2ـ مقامات النفس:
إن النفس الإنسانية درجات ومقامات مختلفة بحسب الاعتبار الذي يعود إليه كل تقسيم ذكرها الإمام (قدس سره) غير أنه اعتمد في بيانه النوراني على التقسيم إلى مملكة الظاهر ومملكة الباطن.
يقول (قدس سره): "إن لنفس الإنسان التي هي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية.. وجنود شيطانية وجهلانية"[39].
وفي موضع آخر من كلامه (قدس سره) يذكر ما عدّه أهل المعرفة منها بشيء من التفصيل موضحاً:
التقسيم الأول:
"إن للإنسان مقامين: الأول: مقام الدنيا والشهادة والثاني: مقام الآخرة والغيب، فأحدهما ظلّ الرحمن والآخر ظلّ الرحيم.
التقسيم الثاني:
إن له ثلاثة مقامات: الأول: مقام الملك والدنيا، والثاني: مقام البرزخ، والثالث: مقام العقل والآخرة.
التقسيم الثالث:
إن له أربعة مقامات: الملك، والملكوت، والجبروت، واللاهوت. وهناك تقسيمات أخرى صعبة المنال في هذا المقال"[40].
حقيقة النفس:
:
حينما نقف مع صفحات العرفان للإمام الخميني (قدس سره) في كل مقالاته نجده يقدّم الحديث عن النفس ومعرفتها قبل أن يشرق نور بيانه في سائر المطالب الإلهية من قلم الحقيقة مغترفاً حبر الإسلام المحمدي الأصيل من وراء الغيب، فوق الشمس وبأنامل ذهبية رسمت السبيل القويم إلى الغاية القصوى، فلماذا هذا التقديم يا ترى؟!
إن هذا التقديم ضرورة لا غنى عنها، ذلك أن معرفة النفس أول الطريق ونقطة الانطلاق إلى معرفة الحق تعالى فقد روي أن إحدى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألته: متى يعرف الإنسان ربه؟ فقال: "إذا عرف نفسه"[32] وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه" [33] وهي أنفع المعارف فكيف لا تكون مقدمة على غيرها وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "معرفة النفس أعرف المعارف"[34] ولولاها لم يكن للإنسان معرفة ربّه بل الجهل بها مع طلبه أو ادعاء معرفته مدعاة لتعجب الأنبياء والأولياء كما عن إمام السالكين والعارفين أمير المؤمنين (عليه السلام): "عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه"[35].
لذلك بدأ الإمام (قدس سره) بتعريف النفس الإنسانية وبيان مقاماتها ومدارجها[36] [37].
قبل الحديث عن مخاطر الطريق والسبيل إلى الأمن منها.
وهنا تجدر الإشارة إلى حديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل أسمه مجاشع، فقال: يا رسول الله، كيف الطريق إلى معرفة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "معرفة النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى موافقة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "مخالفة النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى رضي الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "سخط النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى وصل الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "هجر النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "عصيان النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "نسيان النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى قرب الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "التباعد من النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى أنس الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الوحشة من النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذلك؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الاستعانة بالحق على النفس"[38].
بهذا تتضح السلسلة الجهادية التي على رأسها معرفة النفس لأن من جهلها جهل الحق تعالى.
2ـ مقامات النفس:
إن النفس الإنسانية درجات ومقامات مختلفة بحسب الاعتبار الذي يعود إليه كل تقسيم ذكرها الإمام (قدس سره) غير أنه اعتمد في بيانه النوراني على التقسيم إلى مملكة الظاهر ومملكة الباطن.
يقول (قدس سره): "إن لنفس الإنسان التي هي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية.. وجنود شيطانية وجهلانية"[39].
وفي موضع آخر من كلامه (قدس سره) يذكر ما عدّه أهل المعرفة منها بشيء من التفصيل موضحاً:
التقسيم الأول:
"إن للإنسان مقامين: الأول: مقام الدنيا والشهادة والثاني: مقام الآخرة والغيب، فأحدهما ظلّ الرحمن والآخر ظلّ الرحيم.
التقسيم الثاني:
إن له ثلاثة مقامات: الأول: مقام الملك والدنيا، والثاني: مقام البرزخ، والثالث: مقام العقل والآخرة.
التقسيم الثالث:
إن له أربعة مقامات: الملك، والملكوت، والجبروت، واللاهوت. وهناك تقسيمات أخرى صعبة المنال في هذا المقال"[40].
الفصل الثالث: أركان جهاد النفس
1ـ الركن الأول: القران الكريم
2ـ الركن الثاني: المعصومون (عليهم السلام)
3ـ الركن الثالث: العلم
4ـ الركن الرابع: التمسك بظاهر الشريعة
يعتبر الإمام الخميني (قدس سره) أن هناك أصولاً في عملية الجهاد الأكبر يجب بناؤه عيها وهي بمثابة الأركان للصلاة ومسلّمات العقيدة وضروراتها للشريعة وفي حال فقد واحد منها كان السير في الاتجاه المعاكس وعلى غير طريق الهداية على غرار كم من رجل يسير إلى حتفه بقدميه، أو كما نزل من الذكر الحكيم: {الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}[10].
1ـ الركن الأول: القرآن الكريم
حيث لا يمكن بحال من الأحوال بلوغ مقام من المقامات مع هجران الكاتب الكريم أو مخالفة أوامره ونواهيه فلو لم يكن العمل في عملية تهذيب النفس ينهل من المعين القرآني العذب لا يمكن أن تقوم لجهاد النفس قائمة أو يؤمل الخير في الطريق.
يقول (قدس سره): "فوظيفة السالك إلى الله أن يعرض نفسه على القرآن الشريف فكما أن الميزان في صحة الحديث أو عدم صحته واعتباره أو عدم اعتباره يكون بعد عرضه على كتاب الله فما خالف كتاب الله فهو باطل وزخرف، كذلك الميزان في الاستقامة والاعوجاج والشقاء والسعادة هو أن يكون مستقيماً وصحيحاً في كتاب الله... كذلك جميع معارفه وأحوال قلبه وأعمال الباطن والظاهر لابد أن يطبقها على كتاب الله[11].. فالقرآن الكريم كتاب معرفة الله وطريق السلوك إليه تعالى.. وإن من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان[12].. إننا لو أنفقنا أعمارنا بتمامها في سجدة شكر واحدة على أن القرآن كتابنا لما وفينا هذه النعمة حقها من الشكر"[13].
إيقاظ:
... لابد من الإلتفات إلى أن العرض على القرآن الكريم لا يتسنى لكل أحد فلا يصح لنا أن نستقل بما تفهمه عقولنا القاصرة من القرآن لنثبت صحة أعمالنا بل لابد من الرجوع من صحة ذلك إلى أهل العلم والمعرفة بمضامين الكتاب والأحكام الشرعية.
2ـ الركن الثاني: المعصومون (عليهم السلام)
فإن من تمسك بغيرهم ضلّ عن سواء السبيل وليس الواجب هنا خصوص الانتساب إليهم بالموالاة بل معرفتهم ومودتهم ومراعاة رضاهم وسخطهم وبذل قصارى الجهود في خدمتهم وعدم مخالفة سنتهم القولية والفعلية، والاعتماد على مناجاتهم وزياراتهم صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى ذلك ما لم يكن السالك من أهل ولايتهم لا يمكنه الفلاح والنجاح بل هو مارق زاهق كما في الزيارة الجامعة: "فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصرّ في حقكم زاهق والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم"[14].
وكيف يحاد عنهم وهم: "محال معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحفظة سر الله وحملة كتاب الله... والأدلاء على مرضاة الله"[15].
يقول (قدس سره): "مفتاح الدائرة ومختمها ومؤخر السلسلة ومقدمها محمد صلى الله عليه وآله المصطفون من الله الذين بهم فتح الله وبمعرفتهم عرف الله، الأسباب المتصلة بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية الظاهر فيهم الولاية والباطن فيهم النبوة والرسالة"[16].
وعن أهمية أدعيتهم (عليهم السلام) يقول (قدس سره): "إن الأدعية والمناجاة التي وصلتنا عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هي أعظم أدلة إلى معرفة الله جل وعلا وأسمى مفاتيح العبودية وأرفع رابطة بين الحق والخلق كما أنها تشتمل في طياتها على المعارف الإلهية وتمثلّ أيضاً وسيلة ابتكرها أهل بيت الوحي للأنس بالله جلّت عظمته، فضلاً عن أنها تمثل نموذجاً لحال أصحاب القلوب وأرباب السلوك.
إننا لو أمضينا أعمارنا بتمامها نقدم الشكر على أن هؤلاء الأحرار والواصلين إلى الحق هم أئمتنا ومرشدون لما وفينا[17]...
وهم (عليهم السلام) ليسوا الأدلاء على الطريق فقط بل يقودون طالب الحقيقة إلى الحق جلّ شأنه ويصلونه إلى الهدف"[18].
3ـ الركن الثالث: العلم
وهو الذي يستتبع العمل ومقدمة له حيث يرى الإمام (قدس سره) أن المنهج القويم في الجهاد الأكبر مركب من الجانبين: العلمي والعملي على طبق ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام): "يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة"[19].
يقول (قدس سره): "إن جميع العلوم الشرعية مقدمة لمعرفة الله تبارك وتعالى ولحصول حقيقة التوحيد في القلب التي هي صبغة الله {من أحسن من الله صبغة}[20] غاية الأمر أن بعضها مقدمة قريبة وبعضها مقدمة بعيدة وبعضها مقدمة بواسطة... وهكذا العلم بالمنجيات والمهلكات في علم الأخلاق مقدمة لتهذيب النفوس وهو بدوره مقدمة لحصول الحقائق والمعارف ولياقة النفس لتجلّي التوحيد وهذا عند أهله من الوضوح بمكان"[21].
ثم ينبّه (قدس سره) على أن العلم سيف ذو حدين والمطلوب سمو الهدف فيه قائلاً: "إن كان الهدف من طلب العلوم وتدارسها ومنها علم العرفان والتوحيد هو تكديس بعض الاصطلاحات.. فإنها تذهب بالسالك بعيداً عن الهدف فضلاً عن أنها لا تقربه إليه "العلم هو الحجاب الأكبر" وإن كان العشق الإلهي وطلب رضاه يشكل الدافع لطلب العلم وهو نادر الحصول فسوف يضحي العلم مشعل طريق ومصباح هداية "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء" ولتحصيل جانب من ذلك لا بد من تهذيب النفس وتطهير القلب ممن سواه"[22].
4ـ الركن الرابع: التمسك بظاهر الشريعة
والمقصود هنا أن كل طريقة لا توافق الشريعة في ظاهرها وأحكامها بادعاء الوصول إلى الأسرار والاستغناء عن الوظائف العبادية من خلال الاكتفاء بمقام الباطن كما يفعله بعض أهل التصوّف، ليس من السلوك الإنساني في شيء ضرورة أنه لا يوجد وراء شريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) شريعة أو طريقة يمكن اعتمادها والركون إليها وإن كثر المدّعون من أهل الرياضات الروحية وأمعنوا في جهالاتهم، فإن الحق أن السبيل الوحيد للحصول على أسرار العبادات هو حفظ ظواهرها بلا تحجر وجمود، لأن ترك الظاهر انحراف عن الصراط المستقيم، والتحجر على الظاهر سبب الخمول يقول الإمام (قدس سره): "إن الطريقة والحقيقة لا تحصلان إلا من طريق الشريعة، فإن الظاهر طريق الباطن، بل يفهم منه أن الظاهر غير منفك عن الباطن، فمن رأى أن الباطن لم يحصل مع الأعمال الظاهرة وأتباع التكاليف الإلهية فليعلم أنه لم يقم على الظاهر على ما هو عليه، ومن أراد أن يصل إلى الباطن من غير طريق الظاهر كبعض عوام الصوفية فهو على غير بيّنة من ربّه"[23].
ويقول (قدس سره) أيضاً: "إن طي أي طريق في المعارف الإلهية لا يمكن إلا بالبدء بظاهر الشريعة وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتنكشف له العلوم الباطنية وأسرار الشريعة وبعد انكشاف لحقيقة ظهور أنوار المعارف في قلبه لابد من الاستمرار في التأدب بالآداب الشرعية الظاهرية أيضاً"[24].
وهل هناك من هو أفضل وأكمل من خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته (عليهم السلام) ومع ذلك لم تكن الآداب الظاهرية موضوعة عنهم فكيف غيرهم؟!
فالنتيجة أن الالتزام بظاهر الشريعة ركن ركين في طريق جهاد النفس من البداية إلى بلوغ الغاية القصوى والحلول في رتبة الكمال.
إيقاظ: دائمية الجهاد:
ومن هنا نفهم أن المجاهدة دائمية لا تتوقف، ومما ذكره (قدس سره) مشيراً إلى هذا الدوام: "إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً وكانوا دائمي الخوف من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر[25].. ولابد للسالك أن لا يقنع في حال من الحالات بالمقام الذي هو فيه[26].. عليه أن يواظب بكمال المواظبة والدقة على حاله كطبيب رفيق ورقيب شفيق"[27]..
وسائل جهاد النفس
إن في كل عملية جهادية مجموعة من الوسائل يعتمد عليها في تحقيق الأهداف التي من أجلها كان القتال وهكذا في ميدان النفس، فما هي تلك الوسائل التي يراها الإمام (قدس سره) لازمة في الجهاد الأكبر في عالميه الظاهري والباطني؟ أما في مقام الظاهر فهي:
1ـ الوسيلة الأولى: التفكير
أ ـ معناه: يقول (قدس سره): "التفكّر إعمال الفكر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة.. ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا فإن المراد بالتفكّر.. وهو المعنى الخاص الذي يعود إلى القلوب وحياتها"[28].
ب ـ أهميته: إن أول شرط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى هو التفكّر[29].. وهو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل.. عن الإمام الصادق (عليه السلام): "أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وقدرته"[30].. وفي حديث غيره: "إن تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"[31].
ج ـ درجاته: إن للتفكر درجات ومراتب ولكل مرتبة نتيجة أو نتائج وسوف نتناول بعضها:
الأول: هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته ونتيجة ذلك هو العلم بوجوده وبأنواع تجلياته التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر الخارجية وهذا أفضل مراتب التفكر[32].
الثاني: التفكر في روائع الصنع وإتقانه ودقائق الخلق[33] ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدأ الكامل والصانع الحكيم.
والثالث: التفكر في أحوال النفس الذي يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف عديدة[34]..
د ـ كيفيته: أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، ووفرّ له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى ذات منافع تحيّر ألباب الجميع، والذي رعاه وهيأ له كل هذه السعة.. وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء.. وهذا المولى ماذا يستحق منا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟ أهل إن وجود جميع هذه النعم هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية.. أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى[35]؟
2ـ الوسيلة الثانية: العزم
أ ـ معناه: يقول (قدس سره): "يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره: إن العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وإن اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه..، وهو توطين النفس على ترك المعاصي وأداء الواجبات[36]..
ب ـ أهميته: هو أفضل الزاد كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "وإن أفضل زاد الراحل إليك عزم إرادة يختارك بها"[37].
ج ـ كيفيته: أن يتخذ قراراً بذلك ويتدارك ما فاته في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً بحيث يحكم العقل والشرع حسب الظاهر بأن هذا إنسان[38].
د ـ عاقبة تركه: هي فقدان الهيئة الإنسانية من خلال التجرؤ على المعاصي الذي أدّى إلى فقده يقول (قدس سره): "إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم على ترك المحرمات، فأنت إنسان صوري، بلا لب ولن تحشر في ذلك العالم عالم الآخرة على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجياً العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف"[39].
3ـ الوسيلة الثالثة: المشارطة
وهي أن يشارط الإنسان نفسه على ما تفعله وما تتركه يقول (قدس سره): "فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله ويتخذ قراراً بذلك ويعزم عليه"[40] ويشجّع (قدس سره) على هذا الأمر العلمي من خلال بيان سهولته قائلاً: "وواضح أن ترك ما يخالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير للغاية ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به، فاعزم وشارط وجرّب وانظر كيف أن الأمر سهل يسير"[41].
ويحذّر (قدس سره) من تدخل الشيطان لأجل منعنا من هذه الوسيلة الجهادية (المشارطة) حيث يقول: "ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير.. فالعنه قلباً وواقعاً، وأخرج الأوهام من قلبك"[42].
إن النفس الإنسانية درجات ومقامات مختلفة بحسب الاعتبار الذي يعود إليه كل تقسيم ذكرها الإمام (قدس سره) غير أنه اعتمد في بيانه النوراني على التقسيم إلى مملكة الظاهر ومملكة الباطن.
يقول (قدس سره): "إن لنفس الإنسان التي هي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية.. وجنود شيطانية وجهلانية"[39].
وفي موضع آخر من كلامه (قدس سره) يذكر ما عدّه أهل المعرفة منها بشيء من التفصيل موضحاً:
التقسيم الأول:
"إن للإنسان مقامين: الأول: مقام الدنيا والشهادة والثاني: مقام الآخرة والغيب، فأحدهما ظلّ الرحمن والآخر ظلّ الرحيم.
التقسيم الثاني:
إن له ثلاثة مقامات: الأول: مقام الملك والدنيا، والثاني: مقام البرزخ، والثالث: مقام العقل والآخرة.
التقسيم الثالث:
إن له أربعة مقامات: الملك، والملكوت، والجبروت، واللاهوت. وهناك تقسيمات أخرى صعبة المنال في هذا المقال"[40].
حقيقة النفس:
:
حينما نقف مع صفحات العرفان للإمام الخميني (قدس سره) في كل مقالاته نجده يقدّم الحديث عن النفس ومعرفتها قبل أن يشرق نور بيانه في سائر المطالب الإلهية من قلم الحقيقة مغترفاً حبر الإسلام المحمدي الأصيل من وراء الغيب، فوق الشمس وبأنامل ذهبية رسمت السبيل القويم إلى الغاية القصوى، فلماذا هذا التقديم يا ترى؟!
إن هذا التقديم ضرورة لا غنى عنها، ذلك أن معرفة النفس أول الطريق ونقطة الانطلاق إلى معرفة الحق تعالى فقد روي أن إحدى زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألته: متى يعرف الإنسان ربه؟ فقال: "إذا عرف نفسه"[32] وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): "أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه" [33] وهي أنفع المعارف فكيف لا تكون مقدمة على غيرها وهذا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: "معرفة النفس أعرف المعارف"[34] ولولاها لم يكن للإنسان معرفة ربّه بل الجهل بها مع طلبه أو ادعاء معرفته مدعاة لتعجب الأنبياء والأولياء كما عن إمام السالكين والعارفين أمير المؤمنين (عليه السلام): "عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه"[35].
لذلك بدأ الإمام (قدس سره) بتعريف النفس الإنسانية وبيان مقاماتها ومدارجها[36] [37].
قبل الحديث عن مخاطر الطريق والسبيل إلى الأمن منها.
وهنا تجدر الإشارة إلى حديث النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل أسمه مجاشع، فقال: يا رسول الله، كيف الطريق إلى معرفة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "معرفة النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى موافقة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "مخالفة النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى رضي الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "سخط النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى وصل الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "هجر النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى طاعة الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "عصيان النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذكر الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "نسيان النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى قرب الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "التباعد من النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى أنس الحق؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الوحشة من النفس".
فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذلك؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "الاستعانة بالحق على النفس"[38].
بهذا تتضح السلسلة الجهادية التي على رأسها معرفة النفس لأن من جهلها جهل الحق تعالى.
2ـ مقامات النفس:
إن النفس الإنسانية درجات ومقامات مختلفة بحسب الاعتبار الذي يعود إليه كل تقسيم ذكرها الإمام (قدس سره) غير أنه اعتمد في بيانه النوراني على التقسيم إلى مملكة الظاهر ومملكة الباطن.
يقول (قدس سره): "إن لنفس الإنسان التي هي من عالم الغيب والملكوت مقامات ودرجات قسموها بصورة عامة إلى سبعة أقسام حيناً وإلى أربعة أقسام حيناً ثانياً، وإلى ثلاثة أقسام حيناً ثالثاً، وإلى قسمين حيناً رابعاً ولكل من المقامات والدرجات جنود رحمانية وعقلانية.. وجنود شيطانية وجهلانية"[39].
وفي موضع آخر من كلامه (قدس سره) يذكر ما عدّه أهل المعرفة منها بشيء من التفصيل موضحاً:
التقسيم الأول:
"إن للإنسان مقامين: الأول: مقام الدنيا والشهادة والثاني: مقام الآخرة والغيب، فأحدهما ظلّ الرحمن والآخر ظلّ الرحيم.
التقسيم الثاني:
إن له ثلاثة مقامات: الأول: مقام الملك والدنيا، والثاني: مقام البرزخ، والثالث: مقام العقل والآخرة.
التقسيم الثالث:
إن له أربعة مقامات: الملك، والملكوت، والجبروت، واللاهوت. وهناك تقسيمات أخرى صعبة المنال في هذا المقال"[40].
الفصل الثالث: أركان جهاد النفس
1ـ الركن الأول: القران الكريم
2ـ الركن الثاني: المعصومون (عليهم السلام)
3ـ الركن الثالث: العلم
4ـ الركن الرابع: التمسك بظاهر الشريعة
يعتبر الإمام الخميني (قدس سره) أن هناك أصولاً في عملية الجهاد الأكبر يجب بناؤه عيها وهي بمثابة الأركان للصلاة ومسلّمات العقيدة وضروراتها للشريعة وفي حال فقد واحد منها كان السير في الاتجاه المعاكس وعلى غير طريق الهداية على غرار كم من رجل يسير إلى حتفه بقدميه، أو كما نزل من الذكر الحكيم: {الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}[10].
1ـ الركن الأول: القرآن الكريم
حيث لا يمكن بحال من الأحوال بلوغ مقام من المقامات مع هجران الكاتب الكريم أو مخالفة أوامره ونواهيه فلو لم يكن العمل في عملية تهذيب النفس ينهل من المعين القرآني العذب لا يمكن أن تقوم لجهاد النفس قائمة أو يؤمل الخير في الطريق.
يقول (قدس سره): "فوظيفة السالك إلى الله أن يعرض نفسه على القرآن الشريف فكما أن الميزان في صحة الحديث أو عدم صحته واعتباره أو عدم اعتباره يكون بعد عرضه على كتاب الله فما خالف كتاب الله فهو باطل وزخرف، كذلك الميزان في الاستقامة والاعوجاج والشقاء والسعادة هو أن يكون مستقيماً وصحيحاً في كتاب الله... كذلك جميع معارفه وأحوال قلبه وأعمال الباطن والظاهر لابد أن يطبقها على كتاب الله[11].. فالقرآن الكريم كتاب معرفة الله وطريق السلوك إليه تعالى.. وإن من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان[12].. إننا لو أنفقنا أعمارنا بتمامها في سجدة شكر واحدة على أن القرآن كتابنا لما وفينا هذه النعمة حقها من الشكر"[13].
إيقاظ:
... لابد من الإلتفات إلى أن العرض على القرآن الكريم لا يتسنى لكل أحد فلا يصح لنا أن نستقل بما تفهمه عقولنا القاصرة من القرآن لنثبت صحة أعمالنا بل لابد من الرجوع من صحة ذلك إلى أهل العلم والمعرفة بمضامين الكتاب والأحكام الشرعية.
2ـ الركن الثاني: المعصومون (عليهم السلام)
فإن من تمسك بغيرهم ضلّ عن سواء السبيل وليس الواجب هنا خصوص الانتساب إليهم بالموالاة بل معرفتهم ومودتهم ومراعاة رضاهم وسخطهم وبذل قصارى الجهود في خدمتهم وعدم مخالفة سنتهم القولية والفعلية، والاعتماد على مناجاتهم وزياراتهم صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى ذلك ما لم يكن السالك من أهل ولايتهم لا يمكنه الفلاح والنجاح بل هو مارق زاهق كما في الزيارة الجامعة: "فالراغب عنكم مارق واللازم لكم لاحق والمقصرّ في حقكم زاهق والحق معكم وفيكم ومنكم وإليكم"[14].
وكيف يحاد عنهم وهم: "محال معرفة الله ومساكن بركة الله ومعادن حكمة الله وحفظة سر الله وحملة كتاب الله... والأدلاء على مرضاة الله"[15].
يقول (قدس سره): "مفتاح الدائرة ومختمها ومؤخر السلسلة ومقدمها محمد صلى الله عليه وآله المصطفون من الله الذين بهم فتح الله وبمعرفتهم عرف الله، الأسباب المتصلة بين سماء الإلهية وأراضي الخلقية الظاهر فيهم الولاية والباطن فيهم النبوة والرسالة"[16].
وعن أهمية أدعيتهم (عليهم السلام) يقول (قدس سره): "إن الأدعية والمناجاة التي وصلتنا عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) هي أعظم أدلة إلى معرفة الله جل وعلا وأسمى مفاتيح العبودية وأرفع رابطة بين الحق والخلق كما أنها تشتمل في طياتها على المعارف الإلهية وتمثلّ أيضاً وسيلة ابتكرها أهل بيت الوحي للأنس بالله جلّت عظمته، فضلاً عن أنها تمثل نموذجاً لحال أصحاب القلوب وأرباب السلوك.
إننا لو أمضينا أعمارنا بتمامها نقدم الشكر على أن هؤلاء الأحرار والواصلين إلى الحق هم أئمتنا ومرشدون لما وفينا[17]...
وهم (عليهم السلام) ليسوا الأدلاء على الطريق فقط بل يقودون طالب الحقيقة إلى الحق جلّ شأنه ويصلونه إلى الهدف"[18].
3ـ الركن الثالث: العلم
وهو الذي يستتبع العمل ومقدمة له حيث يرى الإمام (قدس سره) أن المنهج القويم في الجهاد الأكبر مركب من الجانبين: العلمي والعملي على طبق ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام): "يا كميل ما من حركة إلا وأنت محتاج فيها إلى معرفة"[19].
يقول (قدس سره): "إن جميع العلوم الشرعية مقدمة لمعرفة الله تبارك وتعالى ولحصول حقيقة التوحيد في القلب التي هي صبغة الله {من أحسن من الله صبغة}[20] غاية الأمر أن بعضها مقدمة قريبة وبعضها مقدمة بعيدة وبعضها مقدمة بواسطة... وهكذا العلم بالمنجيات والمهلكات في علم الأخلاق مقدمة لتهذيب النفوس وهو بدوره مقدمة لحصول الحقائق والمعارف ولياقة النفس لتجلّي التوحيد وهذا عند أهله من الوضوح بمكان"[21].
ثم ينبّه (قدس سره) على أن العلم سيف ذو حدين والمطلوب سمو الهدف فيه قائلاً: "إن كان الهدف من طلب العلوم وتدارسها ومنها علم العرفان والتوحيد هو تكديس بعض الاصطلاحات.. فإنها تذهب بالسالك بعيداً عن الهدف فضلاً عن أنها لا تقربه إليه "العلم هو الحجاب الأكبر" وإن كان العشق الإلهي وطلب رضاه يشكل الدافع لطلب العلم وهو نادر الحصول فسوف يضحي العلم مشعل طريق ومصباح هداية "العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء" ولتحصيل جانب من ذلك لا بد من تهذيب النفس وتطهير القلب ممن سواه"[22].
4ـ الركن الرابع: التمسك بظاهر الشريعة
والمقصود هنا أن كل طريقة لا توافق الشريعة في ظاهرها وأحكامها بادعاء الوصول إلى الأسرار والاستغناء عن الوظائف العبادية من خلال الاكتفاء بمقام الباطن كما يفعله بعض أهل التصوّف، ليس من السلوك الإنساني في شيء ضرورة أنه لا يوجد وراء شريعة سيد المرسلين (صلى الله عليه وآله وسلم) شريعة أو طريقة يمكن اعتمادها والركون إليها وإن كثر المدّعون من أهل الرياضات الروحية وأمعنوا في جهالاتهم، فإن الحق أن السبيل الوحيد للحصول على أسرار العبادات هو حفظ ظواهرها بلا تحجر وجمود، لأن ترك الظاهر انحراف عن الصراط المستقيم، والتحجر على الظاهر سبب الخمول يقول الإمام (قدس سره): "إن الطريقة والحقيقة لا تحصلان إلا من طريق الشريعة، فإن الظاهر طريق الباطن، بل يفهم منه أن الظاهر غير منفك عن الباطن، فمن رأى أن الباطن لم يحصل مع الأعمال الظاهرة وأتباع التكاليف الإلهية فليعلم أنه لم يقم على الظاهر على ما هو عليه، ومن أراد أن يصل إلى الباطن من غير طريق الظاهر كبعض عوام الصوفية فهو على غير بيّنة من ربّه"[23].
ويقول (قدس سره) أيضاً: "إن طي أي طريق في المعارف الإلهية لا يمكن إلا بالبدء بظاهر الشريعة وما لم يتأدب الإنسان بآداب الشريعة الحقة لا يحصل له شيء من حقيقة الأخلاق الحسنة، كما لا يمكن أن يتجلى في قلبه نور المعرفة وتنكشف له العلوم الباطنية وأسرار الشريعة وبعد انكشاف لحقيقة ظهور أنوار المعارف في قلبه لابد من الاستمرار في التأدب بالآداب الشرعية الظاهرية أيضاً"[24].
وهل هناك من هو أفضل وأكمل من خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته (عليهم السلام) ومع ذلك لم تكن الآداب الظاهرية موضوعة عنهم فكيف غيرهم؟!
فالنتيجة أن الالتزام بظاهر الشريعة ركن ركين في طريق جهاد النفس من البداية إلى بلوغ الغاية القصوى والحلول في رتبة الكمال.
إيقاظ: دائمية الجهاد:
ومن هنا نفهم أن المجاهدة دائمية لا تتوقف، ومما ذكره (قدس سره) مشيراً إلى هذا الدوام: "إن أولياء الله لم يخلدوا إلى الراحة أبداً وكانوا دائمي الخوف من هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر[25].. ولابد للسالك أن لا يقنع في حال من الحالات بالمقام الذي هو فيه[26].. عليه أن يواظب بكمال المواظبة والدقة على حاله كطبيب رفيق ورقيب شفيق"[27]..
وسائل جهاد النفس
إن في كل عملية جهادية مجموعة من الوسائل يعتمد عليها في تحقيق الأهداف التي من أجلها كان القتال وهكذا في ميدان النفس، فما هي تلك الوسائل التي يراها الإمام (قدس سره) لازمة في الجهاد الأكبر في عالميه الظاهري والباطني؟ أما في مقام الظاهر فهي:
1ـ الوسيلة الأولى: التفكير
أ ـ معناه: يقول (قدس سره): "التفكّر إعمال الفكر، وهو ترتيب الأمور المعلومة للوصول إلى النتائج المجهولة.. ومعلوم أن مطلوبات القلب هي المعارف، ولهذا فإن المراد بالتفكّر.. وهو المعنى الخاص الذي يعود إلى القلوب وحياتها"[28].
ب ـ أهميته: إن أول شرط مجاهدة النفس والسير باتجاه الحق تعالى هو التفكّر[29].. وهو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل.. عن الإمام الصادق (عليه السلام): "أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وقدرته"[30].. وفي حديث غيره: "إن تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"[31].
ج ـ درجاته: إن للتفكر درجات ومراتب ولكل مرتبة نتيجة أو نتائج وسوف نتناول بعضها:
الأول: هو التفكر في الحق تعالى، وأسمائه وصفاته وكمالاته ونتيجة ذلك هو العلم بوجوده وبأنواع تجلياته التي منها الأعيان الواقعية والمظاهر الخارجية وهذا أفضل مراتب التفكر[32].
الثاني: التفكر في روائع الصنع وإتقانه ودقائق الخلق[33] ونتيجة هذا التفكر هي معرفة المبدأ الكامل والصانع الحكيم.
والثالث: التفكر في أحوال النفس الذي يؤدي إلى نتائج كثيرة ومعارف عديدة[34]..
د ـ كيفيته: أن يفكر الإنسان بعض الوقت في أن مولاه الذي خلقه في هذه الدنيا، ووفرّ له كل أسباب الدعة والراحة، ووهبه جسماً سليماً وقوى ذات منافع تحيّر ألباب الجميع، والذي رعاه وهيأ له كل هذه السعة.. وأرسل جميع هؤلاء الأنبياء.. وهذا المولى ماذا يستحق منا؟ وما هو واجبنا تجاه مالك الملوك هذا؟ أهل إن وجود جميع هذه النعم هو فقط لأجل هذه الحياة الحيوانية.. أو أن هناك هدفاً وغاية أخرى[35]؟
2ـ الوسيلة الثانية: العزم
أ ـ معناه: يقول (قدس سره): "يقول أحد مشايخنا أطال الله عمره: إن العزم هو جوهر الإنسانية، ومعيار ميزة الإنسان، وإن اختلاف درجات الإنسان باختلاف درجات عزمه..، وهو توطين النفس على ترك المعاصي وأداء الواجبات[36]..
ب ـ أهميته: هو أفضل الزاد كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "وإن أفضل زاد الراحل إليك عزم إرادة يختارك بها"[37].
ج ـ كيفيته: أن يتخذ قراراً بذلك ويتدارك ما فاته في أيام حياته، وبالتالي يسعى على أن يجعل من ظاهره إنساناً عاقلاً وشرعياً بحيث يحكم العقل والشرع حسب الظاهر بأن هذا إنسان[38].
د ـ عاقبة تركه: هي فقدان الهيئة الإنسانية من خلال التجرؤ على المعاصي الذي أدّى إلى فقده يقول (قدس سره): "إذا رحلت من هذه الدنيا دون أن يتحقق فيك العزم على ترك المحرمات، فأنت إنسان صوري، بلا لب ولن تحشر في ذلك العالم عالم الآخرة على هيئة إنسان، لأن ذلك العالم هو محل كشف الباطن وظهور السريرة، وأن التجرؤ على المعاصي يفقد الإنسان تدريجياً العزم ويختطف منه هذا الجوهر الشريف"[39].
3ـ الوسيلة الثالثة: المشارطة
وهي أن يشارط الإنسان نفسه على ما تفعله وما تتركه يقول (قدس سره): "فالمشارط هو الذي يشارط نفسه في أول يومه على أن لا يرتكب اليوم أي عمل يخالف أوامر الله ويتخذ قراراً بذلك ويعزم عليه"[40] ويشجّع (قدس سره) على هذا الأمر العلمي من خلال بيان سهولته قائلاً: "وواضح أن ترك ما يخالف أوامر الله، ليوم واحد، أمر يسير للغاية ويمكن للإنسان بكل سهولة أن يلتزم به، فاعزم وشارط وجرّب وانظر كيف أن الأمر سهل يسير"[41].
ويحذّر (قدس سره) من تدخل الشيطان لأجل منعنا من هذه الوسيلة الجهادية (المشارطة) حيث يقول: "ومن الممكن أن يصور لك إبليس اللعين وجنده أن الأمر صعب وعسير.. فالعنه قلباً وواقعاً، وأخرج الأوهام من قلبك"[42].



تعليق