.. الانهيـار لم يبدأ في نيسان 2003
اكاذيب وتهديدات الصحاف لم تمنع الاميركان من دخول بغداد
كيف اختفى الحرس الجمهوري وكيف ذابت مفارز الأمن والمخابرات و(الرفاق) فلم يعد لها وجود يوم 9/ 4 ؟
بعض البغداديين حين رأى توزيع الاسلحة عشية الحرب التي اسقطت النظام قبل عامين في الفراغات بين دورهم، والمدافع والدبابات والصواريخ في الاحياء السكنية ، فهموا ان "النظام الحاكم" لا يبالى بارواحهم وممتلكاتهم، فقوات التحالف سترد حتماً على هذه الاسلحة التي جعلت من الاحياء السكنية (ساحة قتال) ومن المؤكد انهم سيكونون عرضة للاصابات وستكون دورهم عرضة للتدمير، فغادر العديد منهم بغداد إلى اريافها والى بعض المحافظات التي توقعوا ان يجدوا فيها الامان.
لكنهم فوجئوا ان هذه الارياف هي الأخرى لم تخل بساتينها من اسلحة النظام وكتائب حرسه واجهزته القمعية وكذلك بقية المحافظات.
وحفر عدد كبير من (البغاددة) آباراً في حدائقهم تحسباً لانقطاع (المياه) عنهم كما حصل في (عاصفة الصحراء) وخزن الجميع مواد غذائية (كالبطاطا، والتمر) والدبس، والمعجون) وما إلى ذلك، وكانت وزارة التجارة قد وزعت (حصة البطاقة التموينية) لمدة ستة اشهر مسبقاً، وخلال أيام الحرب لم تدخل بغداد شاحنة واحدة تحمل شحنة ـ مخضرات ـ أو فواكه ـ واصبحت اسواق بغداد عموماً ـ معطلة ـ وقام أصحاب المحلات بنقل بضائعهم وسلعهم التجارية إلى بيوتهم تحسباً من تعرضها للسرقة، ونقلت بضائع الشورجة إلى دور اجرت لهذا الغرض، وفي الأيام الاخيرة قبل الانهيار ، اقفرت شوارع بغداد من سيارات الدولة والجيش والحرس والرفاق والاجهزة الامنية.
فايروسات ومنشورات مضادة
ومثلما دعا عدي صناع فايروسات الكومبيوتر لمراجعة اللجنة الاولمبية، اسقطت الطائرات الاميركية، منشورات على احياء بغداد تدعو إلى عدم التعاون مع النظام، وتدعو قادة الجيش إلى الانقياد لأوامر الجيش الاميركي الزاحف (لتحرير العراق) من نير الدكتاتور.
ومع بداية شهر نيسان، توغلت القوات الاميركية حتى مطار بغداد بعد ان تمكنت من اختراق دفاعات الحرس على طريق كربلاء ـ بغداد، واجتازت حي الفرات الملاصق للمطار باتجاه القصور الرئاسية هناك ثم طريق مطار بغداد الدولي، بينما استطاعت القوات الزاحفة على الطريق العام المار بين السيدية و البياع من جهة والدورة من الجهة الثانية، الوصول إلى الطريق السريع ـ طريق مطار بغداد الدولي ـ لتنقسم إلى قسمين احدهما اتجه لمساندة القوات الزاحفة من شمال حي الفرات إلى المطار، واتجه الاخر إلى القصر الجمهوري عبر الطريق السريع ذاته. وكانت القوات الاميركية قد نجحت فعلاً في تجاوز الحلقة الثانية من قوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية بغداد من ناحية الجنوب والجنوب الغربي، فقد دمرت (فرقة النداء) برمتها، ويومها اعلن الصحاف ان القوات الاميركية ستواجه في المطار عملاً غير تقليدي ! ولكننا لم نشاهد عملاً لا تقليدياً ولا غير تقليدي. وذكر لي شخصياً بعض العرب الذين غسلت ادمغتهم دعاوى الجهاد ـ انهم تركوا في سيارات من نوع (بيك آب) مسلحين باسلحة خفيفة، وغير مزودين باجهزة اتصال ـ على طريق المطار ـ ومن دون ماء أو غذاء، وقد انقطعت صلتهم بـ (القيادة!) وصاروا هدفاً سهلاً لطائرات الاباتشي الاميركية، ما دفعهم إلى الفرار عبر الدور السكنية إلى حيث لا يعلمون وبعض هؤلاء العرب قتلوا في اماكن عديدة من بغداد، ودفنهم المواطنون.
شهدت الأيام الثلاثة الاولى من نيسان توغلاً قوياً للدروع الاميركية باتجاه القصر الجمهوري والمجمعات الرئاسية، وصرح العميد فنسنت بروكس، قائد لواء الهندسة التابع لفرقة المشاة الاميركية، ان قواته بذلت جهوداً مستمرة منذ أكثر من اسبوع لتضمن الا يستخدم المطار من قبل صدام، أو ان يقلع منه أي من المسؤولين في نظامه فراراً من البلاد، لكن القوات الاميركية في الحقيقة فشلت في منع هؤلاء من الفرار خارج البلاد، ففرت عائلة الطاغية واعداد كبيرة من عشيرته وازلامه ورموز اجهزته القمعية.
في اليوم الرابع كان الطريق إلى القصور الرئاسية مفتوحاً، فقد ازاحت طائرات الاباتشي الدروع والموانع الاصطناعية فيه، وانهت كل فعالية لمفارز الحرس الجمهوري والحرس الخاص في محاولة لعرقلة وتاخير تقدم القوات الاميركية إلى القصر الجمهوري.
ومن الغريب ان هذا الطريق لم يزرع فيه لغم واحد... حتى اللحظات الاخيرة، ولم تفقد القوات الاميركية في تقدمها إلى القصر الجمهوري جندياً واحداً أو آلية من أي نوع.
وحتى الخامس من نيسان كانت المواجهات داخل بغداد مع القوات الاميركية مستمرة بهذه الدرجة أو تلك من القوة أو الضعف وبعد ذلك.
شهادة السفير الروسي
ونقلاً عن السفير الروسي في بغداد ـ تتارينكو ـ الذي قال في لقاء صحفي في روسيا اثر تمكنه من الخروج من بغداد خلال المعارك بـ (حين ذهبت في الخامس من نيسان إلى وزارة الخارجية ، شاهدت ارتالاً كبيرة من الحرس الجمهوري منتشرة في شوارع وساحات بغداد، وكنت اميز قوات الحرس الجمهوري ـ من اشارة المثلث الاحمر على بزاتهم وعرباتهم ودروعهم وآلياتهم، وفي السادس من نيسان حين قررت الجلاء عن بغداد، بسبب تصاعد عمليات القصف وتوجهت قافلتنا إلى الحدود فوجئت باختفاء الحرس الجمهوري من بغداد، ولم ألحظ غير مسلحي حزب البعث وبعض المتطوعين العرب، وحين وصلت الفلوجة شاهدت حشود الحرس الجمهوري والدبابات الثقيلة ومدافع غراد المضادة للجو، وذلك يعني ان الحلقة الثالثة للدفاع عن بغداد كانت قائمة في حين تلاشت الحلقتان الاولى والثانية في السادس من نيسان ـ وهذا يعني ان القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار لم تعد موجودة، وان قيادات الصف الثاني لم تعد تدري ماذا تفعل".
عنق الزجاجة
وقد يكون السفير الروسي محقاً في حديثه عن غياب القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار، لكنه نسي ان منظومة الاتصالات العسكرية قد دمرت قبل هذا اليوم، كما ان الحلقات التي كان يفترض بها حماية بغداد وهي ثلاث كما ذكر السفير، لم تدمر كلياً في جميع مناطق بغداد، فقوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية طريق واسط ـ بغداد، ومدخل بغداد الجنوبي ، دمرت تماماً، كذلك القوات المكلفة بحماية طريق بغداد ـ محافظات الفرات الجنوبية ، ومدخل بغداد الجنوبي الغربي، وبخاصة ـ عنق الزجاجة ـ الطريق المار بين الدورة والسيدية والبياع ، وعلى جانبه الايمن ـ سايلو الدورة، ومصفاها الشديد الاهمية، هذه القوات التابعة للحرس الجمهوري دمرت أيضاً، وما زالت هياكل عدد من آلياتها مركونة على جانبي الطريق، ودفن سكان المنطقة مئات الجثث لعسكريين ومدنيين عراقيين قتلوا على الطريق العام، بينما بقيت قوات من الحلقات الثلاث شمال وشرق بغداد (شبه سليمة) ، ونقول (شبه سليمة) لانها تعرضت لقصف غير مركز ـ ومن بعيد ـ ولم تخض معركة مواجهة الا مع بعض عناصر (المارينز) من القوات الخاصة التي انزلت خلف مواقعها، وكذلك الامر شمال غربي بغداد فقد بقيت الحلقة الثالثة كما اسماها السفير، أو الحلقة (أ) كما هي في الحقيقة سليمة، فهي الأخرى لم تكن قد تعرضت للهجوم بعد.
شكوك منطقية
وبالمناسبة فان رحلة السيد تتارينكو تلك ، ما زالت تثير حتى هذه اللحظة شبهات وشكوكاً منطقية، فهو يدعي انه قرر الجلاء عن بغداد بعد اشتداد القصف الاميركي عليها، ولم تكن السفارات الاجنبية والعربية موضوعة على جداول القصف الاميركي، بل ان (تربيعاتها) موجودة على كل الخرائط العسكرية لدى البنتاغون، بابلاغات رسمية من قبل هذه السفارات، قبل الحرب بزمن طويل. كما ان موكب السفير الروسي المغادر إلى سوريا تعرض في منطقة الفلوجة إلى اطلاق نار من قبل القوات الاميركية على سيارة السفير نفسه التي كانت تحمل العلم الروسي بشكل واضح واصيب سائقه، وبعد (التحقق من الهوية) غادر الموكب الروسي إلى سوريا من دون ان يقوم الاميركان بتفتيش الشاحنات الثلاث المغلقة التي كانت ضمن الموكب وفقاً لمفاهيم ـ الحصانة الدبلوماسية ـ برغم ان الارض ـ ارض قتال.
وهذه الشاحنات المجهولة المحمولة هي مثار الشك حول الرحلة وتوقيتها، فالبعض يقول انها ربما كانت تحمل ارشيف الدولة العراقية الذي يحوي العديد من اسرارها، وبخاصة ذلك الشطر المتعلق بالعلاقات والتعاون بين روسيا والاتحاد السوفيتي سابقا، والعراق في مجالات التسليح والميدان النووي وربما اسلحة الدمار الشامل، كالغازات السامة والامراض.
ومازاد من الشكوك، الرحلة التي قامت بها كونداليزارايس مستشارة الامن القومي انذاك إلى موسكو اثر مغادرة السفير الروسي بغداد، ثم عودة السفير الروسي إلى بغداد برغم ان العمليات العسكرية لم تنته بعد، ولم ينته الخطر تماماً، بل على العكس انفجر خطر اشد، هو خطر الدهماء واللصوص الذين لم يتورعوا عن مهاجمة السفارات، فاين هي الحقيقة، وما هي؟ ومتى ستكشف اسرار تلك الرحلة الغريبة؟
عروض الصحاف وظهور صدام الاخير
نعود إلى يوميات الحرب في بغداد، ففي ليلة الخامس على السادس من نيسان، قصف ملجأ كانت الاستخبارات الاميركية قد حصلت على معلومات تفيد بان صدام واركان قيادته يجتمعون فيه.
وفي هذه الليلة لم يعد هناك ما يمكن تسميته بالمقاومة الجادة والمؤثرة في بغداد، إذا احتسبنا ان بعض القوى العسكرية ما زالت متمسكة بمواقعها على اطراف بغداد وبخاصة شمالها وشرقها، وهي بوجودها فقد تمثل امكانية المقاومة.
ومع ذلك استمر الصحاف بعروضه الكلامية متوعداً، في الوقت الذي كان فيه الجنود والضباط وحتى شرطة المرور يخلون مواقعهم، بل ويستبدلون ثيابهم العسكرية بملابس مدنية ويفرون عائدين إلى بيوتهم، وقبل ان يختفي الصحاف يوم 9/ 4 ، وقد كان على موعد مع مراسلي الصحف ووكالات الانباء والفضائيات العربية والعالمية مساء ذلك اليوم، في صالة فندق الميريديان كان رئيسه يهجر بغداد فارا بعد ان ظهر في (الاعظمية) ـ مبشراً بالنصر القادم ـ ليسمع للمرة الاخيرة تصفيقاً منافقاً ويسجل آخر مشهد في معركة بغداد (للقائد المنتصر)!.
(اشسويت بينا؟!)
وقد سمعت اشاعة تقول: انه قضى ليلته تلك لدى شيوخ الاعظمية من رجال الدين، بعد ان عرف الاميركان بموقعه وهاجمته طائرات الهيلوكوبتر، وقد بحثت طويلا عن تاكيد لهذه المعلومة من دون جدوى، فقد غادر صدام المنطقة بعد لقائه السريع بسكانها بسيارة ـ اميركية من نوع شوفرليت قديمة الطراز ـ يرافقه عبد حمود، وهما يرتديان البزة العسكرية ، ومن دون مرافقين.
وفي الوقت الذي لم يصدق فيه البغداديون مشهد الدبابة الاميركية التي ربضت على مدخل جسر الجمهورية من ناحية الكرخ ـ كرادة مريم، بثت فضائيات العالم عملية اسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط فرح جماهيري، عارم ما لبث ان اجتاح بغداد كلها، وراحت الفضائيات تتنقل في انحاء بغداد وتنقل مشاعر البهجة والفرح، ولا ينسى العراقيون صورة ذلك الرجل الكبير السن وهو يضرب صورة صدام بنعله صارخاً باللهجة العامية (اشسويت بينا؟!).
وكانت هذه اول حرب في التاريخ يتم نقلها نقلاً حياً مباشراً وباغلب تفاصيلها ومن جميع الجهات، ومن على نقاط التماس الحساسة، عبر الفضائيات العربية والعالمية.
فوضى السلب والنهب
في اليوم التالي، كانت جميع اجهزة الدولة قد انتهى وجودها، بما في ذلك جهاز الشرطة وحراس الدوائر الحكومية لتتوارد الانباء المؤلمة عن عمليات السلب والنهب التي لم تنج منها دائرة رسمية ولا مستشفى ولا مبنى عام، ونهبت واحرقت المكتبة الوطنية ومكتبة الاوقاف العامة ودار الحكمة والمكتبة المركزية لجامعة بغداد ومكتبة المستنصرية ومكتبة كلية الاداب واللغات والتربية، ومركز الفنون والمتحف العراقي والمتحف الطبيعي، ونهبت القصور الرئاسية ومجمعاتها ومخازن الكمارك والمواد الغذائية والاسواق التابعة للدولة، ومن الجدير ذكره ان نظام صدام كان قد اطلق سراح أكثر من 60 الف مجرم سجين من سجن (ابو غريب) وحده، بينما اطلق العراقيون الباحثون عن ذويهم المفقودين سراح عدد كبير من السجناء في (الحاكمية) والامن العامة والفضيلية ومعسكرات فدائيي صدام وسراديبها، وسراديب اسواق 28 نيسان وامانة العاصمة والاولمبية والشعبة الخامسة التابعة للاستخبارات العسكرية في الكاظمية.
دولة الشعبة الخامسة
وبدأ مسلسل سرقة السيارات من دوائر الدولة ومنها (الشعبة الخامسة) التي اكتشفت انها مدينة كاملة متكاملة فيها مختلف الاسواق وشتى البضائع ومخازن تكاد تكفي العراق كله، ومستشفى ومستوصف متخصص بطب الاسنان، ومطار ، وشقق سكنية ، ومكتبة ضخمة وملعب كرة قدم واحواض سباحة وبيت خاص بالطيور وحانة، اضافة إلى مخازن الحواسيب المتطورة واضابير وفايلات العراقيين، وزنازين السجن وغرف التعذيب التي شاهدنا يوم 11/ 4 جدرانها ملطخة بالدماء وآلات واجهزة التعذيب المتنوعة التي استمرت تباع على ارصفة ما سمي باسواق (الحواسم)، وهي التسمية التي اطلقها صدام على معركته الاخيرة، واسواق الحواسم شملت كل ما غنمه الدهماء واللصوص من اجهزة ومعدات تعود لدوائر ومؤسسات الدولة، كما صارت الاسلحة والذخائر تباع علناً في اسواق الباب الشرقي وسوق مريدي والكاظمية والاسكان وبغداد الجديدة.
صور من النبل العراقي
وبخلاف هذه الصورة برزت صور النبل العراقي، فقد اشترى احد أصحاب الفنادق عدداً من اللقى والتحف الاثارية الخاصة بالمتحف العراقي واعادها اليه، كما اعاد عدد من العراقيين كتباً ومخطوطات احتفظوا بها امانة لئلا تسرق، كذلك المواطن الذي ملأ شاحنتين بكتب المكتبة الوطنية واعادها بعد هدوء الاوضاع، وكذلك حصل مع مكتبة كلية الاداب، وغيرها من عشرات الالاف من القصص التي لم يسجلها احد للأسف.
وهناك صورة الطبيبة التي اجرت عملية جراحية لاحد المصابين على رصيف الطريق العام في البياع بعد ان تعذر نقله الى المستشفى، وكانت المستشفيات قد فقدت ابسط مقوماتها، فقد انتزعت حتى ابوابها وشبابيكها.
وهناك صور التضامن بين العوائل العراقية وابناء الحي الواحد في تنظيم جداول حراسة الحي بين ابنائه وتقاسم اوقات هذه الحراسة واعداد وجبات الطعام لهؤلاء الحراس.
حين ظهرت الجرائم موثقة
وبعد ان قلبت صفحة (اقتلاع صدام) وانهار النظام وفعل الدهماء واللصوص والذين ارادوا اخفاء اثار جرائمهم ما فعلوا بدوائر الدولة وارشيفها ، الذي تمكن بعض المواطنين من انقاذ قسم منه، بدأنا نكتشف الكثير من جرائم النظام البائد عدداً ونوعية، فقد تمكنت جمعية السجناء الاحرار، من انقاذ الاف الملفات ، التي كشفت مصير السجناء والمفقودين العراقيين الذين اختطفتهم اجهزة القمع الصدامية من بيوتهم ومن اماكن عملهم واعدمتهم بوسائل بشعة ومرعبة، كما كشفت اسماء المجرمين من اعضاء هذه الاجهزة وانتشرت في عموم العراق اقراص الـ (CD) التي كانوا يتسلون بتصويرها لانفسهم وهم يرتكبون جرائمهم وفضائعهم، قتلاً وتعذيباً وانتهاك اعراض وتهتكاً خلقياً، نساءاً ورجالاً، وكذلك تمكن بعض المواطنين من انقاذ عدد من وثائق جهاز المخابرات والامن العامة والاستخبارات العسكرية، وتحتفظ الرابطة العالمية الانسانية للسجناء الاحرار بخزانة تحوي الاف الملفات التي تحكي جرائم النظام البائد، ولا تستغرب إذا قرأت في بعضها حكم النظام على احد المواطنين بالاعدام 30 مرة، ولا ادري، ان كانوا يقتلونه ثم يعيدونه إلى الحياة ليقتلوه حتى ثلاثين مرة ام ان هناك سبيلاً اخر لا نعرفه؟
نموذج من محكمة صدامية
وأحد الملفات يعود إلى مواطن صابئي مندائي من سكان ميسان يصرخ باعلى صوته في "المحكمة الصورية" أنا صابئي مندائي، لكن الحاكم الصدامي يحكم عليه بانه من اعضاء حزب الدعوة ويحكمه بالاعدام وينفذ الحكم فيه، والكثير من اشباه هذه المهازل، وصولا إلى المقابر الجماعية التي اكثرت وسائل الاعلام الحديث عنها ولا ارى اننا نضيف لهذا الحديث جديداً، سوى ان العراقيين ما زالوا حتى هذه اللحظة يكتشفون المزيد منها، فقد اكتشفوا قبل أيام قليلة مقبرة تضم رفات 81 شهيداً في كركوك.
احاديث الخيانة
بعد سقوط النظام، ظهرت بعض المعلومات والاشاعات التي تفيد بوقوع خيانة بين جنرالات الجيش والحرس الجمهوري، بتواطؤ مع الاميركان، ومن ذلك ما نشرته صحيفة الاندبندنت اللندنية نقلاً عن احد القادة الاميركان، عن رشوة تم دفعها لجنرالات من الحرس الجمهوري للامتناع عن قتال الاميركان وتسليم بغداد، ورشحت الاشاعات اسماء سفيان التكريتي وماهر التكريتي وطاهر جليل الحبوش مدير المخابرات، وطارق عزيز، وسلطان هاشم، وبالمناسبة فان طارق عزيز الذي يتباكى عليه بعضهم في "الغرب" ويصفونه بالاعتدال هو الذي صرح قبل الحرب (سنقاتلهم بسكاكين المطبخ من بيت إلى بيت، هم وكل من يريد ازاحتنا)!.
وليس هناك في الحقيقة من خيانة، وحتى ان وجدت فهي لا تعني شيئا، فالنظام كان في طريقه إلى الزوال الحتمي، ليس بسبب عدم تكافؤ القوى بينه وبين قوات التحالف ، وانما لان العراقيين زال عنهم حاجز الخوف وادركوا ان هذه هي فرصتهم في اسقاطه وانتقل مؤشر الخوف من جغرافية المواطن العراقي إلى نفوس ازلام النظام ورموزه الذين فروا أي مفر... ولولا التحذيرات التي اصدرتها المراجع الدينية والتحريم الذي اكدته على عمليات الثأر، لجرت الدماء انهارا، ولما تجرأ احد منهم على مغادرة الجحر الذي فر اليه.
لا اسرار في الحواسم
وبرغم كثرة الاسئلة التي يطرحها العالم عامة والعراقيون خاصة حول اسرار (الحواسم) ، فان ثمة سؤالاً مهماً وان لم يكن الاكثر اهمية من بين هذه الاسئلة، هو لماذا لم تشترك القوة الجوية العراقية في القتال؟!
والجواب بسيط، فصدام يدرك ان طائراته العسكرية الحربية متخلفة جداً عن طائرات القوة الجوية الاميركية، ويقول بعض الطيارين العراقيين ان احدث طائرة عراقية، كان الطيار الاميركي يكشفها باجهزته وهي على المدرج ومن مسافة بعيدة ويطلق عليها ويدمرها، قبل ان تكتشف هي وجوده في الجو، ان طائراتنا صارت متخصصة في الهجوم الداخلي ومكافحة الشعب، وبمعنى ادق انها لمواجهة العراقيين وليس لمواجهة سواهم، كما انها تفتقر لقطع الغيار والصيانة وقد حققت ساعات طيران عديدة وان لها ان تتقاعد، وبما ان صدام يحتاجها للقمع الداخلي، فقد ارسلها إلى ايران أو دفنها، في رمال تكريت ومدن وصحارى المنطقة الغربية، كما كشف عن ذلك الاميركان.
التفصيخ ... مصير السمتيات!
اما الطائرات السمتيات المختلفات الاستخدام، فسنضرب نموذجاً عن بعضها، حيث اخرجها صدام من قاعدة البكر الجوية وقام باخفائها في بساتين الطارمية والضلوعية، وبعد سقوط النظام، هجم عليها اللصوص واصحاب الخبرة في (التفصيخ) ونقلوا اجهزتها إلى (ارصفة اسواق الحواسم) وصهروا معدنها ليستخرجوا الفافون ويصنعوا منه سبائك بيعت عن طريق الشمال لكل من تركيا وايران بثمن بخس، فاهدرت ثروة وطنية تقدر بمليارات الدولارات، وكان صدام حين اخفى هذه الطائرات، يعتقد بل كان متيقناً انه سيبقى في الحكم وانه سيعود إلى استخدامها فيما بعد، لقمع من يحاول التمرد عليه بل وحتى التفكير في ذلك، ومن يشك في ولائهم.
بعد التاسع من نيسان ودخول القوات الاميركية بغداد، توجهت هذه القوات إلى المدن والمحافظات الأخرى، الرمادي وديالى وتكريت والموصل، والتي توقع المحللون ان يكون الحرس الجمهوري قد انسحب اليها ليخوض معاركه الاخيرة هناك، ذلك ان صمود مدينة صغيرة مثل (ام قصر) أكثر من اسبوعين وعدم استسلامها وضع انهيار بغداد المفاجئ موضع التساؤل المحير، وجد هؤلاء المحللون حلاً له في انسحاب الحرس الجمهوري إلى الشمال ليبعد الجيش الاميركي عن خطوط تموينه الممتدة إلى الكويت، من دون ان يدركوا ان الجيش والحرس الجمهوري وبقية اجهزة النظام قد تبخروا جميعاً ولم يعد على الارض سوى المدنيين، وهكذا سلمت تكريت مفاتيحها للاميركان حتى لا تتعرض للتدمير ووقع سكانها معهم اتفاقية بهذا الشأن وكذلك فعلت الفلوجة والرمادي وبعقوبة والموصل!!
ودخل الاميركان هذه المدن سلماً.
اكاذيب وتهديدات الصحاف لم تمنع الاميركان من دخول بغداد
كيف اختفى الحرس الجمهوري وكيف ذابت مفارز الأمن والمخابرات و(الرفاق) فلم يعد لها وجود يوم 9/ 4 ؟
بعض البغداديين حين رأى توزيع الاسلحة عشية الحرب التي اسقطت النظام قبل عامين في الفراغات بين دورهم، والمدافع والدبابات والصواريخ في الاحياء السكنية ، فهموا ان "النظام الحاكم" لا يبالى بارواحهم وممتلكاتهم، فقوات التحالف سترد حتماً على هذه الاسلحة التي جعلت من الاحياء السكنية (ساحة قتال) ومن المؤكد انهم سيكونون عرضة للاصابات وستكون دورهم عرضة للتدمير، فغادر العديد منهم بغداد إلى اريافها والى بعض المحافظات التي توقعوا ان يجدوا فيها الامان.
لكنهم فوجئوا ان هذه الارياف هي الأخرى لم تخل بساتينها من اسلحة النظام وكتائب حرسه واجهزته القمعية وكذلك بقية المحافظات.
وحفر عدد كبير من (البغاددة) آباراً في حدائقهم تحسباً لانقطاع (المياه) عنهم كما حصل في (عاصفة الصحراء) وخزن الجميع مواد غذائية (كالبطاطا، والتمر) والدبس، والمعجون) وما إلى ذلك، وكانت وزارة التجارة قد وزعت (حصة البطاقة التموينية) لمدة ستة اشهر مسبقاً، وخلال أيام الحرب لم تدخل بغداد شاحنة واحدة تحمل شحنة ـ مخضرات ـ أو فواكه ـ واصبحت اسواق بغداد عموماً ـ معطلة ـ وقام أصحاب المحلات بنقل بضائعهم وسلعهم التجارية إلى بيوتهم تحسباً من تعرضها للسرقة، ونقلت بضائع الشورجة إلى دور اجرت لهذا الغرض، وفي الأيام الاخيرة قبل الانهيار ، اقفرت شوارع بغداد من سيارات الدولة والجيش والحرس والرفاق والاجهزة الامنية.
فايروسات ومنشورات مضادة
ومثلما دعا عدي صناع فايروسات الكومبيوتر لمراجعة اللجنة الاولمبية، اسقطت الطائرات الاميركية، منشورات على احياء بغداد تدعو إلى عدم التعاون مع النظام، وتدعو قادة الجيش إلى الانقياد لأوامر الجيش الاميركي الزاحف (لتحرير العراق) من نير الدكتاتور.
ومع بداية شهر نيسان، توغلت القوات الاميركية حتى مطار بغداد بعد ان تمكنت من اختراق دفاعات الحرس على طريق كربلاء ـ بغداد، واجتازت حي الفرات الملاصق للمطار باتجاه القصور الرئاسية هناك ثم طريق مطار بغداد الدولي، بينما استطاعت القوات الزاحفة على الطريق العام المار بين السيدية و البياع من جهة والدورة من الجهة الثانية، الوصول إلى الطريق السريع ـ طريق مطار بغداد الدولي ـ لتنقسم إلى قسمين احدهما اتجه لمساندة القوات الزاحفة من شمال حي الفرات إلى المطار، واتجه الاخر إلى القصر الجمهوري عبر الطريق السريع ذاته. وكانت القوات الاميركية قد نجحت فعلاً في تجاوز الحلقة الثانية من قوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية بغداد من ناحية الجنوب والجنوب الغربي، فقد دمرت (فرقة النداء) برمتها، ويومها اعلن الصحاف ان القوات الاميركية ستواجه في المطار عملاً غير تقليدي ! ولكننا لم نشاهد عملاً لا تقليدياً ولا غير تقليدي. وذكر لي شخصياً بعض العرب الذين غسلت ادمغتهم دعاوى الجهاد ـ انهم تركوا في سيارات من نوع (بيك آب) مسلحين باسلحة خفيفة، وغير مزودين باجهزة اتصال ـ على طريق المطار ـ ومن دون ماء أو غذاء، وقد انقطعت صلتهم بـ (القيادة!) وصاروا هدفاً سهلاً لطائرات الاباتشي الاميركية، ما دفعهم إلى الفرار عبر الدور السكنية إلى حيث لا يعلمون وبعض هؤلاء العرب قتلوا في اماكن عديدة من بغداد، ودفنهم المواطنون.
شهدت الأيام الثلاثة الاولى من نيسان توغلاً قوياً للدروع الاميركية باتجاه القصر الجمهوري والمجمعات الرئاسية، وصرح العميد فنسنت بروكس، قائد لواء الهندسة التابع لفرقة المشاة الاميركية، ان قواته بذلت جهوداً مستمرة منذ أكثر من اسبوع لتضمن الا يستخدم المطار من قبل صدام، أو ان يقلع منه أي من المسؤولين في نظامه فراراً من البلاد، لكن القوات الاميركية في الحقيقة فشلت في منع هؤلاء من الفرار خارج البلاد، ففرت عائلة الطاغية واعداد كبيرة من عشيرته وازلامه ورموز اجهزته القمعية.
في اليوم الرابع كان الطريق إلى القصور الرئاسية مفتوحاً، فقد ازاحت طائرات الاباتشي الدروع والموانع الاصطناعية فيه، وانهت كل فعالية لمفارز الحرس الجمهوري والحرس الخاص في محاولة لعرقلة وتاخير تقدم القوات الاميركية إلى القصر الجمهوري.
ومن الغريب ان هذا الطريق لم يزرع فيه لغم واحد... حتى اللحظات الاخيرة، ولم تفقد القوات الاميركية في تقدمها إلى القصر الجمهوري جندياً واحداً أو آلية من أي نوع.
وحتى الخامس من نيسان كانت المواجهات داخل بغداد مع القوات الاميركية مستمرة بهذه الدرجة أو تلك من القوة أو الضعف وبعد ذلك.
شهادة السفير الروسي
ونقلاً عن السفير الروسي في بغداد ـ تتارينكو ـ الذي قال في لقاء صحفي في روسيا اثر تمكنه من الخروج من بغداد خلال المعارك بـ (حين ذهبت في الخامس من نيسان إلى وزارة الخارجية ، شاهدت ارتالاً كبيرة من الحرس الجمهوري منتشرة في شوارع وساحات بغداد، وكنت اميز قوات الحرس الجمهوري ـ من اشارة المثلث الاحمر على بزاتهم وعرباتهم ودروعهم وآلياتهم، وفي السادس من نيسان حين قررت الجلاء عن بغداد، بسبب تصاعد عمليات القصف وتوجهت قافلتنا إلى الحدود فوجئت باختفاء الحرس الجمهوري من بغداد، ولم ألحظ غير مسلحي حزب البعث وبعض المتطوعين العرب، وحين وصلت الفلوجة شاهدت حشود الحرس الجمهوري والدبابات الثقيلة ومدافع غراد المضادة للجو، وذلك يعني ان الحلقة الثالثة للدفاع عن بغداد كانت قائمة في حين تلاشت الحلقتان الاولى والثانية في السادس من نيسان ـ وهذا يعني ان القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار لم تعد موجودة، وان قيادات الصف الثاني لم تعد تدري ماذا تفعل".
عنق الزجاجة
وقد يكون السفير الروسي محقاً في حديثه عن غياب القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار، لكنه نسي ان منظومة الاتصالات العسكرية قد دمرت قبل هذا اليوم، كما ان الحلقات التي كان يفترض بها حماية بغداد وهي ثلاث كما ذكر السفير، لم تدمر كلياً في جميع مناطق بغداد، فقوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية طريق واسط ـ بغداد، ومدخل بغداد الجنوبي ، دمرت تماماً، كذلك القوات المكلفة بحماية طريق بغداد ـ محافظات الفرات الجنوبية ، ومدخل بغداد الجنوبي الغربي، وبخاصة ـ عنق الزجاجة ـ الطريق المار بين الدورة والسيدية والبياع ، وعلى جانبه الايمن ـ سايلو الدورة، ومصفاها الشديد الاهمية، هذه القوات التابعة للحرس الجمهوري دمرت أيضاً، وما زالت هياكل عدد من آلياتها مركونة على جانبي الطريق، ودفن سكان المنطقة مئات الجثث لعسكريين ومدنيين عراقيين قتلوا على الطريق العام، بينما بقيت قوات من الحلقات الثلاث شمال وشرق بغداد (شبه سليمة) ، ونقول (شبه سليمة) لانها تعرضت لقصف غير مركز ـ ومن بعيد ـ ولم تخض معركة مواجهة الا مع بعض عناصر (المارينز) من القوات الخاصة التي انزلت خلف مواقعها، وكذلك الامر شمال غربي بغداد فقد بقيت الحلقة الثالثة كما اسماها السفير، أو الحلقة (أ) كما هي في الحقيقة سليمة، فهي الأخرى لم تكن قد تعرضت للهجوم بعد.
شكوك منطقية
وبالمناسبة فان رحلة السيد تتارينكو تلك ، ما زالت تثير حتى هذه اللحظة شبهات وشكوكاً منطقية، فهو يدعي انه قرر الجلاء عن بغداد بعد اشتداد القصف الاميركي عليها، ولم تكن السفارات الاجنبية والعربية موضوعة على جداول القصف الاميركي، بل ان (تربيعاتها) موجودة على كل الخرائط العسكرية لدى البنتاغون، بابلاغات رسمية من قبل هذه السفارات، قبل الحرب بزمن طويل. كما ان موكب السفير الروسي المغادر إلى سوريا تعرض في منطقة الفلوجة إلى اطلاق نار من قبل القوات الاميركية على سيارة السفير نفسه التي كانت تحمل العلم الروسي بشكل واضح واصيب سائقه، وبعد (التحقق من الهوية) غادر الموكب الروسي إلى سوريا من دون ان يقوم الاميركان بتفتيش الشاحنات الثلاث المغلقة التي كانت ضمن الموكب وفقاً لمفاهيم ـ الحصانة الدبلوماسية ـ برغم ان الارض ـ ارض قتال.
وهذه الشاحنات المجهولة المحمولة هي مثار الشك حول الرحلة وتوقيتها، فالبعض يقول انها ربما كانت تحمل ارشيف الدولة العراقية الذي يحوي العديد من اسرارها، وبخاصة ذلك الشطر المتعلق بالعلاقات والتعاون بين روسيا والاتحاد السوفيتي سابقا، والعراق في مجالات التسليح والميدان النووي وربما اسلحة الدمار الشامل، كالغازات السامة والامراض.
ومازاد من الشكوك، الرحلة التي قامت بها كونداليزارايس مستشارة الامن القومي انذاك إلى موسكو اثر مغادرة السفير الروسي بغداد، ثم عودة السفير الروسي إلى بغداد برغم ان العمليات العسكرية لم تنته بعد، ولم ينته الخطر تماماً، بل على العكس انفجر خطر اشد، هو خطر الدهماء واللصوص الذين لم يتورعوا عن مهاجمة السفارات، فاين هي الحقيقة، وما هي؟ ومتى ستكشف اسرار تلك الرحلة الغريبة؟
عروض الصحاف وظهور صدام الاخير
نعود إلى يوميات الحرب في بغداد، ففي ليلة الخامس على السادس من نيسان، قصف ملجأ كانت الاستخبارات الاميركية قد حصلت على معلومات تفيد بان صدام واركان قيادته يجتمعون فيه.
وفي هذه الليلة لم يعد هناك ما يمكن تسميته بالمقاومة الجادة والمؤثرة في بغداد، إذا احتسبنا ان بعض القوى العسكرية ما زالت متمسكة بمواقعها على اطراف بغداد وبخاصة شمالها وشرقها، وهي بوجودها فقد تمثل امكانية المقاومة.
ومع ذلك استمر الصحاف بعروضه الكلامية متوعداً، في الوقت الذي كان فيه الجنود والضباط وحتى شرطة المرور يخلون مواقعهم، بل ويستبدلون ثيابهم العسكرية بملابس مدنية ويفرون عائدين إلى بيوتهم، وقبل ان يختفي الصحاف يوم 9/ 4 ، وقد كان على موعد مع مراسلي الصحف ووكالات الانباء والفضائيات العربية والعالمية مساء ذلك اليوم، في صالة فندق الميريديان كان رئيسه يهجر بغداد فارا بعد ان ظهر في (الاعظمية) ـ مبشراً بالنصر القادم ـ ليسمع للمرة الاخيرة تصفيقاً منافقاً ويسجل آخر مشهد في معركة بغداد (للقائد المنتصر)!.
(اشسويت بينا؟!)
وقد سمعت اشاعة تقول: انه قضى ليلته تلك لدى شيوخ الاعظمية من رجال الدين، بعد ان عرف الاميركان بموقعه وهاجمته طائرات الهيلوكوبتر، وقد بحثت طويلا عن تاكيد لهذه المعلومة من دون جدوى، فقد غادر صدام المنطقة بعد لقائه السريع بسكانها بسيارة ـ اميركية من نوع شوفرليت قديمة الطراز ـ يرافقه عبد حمود، وهما يرتديان البزة العسكرية ، ومن دون مرافقين.
وفي الوقت الذي لم يصدق فيه البغداديون مشهد الدبابة الاميركية التي ربضت على مدخل جسر الجمهورية من ناحية الكرخ ـ كرادة مريم، بثت فضائيات العالم عملية اسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط فرح جماهيري، عارم ما لبث ان اجتاح بغداد كلها، وراحت الفضائيات تتنقل في انحاء بغداد وتنقل مشاعر البهجة والفرح، ولا ينسى العراقيون صورة ذلك الرجل الكبير السن وهو يضرب صورة صدام بنعله صارخاً باللهجة العامية (اشسويت بينا؟!).
وكانت هذه اول حرب في التاريخ يتم نقلها نقلاً حياً مباشراً وباغلب تفاصيلها ومن جميع الجهات، ومن على نقاط التماس الحساسة، عبر الفضائيات العربية والعالمية.
فوضى السلب والنهب
في اليوم التالي، كانت جميع اجهزة الدولة قد انتهى وجودها، بما في ذلك جهاز الشرطة وحراس الدوائر الحكومية لتتوارد الانباء المؤلمة عن عمليات السلب والنهب التي لم تنج منها دائرة رسمية ولا مستشفى ولا مبنى عام، ونهبت واحرقت المكتبة الوطنية ومكتبة الاوقاف العامة ودار الحكمة والمكتبة المركزية لجامعة بغداد ومكتبة المستنصرية ومكتبة كلية الاداب واللغات والتربية، ومركز الفنون والمتحف العراقي والمتحف الطبيعي، ونهبت القصور الرئاسية ومجمعاتها ومخازن الكمارك والمواد الغذائية والاسواق التابعة للدولة، ومن الجدير ذكره ان نظام صدام كان قد اطلق سراح أكثر من 60 الف مجرم سجين من سجن (ابو غريب) وحده، بينما اطلق العراقيون الباحثون عن ذويهم المفقودين سراح عدد كبير من السجناء في (الحاكمية) والامن العامة والفضيلية ومعسكرات فدائيي صدام وسراديبها، وسراديب اسواق 28 نيسان وامانة العاصمة والاولمبية والشعبة الخامسة التابعة للاستخبارات العسكرية في الكاظمية.
دولة الشعبة الخامسة
وبدأ مسلسل سرقة السيارات من دوائر الدولة ومنها (الشعبة الخامسة) التي اكتشفت انها مدينة كاملة متكاملة فيها مختلف الاسواق وشتى البضائع ومخازن تكاد تكفي العراق كله، ومستشفى ومستوصف متخصص بطب الاسنان، ومطار ، وشقق سكنية ، ومكتبة ضخمة وملعب كرة قدم واحواض سباحة وبيت خاص بالطيور وحانة، اضافة إلى مخازن الحواسيب المتطورة واضابير وفايلات العراقيين، وزنازين السجن وغرف التعذيب التي شاهدنا يوم 11/ 4 جدرانها ملطخة بالدماء وآلات واجهزة التعذيب المتنوعة التي استمرت تباع على ارصفة ما سمي باسواق (الحواسم)، وهي التسمية التي اطلقها صدام على معركته الاخيرة، واسواق الحواسم شملت كل ما غنمه الدهماء واللصوص من اجهزة ومعدات تعود لدوائر ومؤسسات الدولة، كما صارت الاسلحة والذخائر تباع علناً في اسواق الباب الشرقي وسوق مريدي والكاظمية والاسكان وبغداد الجديدة.
صور من النبل العراقي
وبخلاف هذه الصورة برزت صور النبل العراقي، فقد اشترى احد أصحاب الفنادق عدداً من اللقى والتحف الاثارية الخاصة بالمتحف العراقي واعادها اليه، كما اعاد عدد من العراقيين كتباً ومخطوطات احتفظوا بها امانة لئلا تسرق، كذلك المواطن الذي ملأ شاحنتين بكتب المكتبة الوطنية واعادها بعد هدوء الاوضاع، وكذلك حصل مع مكتبة كلية الاداب، وغيرها من عشرات الالاف من القصص التي لم يسجلها احد للأسف.
وهناك صورة الطبيبة التي اجرت عملية جراحية لاحد المصابين على رصيف الطريق العام في البياع بعد ان تعذر نقله الى المستشفى، وكانت المستشفيات قد فقدت ابسط مقوماتها، فقد انتزعت حتى ابوابها وشبابيكها.
وهناك صور التضامن بين العوائل العراقية وابناء الحي الواحد في تنظيم جداول حراسة الحي بين ابنائه وتقاسم اوقات هذه الحراسة واعداد وجبات الطعام لهؤلاء الحراس.
حين ظهرت الجرائم موثقة
وبعد ان قلبت صفحة (اقتلاع صدام) وانهار النظام وفعل الدهماء واللصوص والذين ارادوا اخفاء اثار جرائمهم ما فعلوا بدوائر الدولة وارشيفها ، الذي تمكن بعض المواطنين من انقاذ قسم منه، بدأنا نكتشف الكثير من جرائم النظام البائد عدداً ونوعية، فقد تمكنت جمعية السجناء الاحرار، من انقاذ الاف الملفات ، التي كشفت مصير السجناء والمفقودين العراقيين الذين اختطفتهم اجهزة القمع الصدامية من بيوتهم ومن اماكن عملهم واعدمتهم بوسائل بشعة ومرعبة، كما كشفت اسماء المجرمين من اعضاء هذه الاجهزة وانتشرت في عموم العراق اقراص الـ (CD) التي كانوا يتسلون بتصويرها لانفسهم وهم يرتكبون جرائمهم وفضائعهم، قتلاً وتعذيباً وانتهاك اعراض وتهتكاً خلقياً، نساءاً ورجالاً، وكذلك تمكن بعض المواطنين من انقاذ عدد من وثائق جهاز المخابرات والامن العامة والاستخبارات العسكرية، وتحتفظ الرابطة العالمية الانسانية للسجناء الاحرار بخزانة تحوي الاف الملفات التي تحكي جرائم النظام البائد، ولا تستغرب إذا قرأت في بعضها حكم النظام على احد المواطنين بالاعدام 30 مرة، ولا ادري، ان كانوا يقتلونه ثم يعيدونه إلى الحياة ليقتلوه حتى ثلاثين مرة ام ان هناك سبيلاً اخر لا نعرفه؟
نموذج من محكمة صدامية
وأحد الملفات يعود إلى مواطن صابئي مندائي من سكان ميسان يصرخ باعلى صوته في "المحكمة الصورية" أنا صابئي مندائي، لكن الحاكم الصدامي يحكم عليه بانه من اعضاء حزب الدعوة ويحكمه بالاعدام وينفذ الحكم فيه، والكثير من اشباه هذه المهازل، وصولا إلى المقابر الجماعية التي اكثرت وسائل الاعلام الحديث عنها ولا ارى اننا نضيف لهذا الحديث جديداً، سوى ان العراقيين ما زالوا حتى هذه اللحظة يكتشفون المزيد منها، فقد اكتشفوا قبل أيام قليلة مقبرة تضم رفات 81 شهيداً في كركوك.
احاديث الخيانة
بعد سقوط النظام، ظهرت بعض المعلومات والاشاعات التي تفيد بوقوع خيانة بين جنرالات الجيش والحرس الجمهوري، بتواطؤ مع الاميركان، ومن ذلك ما نشرته صحيفة الاندبندنت اللندنية نقلاً عن احد القادة الاميركان، عن رشوة تم دفعها لجنرالات من الحرس الجمهوري للامتناع عن قتال الاميركان وتسليم بغداد، ورشحت الاشاعات اسماء سفيان التكريتي وماهر التكريتي وطاهر جليل الحبوش مدير المخابرات، وطارق عزيز، وسلطان هاشم، وبالمناسبة فان طارق عزيز الذي يتباكى عليه بعضهم في "الغرب" ويصفونه بالاعتدال هو الذي صرح قبل الحرب (سنقاتلهم بسكاكين المطبخ من بيت إلى بيت، هم وكل من يريد ازاحتنا)!.
وليس هناك في الحقيقة من خيانة، وحتى ان وجدت فهي لا تعني شيئا، فالنظام كان في طريقه إلى الزوال الحتمي، ليس بسبب عدم تكافؤ القوى بينه وبين قوات التحالف ، وانما لان العراقيين زال عنهم حاجز الخوف وادركوا ان هذه هي فرصتهم في اسقاطه وانتقل مؤشر الخوف من جغرافية المواطن العراقي إلى نفوس ازلام النظام ورموزه الذين فروا أي مفر... ولولا التحذيرات التي اصدرتها المراجع الدينية والتحريم الذي اكدته على عمليات الثأر، لجرت الدماء انهارا، ولما تجرأ احد منهم على مغادرة الجحر الذي فر اليه.
لا اسرار في الحواسم
وبرغم كثرة الاسئلة التي يطرحها العالم عامة والعراقيون خاصة حول اسرار (الحواسم) ، فان ثمة سؤالاً مهماً وان لم يكن الاكثر اهمية من بين هذه الاسئلة، هو لماذا لم تشترك القوة الجوية العراقية في القتال؟!
والجواب بسيط، فصدام يدرك ان طائراته العسكرية الحربية متخلفة جداً عن طائرات القوة الجوية الاميركية، ويقول بعض الطيارين العراقيين ان احدث طائرة عراقية، كان الطيار الاميركي يكشفها باجهزته وهي على المدرج ومن مسافة بعيدة ويطلق عليها ويدمرها، قبل ان تكتشف هي وجوده في الجو، ان طائراتنا صارت متخصصة في الهجوم الداخلي ومكافحة الشعب، وبمعنى ادق انها لمواجهة العراقيين وليس لمواجهة سواهم، كما انها تفتقر لقطع الغيار والصيانة وقد حققت ساعات طيران عديدة وان لها ان تتقاعد، وبما ان صدام يحتاجها للقمع الداخلي، فقد ارسلها إلى ايران أو دفنها، في رمال تكريت ومدن وصحارى المنطقة الغربية، كما كشف عن ذلك الاميركان.
التفصيخ ... مصير السمتيات!
اما الطائرات السمتيات المختلفات الاستخدام، فسنضرب نموذجاً عن بعضها، حيث اخرجها صدام من قاعدة البكر الجوية وقام باخفائها في بساتين الطارمية والضلوعية، وبعد سقوط النظام، هجم عليها اللصوص واصحاب الخبرة في (التفصيخ) ونقلوا اجهزتها إلى (ارصفة اسواق الحواسم) وصهروا معدنها ليستخرجوا الفافون ويصنعوا منه سبائك بيعت عن طريق الشمال لكل من تركيا وايران بثمن بخس، فاهدرت ثروة وطنية تقدر بمليارات الدولارات، وكان صدام حين اخفى هذه الطائرات، يعتقد بل كان متيقناً انه سيبقى في الحكم وانه سيعود إلى استخدامها فيما بعد، لقمع من يحاول التمرد عليه بل وحتى التفكير في ذلك، ومن يشك في ولائهم.
بعد التاسع من نيسان ودخول القوات الاميركية بغداد، توجهت هذه القوات إلى المدن والمحافظات الأخرى، الرمادي وديالى وتكريت والموصل، والتي توقع المحللون ان يكون الحرس الجمهوري قد انسحب اليها ليخوض معاركه الاخيرة هناك، ذلك ان صمود مدينة صغيرة مثل (ام قصر) أكثر من اسبوعين وعدم استسلامها وضع انهيار بغداد المفاجئ موضع التساؤل المحير، وجد هؤلاء المحللون حلاً له في انسحاب الحرس الجمهوري إلى الشمال ليبعد الجيش الاميركي عن خطوط تموينه الممتدة إلى الكويت، من دون ان يدركوا ان الجيش والحرس الجمهوري وبقية اجهزة النظام قد تبخروا جميعاً ولم يعد على الارض سوى المدنيين، وهكذا سلمت تكريت مفاتيحها للاميركان حتى لا تتعرض للتدمير ووقع سكانها معهم اتفاقية بهذا الشأن وكذلك فعلت الفلوجة والرمادي وبعقوبة والموصل!!
ودخل الاميركان هذه المدن سلماً.

تعليق