ويمكرون
منذ أن أخذ الغرب المسيحي يتفوق على الشرق الإسلامي اقتصاديًّا وسياسيًّا، بدأ ضعاف الإيمان من المسلمين في التساقط في شَرَك دَجَلِه. وقد ظل التشكيك في بعض أحكام الله تعالى قائما من خلال نـزع الآيات القرآنية من سياقها ومن المنظومة الفكرية الإسلامية الشاملة.
فتارة ينتقدون حكم ميراث المرأة، ويدعون إلى مساواتها بالرجل فيه، متناسين أن الإنفاق من واجب الرجل وحدَه، ومهملين طبيعة البنية الأسرية التي يريد الإسلام بناءها، ولا يلقون بالا لأهمية الحشمة والوقار باعتبار ذلك غاية إسلامية رئيسة.
وتارة ينتقدون الآية القرآنية الكريمة (واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن) متناسين أنها تتحدث عن خيارات متتالية تُعطى للرجل -باعتباره المسؤول الأول عن رعاية الأسرة- ليواجه امرأته الناشز، وأن الضرب التأديبي لا يجوز قبل الموعظة والهجر في المضاجع، الذي يؤدي بالغالبية العظمى من النساء إلى العودة إلى صوابهن. أي أن الضرب لا يطال إلا فئة محدودة جدا من النساء اللاتي لا يستقمن بغير ذاك. هذا الضرب لا يكون إلا خفيفا، ولا يجدر أن يستمر، بل لا بد من إرسال حكم من كلا الطرفين لحل الخلافات بين الزوجين، فإن لم ينجح فلا بد من الطلاق. إذن، تناسى هؤلاء أن الآية متعلقة بفئة محدودة جدا من النساء، وتناسوا السيرة النبوية، وكيف تعامل سيدنا محمد صَلّى اللهُ عليْه وسلَّم مع نسائه، ولم يكتف بالمعاملة الحسنة، بل حثّ على ذلك بأحاديث كثيرة، كقوله: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وكقوله (استوصوا بالنساء خيرا).
ويظل الجهلة والمنتفعون يطعنون في هذا الدين.. وسيظل البعض يسعى نحو الشهرة في إثارة مواضيع شكلية لا قيمة لها. باعتباره أولَّ من قام بكذا وكذا. ولا يبعد أن تكون المرأة التي أمَّت المسلمين البارحة في صلاة الجمعة من هذا القبيل! وإلا، فهل هذه هي المشكلة الحقيقية التي تواجه مجتمعاتنا؟ هل تظاهرت نساء مطالبات بحقهن في إلقاء خطبة الجمعة؟ هل اقتتل خطيب جمعة وامرأته على إلقاء الخطبة يوما ما؟ إذن، ما الإصلاح الذي تريد هذه المرأة تحقيقه؟
وتحتج هذه المرأة بأن القرآن لم يمنع من إمامة المرأة، وكذلك السنة، فنقول: إن الصلاة علاقة مباشرة بين العبد وربه، والخشوع واجب فيها، وهو غايتها. وهذا الخشوع لا يَتَأَتّى للرجال عندما تؤمهم امرأة. لماذا؟ لأن الله خلقهم هكذا. ولماذا خلقهم هكذا؟ فالجواب أنه لا يُسأل عما يفعل.
لن نجد آية قرآنية تنهى عن إمامة المرأة للرجال، لأن هذا أمر بدهي لم يخطر ببال أحد من السابقين، حتى من أعداء الإسلام. والبدهيات ليست بحاجة إلى نص لإيضاحها. ولم أقرأ مرة أن هذه المسألة أثيرت في التاريخ. بل لا أعرف أن امرأة تقود الصلاة عند أي دين من الأديان. ليس كرها في النساء، بل هذه هي طبيعة الصلاة التي غايتها الخشوع والتقرب إلى الله.
الآيات القرآنية كانت تتنـزل في الأمور الخلافية، سواء مع المشركين أم مع أهل الكتاب، أم بين المسلمين. أما البدهيات فالحكم فيها مضيعة للوقت. والآيات القرآنية نـزلت في الأمور المفيدة، أما الترف الفكري والتخم الفلسفية فلا قيمة لها. ومسألة إمامةُ المرأةِ الرجالَ مما اتفقت عليه فطرُ الناس التي فطرهم اللهُ عليها، فلا مبرر للنص فيها.
لو نادت هذه المرأة بوجوب إقامة مساجد خاصة بالنساء، لناقشناها ولاتفقنا معها في حالات وخالفناها في أخرى، فلا ضير من أن يكون للنساء مساجد خاصة في الأسواق المكتظة وفي الجامعات وفي المدن ذات الكثافة السكانية العالية، أو في غير ذلك من الحالات التي يمكن للناس أن يناقشوا فيها، وأن يبحثوا عن إيجابياتها وسلبياتها. فلا بأس أن تؤم امرأةٌ النساءَ في مسجدهن؛ فهذا لا يؤثر على خشوعهن. أما الاختلاط بين النساء والرجال في صف واحد، فإنه يقضي على الخشوع الذي يشترط له التركيز. وأي تركيز والنساء على يمين الرجل ويساره وأمامه؟!
لو أرادت هذه المرأة الخير لأمتها لتحدثت عن الأمراض الدينية والأخلاقية وغيرها، وما أكثرها. أما ما قامت فلا يعدو سعيًا نحو الشهرة. ولا خير فيمن يسعى نحو الشهرة من خلال إثارة مواضيع شكلية لا تسمن ولا تغني من جوع.
هاني طاهر 19-3-2005
www.hanitaher.tk[email protected]