من قتل الحريري؟
يتسرع السياسيون العرب في كل شيء، فبمجرد الاغتيال ذكروا أن هذه العملية المعقدة لا يقوم بها إلا جهاز دولة، وأن موكب الحريري يملك أجهزة تشويش على السيارات المفخخة، بحيث يعطل عملها، لذا فإن الفاعلين يملكون أجهزة أكثر تطورا، وهذا لا يتأتى إلا لدولة. وساعد على ذلك موقف المعارضة التي تكره السلطة الحاكمة المدعومة من سوريا، وقد أرادت هذه المعارضة استغلال الحادث لتعمل على إخراج سوريا من لبنان، فاتهمتها بتدبير الجريمة.
هذه العملية ليست معقدة، وليست بحاجة إلى تخطيط دولة، بل يمكن لمجموعة لا يزيد عدد أفرادها عن عشرة أن تقوم بها تخطيطا وتنفيذا. إن جماعة (النصرة والجهاد) أعلنت مسؤوليتها، وأظهرت الشاب الذي فجّر نفسه. هذا التفجير ليس بحاجة إلى أي جهاز اتصالات بحيث يمكن التشويش عليه، بل هي كبسة زر يقوم بها هذا التفجيري بأصبعه حين مرور الموكب.
لقد ظل كثير منا يتهم أجهزة المخابرات العالمية بتنفيذ هجوم الحادي عشر من أيلول عام 2001، إلى أن ظهر ابن لادن وأعلن مسؤوليته صراحة.. وقد ظل البعض يشكك في ذلك حتى بعد إعلانه هذا. كما سيظل البعض يشكك فيمن اغتال الحريري حتى بعد إعلان هذه المجموعة مسؤوليتها.
ولست أجزم أنه لا علاقة لأي جهاز مخابرات بهذا الحادث، بل يمكن أن تكون جهة ما قد استغلت هذه الجماعة الوهابية التكفيرية لتنفيذ هذا العمل. ولنفرض صحة هذا الاحتمال، فستبقى المشكلة قائمة: لماذا كانت هذه الجماعة أداة طيّعة في أيدي الآخرين؟ ولماذا قامت بهذا الفعل؟ فالفعل من تنفيذها وتخطيطها، سواء أكان بمساعدة من آخرين أم لم يكن.
إن هذه الجماعات صغيرة العدد، محكمة التنظيم، ولا ترتبط مع مثيلاتها في دول أخرى برباط أمني تنظيمي، بل بمجرد رباط روحي. لذا فإن أنصار تفجيريي السعودية في لبنان قد اجتهدوا فقاموا بهذا العمل نصرة لإخوانهم الذين قُتلوا هناك، ومن دون تنسيق مباشر معهم.
ولطالما حذرنا من هذه الجماعات، وحذرنا من طريقة الأنظمة في التعامل معها. وقلنا: إن الحل معها لا يكون عسكريا، بل حل فكري فقط. وقد تقوم هذه الجماعات المتشظية عن الوهابية بقتل وهابيين غير تكفيريين في مرحلة مقبلة؛ ذلك أنه ليس لديها برنامج سياسي، واجتهاداتها في هذا المجال ضحلة انفعالية غير محكمة. لذا، فكل شيء ممكن فعله عندها. وهذا ما يجهله محللونا السياسيون الذين سارعوا بتحميل دول كبيرة مسؤولية الاغتيال.
لتكن هذه العملية الإجرامية منبِّها لجميع الأنظمة الحاكمة أن لا تمارس الظلم والاضطهاد لهذه الجماعات، لأن الظلم هو الذي يأتي بالتكفير والتفجير والاغتيال والفتنة. إن القضاء على هؤلاء القتلة لا يتم إلا بالحوار والمجادلة بالحسنى، وإن الأنظمة القمعية هي المسؤول الأول عن ترعرعهم.
إن على أجهزة الأمن في العالم العربي كله أن تتابع هؤلاء، لا لقتلهم، ولا لحبسهم، ولا لمنعهم من الوظيفة، ولا لسحب جوازات سفرهم، ولا لاستدعائهم اليومي لديها لإضاعة وقتهم وزيادة إحباطهم. بل عليها متابعتهم لمحاورتهم وللإحسان إليهم، ولاستيعابهم ولتوظيفهم ولتزويجهم ولمساعدتهم في بناء مساكن لهم.
وإذا كان خريج الجامعة لا يجد مصدر رزق، والأبواب كلها مغلقة أمامه، ثم يجد من يستغل وضعه الصعب ليغذي فيه فكر القتل والتفجير، ثم لا يجد من يدحض هذه الأفكار، بل يجد من يؤيدها نظريا ويعارضها لتوقيتها فقط، أفليس من الطبيعي أن تتضاعف أعداد هؤلاء القتلة؟
ألا فلنبحث عن عوامل تفريخ هؤلاء، ولنعالجها، قبل أن يدمروا الأخضر واليابس في عملياتهم ذات الشِّعار الإحباطي: (عليَّ وعلى أعدائي).
هاني طاهر 14-2-2005