المشاركة الأولى في المستقلة للشيخ علي حسن الحلبي

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • مجاهدة
    عضو فعال
    • Aug 2004
    • 418

    #1

    المشاركة الأولى في المستقلة للشيخ علي حسن الحلبي

    المشاركة الأولى في قناة المستقلة - الحلقة الرابعة

    الحمدُ للهِ ربِّ العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، نبيِّنا محمدٍ ، وعلى آلهِ وصحبه أجمعين .

    أمّا بعد :

    فيقولُ (علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد الحلبيُّ الأثريُّ) – عفا الله عنه – :

    اتَّصل بي – هاتفيًّا – أكثرُ مِن أخٍ من إخواني في الله – داخلَ بَلَدي وخارجَها – : يُخبرونني بما جرى مِن ادّعاءٍ على لسان بعض الحاضرين في ندوةٍ أقامتها ( قناة المستقلّة ) – الفضائيّة – ؛ حول ( الدعوةِ السلفيّة ) ؛ مِن أنّني – أنا : علي بن حسن الحلبي الأثري – من رموز ( ! ) السلفيّة ( الجاميّة الإرجائية المدخليّة ) !!

    وكيف أنّ هذا المُدّعي – نفسَه – غفر اللهُ له- قد قسّم الدعوة السلفيّة إلى عدّة أقسام (لعلّها وصلت سبعة!). ..

    ولمّا كانت هذه الادّعاءات تحملُ كثيراً من الخَلْط والغَلَط : حثَّني أولئك الإخوة – جزاهم الله خيراً – على المشاركةِ في بيانِ الحقِّ ، وإظهار الحقيقةِ ؛ ولو مِن خلال مُشاركةٍ كتابيّة …

    فأقول – مستعيناً بربّي – جلّ في عُلاه – :

    أولاً : ( السلفيّة الجاميّة ) – المزعومةُ – هذه ! – منسوبةٌ إلى أحد عُلماء الدّعوة السلفيّة المعروفين – رحمه الله – ؛ وهو الشيخ العلامة محمد أمان بن علي الجاميّ – تغمّده اللهُ برحمتهِ – .

    وهو من المدرّسين المشهورين – لسنواتٍ كثيرةٍ – في الجامعة الإسلاميّة في المدينة النبوية ، وقد تخرّج على يديه – في العقيدة السلفية – مئات -إن لم يكن ( ألوف )- مِن طلبة العلم ، والمشايخ ، والعلماء .

    وتزكية سماحة أستاذنا العلاّمة الإمام الشيخ عبد العزيز بن باز – يرحمه اللهُ – له : مشهورةٌ معلومةٌ .

    وأمَّا ( نسبتي ) له ( ! ) فإنِّي أتشرّف بها – ولله الحمدُ -لو كانت كذلك!– ؛ لكونهِ عالماً جليلاً من علماء السنة المشرّفة ، وداعياً من أكابر دعاتها ..

    ولكنْ – للحقّ ، والعبرة ، والتّاريخ – أقول :

    لم يسبق لي الالتقاءُ بالشيخ الجاميِّ – رحمه الله – إلا مرّةً واحدةً ، وفي درسٍ عامٍّ – في مدينة جُدَّة – وقبل أكثر من عشر سنوات!!

    نعم ؛ الشيخ الجاميّ – رحمه الله – بَشَرٌ كالبَشَر ؛ يُخطئ ويُصيب – كغيره مِن أهل العلمِ واللهُ – تعالى – يقول : { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } .

    والنبيُّ r يقول : « البَيِّنةُ على المُدَّعي .. » .

    ومنهما قولُ القائل :

    والدعاوى ما لم تُقيموا عليها بيِّناتٍ أبـناؤها أدعـياءُ

    ثانياً: ومثلُ الذي سَبَقَ ذِكره حول الشيخ الجاميّ –رحمه الله- أكرّرُهُ بشأن فضيلة الشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي –زاده اللهُ من فضله، ونفع بعلومه-؛ إلا أنَّ شيئاً واحداً يختلفُ فيه فضيلتُه عن الشيخ الجامي –وذلك مِن حيث صلتي به – فقط-؛ إذ إنّ صلتي بالشيخ ربيع –حفظه الله- مستمرة، ومتواصلة؛ منذ أكثر مِن عشرين عاماً؛ أخوّةً، ومحبّةً، وتعاوناً، وتواصياً، وتواصلاً . . .

    ونسأل اللهَ أن يُعظم أجره، ويضاعف مثوبتَه . .

    والادعاء عليه بـ(المدخليّة): فريةٌ جليّة، تفتقر لأدنى مقومات الحُجّة، وأقلّ علامات البرهان . .

    ولا نعني بهذا –قطُّ- أنه معصومٌ أو لا يُخطئ . . .

    حاشا، وكلا . . .

    فأين واقعنا الحقُّ مِن دعاويهم الباطلةِ؟!

    ثالثاً: أما دعوى ( الإرجاء ) ؛ التي ينسبُنا إليها البعضُ ( بجرأةٍ ) !! ويستخفي ( ! ) بعضٌ آخَرُ بنسبتها إلى مشايخنا – وبخاصّةٍ أستاذنا العلاّمة الإمام الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله – :

    فهي :

    واللَّهِ ، وتاللَّهِ ، وباللَّهِ : نسبةٌ باطلةٌ ، ودعوة منكرةٌ

    ولقد سَئِمْتُ – وربِّ السماء – ومَلِلْتُ –وحقِّ اللهِ – مِن كثرةِ ما بيّنتُ ، وكشفتُ ، ووضّحت !!

    ولم أَرَ – ولله الحمدُ – مع المُدَّعي هذه الدعوى علينا – أوعلى إخواننا وبعضِ مشايخنا – إلا كلماتٍ مُوهِمةً ، أو شبهاتٍ موهومةً !! ليس إلاَّ !!!
    ولقد كتبتُ فيها – وفيما بُني عليها –أو بُنِيت عليه!

    - مِن مسائل الكفر والتكفير ، والإيمان ، والأسماء والأحكام – نحواً من عشرة كُتُب ، في أكثر من ألفٍ وخمس مئة صفحةٍ ـ آخرها : « التنبيهات المتوائمة في نُصرةِ حق ( الأجوبة المتلائمة ) على ( فتوى اللجنة الدائمة ) ، والنقض على أغاليطِ ومُغالطاتِ ( رفع اللائمة .. ) » -في ستّ مئة صفحة-.

    ولكنْ – وللأسَف الشديد – ؛ قلّ المراجعون ، وكثُر المتعصِّبون ؛ ورحم الله مَن قال : ( الناس كأسراب القَطَا ؛ يُقَلِّد بعضُهم بعضاً ) !!

    ولَقَد كتبتُ كلمةً في كتابي « التنبيهات المتوائمة » تُعَدُّ جواباً ( مَضْغوطاً ) على شبهات وأوهام كُلّ – ولا أقول : جُلّ – المعترضين المعارضين ؛ قلتُ فيها ( ص 363 – 367 ) :

    « مِنْ هَدْيِ السَّلَفِ (الصَّالِحِينَ) قَوْلُهُمْ:

    « ما بَلَغَنِي عن أخٍ لي مكروهٌ – قطُّ – إلاَّ كانَ إسقاطُ المكروهِ عنه أَحبَّ إليَّ مِن تحقيقِهِ عليه، فإِنْ قال : « لم أَقُلْ » ؛ كان قولُهُ: « لم أَقُلْ » أَحَبَّ إِليَّ مِن ثمانيةٍ يشهدونَ عليه([1])».

    وَإذْ يُؤَصِّلُ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ هَذِهِ الدُّرَرَ – وَمَثِيلاَتِهَا – فَلِكَوْنِهِمْ يُطَبِّقُونَ عِلْماً وَعَمَلاً – لاَ دَعْوَى وَادِّعَاءً! – الْمَعْنَى الْحَقَّ لِقَوْلِهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –: « لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ » !

    فَلْنُقَارِنْ – إذَنْ –:

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: عَقِيدَتُنَا سَلَفِيَّةٌ نَقِيّة..

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لاَ؛ بَلْ أَنْتُمْ مُرْجِئَة رَدِيَّة!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: الإيمَانُ عِنْدَنَا: قَوْلٌ، وَعَمَلٌ، وَاعْتِقَادٌ – يزيدُ وينقصُ –.

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ هُوَ – عِنْدَكُمْ – قَلْبِيٌّ – حَسْبُ –!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: الْكُفْرُ لَهُ أَسْبَابٌ: قَوْلٌ، وَفِعْلٌ، وَاعْتِقَادٌ.

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ هُوَ – عِنْدَكُمْ – فِي الْقَلْبِ – فَقَطْ –!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: الْكُفْرُ أَنْوَاعٌ: اسْتِحْلاَلٌ، وَجُحُودٌ، وَإعْراضٌ، وَاسْتِهْزاءٌ، وَشَكٌّ، وَامْتِنَاعٌ....

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ (أَنْتُمْ) تَحْصُرُونَهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالْجُحُودِ!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: الْخِلاَفُ (قَدْ) يُكُونُ أَعْلَى مَا فِيهِ: اخْتِلاَفَ تَعْبِيرٍ، أَوْ لَفْظٍ..

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلِ اخْتِلاَفٌ (عَقَائِدِيٌّ)؛ نَحْنُ وَإيّاكُمْ – فِيهِ – عَلَى طَرَفَيْ نَقِيضٍ!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ خَطَرٌ عَظِيمٌ: يَتَرَدَّدُ فَاعِلُهُ بَيْنَ الْكُفْرِ، وَالظُّلْمِ، وَالْفِسْقِ..

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ أَنْتُمْ تُهَوِّنُونَ مِنْ قَضِيَّةِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: هَذَا مَا (فَهِمْنَاهُ) مِنَ النُّصُوصِ الَّتِي (نَقَلْنَاهَا) عَنِ الأَئِمَّةِ..

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ أَنْتُمْ (تَبْتُرُونَ) النُّقُولَ، وَ(تُحَرِّفُونَ) الْمَعَانِي!

    - نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: هَذِهِ عَقِيدَتُنَا، وَهَذَا دِينُنَا...

    وَ(هُمْ) يَقُولُونَ – فِينَا! –: لا؛ بَلْ أَنْتُمْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لكنَّكم (تُمَوِّهُون)، وَ(تَرُوغُون)!

    ... نَحْنُ نَقُولُ – لَهُم –: اللَّهُمَّ آجِرْنَا فِي مُصِيبَتِنَا، وَأَخْلِفْنَا خَيْراً مِنْهَا...

    وَ(هُمْ) – فِينَا – يَقُولُونَ...

    لاَ أَدْرِي – وَاللَّهِ – مَاذَا سَيَقُولُون!!!؟

    ... نَعَمْ؛ قَدْ يَكُونُ في بَعْض الْعِبَارَاتِ الْوَارِدَةِ فِي كتبي، أو مصنّفاتي: شَيْءٌ مِنَ الاِشْتِبَاهِ، أَوِ الإغْلاَقِ، أَوِ الْخَلَلِ فِي التَّرْكِيبِ، أَوِ النَّقْصِ فِي بَيَانِ الْمُرَادِ؛ فَهَذَا شَأْنُ (الْبَشَرِ)، وَأَعْمَالِ الْبَشَرِ...

    وكَلِمَةُ الْقَاضِي الْفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَيْسَانِيِّ فِي (أَنّهُ لاَ يَكْتُبُ إنْسَانٌ كِتَاباً فِي يَوْمٍ إلاَّ قَالَ فِي غَدِهِ: لَوْ غُيِّرَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَوْ زِيدَ كَذَا لَكَانَ يُسْتَحْسَنُ) مُشتهرةٌ مقرّرةٌ...

    وَلَيْسَ يَحْتَاجُ – مِنِّي – هَذَا التَّأْصِيل، إلَى كَثِيرٍ مِنَ التَّدْلِيل!

    .. إلاّ فِي هَذَا الزَّمَنِ... زَمَنِ التَّطْفِيل!!

    حَاشَا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْجَلِيل...

    ... فِي أَقَلِّ الْقَلِيل!

    وَعَلَيْهِ:

    فَلَوْ فُتِحَ الْبَابُ (!) بِالأَخْذِ بِأَيِّ غَلَطٍ، وَالتَّنَاوُلِ لأَيِّ خَطَإٍ؛ لَمَا بَقِيَ (لَنَا = لَكُمْ) أَحَدٌ!

    فَهَلْ (نَحْنُ = أَنْتُمْ) – حَقِيقَةً – (عَاقِلُونَ) لِمَا تَجْرِي بِهِ الأَقْلاَم، وَتُبْرَى لَهُ السِّهَام؟!

    نَعَمْ؛ مَنْ عُرِفَ بِبِدْعَتِهِ، أَوْ تَحَزُّبِهِ، أَوِ انْحِرافِهِ، أَوْ غُلُوِّهِ، أَوْ تميُّعِهِ، أَوْ بَاطِلِهِ: فَلاَ يُقَامُ لَهُ وَزْنٌ – وَلاَ كَرَامَة –.

    بَلْ هُوَ غَالِطٌ قَبْلَ غَلَطِهِ! فَكَيْفَ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ؟!

    وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ دَقِيقَة؛ فَلْتُفْهَمْ – عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَة – » .

    أقولُ :

    هذا النقلُ – بطولِهِ – مِن كِتابي « التنبيهات المتوائمة .. » -وهو كافٍ في بيان الحقِّ لمبتغيهِ-.

    أمّا تفصيلُ هذا التأصيل ، والأدلةُ على هذه القواعد ، والرّد على ما عليها من شبهات -أو ما وَرَدَها من اشتباهات-: فمحلُّهُ كتبي ومصنَّفاتي – المعروفةُ السائرةُ – ولله الحمدُ – ؛ ( ومِن البحرِ اجتزاءٌ بالوَشَل ) !!

    أقولُ :

    وأمّا الادعاءاتُ حولَ دعوتنا ( السّلفيّةِ ) – المُباركةِ – كهذا الذي قيلَ-؛ فهي : كثيرةٌ ، وقديمةٌ ، ومُتكررةٌ !!

    ولقد أجاب كثيرٌ من أهل العلمِ وطلبتهِ – قديماً وحديثاً – ( على ) هاتيك الادّعاءات ، وردّوا على هذه الدعاوى !

    وأكتفي – ها هُنا – بنقلِ ثلاثة مقالاتٍ كتبناها – مع إخواننا – في رسالتنا العلمية ( الأصالة ) – على فتراتٍ متعدّدة – ؛ تدورُ –جميعها- حول هذا المِحْوَر ، وتردُّ على تلك الفِرَى ؛ بحيثُ يُغنينا إيرادُها – هُنا – عن تكرار ردٍّ وردٍّ …

    واللهُ الموفِّق .



    آخر تعديل بواسطة مجاهدة; 08-11-2004, 08:39 AM.














  • مجاهدة
    عضو فعال
    • Aug 2004
    • 418

    #2
    الرد: المشاركة الأولى في المستقلة للشيخ علي حسن الحلبي

    فأوّل نقدٍ – ونقض – : هو الردُّ على دعوى أنَّ ( السلفية أقسام ) !!

    فلقد كتبنا في العدد ( 31 ) –مِن ((الأصالة))– شهر محرّم – 1422 هـ ؛ مقالاً عنوانه : ( السلفيّة واحدة ) ؛ هذا نصُّه :

    « من أعجب ما تردّد على الأسماع ، وانتشر – بأَخرةَ – وذاع : قولُ بعض الرّعاع ، من أهل الجهل والابتداع : أنَّ السلفيّة أنواع !!

    قالوا :

    سلفيّة تقليديّة !

    و :

    سلفيّة جهاديّة !

    و :

    سلفيّة تجديديّة !

    و :

    سلفيّة رسميّة !

    و :

    سلفيّة شرعيّة !

    و :

    سلفيّة إصلاحيّة !


    … نعم ؛ هكذا يُصنّفون ، ولا يُنصِفون !! وهكذا يَفْتَرون ، ولا يَفْتُرون !!

    وهم في هذا – كلّه – على غير الحقِّ ، بل هم في باطلٍ صُراح ؛ فالسلفيَّة منهجٌ ربّانيٌّ مُتوارَثٌ ؛ يأخذه الخالف عن السالف ، والأبناء عن الآباء ، والأحفاد عن الأجداد ..

    وأعظمُ ما يميِّز الدعوةَ السلفيّة – على تعدُّد مزاياها – الاستسلامُ لِمَا فيها من حَقٍّ مُتَلَقَّى عن السَّلف ، والالتئامُ بما مع عُلمائها من نور كالدُّرِّ في الصَّدف …

    أمّا الأَغيارُ :

    المغيِّرون : تحت ستار التجديد ..

    والمفسِدون : تحت غِطاء الجهاد ..

    المُبدّلون : تحت عَباءة الإصلاح ..

    فأوراقهم مكشوفةٌ ، ونَغَماتُهم نَشاز ..

    لقد انتسبوا إلى السلفيّةِ – ظاهراً – ، ثم خالفوا – في الحقيقة – أئمتها وكبراءها ، الألبانيَّ ، وابن عثيمين ، وابن باز …

    لقد تَسَرْبلوا لبوسَها بثيابٍ رقراقةٍ شفّافة … فَسَرَعان ما انكشفت منهم العورات ، وبدا لكلِّ ذي عينين ما أخفَوْا من سَوْءات !!

    والعجبُ – منهم – يصل أعلاه ، ويرقى إلى أرفع مَداه : عندما نَسْمَع بعضَ أغمارهم يصف المخالفةَ التي تلبّس بها ، وغَرِق في ظلمها وظلامها ، أنها : ( السلفيّة الشرعيّة ) !! ترصُّداً ، وتصيُّداً ، ثم يعلو بصوته ، ويرفع لعقيرته ؛ واصفاً أهل الحقِّ – الذين لم يُغَيِّروا ، ولم يتغيَّروا – بأنهم : أهل ( السلفيّة الرسميّة ) !! غمزاً ، وأزًّا …

    ثم لا تكادُ تمضي شهورٌ ، أو أسابيعُ ، بل حتّى أيّام … فإذا بأمثالِ ( هؤلاء ) الطاعنين ، يقعون في أَحْضانِ ( الرسميِّين )-بالمخالفة الشرعية- !! وهم يعلمون – جيِّداً – أنَّ الذين طَعَنوا فيهم بـ ( الرسميّة ) هم أبعدُ الناس عن ( الرسميّة ) !! وأقل الناس ارتباطاً بـ ( الرسميّة ) !!

    لكنّه الهوى يهـوي بصاحبهِ إلى مهاوي الردى ، ويُبعده عن عوالي الهُدى …


    السلفيّةُ واحدةٌ .. حقٌّ ؛ ينمو وينتشر ، ويعلو وينتصرُ .. لا يبالي أهلُهُ بمن يُخالِفهم – أو يخذُلُهم – أم يُوافِقُهم – أو يأتلفُ معهم – : لطالما أنهم للحقِّ ينصرون ، وللباطل يكسِرون .. » .

    أقول :

    وأزيد – ها هُنا – أمراً مهمًّا جدًّا ؛ وهو :

    أنَّ ( دعوتنا السلفيَّة ) – الميمونة – بصفائها ونقائها – إنما توارَثْناها بالسَّند المتَّصل المسلسل بالأئمة الكُبراء – جيلاً فجيلاً – ، مِن لَدُنِ الجيل الأول = إلى مشايخنا الثلاثةِ الأعلام = مروراً بمدرسة ابن تيميّةَ وابن القيِّم … وهكذا – مِن غير انقطاعٍ ، ولا إعضالٍ ، ولا إبهامٍ ؛ دون وصلةٍ بمبتدعٍ غويٍّ ، ولا مُتعالِم غويٍّ – …

    بينما لو نظرتم -أنتم– بإنصاف ، وصدق ، وشفافية – إلى الأقسام ( ! ) المُدّعاة – أو المُدَّعى عليها !! – بالسّلفيّة: لَمَا رأيتم شيئاً مِن هذا التسلسُل الموصول بطبقات الهُدى – ألبتّةَ - !

    ورسولُنا – صلى الله عليه وسلم – يقول : « يحمل هذا العلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه ؛ ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المُبطلين ، وتأويلَ الجاهلين »؛ جميلاً فجميلاً . . .


    فأين أولئك مِن هؤلاء ؟!

    وأين ذاك مِن هذا ؟!

    بل هم – واللهِ – مبتورون ، مبتوتون! ولمشايخنا الكُبراءِ مُخالِفون ، ولمناهِجهم مُناقِضون ، ولدعوتِهم مُغايِرون …

    فكيف يُقال –بَعْدُ-: هؤلاء سلفيّون ؟!!

    ثم أقول :

    وأمّا مَن ذُكِروا – منسوبين إلى ( أقسام السلفيّة !! ) – من أهل الغُلُوِّ والانحراف ؛ فقد كان لهم نصيبٌ في مقالٍ آخَرَ مِن مقالات رسالتِنا ( الأصالة )؛ عدد ( 39 ) – شهر جمادى الآخرة – 1423هـ ؛ وعنوانه : ( السلفية .. والإرهاب !! ) ؛ وهذا نصُّهُ كاملاً:

    ((أوقعت الأحداثُ العالميةُ -التي سُمِّيت (أحداث: 11سبتمبر)- الأُمةَ -كلَّها-، والشعوبَ -جميعَها- في زلزالٍ عاصفٍ؛ اجتماعيٍّ، واقتصاديٍّ، وسياسيٍّ، وعسكريٍّ: فائقِ الخطورةِ، عظيمِ الأَثَرِ، شديدِ العاقِبة...

    ولقد صَحِبَ هذه الأحداثَ الضِّخَام -منذ أوّل نُجومها- كلامٌ كثيرٌ، وضَجَّةٌ عظيمةٌ حول ما يُسمّى في الإعلام الغربي، والشرقي -تبعاً!- بـ (الأصولية)-Fundamentalism-؛ وهي كلمةٌ مرادفةٌ -عندهم- لكلمة (الإرهاب)!!

    ومن بين الكلام على (الأصولية) و (الإرهاب) بَرَزَ الكلامُ -بصورةٍ أو أخرى!! -كثيراً- حول (السلفيّة)، وصِلتَها بهذا أو ذاك!!

    وممّا زادَ الكلامَ على (السلفيّة) -أيضاً- وكثَّره!- انتسابُ عددٍ من الأحزاب، والحركات، -في بعض البلاد (الإسلاميـة)- كـ(الجزائـر) و(المغـرب) -مثلاً- إلى (السلفيّة)؛ ثم انتهاجُ هذه الحركات طريقةَ الثورةِ والتهييج، ومُواجهة الحُكّام، والقتال، والصِّدام المسلَّح . . .

    . . . ولقد أدّى هذا (الخلط!) -بالأسماء، والوقائع!- إلى تَشْويهِ صُورة (الدعوة السلفيّة) -الحقّة-، الّتي انْتَهَجها أهلُ العلم الكبار الراسخون، وعُلماء الأمّةِ الأجلَّةُ الربّانيُّون، مُتَلَقِّينَها عن شيوخِهم وكُبرائهم -مِن قبلُ-، ومُلَقٍّنِينها إلى طُلابهم وتلاميذهم -مِن بَعْدُ-؛ حتّى تكتملَ دورة العلم، وتَتِمَّ حَلْقَتُهُ؛ ارتباطاً منهجيّاً عالياً، وصِلَة شرعيةً غاليةً . . .

    بحيث يؤدي ذلك -كله- إلى التطبيق العملي -الواقعي-لقول نبي الإسلام -عليه الصلاة والسلام-: «تسمعون ويُسمَع منكم، ويُسْمَعُ ممّن يُسْمَع منكم»؛ تواصُلَ حقٍّ، وتَسَلْسُلَ سدادٍ؛ مِن غيرِ انفصامِ عُرىً، ولا انفصالِ هدىً...

    ولمّا كان هؤلاء الكبارُ -وأُولئك الأكابرُ- دُعاةَ أمنٍ، وأمانٍ، وإيمانٍ: كانت دعوتُهم -بدءاً، وانتهاءاً -دعوةً نقيّةً صفيّةً؛ بعيدة عن ذاك العُنف، ومُنَافيةً لذلك الصِّدام، ومُناقِضةً لِهاتيكَ المواجهةِ الثوريّة‍‍!!

    نعم؛ نحن نُؤمِنُ بالجهاد، ونُعطيه أهمِّيَّتَه الشرعيّة، ونُؤَدِّيهِ مكانتَه الدينيّة، ونعرفُ له قَدْرَه؛ لكن: ضمن ضوابط الشَّرعِ، وأحكامِ عُلمائهِ، وهديِ أئمتهِ وكُبرائهِ..

    «وأمَّا إشاعة الفوضى، وترويعُ الآمنينَ -أو المُستأمِنينَ-، وتَقتيلُ الأطفالِ والنِّساءِ والشيوخِ، ونزعُ الأُمّة مِن أَمنها وأمانِها -باسم الجهاد! والدِّين!!- وبالعواطفِ الجارفة، أو الحماساتِ الفارغة-: فهو عينُ المحادَّة للهِ، ولرسولِه، وللمؤمنينَ، وخُروجٌ عن جادَّةِ أهل العِلْمِ الرَّاسخين»([2]).

    وهذه الفعائلُ -التي وَصَفْنَا -أخيراً- يُسمِّيها (الغربُ!) ومَن تَبِعه من أهل (الشرق!)-: إرهاباً!!

    وهي تسميةٌ (غربيّة = سياسية) مغلوطةٌ لمصطلحٍ (إسلامي) -صحيح- جاءَ به الشرعُ مِن غيرِ نكيرٍ؛ كما في قولِه -تعالى- في كتابه الكريم-:

    {وأعدوا لهم ما استطعتم مِن قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوّكم}.

    أمّا التّسميةُ -الحقّةُ- لهذه الفعائلِ -المُسْتَنْكَرةِ شرعاً، والمُنكَرةِ واقِعاً -فهي: (الغُلُوّ)؛ الذّي حذّرنا مِنه الرسول –صلى الله عليه وسلم-، ونهانا عنه؛ وذلك قولُهُ –صلى الله عليه وسلم-:
    «إيّاكم والغُلُوّ في الدين؛ فإنّما أهلك مَن كان قبلكم غُلُوُّهم في ديِنهِم».

    فالخَلْطُ بين المصطلحات، وعدمُ الضبطِ لحقائق الأشياء: يُوقِعُ الأُمّةَ -وأبناءَها- بل العالَمَ -أجمعَ- بمفاسدَ وشرور، وفتنٍ وأُمور . . . {ليس لها من دون الله كاشفة} . . .

    فالدَّعوةُ السلفيّةُ -الهادئةُ الهاديةُ- دعوةٌ علميّة؛ تأبى تلكم المحدثات، ودعوةٌ ربانيّة؛ تنأى بنفسها عن هاتيك الفتن العاصِفات؛ لا جُبْناً أو خَوفاً -كما يصوّره -ويتصوّره!- بعضُ الغُلاة المخالفين، أو أشباههم مِن الجَهَلة المُتَعنِّتين . . .

    وإنّما تَطبيقاً للشرعِ الحكيم؛ المبنيِّ على قول الله -سبحانه-: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} -ومنه قولُ النبيّ –صلى الله عليه وسلم-:
    «إنّما أنا رحمةٌ مُهداة»-
    والقائمِ على قولـهِ –صلى الله عليه وسلم-: «البَرَكةُ في أكابركِم»؛ فلا نتجاوزُهم، ولا نتعدّاهم؛ فهم «القوم: لا يشقى بهم جليس»؛ كمثل أئمتنا الكرام: ابن باز، والألباني،وابن عثيمين، ومن كان على مثل ما كانوا عليه-، وكلُّ مخالفٍ لهم؛ فهو بئيس تعيس، ولو كان من الذين {يَحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً} . . .

    وليس هذا الحُسْبانُ -أو ذاك الظنُّ!- بِمُنْجٍ أصحابَه -المُتَفَلِّتين عن حقِّه- مِن حِسَاب اللهِ، وعذابهِ، وعقابهِ -بقدر مُخالفتِهم وانحرافهم-.

    . . . فَلْيَؤُبِ الضالُّون، ولْيَعُدِ البعيدون، ولْيَتُبِ المخالفون . . .

    وستبقى الدّعوةُ السلفيّة -الحقّة النقيّة- كما العهد بـها، والظنُّ بهُداتها - دعوةَ أمنٍ وأمانٍ وإيمان؛ في السلم والحرب، وعن جهاد الدفع والطلب - ولو رماها أعداؤها بالإفك والبهتان والإرهاب- ودعوة هدى وحق؛ علماً، وعملاً، واعتقاداً ...

    والله الهادي)).

    أقول :

    ولقد كنتُ كتبتُ – ضمن مقالٍ لي – في رسالتنا (الأصالة) –أيضا-؛ عدد: ( 43 ) شهر جُمادى الآخرة – سنة 1424 هـ كلمةً ذات صلة بهذا الموضوع ؛ قلتُ فيها :

    ((بل إنَّ الغُلُوَّ الجاهلَ(!) قد دَفَع بعضَ أقوامٍ(!) إلى أن يُنازِعونا في الانتساب إلى (السلفِيّة)؛ حيث حَشَروا أنفسَهم بها؛ وهم في صنائعهم هذه -فضلاً عن تلك!!- أبعدُ النّاسِ عنها، وعن صفاء نهجها، ونقاء منهجها!!

    فيقولون -أو يُقال فيهم-: (سلفية جهادية)! أو: (سلفيّة إصلاحية)!! بل زاد بعضُهم التضليلَ تضليلاً بأن قالـوا: (سلفيّة علميّة)!!! ومـا هي -والله- مِن العلم في شيءٍ!!!

    وإنِّي لأحمدُ اللهَ -تعالى- على أنَّ في رؤوس السّاسة، وسادة الصّحافة: بقيّةً مِن ذوي النَّصَفَةِ والعقل: لا يزالون يميِّزون بين (السلفيّة الحقّة) -بمنهجها الوضّاء- وبين هؤلاء المندسِّين -المُتستّرين- بانتسابهم الباطلِ -هذا- وإلا -واللهِ- لاختلط الحابلُ بالنابل! والعالمُ بالجاهل!! ولتشوّهت صورةُ سلفيّتنا الحقّة -المتوارثة بين أهل العلم الربّانيِّين؛ جيلاً فجيلاً . . إلى مشايخنا الكبار: ابن باز، والألباني، وابن عُثيمين-؛ سلفيّة الأمن، والأمان، والإيمان . . .

    بل إنّ هذه المنازعة(!) وصلت ذِرْوتَها في أُناس آخرين: لم يكتفوا بصنيع الأُوَل(!) بل سَلَبُونا هذه النّسبة، وأَبَوْا أن يَنْظِمُونا في سِلْكها المشرِق؛ لا لشيءٍ؛ إلا لأننا خالفناهم في شيءٍ مِن غُلَوائهم العنيف، أو رفضنا بعضاً من آرائهم المُفْرطة!!!

    والحمدُ لله ربِّ العالمين: أنَّ الدّعوةَ السلفيّةَ الحقّةَ لم تكن يوماً -ولن تكون- بإذن اللهِ- (شركة تجاريّة)! أو (هُوِيّة حزبيّة)!! وإنما هي دعوةٌ ربّانيَّة؛ تستقي ماءَ وجودها مِن نبع الكتاب والسّنَّة المَعين، ولا بقاء فيها إلا للهَدْي الصَّافي الأمين.

    { فأمّا الزّبدُ فيذهبُ جُفاءً وما ينفع النّاس فيمكث في الأرض } )).

    أقولُ :

    وهذه الآيةُ الكريمةُ – في هذا المقام – تُوصِلُنا إلى المقال الثالث ؛ الذي كتبناه في رسالتنا (الأصالة) ؛ عدد : ( 38 ) شهر ربيع الأول – سنة 1423 هـ ؛ وعنوانه : ( السلفية ظاهرةٌ – بإذن الله – ) –ليكون فألاً حَسَناً –والحمد لله- في نُصرة الحقِّ ودحض الباطل-؛ وهذا نصُّهُ :

    ((إن النسبةَ إلى السلف شرفٌ وعِزٌّ وَفَخارٌ لكل مَن آمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد –صلى اله عليه وسلم-.

    وعليه؛ فَمَنْ عَلِمَ أن أساسَ السلف -وأصلَهم- هم أصحابُ رسول الله –صلى اله عليه وسلم- الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؛ وهم جيل القدوة الذين تربَّوا على عين رسول الله –صلى اله عليه وسلم-، وهم فوقنا في كل خير، ونحن لهم تبع، وسبيلُهم من سبيل رسول الله –صلى اله عليه وسلم-؛ كما قال -تعالى-: {ومَن يشاقق الرسول من ببعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نُوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً}: تبيَّنْ له أن اتباع سبيل المؤمنين -وهم الصحابة رضي الله عنهم- واجب شرعي؛ لأن تنكُّب سبيلهم سبب للضلال في الدنيا والهلاك في الآخرة
    { نُوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }.

    أي: لا يبالي الله به في أي واد هلك، يتخلّى الله عنه؛ ليكون نَهَباً للشياطين الجنِّية والإنسية، وفي الآخرة نتيجته سيئة، وثمرته مرة، ومصيره لعذاب بئيس؛ لأنه لم يهتد بهدى أبي بكر وعمر –ومَن معهما- رضي اللهُ عنهم- أجمعين..

    وإنَّ من أظهر علامات أهل السنة حُبَّ الصحابة والترضِّي عنهم، وبُغض من يبغضهم، والتبرُّأَ مما عليه الرافضة الشيعة الشنيعة؛ حيث يسبون الصحابة كباراً وصغاراً، سابقين ولاحقين، ويلعنونهم، ويتبرؤون منهم ويجعلون ذلك من أعظم قرباتهم إلى الله -زعموا وكذبوا-!!

    وعليه؛ فمن قال: أنا لست سلفياً -إن كان يعلم حقيقة ما يقول -على ما تقدم- فقد سَفِهَ نفسه؛ لأن الصحابة على مِلَّة إبراهيم ومِلَّة محمد –صلى الله عليه وسلم- قال -تعالى-:
    {ومَن يرغب عن ملّة إبراهيم فقد سفه نفسه}، وهؤلاء المتبرؤون المحاربون للسلفية قد حشروا أنفسهم في حزب الشيطان؛ لأن السلفية تطبيق عملي حي لأصحاب الصراط المستقيم -الذين أنعم الله عليهم قديماً وحديثاً-، والذين قال الله فيهم:
    {ومَن يُطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقا}.

    ومن خالفهم فقد أبى دخول الجنة وأبى إلا أن يكون من أَتباع السبل الهلكَى -حتى لو كانوا الأكثر، فالحق لا يعرف بالكثرة قال -عليه الصَّلاة والسَّلام-: «افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة»، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «هم الجماعة».

    وفي رواية: «هم الذين على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

    فمن كان يَنْشُدُ النَّجاة والهداية، ويأبى أن ينهج ما كان عليه رسولُ الله –صلى اله عليه وسلم- وأصحابُه فإنّه مُصيبُهُ -ولا بُدَّ- وعيد الآية المتقدمة { نُوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً }، ووعيدُ قولـه -عليه السلام-: «كلُّ أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى»، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى».

    والدّعوة السلفية المباركة -بحمد الله- تسعى جاهدة لتحقيق ذلك عملياً في دنيا الناس، ولكنها -للأسف- تجد عقبات كثيرة -من خصومها- لمنعها من أداء رسالتها، ويُفترى عليها، وتُتهم بما تَبْرَأُ إلى الله منه -جملة وتفصيلاً-، بل يُستعدى عليها السلطان في كثير من البلدان . . .

    وهذا ديدن أهل البدع منذ قديم الزمان، وما سلم منه أحد حتى الأنبياء والصحابة والأئمة الربانيُّون.

    فاتهام الدعوة السلفية -مثلاً- بأنها حركة -بمعنى أنها حزب!- ظلمٌ وَتَجَنٍّ عليها؛ فهي تحارب الحزبية المقيتة -التي فرَّقت الأمة- كما حاربت المذهبية العصبيّة من قبل.

    وهذا التعبير دخيلٌ على الدَّعوة السّلفيّة، ولا يوجد إلا في أذهان الحزبيين والحداثيِّين -الذين يظنون أن السلفية حركة حزبيّة كسائر الحركات التي أسَّسها رؤساء الأحزاب والجماعات، وما علم أولئك(!) أن الدعوة السلفية هي دعوة محمد –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وأن حركتها -إن صحّ هذا الوصف!- قائمة على الدعوة إلى الله على بصيرة، وبالحكمة والموعظة الحسنة- جمعاً، وتأليفاً، وتوحيداً لكلمة المسلمين على كلمة التوحيد- دون حزبيات مقيتة، أو بدعيات محدثة؛ بل تعاوناً شرعياً قائماً على الدليل.

    والدعوة السلفية المباركة أبعد ما تكون عن الصِّدَام مع حُكَّام المسلمين -وإن جاروا وظلموا-؛ بل تنصح لهم وترفق بهم وتدعو لهم؛ كما قال الإمام الفُضَيل بن عِيَاض -رحمه الله- وغيره: لو كانت عندي دعوة مستجابة لدعوت بها للسلطان؛ لأن بصلاحه صلاح الأمة.

    فالسلفيون الأصفياء -لا الأدعياء!- لا يُهيّجون الناسَ، ولا يُثوِّرون العامَّة على حكّامهم؛ ليصلوا إلى أهداف مُعيّنة!! فالأمن والأمان والإيمان: أصل أصول دعوتهم، وهم أكثر الناس -والواقع يشهدُ- نبذاً للعنف والتثوير والتهييج السياسي الذي أفسد البلاد والعباد، فهم أحق بالإكرام والتقديم، لا المطاردة والمصادرة والإبعاد -عياذاً بالله-، والله -تعالى-يقول:
    {ومن يُهن اللهُ فما له من مُكرم} .

    وقال -تعالى-: {ورفعنا لك ذِكرك}.

    وكان من دعائه الشريف -عليه السلام-: «. . . إنه لا يَذِلُّ من واليت، ولا يَعِزُّ من عاديت».

    . . . وأمّا بعضُ النّاس(!) الذين تَسَرْبلوا لَبُوسَ السلفيّةِ، وتزيَّوْا بِزيِّ دُعاتها؛ وأظهروا للناس(!) أنّهم منها، وأنّها منهم: فهم -في الوقتِ نَفسِهِ- يُخالفِون عُلماءَها، ويطعنون لهم، ويغمزون بمنهجهم؛ فضلاً عن طعنهم وغمزهم بدعاتها، وحَمَلتِها...


    فكيف تلتقي هذه الدعوى -الكذوب- بهذا الحالِ المقلوب؟!

    {سبحانك هذا بُهتان عظيم}.

    {ولينصرن اللهُ مَن ينصره إن اللهَ لقوي عزيز}.))

    أقولُ : وإنَّ مِن أشدِّ الافتئات القائم على الجّهل والتعالي : قول ذلك المُدَّعي –غفر الله له- عن تلكم الفئات السبعة – التي حشرها زُوراً في ( الدعوة السلفيّة )؛ أنهم : ( مِن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار : كلهم سلفيُّون ) !!!

    سبحانك اللهم !!

    أين هذا التجاوز الظالم مِن قول ربِّ العالمين : { وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شُهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً } ؟!

    فهل الخارجي، والمرجئ كلاهما سُنيّ ؟!!

    بل هما ضدّان لا يجتمعان ، وعن السُّنَّة والسلفيّة بعيدان .

    وهل الغارقُ في السُّوء إلى أُذُنَيْهِ: كمثلِ مَن ادُّعِيَ بالباطلِ عليه –وهو مِن دُعاة الحقّ، وأهله-؟!!

    ومثلُهُ انحرافاً وظُلماً – أيضاً – زعمُ المدّعي –نفسِه- غفر اللهُ له- أنَّ ما يقعُ الآنَ في بعض بلاد المسلمين من تدمير ، وتفجير، وتقتيل : إنه خلاف فقهيّ ، وليس خلافاً عقائديّاً !!

    فأقولُ: أليس أُولاء في صنائعهم – هذه – قائمينَ على مبدأ تكفير الحكّام المسلمين – بغضّ النظر عن مدى قربهم أو بُعدهم عن الإسلام - ، وبالتالي : هم يستحلّون –لذلك- هذه الدماء ، وتلكم الأنفس ، والأموال ..؟!

    أقولُ :

    ومِن أشنعِ طُعونهِ – التي زَلَقَ بها لسانُهُ ، كاشفاً خبيئةَ قلبهِ ! – قولُه –غفر اللهُ له– في تقسيماتهِ !! – : ( التيار العُلَمائيّ المشيخيّ !! ) ؛ ذاكراً منه :

    ( الألباني ، وابن باز ، والعثيمين ، والوادعي ) ؛ ثم ضمّهم –مباشرةً!!- إلى التيار الأول : ( الإرجائي الجاميّ المدخلي ) !! جاعلاً القاسم المشترك بين التيّارين –جميعاً- أنّهم : ( كلّهم يقبلون بالحكومات القائمة ) !! طعناً ، وغمزاً ، وتشكيكاً !!!

    والنتيجةُ – إذن – معروفةٌ : 1 + 1 = 2 !!!

    لا حول ولا قُوّة إلا باللهِ …

    وإذ قد وَصَلت به جُرأتُهُ – وتطاوُلُه – إلى هذا الحدِّ ، فأني أُخَوِّفُهُ بالله – تعالى – حتّى يؤوبَ ويتوبَ ؛ فإنه ( مَن تكلّم بالعُلَماءِ بالثَّلْب : ابتلاه الله بِموت القلب ) – كما قال الحافظ ابنُ عساكر – …

    وَلْيَحذَرْ هذا المُدَّعي – وأمثالُهُ ، وأشكالُهُ – دعوةَ مظلومٍ تصعدُ إلى اللهِ – سبحانه – كأنها شرارةٌ ؛ تَجْأَرُ إلى اللهِ – تعالى – بالدُّعاءِ عليه ؛ كدُعاءِ الصحابي الجليل سَعدِ بن أبي وقّاص –رضي اللهُ عنه- على الوالِغين فيه –سلوكاً؛ لا اعتقاداً-؛ بقوله في المُدَّعي عليه :

    « اللهمّ إن كان عبدُك هذا كاذباً :

    فأطِل عُمرَه ..

    وأطِل فقرَه ..

    وعرِّضه للفتن .. » .

    … { فَهَل أنتُم مُنْتَهون } ؟!

    هذا – والله – ما أرجوه لهم؛ لعلّهم إلى الحقِّ يرجعون ، وعمّا خالَفَه يتراجعون ..

    وإنّا للّه وإنا إليه راجعون ..

    وبعدُ :

    فإن كثيراً مما قاله ذلك المُدَّعي –غفر اللهُ له- باطلٌ ، وهو مليءٌ مغالطاتٍ وأغلاطاً ؛ ولكنّ القليلَ يكفي المُنصِفَ ، والكثيرَ لا يَفِي للمتعسِّف !!

    ولكن:

    إلى الديّان يوم الحقّ نَمْضي وعند اللهِ تجتمعُ الخصوم

    … وصلّى الله وسلّم وبارك ؛ على نبيِّنا محمدٍ ، وعلى آله صحبه أجمعين .

    وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربّ العالمين .

    وكتبه

    علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد

    الحلبي الأثري

    الزرقاء – الأردن

    ضُحى يوم الجمعة

    18 – شوال – 1424هـ

    وأقولُ الآن-: بعد حوار (قناة المستقلّة) معي –هاتفياً-:

    لقد اعتذر الأخ البُلُوشيُّ –عن بعض ما ادّعاه-، وطَلَبَ المسامحةَ منّي . . .

    فأنا أقبل طَلَبَه، وأسامحُهُ مِن كل قلبي، وأسألَ اللهَ له أن يتأمَّل اكثر وأكثر؛ حتى يُراجعَ كثيراً ممّا يراه، وعديداً ممّا يتبنّاه . . .

    واللهُ يوفّقنا –جميعاً- إلى هُداه . . .



    . رَوَاهُ الْحَرّانِيُّ فِي «تارِيخِ الرَّقَّةِ» (ص 25) مِن قولِ الإمامِ الثّقةِ الجليل مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ – رَحِمَهُ اللَّهُ –.

    وقد علَّقتُ على هذا الأثر السَّلفيِّ الجليل في مقدِّمتي على كتابِ «الفارق بين المصنِّف والسَّارق» (ص 29 - سنة 1410هـ) – للسيوطي – بقولي:

    «هذه هي حقيقةُ القلبِ الكبيرِ تجاه المخطئِ بحقٍّ، فكيفَ ببعضِ أبناءِ هذا العصرِ الذينَ يُواجهونَ مَن توهَّموا فيهم الغَلَطَ نتيجةَ ظنٍّ سيِّئ؟! فتراهم يُشيعونَ التُّهَم، ويُبَعْثِرونَ الادِّعاءاتِ؛ مِن غيرِ تثبُّت، أو تأنٍّ، أو حُسْنِ ظنٍّ!».

    2. «مجمل مسائل (الإيمان والكفر) العلمية؛ في أصول العقيدة السلفية» (ص 60- الطبعة الثانية) بأقلام: مجموعةٍ من طلبةِ العلمِ.
















    تعليق

    • مجاهدة
      عضو فعال
      • Aug 2004
      • 418

      #3
      الرد: المشاركة الأولى في المستقلة للشيخ علي حسن الحلبي

      المشاركة الثانية في قناة المستقلة - الحلقة الخامسة

      الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، و«على آله وصحبه ومَن والاه؛ أمَّا بعد:
      فيقولُ رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يشكرُ اللهَ من لا يشكرُ الناسَ» وإنّي -انطلاقاً من هذا الأصل- أبتدئ بتقديم شكري للأخ الدكتور محمد الهاشمي -سدَّده الله- على إتاحتهِ الفرصةَ لي لإيضاح (شيء) من الحقِّ حول ما جرى -ويجري- من حوار حول (الدعوة السلفيّة) -وما يتَّصل بشأنها-.
      ولقد لاحظتُ عدَّةَ ملاحظات على عدد من المشتركين –أو المشاركين- في الندوة؛ لم أستطِع –وقتئذٍ- الإبانةَ عنها؛ أُجملها –الآن- بما يأتي- أداءً للحق، وبياناً للحقيقةِ-:

      حول كلام الأسدي الشيعي:

      أولاً: ما ذكره الأسدي الشيعي –هداه الله- ممَّا عدّه نقطة ضعفٍ في الدعوة السلفيّة- أنَّها تقبل أحاديث وأخبار الآحاد في العقيدة!!
      فهذا –في حقيقتهِ- نقطة قُوَّة –وللهِ الحمدُ-؛ فالحديثُ الصحيحُ الثابتُ عن النبي –صلى الله عليه وسلم، سواءٌ أكان متواتراً، أم آحاداً- هو حُجَّةٌ بنفسه في العقائد الغَيْبيَّة والأحكام الفقهيّة مِن غير فرقٍ، والمفرِّق بينهما ليس معه أيُّ حُجَّة أو دليل!
      بل إنَّ الأحكام الفقهيّة –من حيث هي في نفسها- تتضمَّن حكماً اعتقادياً؛ يُشير إلى هذا قولُ اللهِ –تعالى-: {ولا تقولوا لما تصفُ ألسنتكم الكذبَ هذا حلالٌ وهذا حرام لتفتروا على الله}..
      فَجَعلَ القولَ بغير علمٍ في (الحلال والحرام) –وهو من الأحكام الفقهيّة- سبباً للافتراء على الله -وهو من (العقائد الغيبيّة)-؛ فأين وجه التفريق؟!
      ثُمَّ إنَّ معرفةَ التمييز بين حديث الآحاد والحديث المتواتر متعلِّقٌ بمعرفةِ عدد رواةِ كُلٍّ منهما؛ ومن غير معرفة عدد الرواة لا يُمكن الضبطُ لهما، ولا التمييز بينهما!!
      وعليه؛ فما الحدُّ –من حيث عدد الرواة- المُميِّز للحديثِ المتواتر عن الحديث الآحادي؟!
      وما دليلُ هذا الحد؛ ليكون فيصلاً بين هذين النوعين؟!
      لن أستعجلَ!! ولكنْ لن تجدوا جواباً… إلا!!
      إلا بالعودة إلى العموم بين هذين النوعين، دون تخصيصٍ بلا دليل، ومن غير حُجَّة…

      ثانياً: ادَّعى الأسَدي الشيعي –هداه الله- في رواية (الشاب الأمرد) –وأصلُها لفظه: «رأيت ربّي في صورة شاب أمرد»- أنَّ الألباني صحَّحها، والإمام أحمد قَبِلَها!!
      وهذا باطلٌ جدَّاً –بصورتيه-، وبيان ذلك من ثلاثة وجوه:
      1- أنَّ الرواية التي عند أحمد في «مسنده» (1/290) مختصرةٌ جدَّاً، ليس فيها إلا قوله: «رأيت ربِّي» –فقط-!
      وكذلك هي في «مُختصر العُلُوّ» (ص118) –للشيخ الألباني- مختصرة - قوله: «رأيت ربّي» –فقط-!
      فأين ذاك الادِّعاء الباطل عليهما؟!
      2- أنَّ روايةَ الإمام أحمد لحديثٍ ما –أيِّ حديثٍ- في «مسنده» لا يلزم منها –البتَّة- قَبُولُه لهذه الرواية، أو تصحيحه لها!
      وهذه قاعدة منهجيّة عامّة في كتب الحديث المُسندة –جميعها- سوى مَن اشترط الصحَّةَ في تخريجه –كالبخاري ومسلم-.
      وقولُهم في ذلك معروفٌ: «مَن أسندك فقد أحالك).
      بل إنَّ بين أيدينا نصوصاً علميّة متعدِّدة –وكثيرة- فيها نقلٌ عن الإمام أحمد استنكارَ –أو ردَّ- حديثٍ ما، ثم يكون هو راوياً له في «مسنده»! فأين ذلك الإلزام –أو الاستلزام-؟!
      ومثاله: حديث ابن عباس، عنه –صلى الله عليه وسلم-: «التقى مؤمنان على باب الجنّة، مؤمنٌ غنيٌّ، ومؤمن فقيرٌ . . . » إلخ..
      فقد رواه الإمام أحمد في «مسنده» (1/304)، لكنه قال فيه –أيضاً-: هذا حديث منكر!! –كما نقله الخلال في «كتاب العلل» (ص46- كما في «المُنتخب» –منه-).
      3- وأمّا ما فهمه البعضُ مِن أن الإمام أحمد قد صحّح الرواية بلفظ «الشاب الأمرد» –كما في «طبقات الحنابلة» (3/181-182/الطبعة الجديدة)-؛ فليس هو كما فَهم!!
      وذلك من وجهين:

      الأول: أَن هذا خبرٌ منقولٌ في كتاب تراجمَ وتاريخٍ؛ فهو خبرٌ تاريخيٌّ أكثر مِن كونه خبراً علمياً؛ فلا تعارضُ هذه الرواية روايةَ الإمام أحمد التي انتقاها وأثبتها في «مسنده».
      وقد قيل قديماً:


      إنَّ التّواريخ وإن السِّيرا تجمع ما قد صح وما قد أُنكرا


      الثاني: أن الإمام أحمد –رحمه الله- لما سُئل – كما في رواية «الطبقات»- كان السؤال عن رواية «الشاب الأمرد»؛ لكنه لما أجاب –رحمه الله- وأسند الرواية: أسندها على الجادة –مختصرة- وهي الرواية الصحيحة – بلفظ: «رأيت ربي –عز وجل-»، وهذا واضحٌ –والحمد لله-.
      ويُنظر –لمزيد من الفائدة- كتاب «الاستقامة» (2/195) لشيخ الإسلام –رحمه الله-.
      4- والادِّعاء أن الألباني –رحمه الله- صحّح الحديث –حتى بلفظه المختصر؛ الذي ليس فيه ما يُستنكر- ادّعاءٌ باطل- أيضاً-.
      بل إن أستاذنَا الألباني -رحمه الله- ردّ على الإمام الذهبيِّ تجويده سنده؛ قائلاً: «نظر المصنَّف [أي: الذهبي] إلى ظاهر إسناده فقوَّاه…».
      ثمَّ بيَّن وجهَ نقده سندَه بسبب راويهِ حماد بن سلمة، وأنه (في حديثهِ عن غير ثابت شيء) –أي: من النقد والغمز-.
      وإنِّي على يقين حازم –جازم- أنَّ الإمام الذهبي في كتابه «العلوّ» –الذي اختصره الشيخ الألباني –وعزاه إليه الأسدي- لم يكُن يتكلم عن رواية (الشاب الأمرد) –مُطلقاً-؛ بدليل أنه ذكره –فيه- مختصراً، دوُنَها بينما ذكره في «سير أعلام النبلاء» (10/113-114) –تاماً- بلفظ (الشاب الأمرد)- ثم قال: «هو خبرٌ منكر»؛ نسأل اللهَ السلامة في الدين..»!
      فأين ذلك الكذب مِن هذا اليقين؟!
      والحديثُ بلفظ (الشاب الأمرد) ردَّه جماهيرُ المحدِّثين –سلفاً وخَلَفاً-؛ حتى قال فيه العلامةُ السُّبكي في «طبقات الشافعية» (2/312): «حديث موضوع مكذوب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-».

      ثالثاً: قول الأسدي الشيعي –هداه الله- أنَّ (السَّلفيِّين خالفوا عموم المسلمين)؛ معلِّلاً ذلك بتقسيمهِ جميعَ المسلمين إلى (شيعة، ومعتزلة، وأشاعرة)!! وأنَّ السلفيِّين مخالفون لهؤلاء –جميعاً-!!!
      فهذا كلامٌ فيه حقٌّ، وأكثرُهُ باطل:
      -أمَّا الحق: فإنَّ مخالفة السلفيِّين لعموم المسلمين ناشئةٌ عن غربتهم القائمة على الالتزام بصريح الكتابِ، وصحيح السنّة، والدعوة إلى منهج سَلَف الأُمّة؛ فهم -كما قال –صلى الله عليه وسلم-: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ؛ فطوبى للغرباء»-.
      والحقُّ –كما لا يَخفى- لا يُعرف بمجرد الكثرة.
      وابن مسعود –رضي الله عنه- يقول: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنتَ وحدك».
      - أما الباطلُ: فهو هذا التقسيمُ الثُلاثيُّ!! وما نشأ عنه، وما بُني عليه!!
      والحقُّ –فيه- أنَّ هؤلاء –حقاً- موجودون؛ لكنهم –قطعاً- ليسوا الأكثرين…
      والأكثرون –وإن أهملَ ذِكرَهم الأسديُّ- هم عامّةُ المسلمين؛ ممَّن لا يزالون على الفِطرة؛ راغبين بالحقِّ، مُتَطَلِّعين إلى الصواب، مُحبِّين للكتاب والسُّنّة؛ ليسوا إلى هؤلاء، ولا إلى أولئك؛ مِن غير تحزُّب، ولا افتراق، ولا اعتناقِ مذهبٍ ما –عقائديَّاً كان أم غيرَه-!
      فالأقرب –حقًّا- أنَّ عامة المسلمين –هؤلاء- يجبُ أن يُنْسَبوا إلى الأصل الذي انفصل عنه –وابتعد منه- غيرُهُم من (الشيعة، والمعتزلة، والأشاعرة)..
      على أنّي أقول: إنَّ المعتزلة –بصفتها معتزلةً- ليس لها وجود ظاهر –البتَّة- اليوم- إلا من أفراد هنا(!) أو هُنالك؛ ممَّن يُريدون إحياءَ ما اندرس من تُراث هذه الفرقة –أو غيرها- لمآرب لا يعلمُ بها إلا اللهُ…
      لكنْ؛ لا يخفى على أهل العلمِ أن عقائْدَ الشيعة في مجال الإلهيَّات –وبعض ما يتَّصل بها- كلَّها- اعتزاليّة!!
      فتثليثُ التقسيم –على هذا النحو-(!) لا يُراد منه إلا التكثير!!

      رابعاً: قول الأسدي الشيعي –هداه الله- أثناءَ تَقْسيمِه(!) للخلاف الواقع في الأمة-: (يجب مراجعة ما جرى في القرن الأول) قولٌ باطلٌ جدَّاً جدّاً؛ ذلكم أنَّ القرن الأول هو «خير القرون»، وبالتالي: فهو قرنُ القدوة، والأسوة، والامتثال..
      فإذا كانت مُجرياتُهُ مُحتاجةً إلى مُراجعة!! فما بالُك بما بعدَه من القرون؟!
      فأين القدوةُ –إذن-؟!
      وإنِّي (لأكاد) أجزم أنَّ طلبَ (الأسدي) –هذا- إنَّما يُشير فيه إلى قضيَّة (الإمامة) الّتي هي أصلُ أصول (الشيعة): وما يتعلَّق بموقفهم مِن الإمامين الجليلين أبي بكرٍ وعُمر –رضي اللهُ عنهما-، وما يتَّصل بذلك –بعدهما- مِن خلافة الصحابيِّ الجليل علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-!!
      فهذا عَوْدٌ على بَدْء والتفاتٌ إلى الوراء!!
      وأين هو من وجوه الحقِّ، والصواب، والاهتداء؟!

      حول كلام (الحاج وَعْد)!!

      وأمَّا ما نسبه الحاج وعد –هداه الله- إلى «مسند أحمد» (1/456) –والصواب 457- مِن إثبات (ستَّة أصابع لله) –تعالى- وردت في حديثٍ: فالكلامُ فيه مِن ثلاث نقاط:

      الأولى: أنَّ إثبات الأصبع لله –تعالى- كإثبات غيره مِن الصفات؛ حياةً، وقُدرةً، وسمعاً، وبصراً، ووجهاً، ويَداً و… و…
      كُلُّ ذلك نُثبتُهُ على ما يليق بجلال اللهِ –تعالى- وكمالهِ؛ {ليس كمثلهِ شيء وهو السميعُ البصير}: فنفى –سبحانه- المماثلةَ، وأثبتَ صِفَتَي السمعِ والبَصَر –على الوجهِ اللائق بهِ –عزّ شأنُهُ-..
      ومَن أوَّل وبدَّل –أو حرَّف وغيَّر- فإنَّما ذلك لكونهِ لم يَنْجُ قلبُه من شوائب تشبيه الله بخلقهِ؛ فكُلَّما وَرَدَت سمعَه أو بصرَه صفةٌ لله –سبحانه- في الكتاب أو في السنّة- جاءه وَهَمُ التشبيهِ –ذاك-؛ فيُريد الفرارَ منه إلى التحريف والتبديل! فيقع في ضلالةِ التعطيل؛ التي يُجَرّد ربّنا –تعالى- بسببها- عن صفاتهِ، أو بعضها…

      الثانية: نبَّهتُ -في نُقطة سبقت- إلى أنَّ مُجرَّدَ روايةِ العالم لحديثٍ –ما- في كتابهِ –ما لم يكن واحداً مِن «الصحيحين»- لا تُعَدُّ تصحيحاً للحديث، أو قبولاً له؛ فضلاً عن أن يُعتمد في حكم شرعي، أو أصل اعتقاديِّ؛ ما لم يُصرِّح بصحته إمامٌ معتبرٌ من علماء المسلمين –أهل الحديث-.
      وهذه النقطةُ –الثانية- تُوصلنا إلى النقطة:

      الثالثة: فهذا الحديثُ رواه الإمام أحمد –رحمه الله- في ثلاثةِ مواضعَ من «مسنده»:
      - الأول: (1/457) –وهو الذي أشار إليهِ (الحاج وعْد!)-:
      وفيه –فِعلاً- ذكرُ (أصبُع سادس)-!
      وهو –في هذا السِّياق- مرويٌّ عنده مِن طريق شيبان، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن عَبيدة السَّلماني، عن ابن مسعود… وَذَكَرهُ.
      وقد خالف (شيبانَ) في روايتهِ الإمامُ الجليلُ الحافظُ الثقةُ سفيانُ الثوريُّ، فرواه عن منصور بن المعتمر والأعمش، –كلاهما- عن إبراهيم النَّخَعي، عن عَبيدةَ السَّلماني، عن ابن مسعود…
      فَذَكرهُ.. وليس فيه ذكر (أُصبع سادس)…
      وهذا هو:

      -الموضع الثاني: مِن «المسند» (1/429).
      وشيبان؛ هو: شيبان بن عبد الرحمن النَّحْوي، مِن ثقات الرواةِ، وحُفَّاظ المسلمين؛ لكنَّه بَشَرٌ كالبشرِ؛ قد يُخطئ في الرواية، أو النقل…
      وهذا معروفٌ في علم الرواية، والنقد الحديثي…
      لكنَّ تخطئته –أو تخطئة مثلهِ- لا تقومُ على الدعوى والادِّعاء؛ وإنَّما ببيِّنةٍ راجحة قويَّة –ولا بُدَّ- ومن أهل الاختصاص من أصحاب الحديث . . .
      ومما يؤكِّدُ هذا -بحق شيبانَ- نفسِه- على ثقتهِ- ما نقله الإمام علاء الدين مُغُلْطاي بن قَلِيج –رحمه الله- في كتابهِ «إكمال تهذيب الكمال» (6/307) عن الحافظ الساجي قولَه في (شَيْبان): «صدوق عنده مناكير».
      فزيادة ذِكر (الأصبع السادس) –هنا- مُخالفاً بها الرواة الثقات، والأئمةَ الأثبات -ممَّا يدلُّ على شُذوذها –على الأقلّ-.
      وممَّا يؤكّد شذوذها –أيضاً-؛ ما رواه الإمام أحمد –رحمه الله- في:
      - الموضع الثالث: مِن «المسند» (1/378): وفيه مُتابعةُ (علقمة بن قيس) لـ(عَبيدة السَّلماني) عن ابن مسعود…
      وليس فيه ذكر الأصبع السادس! –أيضاً-.
      وممَّا يجبُ التعجيلُ بذكره –في هذا المقام- وقد انكشفت الشبهة الباطلة، وظهر الحقُّ الأبلج-: أنَّ الحديثَ مرويٌّ في «صحيح البخاري»، و«صحيح مسلم» عن ابن مسعود –بدون ذكر (الأصبع السادس) –أيضاً- على الجادَّة…
      فقارنوا -بالله عليكم- بين ادّعاء الجهلة بعلمِ الحديثِ؛ المتصيِّدين بغير تحقيق- وبين النَّهْج العلمي، والمنهج الدقيق؟!
      فهل رأى الأسديُّ الشيعيُّ –هداه الله- هذه المواضعَ الثلاثة؛ فانتقى ما يُريد، وترك ما يُريد؟!
      أم لم ير إلا موضعاً واحداً؟!
      أحلاهما مُرٌّ، وخيرهُما شرٌّ . . .

      حول كلام الأخ (المصري):
      أمَّا الأخ (المصري) –هداه الله وأصلحه- ولم أضبِط له اسماً ولا وصفاً غير ذلك!- فقد أساء إلى نفسِه؛ لمَّا أشار إلى بعضِ التسويداتِ الجاهلةِ التي ردَّ مسوّدوها عَلَيّ(!)، أو على بعض إخواننا ومشايخِنا… فضلاً عن جمعه لعدد من الشبهات –المُتلقَّطة إما من (الأسواق!)، وإما من زُبالات الإنترنت!! ممّا لو أردتُ الوقوف عند كُلِّ واحدةٍ منها: لاقتضى ذلك تطويلَ الردّ، وتفريعَ النقد.. وليس هذا حَسَناً –ها هُنا- على الأقلّ-!
      ولكنْ لي ثلاثة تعليقات –حَسْبُ-:

      الأوَّل: أنَّ ما ذَكَرهُ هذا الأخُ –هداه الله- مِن ردٍّ عَلَيَّ(!) لبعضِ جهلةِ بَلَديِّينا: فقد رَدَدْتُ عليه ردَّاً علميّا، جاءَ أضعاف ردِّه؛ كشفتُ فيه جهله وتعدِّيَهُ؛ وبخاصَّةٍ على أستاذنا الشيخ الألباني –رحمه الله- لمَّا اتَّهمه بالإرجاءِ –تلك التُّهْمَةُ التي تَدُلُّني –اليوم- على حقيقةِ مُدَّعيها، ووجهةِ(!) مُروِّجيها!!
      فَلْيُنظر –في تعقبهِ، ونقده- كتابي: «الردّ البرهاني في الانتصار للإمام الألباني»، وهو مطبوعٌ في ثلاث مئة صفحة…
      فإنْ كان هذا الأخُ –هداه الله- لا يعلمُ ذلك: فقد جَهِلَ!!
      وإن كان (يعلم) –لكنْ: كَتَمَ-: فقد خان!!!

      الثاني: أنَّ الله –تعالى- كفاني جهلَ هذا الأخِ (المصري) –هداه اللهُ-؛ من خلال ردِّ الدكتور الهاشميِّ عليه –وقد ظهر له جهلُهُ، وتطاوُلُه-، وذلك بنصحهِ له بالتعلُّم عند عالمٍ مُعْتَبَرٍ يدفعُ عنه هذا الجهلَ الطّاغي –فيه-!!
      فجزى اللهُ خيراً الدكتور الهاشميِّ على فطنتهِ، وذكائهِ، وكياستهِ، ونُصرتهِ.
      وأسأل الله له أن يزيدَه تبصُّراً وتنوُّراً.

      الثالثُ: أنَّ آخر سهْم في كِنانة هذا الأخ (المصري) -هداه اللهُ- كان مُحاولة ضَرْبنا- نحن السلفيِّين –بعضنا ببعضٍ؛ فذكر كلاماً لبعض أفاضل الشيوخ في شيخٍ فاضلٍ آخر؛ ليمرِّر طُعونَه! ويسلمَ له تمويهُه!!
      فأقول –له، ولأمثالهِ-: إنَّ مجال النُّصح والنقد مفسوح، وإنَّ بابه مفتوح؛ ولكنْ: بعلمٍ يُعليهِ، وبِحِلْمٍ يرفعُهُ؛ دونما ادِّعاءات فارغة، وشبهات جاهلة، وإقحامات باردة..
      فلا أُطيل القولَ في ردّ هذه الشبهات الهاويات، والكلمات الفارغات!!
      وأمَّا بعض المُتَّصلين –الآخرين- فقد نادَوا على أنفسهم –وللأسف- بالجهل؛ كمثل ذاك الذي ادَّعى أنَّ السلفيِّين قد يصلون إلى درجة (تنزيه ابن تيمية)!!!! فهذه دعوى يكفي نقلُها لإبطالها!
      وحاكيها: لو تأمَّلَ أي كتاب علميٍّ –لعلماء الدعوة السلفيّة- يرى بطلان دعواه، ونقض ما قد ادَّعاه..
      ومثله: ذاك الآخر –غفر الله لهما- الّذي اعترف أنه ليس له صلةٌ بالعلوم الشرعيّة؛ ثم صار يتكلَّم كالمتخصِّص بها!
      فهل هو يقبلُ أن يعتدي (جاهلٌ) على تخصُّصه الطبي –أو الهندسي- مثلاً؛ هل يقبلُ؟!
      وأخيراً –وقد أطَلْتُ –شيئاً ما-؛ أقول:

      شُكْراً للدكتور الهاشميِّ –سدّده اللهُ- حِرْصَه؛ سائلاً ربِّي –سبحانه- أن يزيدَه حرصاً، وأن يُبارك له في علمِه وحلمِه، وأن يُسدِّدَه إلى مزيد من الهدى والتوفيق..
      والله الهادي إلى سواء السبيل.


      كتبه
      علي بن حسن بن علي بن عبد الحميد
      الحلبي الأثري
      صبيحة يوم السبت
      19 شوال/1424هـ














      تعليق

      مواضيع مرتبطة

      Collapse

      جاري العمل...