بينكم وبينها هذا الحاجز وهذه العقبة وهو يوسف على وجه الخصوص لأن أخاه في ذلك الوقت كان لم يزل غلاما صغيرا جدا قالوا اقتلوا يوسف حتى يخلوا لكم وجه أبيكم وكأنهم غفلوا عن حقيقة التعلق لم يكن يعقوب متعلقا بيوسف فقط بالنظر إليه وبتأمله وانما كان تعلقه بميله بقلبه ومحبته له من سويداء قلبه فلذلك لما انزاح عنه لم يزل يذكره ولم يزل يذكره ولم يزل يذكره ولم تزل عينه تدمع عليه حتى قالوا )تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين( بين لنا هذا إن صدق المحبة وصدق التعامل إنما هو في القلب أما ما يظهر على الجوارح أو على الوجه من بسمات غير صادقة أو انفعالات غير حقيقية فذلك أصله ينبغي أن يكون مطابقا لما في القلب أما أن يتعامل الإنسان فقط بالظاهر فهذا هو المطلوب ابتداء ولذلك هم ظنوا إن النفاق الظاهر ليوسف هو المراد "قالوا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوم صالحين " وهي قضية خطيرة زرعها الشيطان في عقولهم شاهدها أو قولها أو عنوانها هو إن الغاية تبرر الوسيلة ماذا تريدون قالوا: تزيحوه ثم نكون من بعده قوما صالحين أرادوا إن يضمروا التوبة قبل فعل الذنب وهذا يدل على عدم فهمهم للتوبة وعلى عدم معرفتهم للتعامل مع الله سبحانه وتعالى ذلك إن الله جل وعلا قال"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك أتوب عليهم وكان الله عليما حكيما" هنا يبين الله سبحانه وتعالى إن التوبة إنما تقع عن ذنب الغفلة الذي يغفل فيه الإنسان ليس عن إصرار يقول سأذهب وافعل كذا وكذا فإذا انتهيت سوف أتوب بإذن الله سبحانه وتعالى هذه من وساوس الشيطان لذلك جعل الإسلام نهجا وقاعدة سليمة إن الغاية لا تبرر الوسيلة إذا أردت خيراً فلا بد إن تصل له من طريق الخير وان رمت صلاحا فلا بد إن يكون سلوكك في طريق الصلاح.
ولذلك يقول المصطفى e "كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به" لانه ينبغي إن يدرك إن أساس ما يأكله أو أساس ما يأخذه من نعمة الله سبحانه وتعالى إن كان طريقه الحرام فقد يضره في دعائه وفي عبادته إن لم يكن يأخذ شئ ولم يعلم أصحابه شئ يؤدي الى خير ألا وهو في ذاته خير وهكذا ينبغي إن يعلم الإنسان المؤمن إن طريقه الى الخير لابد أن يكون صادقاً ولا بد أن يكون صالحاً ولا بد أن يكون مباحاً ولذلك قالوا"وتكونوا من بعده قوم صالحين" وليتحقق لهم ذلك لأن الأصل كان خاطئا.
ثم ماذا جاء ذلك الرجل أو الأخ واحد منهم كان كما يقول أكثرهم تقوى واصوبهم رأيا قال ) لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة( هذا على قول قائل"حنانيك بعض الشر أهون من بعض"كلهم كانوا في هذا الأمر مترددون متحفزين بعضهم حاز على قصب السبق في هذه المؤامرة والمكيدة وبعضهم كان في أدنى المراتب بل كان يميل الى ترك الأذى حتى قال لهم في هذه المقالة إن كنتم فاعلين أي إن كنتم ولا بد ستفعلون وبودي وفي نيتي وفي رغبتي ألا تفعلوا شيئا من الأذى ولكن إن كنتم لابد فاعلين فألقوه في غيابة الجب أي في قعر بئر على طريق القوافل حتى تأخذه بعض القوافل وتذهب به.
هكذاكان بمافيه من الخيرشخصية متميزة كانت دائما تميل إلى غير ما يميل إليه بقية إخوانه كما سيأتي الحديث عن مواقفه قال:لا تقتلوا يوسف وهذا فيه بقية من رحمة وشفقة وإلا أولئك بما عزموا عليه في قطيعة للرحم وفيه إيذاء للأب وفيه عقوق به وفيه أيضا نزع لمشاعر الرحمة والرأفة في قلوبهم هذا قال: " لا تقتلوا يوسف والقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" وبالفعل استجابوا لأمره لكن سننظر كيف توصلوا لهذا الأمر وكيف وصلوا في تحقيق مرادهم فإن هذه المؤامرة كانت في خفاء عن يعقوب عليه السلام وعن ابنه يوسف تآمروا وتشاوروا وهكذا كل أمر يدبر بليل فإنه ينبغي إن يلتفت إليه وأن يتنبأ له ولذلك كشف يعقوب عليه السلام مؤامرتهم بنفاذ بصيرته منذ كلامهم الأول وبعد فعلهم القبيح.
جاء اخوة يوسف بعد ذلك لأبيهم لينفذوا ما تأمروا عليه وبدؤا بقولهم قالو ا) يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وأنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وأنا له لحافظون ( تلطفوا في القول وقالوا لأبيهم لماذا لا تأمنا على يوسف ونحن مأمونون يظهرون ذلك بقولهم لانهم يبطنون أنهم غير مأمونين وإنا له لحافظون وهم في باطنهم ليسوا له بحافظين وإنما له مضيعون ولذلك كل كلمة من أقوالهم الظاهرة كانت مخالفة لضمائرهم الباطنة ولنواياهم الخفية وكأنهم قد قرروا أن أباهم يخشى على أخيهم منهم وهو لم يكن كذلك لم يكن يمنعه من الخروج معهم لأنه يخاف عليه منهم وإنما كان لأنه يخاف عليه لصغر سنه ولعدم قدرته على العمل ولعدم قدرته على أن يعيش منفرداً وحيداً بين إخوانه بأنهم كانوا إذا خرجوا غابوا أياما ثم يعودون بعد ذلك في الرعي أو في الزراعة وغير ذلك من الشؤون.
)قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وأنا له لحافظون ( وهذا التوكيد بقوله وأنا له لحافظون يدل على انهم مستريبين في أن أباهم يشك فيهم وهذا على غرار قوله القائل"كاد المريب أن يقول خذوني" الذي لا يكون واثقاً من صدقه فإنه يظهر ذلك على فلتات لسانه بل يظهر ذلك على آحاد كلامه بل يظهر ذلك على تعبيرات وجه بل يظهر ذلك حتى في فعله لانه يفتضح كما سيأتي حديثنا مع قصة اخوة يوسف ثم قالوا قدموا بهذه المقدمة بعد أن قالوا "يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف" لم يقولوا أرسله معنا قالوا و"إنا له لحافظون أرسله معنا" تلطفوا في القول وتدرجوا فيه سنحفظه ولذلك إن أرسلته فلا تخشى شيئا أرسله معنا.
ولماذا قالوا يرتع ويلعب؟ ظاهر فعلهم إنا نريد له الخير ونريد له السعادة والترفيه وان يجدد نشاطه ذلك على عكس ما أرادوا به قالوا "وأنا له لناصحون" أي مخلصون في محبتنا له وفي الآخر قالوا "وأنا له لحافظون" أي لأن أتى معنا فإنا نحفظه بإذن الله سبحانه وتعالى فلما أراد يعقوب عليه السلام إن يصرفهم قال "إني ليحزنني إن تذهبوا به "بمجرد إن يبتعد عني فإني بشدة محبتي له وتعلقي به يضيق صدري ويداخلني الهم والحزن.
ولماذا قال ذلك يعقوب عليه السلام أراد إن يأثر في أبنائه لانهم لو كانوا أصحاب برٍ تجنبوا ما يحزن أباهم مباشرة قالوا :مادام ذلك يحزنك فليس لنا فيه سبيل لكنه لم يفلح معهم هذا الأسلوب الذي أراد بهم إن يصرفهم عن مرادهم من اخذ يوسف معهم "قال إني ليحزنني إن تذهبوا به" ثم أشار من طرف خفي الى علة أخرى "أخاف إن يأكله الذئب "فأخذوا هذه القصة أو هذه الكلمة منه ولم يكونوا قد رتبوا ماذا سيفعلون وماذا سيقولون فلما قال "أخاف إن يأكله الذئب" اخذوا هذه القصة أو الكلمة عن الذئب وجعلوها بعد ذلك هي العلة التي بنوا عليها.
لماذا قالوا :ما دام انه خاف إن يأكله الذئب فسنقول قد أكله الذئب فيكون ذلك من المطابقة الغريبة والعجيبة ولكنهم حينما فعلوا ذلك اخطئوا وتخلخل قولهم وامرهم لماذا؟ لأنهم كانوا كاذبين وكما يقال في أمثلتنا "الكذب حبله قصير" لابد إن يظهر إما في تناقض القول أو في اختلاف القول مع الفعل أو في اختلاف القول والفعل مع الظاهر والحال فإن ذلك لابد إن يظهر حواره وان ينكشف بإذن الله سبحانه وتعالى فلذلك "قال إني ليحزنني إن تذهبوا به أخاف إن يأكله الذئب وانتم عنه غافلون" "قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون" نحن قوة ونحن نحفظه ونحن معه فإذا لاريب ولا خوف من هذا الأمر .
وهنا مكمن الخطأ الذي وقعوا فيه حينما جاؤا بقصة الذئب حذرهم أبوهم من الذئب وتعهدوا بحفظه على وجه الخصوص من الذئب ثم قالوا بعد ذلك "أكله الذئب" دل ذلك على التناقض الظاهر بأنه لو قالوا أمر آخر لربما كان لهم عذر أنهم لم ينبه الى هذا الخطر ولم يكونوا على يقظة وعلى تعهد إن يدرؤوه عنه وان ينتبهوا له منه ولكنهم وقعوا في هذا الخطأ وهنا ينبغي إن نأخذ بعض الدروس أيضا انه كما قال بعض الأئمة والعلماء درسان مهمان نختم به الحديث في هذا المقام:
الدرس الأول:إن أصحاب النفوس المريضة وأصحاب القلوب السيئة يكونوا في أعمالهم يكون عندهم من الأقوال والأعمال مايسيئون به الىأهل الفضل الذين يزاحمونهم في فضلهم وهذه من أخطر الشعور والآثام أن يكون إنسانا مقدما في فضل من الله سبحانه وتعالى فضل علم أو فضل منزلة عند الناس أو فضل قرب وصلاح كما أشرنا في قصة ابني آدم لما تقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخرعلى هذا الفضل وهوليس له دخل فيض عطاء الله سبحانه وتعالى وكذلك فيض وجهدوعمل الإنسان الذي يسعى به لرضىالله سبحانه وتعالى مع ذلك قال أيقتلنك وهذا يحصل في أحوال الناس كثيرا فتجد الغيرة أحيانا تعمي الإنسان عن أصل الخيرالذي فيه كما هو خبرأبناء يعقوب كان فيهم خيرلكنه طمس عنهم بهذا الأمر.
والأمر الثاني إن أصحاب الباطل يسعون الى تحقيق باطلهم بحجج وبكلمات معسولة وبتدرج ينتبهون فيه ويقصدون فيه أن يمرروا الأمر ويصلوا إلى الغاية والمقصود فإن اخوة يوسف لم يخطفوا يوسف من أبيهم مباشرة وانما جاؤا له طالبين وجاؤا له متظاهرين له بالحسن والإصلاح وجاؤا له متظاهرين بالغيرة والحب ليوسف حتى وصلوا الى مقصدهم وماذا استعملوا في ذلك استعملوا في ذلك معسول الكلام وحسن الألفاظ وبلاغة القول حتى يصلوا الى مأربهم وهكذا نجد أيضا في أيامنا وفي حياتنا المعاصرة أن أهل الفساد يظهرون الخير ويظهرون الصلاح ويتلطفون في القول حتى يصلوا الى مآربهم الخبيثة كما اخبر الله سبحانه وتعالى في قوله ) ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد( .
ولذلك أيضا نعرف هنا اثر الكلام الفصيح واثر البلاغة والأدب في وصول الإنسان الى مراده فإن استخدمها في خير كانت له خير فإن رسول الله e بين لنا اثر ذلك فقال"إنكم تختصمون إلي وان بعضكم يكون الحق بحجته من صاحبه" يعني يستطيع إن يتكلم بكلام جيد منسق منمق فيكون يميل قلب أو عقل القاضي الذي يقضي له وذاك لا يستطيع إن يتكلم ولا أن يبين ولا أن يعرض ولا أن يحسن تسلسل الأفكار أو بيان الخير الذي في قوله أو بيان الصدق في فعله فيقول الرسول علية الصلاة والسلام "فأقضي له بنحو مما اسمع" .
وهذا يدلنا على أن الكلام إذا كان رضيا والمعني إذا كان بليغا ساعد على إظهار الحق وبيانه ولذلك جاء كتاب الله في أعلى درجات البلاغة مع كونه متضمن أعمق وأكمل معاني الهداية ومعاني الخير لكنها ظهرت في هذا الأسلوب وكذلك صاحب الخير وصاحب الدعوة إن كان صاحب لسان وبيان أوكان صاحب حجة ظاهرة أوكان صاحب مقدرة على تسلسل الأفكار وعلى تدرجه في حديثه وبيان آثار منافع ما يرشد إليه ويحث عليه كان ذلك أدعى إلى قبول الناس له.
هنا نعرف أهمية تعلم اللغة العربية وتعلم حسن الكلام فإن هذا كثير ما يعين على نوائب الخير إن كان صاحبه يسعى إليه وكثيراً ما يقصد بالإنسان عن الخير وإن كان في نيته وإن كان في عمله.
لكن ذلك مهم جدا كما توصل أبناء يعقوب عليه السلام بهذه الكلمات وبهذا الإصرار وبهذا التدرج الى أمر فيه شيء من السوء وكذلك ينبغي للإنسان أن يحذر من أهل الفساد إن توصلوا إلى ذلك بهذا .
وكذلك ينبغي إن نأخذ نحن بهذه الأسباب حتى نوصل الخير إلى الناس وحتى ننشر بينهم فتتلقاه قلوبهم وتقبله عقولهم وتميل إليه نفوسهم وهذه مهمة ينبغي أن يتنبه لها صاحب أو طالب العلم والراغب في هداية الناس والخطيب في مسجده والواعظ في محرابه والمدرس في مدرسته.
مما أعجبني
اخوكم/ الســـــراب
ونبدأ هذه القصة بقوله جل وعل ا) لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين ( وقصص القرآن كلها آيات وعبر وهذه من أجمعها ومن أوسعها واكثرها تفصيلاً واكثرها حوادث واكثرها تنوع في الشخصيات من حر ورقيق من ضعيف وقوي من فقير وغني من رجل وامرأة من صغير وشيخ كل هذه الشخصيات تمر بنا في هذه القصة ليكون في كل نوع درس وعبرة .
ونبدأ هذه القصة حوار جرئ بين الاخوة إخوة يوسف الذين كانوا إخوة له من أبيه وكان يوسف واخوه بنيامين أشقاء من أم أخرى وكانوا أصغر من بقية إخوانه إذ قالوا اخوة يوسف ) ليوسف واخوه احب الى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين(.
هذه المقالة جاءت منهم على سبيل القسم واليمين إذ اللام لام القسم أي والله ليوسف واخوه أحب إلى أبينا منا وهم يعلمون ذلك وما من أحد منهم يشك في ذلك فلماذا أقسموا؟ إنه نوع من حفز بعضهم بعضاًومن تشجيع بعضهم بعضاًعلىلازم هذه المحبة أن يقطعوا سببها وأن يغيروا طريقها لما نشأ في قلبهم من الحقد والحسد نسأل الله السلامة قالوا (ليوسف واخوه احب الى أبينا منا )ما وجه محبةأبي يوسف لابنه يوسف إنهاأمورفطرية جبليةإنهاقضاياطبيعية لم يكن فيها شئ من الظلم ولا شئ من اختلاف المعاملة.
ذلك أن يعقوب عليه السلام كان قد بلغ في ذلك الوقت من العمر عتيا وكان قد شاخ وكبر سنه وكان يوسف واخوه أصغر الأخوان ومعلوم أن الكبير في السن يتعلق تعلقاً ظاهراً بيناً بالصغار لما يكون فيه من الأنس لديه والسكون ولما يكون فيه من تعاظم الشفقة والرحمة لذا نجد الأجداد اكثر حنوا واكثر محبة وشفقة على الأحفاد وربما نرى في واقعنا أن الأب يأتي ليعاقب ابنه فيأتي أبوه أي جد الابن فيمنعه ويحول بينه وبين ذلك فهذه الجبلة الفطرية هي التي جعلت ميل يعقوب ابتداء الأمر ليوسف وأخيه.
ثم كذلك لامر آخر ذلك انه رأى ملامح الصلاح وعلائم النجابة والذكاء وحسن التصرف وكمال البر من يوسف وأخيه على وجه الخصوص فمال قلبه طبيعة وفطره عند الإحسان لأن الإنسان عبد الإحسان ومتى احسن الإنسان إليك فانه يكون قد استمال قلبك بل ربما استعبدك وطالما استعبد الإنسان الإحسان فان هذه أيضا طبيعة في البشر.
ثم كذلك أمر ثالث ذلك أن يوسف وأخاه كانوا صغارا في السن فكان يحدب عليهما ويخاف عليهما أكثر ممن كبر سنهم واشتد عودهم وصاروا يضربون في مناكب الأرض ويطلبون عيشهم بأنفسهم ويستطيعون دفع الضر عنهم.
كل هذه الأمورالطبيعية الفطرية جعلت ميل يعقوب عليه السلام لابنيه الصغيرين ظاهراًواضحاً بيناً ولم يكن في معاملته شئ من المخالفة أو من التمييز بين الصغار والكبار أو إعطاء أولئك حقوقاً ومنع هؤلاء الحقوق فإن ذلك لم يكن منه وهو النبي المعصوم وإنما هذه الملامح العادية الطبيعية الفطرية التي ينبغي أن تكون أيضا في قلوب هؤلاء الاخوة الكبار نحو إخوانهم الصغار هذه كانت مثار حقد ومثار نزاع وحسد في قلوبهم اججهم ضد هذه الفطرة الطيبة وضد هذه الطفولة البريئة نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة.
) إذ قالوا ليوسف وأخيه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ( وقولهم نحن عصبه فيه أيضا أمور ودروس مهمة قالوا :
نحن عصبه أي نحن أصحاب نفع وفائدة نقدمها لأبينا نعمل دونه ونقدم له النفع والفائدة وهؤلاء الصغار ليس فيهم نفع وليس منهم فائدة فظنوا بميزانهم الدنيوي وبميزان أهل البادية التي يعيشون فيها أن الابن الذي يعمل ويقدم لأبيه ويعينه ينبغي أن يكون هو المحبوب دون نظر الى إيمان في القلب ودون نظر الى إحسان في الخلق ودون نظر الى مراعاة للبر هذه موازين دنيوية لم تكن عند يعقوب عليه السلام إنما مال قلبه لفضل الخير والإحسان ولفضل الأخلاق الفاضلة ولتميز البر الصادق عند يوسف وأخيه عن بقية إخوانهم وهم قالوا: نحن عصبة نحن أصحاب النفع والفائدة فينبغي أن نكون نحن المخصوصون بالمحبة وهو ميزان ليس بصادق وليس بصحيح دائما.
ثم كذلك في قولهم نحن عصبة أي أصحاب قوة نستطيع أن نضر وننفع نستطيع أن نواجه وأن ندفع ولذلك كأنهم أيضا مازالوا في حديثهم يحرض بعضهم بعضا ويجرئ بعضهم بعضا مادامت لكم قوة فاسعوا الى تغير طريقة هذه المحبة وامنعوا سبلها ووسائلها وهذه والعياذ بالله من وسائل الشيطان حين يجتمع من في قلبه شئ من خلل مع من في قلبه شئ من الفساد وان كان قليلا هنا وقليلا هنا يقوي بعضهم بعضا ويدفع بعضهم بعضا ويحرض بعضهم بعضا فيتعاظم الشر في نفس كل واحد منهم فيحصل الفساد كما حصل في قصة يوسف اخوة يوسف وهم أصلهم مؤمنون ومن نسل نبي الله يعقوب وفيهم خير وصلاح لاشك فيه لكن الشيطان ووساوسه ولكن النفس ونزعاتها غلبت على ذلك فطمرته حينا من الدهر حتى قضى الله سبحانه وتعالى بالتوبة عليهم في آخر الأمر وحسن حالهم وشأنهم فيما يذكر الله سبحانه وتعالى .
هنا قالوا :نحن عصبة يجرؤن بعضهم بعضا على هذا الفعل القبيح "أن أبانا لفي ضلال مبين " ووصفهم لأبيهم في الضلال ليس من الدين والاعتقاد فانهم لو قالوا ذلك لكفروا وهم يعلمون نبوته وصلاحه وصلته بالله وانما رأوا أن هذا الميل الذي توهم وتضخم في عقولهم ونفوسهم أنه نوع من الخطأ أي خطأ في طريقة التعامل وفي طريقة الاتصال والمعاملة بين أبناءه "قالوا أن أبانا لفي ضلال مبين" .
ثم انظروا الى النقلة العجيبة الهفات اليسيرة ومن هذه الملامح البسيطة نوع من الميل والشفقة على صغار ضعاف من رجل كبير ماذا يجعل فيها الشيطان ينفث فيها ويزيد منها ويهول في أمرها فإذا هي من هذا التغيير اليسير "اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا "وانظر كيف يعمل الحقد والحسد وكيف يعمي الغضب حينما يحل بالإنسان هل من المعقول أن يكون هذا التغير الذي لمحوه وظنوه توهما أن يكون دافعا لأكبر جريمة على وجه الأرض وفي تاريخ البشرية كلها وهي جريمة القتل وإزهاق النفس سيما وهي في طفل صغير برئ ليس له حول ولا قوة سيما وهي متعلقة بأبيهم الذي ينبغي أن يكون أعظم براً به وأحسن وأكثر مراعاة لحاله ومراعاة لشعوره ومحبته وما يميل إليه سيما وهي أيضا تأتي ممن؟من أخوة تربطهم به صلة النسب كما تربطهم صلة العقيدة والإيمان كل ذلك يبين لنا أثر الحقد والغضب.
ولذلك رسولنا e يحذر من الحقد والحسد كما أشرنا فيما مضى ويحذر من الغضب أيضا لان الغضب غليان الدم الذي يغطي العقل والذي يحجب البصيرة والذي يعمي عن الحق تماما فتجد صاحبه لا يأبه شئ يفعله نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة ولذا رأى رسول الله e رجلاً غضب من آخر وهو يتكلم ويزبل في الكلام وقد انتفخت اوادجه واحمر وجهه فقال e "إني لأعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما يجد أي لذهبت عنه ثورة الغضب وذهب عنه غشيان البصيرة قالوا ماهي يا رسول الله قال:أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" هذا الدواء الرباني والإرشاد النبوي إذا حل الغضب أن تستعيذ بالله وان تلجأ الى الله سبحانه وتعالى فيذهب ذلك الغضب فجاء رجل سمع هذه المقالة من المصطفى e يقول كلمة لو قلتها لذهب عنك ما تجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال اذهب لست بمجنون لأن الغضب قد طغى عليه فلم يلتفت الى هذا المعنى ولم يلتفت الى هذه الهداية والإرشاد العظيم.
وكذلك ينبئنا رسول الله e ويعلمنا الى معالجة الغضب الذي نرى له آثار سيئة في مجتمعاتنا إذا غضب الواحد من الناس تجده يقذف بلسانه كلمات بشعة فاجرة أو يبطش بيده فإذا هو اعتداء واجرام أو يخطط ويمكر ويدبر فإذا القلوب تتناثر وإذا المفاسد تنتشر يقول e كما في سنن أبي داود "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس وإذا غضب وهو جالس فليضجع" .
ويذكر عليه الصلاة والسلام أن الغضبان ينبغي له أن يلجأ الى الوضوء أن الغضب جمرة من النار يطفئها الوضوء هذه تعليمات رسولنا e في هذا الأمر .
وشاهدالحال أن اخوة يوسف هنا بنفس الشيطان والحقدالذي ملأ قلوبهم حتى اسودت والعياذ بالله وبهذا الغضب الذي أعمى بصائرهم انتقلوا من هذا الحدث البسيط الى الجريمة الكبرى وهنا ينبغي أن يتنبه الإنسان الى أن المعصية قد تبدأ صغيرة قد تبدأ بظن سيئ ثم بعد ذلك يتعاظم فإذا هو ينتقل غيبة ونميمة ثم يتعاظم إذ هو تأليب وتحريف ثم يتعاظم فإذا هو بطش واعتداء ثم يتعاظم حتى يبلغ مالم يتصوره العقل .
كما ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في تسلسل المعاصي:" دافع الخطرة أي الخاطر الذي يمر فإن لم تفعل صارت فكرة فدافعها فإن لم تفعل صارت شهوة أي دخلت في القلب فحاربها فإن لم تفعل صارت همة وعزيمة فحاربها فإن لم تفعل وقعت في الذنب فتداركه بضده أي ارجع مباشرة".
وكان لاخوة يوسف موقع وموضع للرجوع ولكنه الشيطان أعمى بصائرهم وأذلهم عن سواء الصراط فإن لم تفعل أي فإن لم تتدارك الذنب باستغفار وعمل صالح صار عادة لك وصعب عليك الانتقال منها هكذا يبدأ الشيطان في وساوسه باليسير حتى يغدوا كبيرا "قالوا اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا" كلاهما أمران أحلاهما مر إما إن يقتلوه واما إن يجعلوه في أرض صحراوية منقطعة فيؤدي ذلك الى موته وهلاكه ) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم تكونوا من بعده قوم صالحين( وهذه وسوسة الشيطان وحبائله التي يحوكها على الناس قالوا لماذا قالوا لكم مقصد حسن وهو إن وجه أبيكم المراد قلبه وتعلقه وصلته قد حال بينكم وبينها هذا الحاجز وهذه العقبة وهو يوسف على وجه الخصوص لأن أخاه في ذلك الوقت كان لم يزل غلاما صغيرا جدا قالوا اقتلوا يوسف حتى يخلوا لكم وجه أبيكم وكأنهم غفلوا عن حقيقة التعلق لم يكن يعقوب متعلقا بيوسف فقط بالنظر إليه وبتأمله وانما كان تعلقه بميله بقلبه ومحبته له من سويداء قلبه فلذلك لما انزاح عنه لم يزل يذكره ولم يزل يذكره ولم يزل يذكره ولم تزل عينه تدمع عليه حتى قالوا )تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين( بين لنا هذا إن صدق المحبة وصدق التعامل إنما هو في القلب أما ما يظهر على الجوارح أو على الوجه من بسمات غير صادقة أو انفعالات غير حقيقية فذلك أصله ينبغي أن يكون مطابقا لما في القلب أما أن يتعامل الإنسان فقط بالظاهر فهذا هو المطلوب ابتداء ولذلك هم ظنوا إن النفاق الظاهر ليوسف هو المراد "قالوا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوم صالحين " وهي قضية خطيرة زرعها الشيطان في عقولهم شاهدها أو قولها أو عنوانها هو إن الغاية تبرر الوسيلة ماذا تريدون قالوا: تزيحوه ثم نكون من بعده قوما صالحين أرادوا إن يضمروا التوبة قبل فعل الذنب وهذا يدل على عدم فهمهم للتوبة وعلى عدم معرفتهم للتعامل مع الله سبحانه وتعالى ذلك إن الله جل وعلا قال"إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك أتوب عليهم وكان الله عليما حكيما" هنا يبين الله سبحانه وتعالى إن التوبة إنما تقع عن ذنب الغفلة الذي يغفل فيه الإنسان ليس عن إصرار يقول سأذهب وافعل كذا وكذا فإذا انتهيت سوف أتوب بإذن الله سبحانه وتعالى هذه من وساوس الشيطان لذلك جعل الإسلام نهجا وقاعدة سليمة إن الغاية لا تبرر الوسيلة إذا أردت خيراً فلا بد إن تصل له من طريق الخير وان رمت صلاحا فلا بد إن يكون سلوكك في طريق الصلاح.
ولذلك يقول المصطفى e "كل جسم نبت من سحت فالنار أولى به" لانه ينبغي إن يدرك إن أساس ما يأكله أو أساس ما يأخذه من نعمة الله سبحانه وتعالى إن كان طريقه الحرام فقد يضره في دعائه وفي عبادته إن لم يكن يأخذ شئ ولم يعلم أصحابه شئ يؤدي الى خير ألا وهو في ذاته خير وهكذا ينبغي إن يعلم الإنسان المؤمن إن طريقه الى الخير لابد أن يكون صادقاً ولا بد أن يكون صالحاً ولا بد أن يكون مباحاً ولذلك قالوا"وتكونوا من بعده قوم صالحين" وليتحقق لهم ذلك لأن الأصل كان خاطئا.
ثم ماذا جاء ذلك الرجل أو الأخ واحد منهم كان كما يقول أكثرهم تقوى واصوبهم رأيا قال ) لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة( هذا على قول قائل"حنانيك بعض الشر أهون من بعض"كلهم كانوا في هذا الأمر مترددون متحفزين بعضهم حاز على قصب السبق في هذه المؤامرة والمكيدة وبعضهم كان في أدنى المراتب بل كان يميل الى ترك الأذى حتى قال لهم في هذه المقالة إن كنتم فاعلين أي إن كنتم ولا بد ستفعلون وبودي وفي نيتي وفي رغبتي ألا تفعلوا شيئا من الأذى ولكن إن كنتم لابد فاعلين فألقوه في غيابة الجب أي في قعر بئر على طريق القوافل حتى تأخذه بعض القوافل وتذهب به.
هكذاكان بمافيه من الخيرشخصية متميزة كانت دائما تميل إلى غير ما يميل إليه بقية إخوانه كما سيأتي الحديث عن مواقفه قال:لا تقتلوا يوسف وهذا فيه بقية من رحمة وشفقة وإلا أولئك بما عزموا عليه في قطيعة للرحم وفيه إيذاء للأب وفيه عقوق به وفيه أيضا نزع لمشاعر الرحمة والرأفة في قلوبهم هذا قال: " لا تقتلوا يوسف والقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين" وبالفعل استجابوا لأمره لكن سننظر كيف توصلوا لهذا الأمر وكيف وصلوا في تحقيق مرادهم فإن هذه المؤامرة كانت في خفاء عن يعقوب عليه السلام وعن ابنه يوسف تآمروا وتشاوروا وهكذا كل أمر يدبر بليل فإنه ينبغي إن يلتفت إليه وأن يتنبأ له ولذلك كشف يعقوب عليه السلام مؤامرتهم بنفاذ بصيرته منذ كلامهم الأول وبعد فعلهم القبيح.
جاء اخوة يوسف بعد ذلك لأبيهم لينفذوا ما تأمروا عليه وبدؤا بقولهم قالو ا) يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وأنا له لناصحون أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وأنا له لحافظون ( تلطفوا في القول وقالوا لأبيهم لماذا لا تأمنا على يوسف ونحن مأمونون يظهرون ذلك بقولهم لانهم يبطنون أنهم غير مأمونين وإنا له لحافظون وهم في باطنهم ليسوا له بحافظين وإنما له مضيعون ولذلك كل كلمة من أقوالهم الظاهرة كانت مخالفة لضمائرهم الباطنة ولنواياهم الخفية وكأنهم قد قرروا أن أباهم يخشى على أخيهم منهم وهو لم يكن كذلك لم يكن يمنعه من الخروج معهم لأنه يخاف عليه منهم وإنما كان لأنه يخاف عليه لصغر سنه ولعدم قدرته على العمل ولعدم قدرته على أن يعيش منفرداً وحيداً بين إخوانه بأنهم كانوا إذا خرجوا غابوا أياما ثم يعودون بعد ذلك في الرعي أو في الزراعة وغير ذلك من الشؤون.
)قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وأنا له لحافظون ( وهذا التوكيد بقوله وأنا له لحافظون يدل على انهم مستريبين في أن أباهم يشك فيهم وهذا على غرار قوله القائل"كاد المريب أن يقول خذوني" الذي لا يكون واثقاً من صدقه فإنه يظهر ذلك على فلتات لسانه بل يظهر ذلك على آحاد كلامه بل يظهر ذلك على تعبيرات وجه بل يظهر ذلك حتى في فعله لانه يفتضح كما سيأتي حديثنا مع قصة اخوة يوسف ثم قالوا قدموا بهذه المقدمة بعد أن قالوا "يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف" لم يقولوا أرسله معنا قالوا و"إنا له لحافظون أرسله معنا" تلطفوا في القول وتدرجوا فيه سنحفظه ولذلك إن أرسلته فلا تخشى شيئا أرسله معنا.
ولماذا قالوا يرتع ويلعب؟ ظاهر فعلهم إنا نريد له الخير ونريد له السعادة والترفيه وان يجدد نشاطه ذلك على عكس ما أرادوا به قالوا "وأنا له لناصحون" أي مخلصون في محبتنا له وفي الآخر قالوا "وأنا له لحافظون" أي لأن أتى معنا فإنا نحفظه بإذن الله سبحانه وتعالى فلما أراد يعقوب عليه السلام إن يصرفهم قال "إني ليحزنني إن تذهبوا به "بمجرد إن يبتعد عني فإني بشدة محبتي له وتعلقي به يضيق صدري ويداخلني الهم والحزن.
ولماذا قال ذلك يعقوب عليه السلام أراد إن يأثر في أبنائه لانهم لو كانوا أصحاب برٍ تجنبوا ما يحزن أباهم مباشرة قالوا :مادام ذلك يحزنك فليس لنا فيه سبيل لكنه لم يفلح معهم هذا الأسلوب الذي أراد بهم إن يصرفهم عن مرادهم من اخذ يوسف معهم "قال إني ليحزنني إن تذهبوا به" ثم أشار من طرف خفي الى علة أخرى "أخاف إن يأكله الذئب "فأخذوا هذه القصة أو هذه الكلمة منه ولم يكونوا قد رتبوا ماذا سيفعلون وماذا سيقولون فلما قال "أخاف إن يأكله الذئب" اخذوا هذه القصة أو الكلمة عن الذئب وجعلوها بعد ذلك هي العلة التي بنوا عليها.
لماذا قالوا :ما دام انه خاف إن يأكله الذئب فسنقول قد أكله الذئب فيكون ذلك من المطابقة الغريبة والعجيبة ولكنهم حينما فعلوا ذلك اخطئوا وتخلخل قولهم وامرهم لماذا؟ لأنهم كانوا كاذبين وكما يقال في أمثلتنا "الكذب حبله قصير" لابد إن يظهر إما في تناقض القول أو في اختلاف القول مع الفعل أو في اختلاف القول والفعل مع الظاهر والحال فإن ذلك لابد إن يظهر حواره وان ينكشف بإذن الله سبحانه وتعالى فلذلك "قال إني ليحزنني إن تذهبوا به أخاف إن يأكله الذئب وانتم عنه غافلون" "قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون" نحن قوة ونحن نحفظه ونحن معه فإذا لاريب ولا خوف من هذا الأمر .
وهنا مكمن الخطأ الذي وقعوا فيه حينما جاؤا بقصة الذئب حذرهم أبوهم من الذئب وتعهدوا بحفظه على وجه الخصوص من الذئب ثم قالوا بعد ذلك "أكله الذئب" دل ذلك على التناقض الظاهر بأنه لو قالوا أمر آخر لربما كان لهم عذر أنهم لم ينبه الى هذا الخطر ولم يكونوا على يقظة وعلى تعهد إن يدرؤوه عنه وان ينتبهوا له منه ولكنهم وقعوا في هذا الخطأ وهنا ينبغي إن نأخذ بعض الدروس أيضا انه كما قال بعض الأئمة والعلماء درسان مهمان نختم به الحديث في هذا المقام:
الدرس الأول:إن أصحاب النفوس المريضة وأصحاب القلوب السيئة يكونوا في أعمالهم يكون عندهم من الأقوال والأعمال مايسيئون به الىأهل الفضل الذين يزاحمونهم في فضلهم وهذه من أخطر الشعور والآثام أن يكون إنسانا مقدما في فضل من الله سبحانه وتعالى فضل علم أو فضل منزلة عند الناس أو فضل قرب وصلاح كما أشرنا في قصة ابني آدم لما تقبل الله من أحدهما ولم يتقبل من الآخرعلى هذا الفضل وهوليس له دخل فيض عطاء الله سبحانه وتعالى وكذلك فيض وجهدوعمل الإنسان الذي يسعى به لرضىالله سبحانه وتعالى مع ذلك قال أيقتلنك وهذا يحصل في أحوال الناس كثيرا فتجد الغيرة أحيانا تعمي الإنسان عن أصل الخيرالذي فيه كما هو خبرأبناء يعقوب كان فيهم خيرلكنه طمس عنهم بهذا الأمر.
والأمر الثاني إن أصحاب الباطل يسعون الى تحقيق باطلهم بحجج وبكلمات معسولة وبتدرج ينتبهون فيه ويقصدون فيه أن يمرروا الأمر ويصلوا إلى الغاية والمقصود فإن اخوة يوسف لم يخطفوا يوسف من أبيهم مباشرة وانما جاؤا له طالبين وجاؤا له متظاهرين له بالحسن والإصلاح وجاؤا له متظاهرين بالغيرة والحب ليوسف حتى وصلوا الى مقصدهم وماذا استعملوا في ذلك استعملوا في ذلك معسول الكلام وحسن الألفاظ وبلاغة القول حتى يصلوا الى مأربهم وهكذا نجد أيضا في أيامنا وفي حياتنا المعاصرة أن أهل الفساد يظهرون الخير ويظهرون الصلاح ويتلطفون في القول حتى يصلوا الى مآربهم الخبيثة كما اخبر الله سبحانه وتعالى في قوله ) ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافي قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد( .
ولذلك أيضا نعرف هنا اثر الكلام الفصيح واثر البلاغة والأدب في وصول الإنسان الى مراده فإن استخدمها في خير كانت له خير فإن رسول الله e بين لنا اثر ذلك فقال"إنكم تختصمون إلي وان بعضكم يكون الحق بحجته من صاحبه" يعني يستطيع إن يتكلم بكلام جيد منسق منمق فيكون يميل قلب أو عقل القاضي الذي يقضي له وذاك لا يستطيع إن يتكلم ولا أن يبين ولا أن يعرض ولا أن يحسن تسلسل الأفكار أو بيان الخير الذي في قوله أو بيان الصدق في فعله فيقول الرسول علية الصلاة والسلام "فأقضي له بنحو مما اسمع" .
وهذا يدلنا على أن الكلام إذا كان رضيا والمعني إذا كان بليغا ساعد على إظهار الحق وبيانه ولذلك جاء كتاب الله في أعلى درجات البلاغة مع كونه متضمن أعمق وأكمل معاني الهداية ومعاني الخير لكنها ظهرت في هذا الأسلوب وكذلك صاحب الخير وصاحب الدعوة إن كان صاحب لسان وبيان أوكان صاحب حجة ظاهرة أوكان صاحب مقدرة على تسلسل الأفكار وعلى تدرجه في حديثه وبيان آثار منافع ما يرشد إليه ويحث عليه كان ذلك أدعى إلى قبول الناس له.
هنا نعرف أهمية تعلم اللغة العربية وتعلم حسن الكلام فإن هذا كثير ما يعين على نوائب الخير إن كان صاحبه يسعى إليه وكثيراً ما يقصد بالإنسان عن الخير وإن كان في نيته وإن كان في عمله.
لكن ذلك مهم جدا كما توصل أبناء يعقوب عليه السلام بهذه الكلمات وبهذا الإصرار وبهذا التدرج الى أمر فيه شيء من السوء وكذلك ينبغي للإنسان أن يحذر من أهل الفساد إن توصلوا إلى ذلك بهذا .
وكذلك ينبغي إن نأخذ نحن بهذه الأسباب حتى نوصل الخير إلى الناس وحتى ننشر بينهم فتتلقاه قلوبهم وتقبله عقولهم وتميل إليه نفوسهم وهذه مهمة ينبغي أن يتنبه لها صاحب أو طالب العلم والراغب في هداية الناس والخطيب في مسجده والواعظ في محرابه والمدرس في مدرسته.
مما أعجبني
اخوكم/ الســـــراب




تعليق