اهدنا الصراط المستقيم ...

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • مشهور
    عضو فعال
    • Feb 2002
    • 354

    #1

    اهدنا الصراط المستقيم ...

    ليتأمل المؤمن كم مرة يردد هذه العبارة ويسمعها ؟ ويؤمن عليها ؟
    هل استيقن بها قلبه ؟ وهل تعلق بها وجدانه ؟ أم يرددها ترديد الساهي الغافل ؟؟.
    وليتأمل شدة فاقته وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشد فاقة وحاجة منه إليها البتة ، فإنه محتاج إليه في كل نفس وطرفة عين .
    وهذا المطلوب من هذا الدعاء لا يتم إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه ، والهداية فيه، وهي هداية التفصيل وخلق القدرة على الفعل وإرادته وتكوينه وتوقيعه لإيقاعه له على الوجه المرضى المحبوب للرب سبحانه وتعالى وحفظه عليه من مفسداته حال فعله وبعد فعله.
    ولما كان العبد مفتقراً في كل حال إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره- من :
    أمور قد أتاها على غير الهداية] [وإنما اكتفى فيها بالتقليد والمتابعة ظناً أنه على حق وأنه محسناً صنعاً وهو من الأخسرين أعمالاً ، لأنه لم يتحرى اتباع أهل الحق ولم يتبين عمن يأخذ دينه بل اكتفى باتباع وتقديس كل ناعق فهو يحتاج إلى التوبة منها ، وإلا كان ممن قال الله فيهم ] هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نّاصِبَةٌ تَصْلَىَ نَاراً حَامِيَةً تُسْقَىَ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [ ( الغاشية / 1-5 ) ، و قال تعالى : ] أَفَمَن كَانَ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوَءُ عَمَلِهِ وَاتّبَعُوَاْ أَهْوَاءَهُمْ [ ( محمد/ 14) ، وقال تعالى : ] أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوَءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنّ اللّهَ يُضِلّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[ (فاطر /8 ) ] قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الّذِينَ ضَلّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[ ( الكهف / 103-104 ) .
    .
    وأمور هدى إلى أصلها دون تفصيلها، أو هدى إليها من وجه دون وجه ، فهو يحتاج إلى إتمام الهداية فيها ليزداد هدى .
    وأمور هو يحتاج إلى أن يحصل له من الهداية فيها بالمستقبل مثل ما حصل له في الماضي .
    وأمور هو خال من اعتقاد فيها فهو يحتاج إلى الهداية فيها .
    وأمور لم يفعلها فهو يحتاج إلى فعلها على وجه الهداية .
    وأمور قد هدى إلى الاعتقاد الحق والعمل الصواب فيها فهو محتاج إلى الثبات عليها .
    إلى غير ذلك من أنواع الهدايات ، فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة ؛ ليصل إلى صراط الذين أنعم الله عليهم من أهل المنهج الصحيح والعقيدة السليمة اتباع السلف الصالح .

    غير المغضوب عليهم ولا الضالين ثم بين أن أهل هذه الهداية هم المختصون بنعمته
    دون المغضوب عليهم : وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه .
    ودون الضالين : وهم الذين عبدوا الله بغير علم .
    فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم .
    فسبيل المنعم عليه مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها علماً وعملاً.
    قلت : وهاتان الصفتان – المغضوب عليهم والضالين - مما وقع فيه الحزبيون اليوم من الدعاة والمفكرين ، فمنهم من سلك طريق المغضوب عليهم في معرفة الحق ، وعدم العمل به أو الدعوة إليه بل كتمه عندما يخالف أهوائهم وتنظيراتهم وهذا تجده عند المتبوعين منهم .
    أما صنف الأتباع ففيهم من صفة الضالين العمل بدون علم ، إنما اكتفوا بالعمل بكل ما يوجه إليهم بدون مناقشة أو تمحيص أو رد للكتاب والسنة وفهم سلف الأمة ، بل الأدهى من ذلك الدفاع عن كل ما تعلموه من جهالات وعرض كل مايعرض عليهم من الحق على هذه القواعد فإن وافقها أخذوا به وإن خالفها ؛رموه خلف ظهورهم ، ومن جهالاتهم حفظ وإقامة حروف القرآن وتضييع أحكامه ، فهم يفسرونه حسب ماترسمه لهم عقولهم وأهواءهم فكانوا ممن اتخذوه مهجوراً ، ومن ذلك اجتهادهم وجهادهم في الكثير من العبادات والأعمال على غير هدى أو علم ؛ فكانوا ممن ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .
    نسأل الله تعالى العفو والعافية .
    ابن القيم - كتاب الصلاة - ج 1 ص 94 – 99 بتصرف وإضافة .

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...