سنتان مرتا على الحرب التي حسمت أمر النظام

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • نعم بغداد
    عضو فعال

    • Dec 2004
    • 222

    #1

    سنتان مرتا على الحرب التي حسمت أمر النظام

    .. الانهيـار لم يبدأ في نيسان 2003


    اكاذيب وتهديدات الصحاف لم تمنع الاميركان من دخول بغداد

    كيف اختفى الحرس الجمهوري وكيف ذابت مفارز الأمن والمخابرات و(الرفاق) فلم يعد لها وجود يوم 9/ 4 ؟




    بعض البغداديين حين رأى توزيع الاسلحة عشية الحرب التي اسقطت النظام قبل عامين في الفراغات بين دورهم، والمدافع والدبابات والصواريخ في الاحياء السكنية ، فهموا ان "النظام الحاكم" لا يبالى بارواحهم وممتلكاتهم، فقوات التحالف سترد حتماً على هذه الاسلحة التي جعلت من الاحياء السكنية (ساحة قتال) ومن المؤكد انهم سيكونون عرضة للاصابات وستكون دورهم عرضة للتدمير، فغادر العديد منهم بغداد إلى اريافها والى بعض المحافظات التي توقعوا ان يجدوا فيها الامان.
    لكنهم فوجئوا ان هذه الارياف هي الأخرى لم تخل بساتينها من اسلحة النظام وكتائب حرسه واجهزته القمعية وكذلك بقية المحافظات.

    وحفر عدد كبير من (البغاددة) آباراً في حدائقهم تحسباً لانقطاع (المياه) عنهم كما حصل في (عاصفة الصحراء) وخزن الجميع مواد غذائية (كالبطاطا، والتمر) والدبس، والمعجون) وما إلى ذلك، وكانت وزارة التجارة قد وزعت (حصة البطاقة التموينية) لمدة ستة اشهر مسبقاً، وخلال أيام الحرب لم تدخل بغداد شاحنة واحدة تحمل شحنة ـ مخضرات ـ أو فواكه ـ واصبحت اسواق بغداد عموماً ـ معطلة ـ وقام أصحاب المحلات بنقل بضائعهم وسلعهم التجارية إلى بيوتهم تحسباً من تعرضها للسرقة، ونقلت بضائع الشورجة إلى دور اجرت لهذا الغرض، وفي الأيام الاخيرة قبل الانهيار ، اقفرت شوارع بغداد من سيارات الدولة والجيش والحرس والرفاق والاجهزة الامنية.
    فايروسات ومنشورات مضادة
    ومثلما دعا عدي صناع فايروسات الكومبيوتر لمراجعة اللجنة الاولمبية، اسقطت الطائرات الاميركية، منشورات على احياء بغداد تدعو إلى عدم التعاون مع النظام، وتدعو قادة الجيش إلى الانقياد لأوامر الجيش الاميركي الزاحف (لتحرير العراق) من نير الدكتاتور.
    ومع بداية شهر نيسان، توغلت القوات الاميركية حتى مطار بغداد بعد ان تمكنت من اختراق دفاعات الحرس على طريق كربلاء ـ بغداد، واجتازت حي الفرات الملاصق للمطار باتجاه القصور الرئاسية هناك ثم طريق مطار بغداد الدولي، بينما استطاعت القوات الزاحفة على الطريق العام المار بين السيدية و البياع من جهة والدورة من الجهة الثانية، الوصول إلى الطريق السريع ـ طريق مطار بغداد الدولي ـ لتنقسم إلى قسمين احدهما اتجه لمساندة القوات الزاحفة من شمال حي الفرات إلى المطار، واتجه الاخر إلى القصر الجمهوري عبر الطريق السريع ذاته. وكانت القوات الاميركية قد نجحت فعلاً في تجاوز الحلقة الثانية من قوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية بغداد من ناحية الجنوب والجنوب الغربي، فقد دمرت (فرقة النداء) برمتها، ويومها اعلن الصحاف ان القوات الاميركية ستواجه في المطار عملاً غير تقليدي ! ولكننا لم نشاهد عملاً لا تقليدياً ولا غير تقليدي. وذكر لي شخصياً بعض العرب الذين غسلت ادمغتهم دعاوى الجهاد ـ انهم تركوا في سيارات من نوع (بيك آب) مسلحين باسلحة خفيفة، وغير مزودين باجهزة اتصال ـ على طريق المطار ـ ومن دون ماء أو غذاء، وقد انقطعت صلتهم بـ (القيادة!) وصاروا هدفاً سهلاً لطائرات الاباتشي الاميركية، ما دفعهم إلى الفرار عبر الدور السكنية إلى حيث لا يعلمون وبعض هؤلاء العرب قتلوا في اماكن عديدة من بغداد، ودفنهم المواطنون.
    شهدت الأيام الثلاثة الاولى من نيسان توغلاً قوياً للدروع الاميركية باتجاه القصر الجمهوري والمجمعات الرئاسية، وصرح العميد فنسنت بروكس، قائد لواء الهندسة التابع لفرقة المشاة الاميركية، ان قواته بذلت جهوداً مستمرة منذ أكثر من اسبوع لتضمن الا يستخدم المطار من قبل صدام، أو ان يقلع منه أي من المسؤولين في نظامه فراراً من البلاد، لكن القوات الاميركية في الحقيقة فشلت في منع هؤلاء من الفرار خارج البلاد، ففرت عائلة الطاغية واعداد كبيرة من عشيرته وازلامه ورموز اجهزته القمعية.
    في اليوم الرابع كان الطريق إلى القصور الرئاسية مفتوحاً، فقد ازاحت طائرات الاباتشي الدروع والموانع الاصطناعية فيه، وانهت كل فعالية لمفارز الحرس الجمهوري والحرس الخاص في محاولة لعرقلة وتاخير تقدم القوات الاميركية إلى القصر الجمهوري.
    ومن الغريب ان هذا الطريق لم يزرع فيه لغم واحد... حتى اللحظات الاخيرة، ولم تفقد القوات الاميركية في تقدمها إلى القصر الجمهوري جندياً واحداً أو آلية من أي نوع.
    وحتى الخامس من نيسان كانت المواجهات داخل بغداد مع القوات الاميركية مستمرة بهذه الدرجة أو تلك من القوة أو الضعف وبعد ذلك.
    شهادة السفير الروسي
    ونقلاً عن السفير الروسي في بغداد ـ تتارينكو ـ الذي قال في لقاء صحفي في روسيا اثر تمكنه من الخروج من بغداد خلال المعارك بـ (حين ذهبت في الخامس من نيسان إلى وزارة الخارجية ، شاهدت ارتالاً كبيرة من الحرس الجمهوري منتشرة في شوارع وساحات بغداد، وكنت اميز قوات الحرس الجمهوري ـ من اشارة المثلث الاحمر على بزاتهم وعرباتهم ودروعهم وآلياتهم، وفي السادس من نيسان حين قررت الجلاء عن بغداد، بسبب تصاعد عمليات القصف وتوجهت قافلتنا إلى الحدود فوجئت باختفاء الحرس الجمهوري من بغداد، ولم ألحظ غير مسلحي حزب البعث وبعض المتطوعين العرب، وحين وصلت الفلوجة شاهدت حشود الحرس الجمهوري والدبابات الثقيلة ومدافع غراد المضادة للجو، وذلك يعني ان الحلقة الثالثة للدفاع عن بغداد كانت قائمة في حين تلاشت الحلقتان الاولى والثانية في السادس من نيسان ـ وهذا يعني ان القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار لم تعد موجودة، وان قيادات الصف الثاني لم تعد تدري ماذا تفعل".
    عنق الزجاجة
    وقد يكون السفير الروسي محقاً في حديثه عن غياب القيادات العليا للحرس الجمهوري ومراكز القرار، لكنه نسي ان منظومة الاتصالات العسكرية قد دمرت قبل هذا اليوم، كما ان الحلقات التي كان يفترض بها حماية بغداد وهي ثلاث كما ذكر السفير، لم تدمر كلياً في جميع مناطق بغداد، فقوات الحرس الجمهوري المكلفة بحماية طريق واسط ـ بغداد، ومدخل بغداد الجنوبي ، دمرت تماماً، كذلك القوات المكلفة بحماية طريق بغداد ـ محافظات الفرات الجنوبية ، ومدخل بغداد الجنوبي الغربي، وبخاصة ـ عنق الزجاجة ـ الطريق المار بين الدورة والسيدية والبياع ، وعلى جانبه الايمن ـ سايلو الدورة، ومصفاها الشديد الاهمية، هذه القوات التابعة للحرس الجمهوري دمرت أيضاً، وما زالت هياكل عدد من آلياتها مركونة على جانبي الطريق، ودفن سكان المنطقة مئات الجثث لعسكريين ومدنيين عراقيين قتلوا على الطريق العام، بينما بقيت قوات من الحلقات الثلاث شمال وشرق بغداد (شبه سليمة) ، ونقول (شبه سليمة) لانها تعرضت لقصف غير مركز ـ ومن بعيد ـ ولم تخض معركة مواجهة الا مع بعض عناصر (المارينز) من القوات الخاصة التي انزلت خلف مواقعها، وكذلك الامر شمال غربي بغداد فقد بقيت الحلقة الثالثة كما اسماها السفير، أو الحلقة (أ) كما هي في الحقيقة سليمة، فهي الأخرى لم تكن قد تعرضت للهجوم بعد.
    شكوك منطقية
    وبالمناسبة فان رحلة السيد تتارينكو تلك ، ما زالت تثير حتى هذه اللحظة شبهات وشكوكاً منطقية، فهو يدعي انه قرر الجلاء عن بغداد بعد اشتداد القصف الاميركي عليها، ولم تكن السفارات الاجنبية والعربية موضوعة على جداول القصف الاميركي، بل ان (تربيعاتها) موجودة على كل الخرائط العسكرية لدى البنتاغون، بابلاغات رسمية من قبل هذه السفارات، قبل الحرب بزمن طويل. كما ان موكب السفير الروسي المغادر إلى سوريا تعرض في منطقة الفلوجة إلى اطلاق نار من قبل القوات الاميركية على سيارة السفير نفسه التي كانت تحمل العلم الروسي بشكل واضح واصيب سائقه، وبعد (التحقق من الهوية) غادر الموكب الروسي إلى سوريا من دون ان يقوم الاميركان بتفتيش الشاحنات الثلاث المغلقة التي كانت ضمن الموكب وفقاً لمفاهيم ـ الحصانة الدبلوماسية ـ برغم ان الارض ـ ارض قتال.
    وهذه الشاحنات المجهولة المحمولة هي مثار الشك حول الرحلة وتوقيتها، فالبعض يقول انها ربما كانت تحمل ارشيف الدولة العراقية الذي يحوي العديد من اسرارها، وبخاصة ذلك الشطر المتعلق بالعلاقات والتعاون بين روسيا والاتحاد السوفيتي سابقا، والعراق في مجالات التسليح والميدان النووي وربما اسلحة الدمار الشامل، كالغازات السامة والامراض.
    ومازاد من الشكوك، الرحلة التي قامت بها كونداليزارايس مستشارة الامن القومي انذاك إلى موسكو اثر مغادرة السفير الروسي بغداد، ثم عودة السفير الروسي إلى بغداد برغم ان العمليات العسكرية لم تنته بعد، ولم ينته الخطر تماماً، بل على العكس انفجر خطر اشد، هو خطر الدهماء واللصوص الذين لم يتورعوا عن مهاجمة السفارات، فاين هي الحقيقة، وما هي؟ ومتى ستكشف اسرار تلك الرحلة الغريبة؟
    عروض الصحاف وظهور صدام الاخير
    نعود إلى يوميات الحرب في بغداد، ففي ليلة الخامس على السادس من نيسان، قصف ملجأ كانت الاستخبارات الاميركية قد حصلت على معلومات تفيد بان صدام واركان قيادته يجتمعون فيه.
    وفي هذه الليلة لم يعد هناك ما يمكن تسميته بالمقاومة الجادة والمؤثرة في بغداد، إذا احتسبنا ان بعض القوى العسكرية ما زالت متمسكة بمواقعها على اطراف بغداد وبخاصة شمالها وشرقها، وهي بوجودها فقد تمثل امكانية المقاومة.
    ومع ذلك استمر الصحاف بعروضه الكلامية متوعداً، في الوقت الذي كان فيه الجنود والضباط وحتى شرطة المرور يخلون مواقعهم، بل ويستبدلون ثيابهم العسكرية بملابس مدنية ويفرون عائدين إلى بيوتهم، وقبل ان يختفي الصحاف يوم 9/ 4 ، وقد كان على موعد مع مراسلي الصحف ووكالات الانباء والفضائيات العربية والعالمية مساء ذلك اليوم، في صالة فندق الميريديان كان رئيسه يهجر بغداد فارا بعد ان ظهر في (الاعظمية) ـ مبشراً بالنصر القادم ـ ليسمع للمرة الاخيرة تصفيقاً منافقاً ويسجل آخر مشهد في معركة بغداد (للقائد المنتصر)!.
    (اشسويت بينا؟!)
    وقد سمعت اشاعة تقول: انه قضى ليلته تلك لدى شيوخ الاعظمية من رجال الدين، بعد ان عرف الاميركان بموقعه وهاجمته طائرات الهيلوكوبتر، وقد بحثت طويلا عن تاكيد لهذه المعلومة من دون جدوى، فقد غادر صدام المنطقة بعد لقائه السريع بسكانها بسيارة ـ اميركية من نوع شوفرليت قديمة الطراز ـ يرافقه عبد حمود، وهما يرتديان البزة العسكرية ، ومن دون مرافقين.
    وفي الوقت الذي لم يصدق فيه البغداديون مشهد الدبابة الاميركية التي ربضت على مدخل جسر الجمهورية من ناحية الكرخ ـ كرادة مريم، بثت فضائيات العالم عملية اسقاط تمثال صدام في ساحة الفردوس وسط فرح جماهيري، عارم ما لبث ان اجتاح بغداد كلها، وراحت الفضائيات تتنقل في انحاء بغداد وتنقل مشاعر البهجة والفرح، ولا ينسى العراقيون صورة ذلك الرجل الكبير السن وهو يضرب صورة صدام بنعله صارخاً باللهجة العامية (اشسويت بينا؟!).
    وكانت هذه اول حرب في التاريخ يتم نقلها نقلاً حياً مباشراً وباغلب تفاصيلها ومن جميع الجهات، ومن على نقاط التماس الحساسة، عبر الفضائيات العربية والعالمية.
    فوضى السلب والنهب
    في اليوم التالي، كانت جميع اجهزة الدولة قد انتهى وجودها، بما في ذلك جهاز الشرطة وحراس الدوائر الحكومية لتتوارد الانباء المؤلمة عن عمليات السلب والنهب التي لم تنج منها دائرة رسمية ولا مستشفى ولا مبنى عام، ونهبت واحرقت المكتبة الوطنية ومكتبة الاوقاف العامة ودار الحكمة والمكتبة المركزية لجامعة بغداد ومكتبة المستنصرية ومكتبة كلية الاداب واللغات والتربية، ومركز الفنون والمتحف العراقي والمتحف الطبيعي، ونهبت القصور الرئاسية ومجمعاتها ومخازن الكمارك والمواد الغذائية والاسواق التابعة للدولة، ومن الجدير ذكره ان نظام صدام كان قد اطلق سراح أكثر من 60 الف مجرم سجين من سجن (ابو غريب) وحده، بينما اطلق العراقيون الباحثون عن ذويهم المفقودين سراح عدد كبير من السجناء في (الحاكمية) والامن العامة والفضيلية ومعسكرات فدائيي صدام وسراديبها، وسراديب اسواق 28 نيسان وامانة العاصمة والاولمبية والشعبة الخامسة التابعة للاستخبارات العسكرية في الكاظمية.
    دولة الشعبة الخامسة
    وبدأ مسلسل سرقة السيارات من دوائر الدولة ومنها (الشعبة الخامسة) التي اكتشفت انها مدينة كاملة متكاملة فيها مختلف الاسواق وشتى البضائع ومخازن تكاد تكفي العراق كله، ومستشفى ومستوصف متخصص بطب الاسنان، ومطار ، وشقق سكنية ، ومكتبة ضخمة وملعب كرة قدم واحواض سباحة وبيت خاص بالطيور وحانة، اضافة إلى مخازن الحواسيب المتطورة واضابير وفايلات العراقيين، وزنازين السجن وغرف التعذيب التي شاهدنا يوم 11/ 4 جدرانها ملطخة بالدماء وآلات واجهزة التعذيب المتنوعة التي استمرت تباع على ارصفة ما سمي باسواق (الحواسم)، وهي التسمية التي اطلقها صدام على معركته الاخيرة، واسواق الحواسم شملت كل ما غنمه الدهماء واللصوص من اجهزة ومعدات تعود لدوائر ومؤسسات الدولة، كما صارت الاسلحة والذخائر تباع علناً في اسواق الباب الشرقي وسوق مريدي والكاظمية والاسكان وبغداد الجديدة.
    صور من النبل العراقي
    وبخلاف هذه الصورة برزت صور النبل العراقي، فقد اشترى احد أصحاب الفنادق عدداً من اللقى والتحف الاثارية الخاصة بالمتحف العراقي واعادها اليه، كما اعاد عدد من العراقيين كتباً ومخطوطات احتفظوا بها امانة لئلا تسرق، كذلك المواطن الذي ملأ شاحنتين بكتب المكتبة الوطنية واعادها بعد هدوء الاوضاع، وكذلك حصل مع مكتبة كلية الاداب، وغيرها من عشرات الالاف من القصص التي لم يسجلها احد للأسف.
    وهناك صورة الطبيبة التي اجرت عملية جراحية لاحد المصابين على رصيف الطريق العام في البياع بعد ان تعذر نقله الى المستشفى، وكانت المستشفيات قد فقدت ابسط مقوماتها، فقد انتزعت حتى ابوابها وشبابيكها.
    وهناك صور التضامن بين العوائل العراقية وابناء الحي الواحد في تنظيم جداول حراسة الحي بين ابنائه وتقاسم اوقات هذه الحراسة واعداد وجبات الطعام لهؤلاء الحراس.

    حين ظهرت الجرائم موثقة
    وبعد ان قلبت صفحة (اقتلاع صدام) وانهار النظام وفعل الدهماء واللصوص والذين ارادوا اخفاء اثار جرائمهم ما فعلوا بدوائر الدولة وارشيفها ، الذي تمكن بعض المواطنين من انقاذ قسم منه، بدأنا نكتشف الكثير من جرائم النظام البائد عدداً ونوعية، فقد تمكنت جمعية السجناء الاحرار، من انقاذ الاف الملفات ، التي كشفت مصير السجناء والمفقودين العراقيين الذين اختطفتهم اجهزة القمع الصدامية من بيوتهم ومن اماكن عملهم واعدمتهم بوسائل بشعة ومرعبة، كما كشفت اسماء المجرمين من اعضاء هذه الاجهزة وانتشرت في عموم العراق اقراص الـ (CD) التي كانوا يتسلون بتصويرها لانفسهم وهم يرتكبون جرائمهم وفضائعهم، قتلاً وتعذيباً وانتهاك اعراض وتهتكاً خلقياً، نساءاً ورجالاً، وكذلك تمكن بعض المواطنين من انقاذ عدد من وثائق جهاز المخابرات والامن العامة والاستخبارات العسكرية، وتحتفظ الرابطة العالمية الانسانية للسجناء الاحرار بخزانة تحوي الاف الملفات التي تحكي جرائم النظام البائد، ولا تستغرب إذا قرأت في بعضها حكم النظام على احد المواطنين بالاعدام 30 مرة، ولا ادري، ان كانوا يقتلونه ثم يعيدونه إلى الحياة ليقتلوه حتى ثلاثين مرة ام ان هناك سبيلاً اخر لا نعرفه؟
    نموذج من محكمة صدامية
    وأحد الملفات يعود إلى مواطن صابئي مندائي من سكان ميسان يصرخ باعلى صوته في "المحكمة الصورية" أنا صابئي مندائي، لكن الحاكم الصدامي يحكم عليه بانه من اعضاء حزب الدعوة ويحكمه بالاعدام وينفذ الحكم فيه، والكثير من اشباه هذه المهازل، وصولا إلى المقابر الجماعية التي اكثرت وسائل الاعلام الحديث عنها ولا ارى اننا نضيف لهذا الحديث جديداً، سوى ان العراقيين ما زالوا حتى هذه اللحظة يكتشفون المزيد منها، فقد اكتشفوا قبل أيام قليلة مقبرة تضم رفات 81 شهيداً في كركوك.
    احاديث الخيانة
    بعد سقوط النظام، ظهرت بعض المعلومات والاشاعات التي تفيد بوقوع خيانة بين جنرالات الجيش والحرس الجمهوري، بتواطؤ مع الاميركان، ومن ذلك ما نشرته صحيفة الاندبندنت اللندنية نقلاً عن احد القادة الاميركان، عن رشوة تم دفعها لجنرالات من الحرس الجمهوري للامتناع عن قتال الاميركان وتسليم بغداد، ورشحت الاشاعات اسماء سفيان التكريتي وماهر التكريتي وطاهر جليل الحبوش مدير المخابرات، وطارق عزيز، وسلطان هاشم، وبالمناسبة فان طارق عزيز الذي يتباكى عليه بعضهم في "الغرب" ويصفونه بالاعتدال هو الذي صرح قبل الحرب (سنقاتلهم بسكاكين المطبخ من بيت إلى بيت، هم وكل من يريد ازاحتنا)!.
    وليس هناك في الحقيقة من خيانة، وحتى ان وجدت فهي لا تعني شيئا، فالنظام كان في طريقه إلى الزوال الحتمي، ليس بسبب عدم تكافؤ القوى بينه وبين قوات التحالف ، وانما لان العراقيين زال عنهم حاجز الخوف وادركوا ان هذه هي فرصتهم في اسقاطه وانتقل مؤشر الخوف من جغرافية المواطن العراقي إلى نفوس ازلام النظام ورموزه الذين فروا أي مفر... ولولا التحذيرات التي اصدرتها المراجع الدينية والتحريم الذي اكدته على عمليات الثأر، لجرت الدماء انهارا، ولما تجرأ احد منهم على مغادرة الجحر الذي فر اليه.
    لا اسرار في الحواسم
    وبرغم كثرة الاسئلة التي يطرحها العالم عامة والعراقيون خاصة حول اسرار (الحواسم) ، فان ثمة سؤالاً مهماً وان لم يكن الاكثر اهمية من بين هذه الاسئلة، هو لماذا لم تشترك القوة الجوية العراقية في القتال؟!
    والجواب بسيط، فصدام يدرك ان طائراته العسكرية الحربية متخلفة جداً عن طائرات القوة الجوية الاميركية، ويقول بعض الطيارين العراقيين ان احدث طائرة عراقية، كان الطيار الاميركي يكشفها باجهزته وهي على المدرج ومن مسافة بعيدة ويطلق عليها ويدمرها، قبل ان تكتشف هي وجوده في الجو، ان طائراتنا صارت متخصصة في الهجوم الداخلي ومكافحة الشعب، وبمعنى ادق انها لمواجهة العراقيين وليس لمواجهة سواهم، كما انها تفتقر لقطع الغيار والصيانة وقد حققت ساعات طيران عديدة وان لها ان تتقاعد، وبما ان صدام يحتاجها للقمع الداخلي، فقد ارسلها إلى ايران أو دفنها، في رمال تكريت ومدن وصحارى المنطقة الغربية، كما كشف عن ذلك الاميركان.
    التفصيخ ... مصير السمتيات!
    اما الطائرات السمتيات المختلفات الاستخدام، فسنضرب نموذجاً عن بعضها، حيث اخرجها صدام من قاعدة البكر الجوية وقام باخفائها في بساتين الطارمية والضلوعية، وبعد سقوط النظام، هجم عليها اللصوص واصحاب الخبرة في (التفصيخ) ونقلوا اجهزتها إلى (ارصفة اسواق الحواسم) وصهروا معدنها ليستخرجوا الفافون ويصنعوا منه سبائك بيعت عن طريق الشمال لكل من تركيا وايران بثمن بخس، فاهدرت ثروة وطنية تقدر بمليارات الدولارات، وكان صدام حين اخفى هذه الطائرات، يعتقد بل كان متيقناً انه سيبقى في الحكم وانه سيعود إلى استخدامها فيما بعد، لقمع من يحاول التمرد عليه بل وحتى التفكير في ذلك، ومن يشك في ولائهم.
    بعد التاسع من نيسان ودخول القوات الاميركية بغداد، توجهت هذه القوات إلى المدن والمحافظات الأخرى، الرمادي وديالى وتكريت والموصل، والتي توقع المحللون ان يكون الحرس الجمهوري قد انسحب اليها ليخوض معاركه الاخيرة هناك، ذلك ان صمود مدينة صغيرة مثل (ام قصر) أكثر من اسبوعين وعدم استسلامها وضع انهيار بغداد المفاجئ موضع التساؤل المحير، وجد هؤلاء المحللون حلاً له في انسحاب الحرس الجمهوري إلى الشمال ليبعد الجيش الاميركي عن خطوط تموينه الممتدة إلى الكويت، من دون ان يدركوا ان الجيش والحرس الجمهوري وبقية اجهزة النظام قد تبخروا جميعاً ولم يعد على الارض سوى المدنيين، وهكذا سلمت تكريت مفاتيحها للاميركان حتى لا تتعرض للتدمير ووقع سكانها معهم اتفاقية بهذا الشأن وكذلك فعلت الفلوجة والرمادي وبعقوبة والموصل!!
    ودخل الاميركان هذه المدن سلماً.

    آخر تعديل بواسطة نعم بغداد; 07-04-2005, 08:12 AM. السبب: تصحيحات املائية
    اللهم اعطهم ما يتمنون لنا وزدهم ... اللهم آمين
  • نعم بغداد
    عضو فعال

    • Dec 2004
    • 222

    #2
    الرد: سنتان مرتا على الحرب التي حسمت أمر النظام

    اجواء ما قبل الحرب وعواصف آذار 2003 العاتية

    : مبارك يحذر صدام من التعامل مع الحشد الأمريكي وكأنه لعبة.. المخابرات العراقية حددت يوم 20 /3 موعداً لبدء الهجوم


    لم يكن العام الجديد 2003 ينبئ الشارع العراقي بشيء جديد فقد استمر النظام الحاكم يمارس جبروته المعتاد، ويطلع على العالم بمظاهر القوة والتحدي، بطريقة كانت تنعكس على عموم العراقيين في سجنهم الكبير مزيداً من الصبر والصمت والترقب.
    كانت الجموع تعلم مدى الخواء الذي لف منذ زمن بعيد جسد النظام لكن حاجز الخوف الذي خلقه أمام عيونها، كان اقوى من رغبتها في مد أصابعها ولمس الحقيقة، كما ان مشاغل الحياة اليومية حولت الجميع، عمالاً وفلاحين وموظفين وتجاراً وكسبة إلى قطعان تعمل بالسخرة تقريباً في بستان تملكه عائلة صدام وحدها، ونجح صدام في تحويل الحصار الدولي إلى حصار داخلي يفرضه هو وازلامه، والى ورقة يساوم عليها المجتمع الدولي، بزيادة عذابات ومعاناة العراقيين والى حالة استنزاف ونهب للثروات الوطنية، تقوم بها عائلته وحاشيته وبقية حلقات نظامه كل حسب موقعه، لذلك لم يول احد منا اجتماعات مجلس الأمن وما يدور فيها كبير اهتمام، ولم نعبأ كثيراً بتصريحات المسؤولين الأمريكان وتهديداتهم ولم يكن فينا من يصدق ان ما يحدث ليس تكراراً لسيناريو اوائل التسعينيات يوم ورط الأمريكان العراقيين بالثورة على نظام صدام وتركوهم حصاداً لدباباته وحرسه وأجهزته القمعية.
    عاد بعدها النظام أشد شراسة وجبروتاً وقسوة، بل حتى اركان النظام كانوا على يقين من ان الحقيقة لا تعدو ذلك وان اميركا ليست جادة في نياتها، وأول أولئك كان صدام نفسه، ويمكننا الاستشهاد بلقاء مبعوث الرئيس الروسي بوتين (بريماكوف) إلى صدام بعد تأزم الأمور لنصيحته بالتنحي عن السلطة، وكيف اجابه صدام "ان الروس سبق لهم ان نصحوه النصيحة نفسها ابان عاصفة الصحراء، لكن نظامه بقي وسيبقى هذه المرة أيضاً والأمر لا يعدو حرباً نفسية تشنها الإدارة الأمريكية لأسباب ذاتية".لكن الواقع كان شيئاً آخر، فقد كانت أمريكا وحلفاؤها تعد العدة فعلاً لتنفيذ برنامج اقتلاع نظام صدام بالقوة، بعد ان وفر لها كل الحجج والذرائع الكفيلة باقتلاعه وفي مقدمتها شدة بطشه واستعداؤه العراقيين الذين دفعوا من ثرواتهم وأرواح ابنائهم وكرامتهم ثمناً باهظاً ما زال يثقل كواهلهم.
    وفي الأسبوع الأخير من كانون الثاني 2003 شددت الولايات المتحدة حملتها الإعلامية للتهيئة للحرب ووجهت إلى نظام صدام تهمة احراق آبار النفط مؤكدة ان اقمارها الصناعية رصدت حرائق في آبار نفط الجنوب يوم 24/ 1/ 2003، وفي اليوم نفسه حذر الرئيس المصري حسني مبارك صدام من التعامل مع الحشد الأمريكي وكأنه لعبة، ووجهت تحذيرات مماثلة شخصيات سياسية واعلامية عربية على علاقة بالنظام عبر جهاز المخابرات العراقي، الذي كشفت اوراقه التي تناثرت على الارصفة بعد انهيار النظام، ان (لجنة النوايا) في هذا الجهاز تلقت تحذيراً من السياسي الفلسطيني نايف حواتمة ومن الصحفي اللبناني فؤاد مطر تحدد يوم 17/ 3 موعداً لشن الهجوم الأمريكي على العراق، بينما سرب حاكم رأس الخيمة الشيخ صقر بن سلطان القاسمي اخباراً مهدئة تؤكد أن الأمور لن تصل حد الانفجار وذكر زوج عمة الملك المغربي ان هناك مبادرة ستقدمها القمة العربية التي ستعقد لاحقاً لتدارس الوضع، وكانت تلك مبادرة الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات الراحل، المتعلقة بتنحي صدام عن الحكم مع توفير ضمانات له ولعائلته حقناً لدماء العراقيين وحفاظاً على العراق.
    وفي مطلع شباط فشلت زيارة قام بها هانز بليكس ومحمد البرادعي إلى بغداد لاقناع صدام بالاستجابة إلى مطلب المجتمع الدولي ونزع اسلحة الدمار الشامل المتهم بتخزينها، الأمر الذي دفع كولن باول وزير الخارجية الاميركي إلى قراءة بيان امام مجلس الأمن أكد فيه ان العراق ما زال يخفي اسلحة للدمار الشامل، وعندها تغيرت لهجة وتصريحات المسؤولين الأمريكان ووسائل الاعلام الأمريكية فلم تعد تتحدث عما إذا كانت الحرب ستقع أم لا؟ بل أصبحت تدور حول متى وكيف تقع هذه الحرب؟ وأمام هذه التطورات المتسارعة قام الرئيس الروسي بوتين بزيارة إلى كل من فرنسا والمانيا، اللتين كانتا تعارضان بشدة شن الحرب على العراق، لمناقشة مبادرة ثلاثية توسع عمل فريق التفتيش عن الأسلحة الذي وافق العراق على استقباله من جديد بعد ان طرده من قبل وتحويل ولايته إلى قوات من الأمم المتحدة تشرف عليه، لكي تمكنه من الكشف عن الأسلحة من دون مضايقة من السلطات العراقية، كذلك نشط الرئيس المصري للقيام بزيارات لعدد من الدول العربية بهدف حشدها وراء قرار عربي جماعي يعلن في القمة العربية التي اتفق على ان تعقد في آذار في شرم الشيخ، ونشطت وزارة الخارجية العراقية حتى على الكويت عارضة مناقشة ملف المفقودين.
    وفي العاشر من شباط غادر رئيس فريق التفتيش بغداد، مؤكداً عدم العثور على الأسلحة المطلوبة في تقرير قرأه على مجلس الأمن، عندها أعلنت واشنطن أنها تعد لاصدار قرار جديد لمجلس الأمن يوجه انذاراً اخيراً للعراق ويعلن المجتمع الدولي ان العراق في حالة خرق مادي للقرار (1441) وفي هذه الأجواء بدأت الصحافة ووسائل الاعلام الغربية وتبعتها العربية تتحدث عن امكانية تنحي صدام عن الحكم وتتحدث عن البدائل، بينما راح المسؤولون الأمريكان يسربون إلى الصحف معلومات تفصيلية عن مخططاتهم المستقبلية للمنطقة بعد الحرب الوشيكة على العراق، ومنهم ريتشارد بيرل مستشار وزير الدفاع الأمريكي الذي صرح لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية في 20/ 2 أنه ليست هناك دولة عربية تتعاون مع الأمريكان بنشاط في أي مجال يطلبونه! بينما قال بول ولفو فيتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي، ان هناك دولاً عدة في الشرق الأوسط ستساند الولايات المتحدة إذا شنت الحرب على صدام في اشارة إلى إسرائيل.
    وفي آذار شهر العواصف العاتية، أو كما يسميه العراقيون (شهر الهزاهز والأمطار) وبعد قمة جزر الأزور البرتغالية التي عقدها الرؤساء الثلاثة، بوش، وبلير، وازنار، سحبت واشنطن ولندن ومدريد، ما سمي بمشروع قرار (الانذار الأخير) ومنحت الأمم المتحدة يوماً واحداً للقيام بعملها فيما يتعلق بالقرار، كفرصة أخيرة لتبني قرار (الانذار الأخير) الذي لم يكن في الحقيقة سوى تشريع للحرب.
    وقال رئيس الوزراء البريطاني توني بلير عقب القمة: (بلغنا الآن لحظة القرار وندعو اخيراً إلى توجيه رسالة قوية وموحدة باسم الأسرة الدولية تشكل انذاراً لصدام، انذاراً واضحاً.. أؤكد.. يسمح باستخدام القوة إذا استمر في تحدي ارادة مجمل الأسرة الدولية التي عبر عنها القرار 1441).
    وقال الرئيس بوش (ان العالم سيواجه غداً لحظة الحسم بشأن نزع اسلحة العراق وسنعرف إذا ما كان الحل الدبلوماسي ممكناً أم لا واذا كان اللجوء إلى القوة ضرورياً لنزع أسلحة العراق، فسنعمل بسرعة على استصدار قرار جديد من الأمم المتحدة).
    وكما كان متوقعاً رفض مجلس الأمن ان يتبنى قراراً ثانياً يتضمن انذاراً نهائياً، وكرر وزير خارجية فرنسا ـ دوفيلبان ـ العرض الذي اقترحه شيراك والمتضمن مهلة 30 إلى 60 يوما لعمليات التفتيش، بينما أكد الرئيس الروسي بوتين ان أي حرب على العراق هي خطأ مثقل بالعواقب التي قد تزعزع الوضع الدولي برمته، وأعلن المستشار الألماني غيرهارد شرويدر معارضته للحرب، بينما دارت خلف الكواليس مناورات الاستقطاب وصفقات شراء المواقف شملت تركيا التي تلقت عرضاً بتسهيل قبولها عضواً في الاتحاد الأوروبي في حال رفضها مرور القوات الأمريكية من اراضيها وفتح جبهة شمالية ـ وذلك ما فعلته ـ بينما عرضت عليها واشنطن تعويضات ومساعدات وقروضاَ تزيد على ثمانية مليارات دولار، وشملت الصفقات عدداً من الدول العربية والأقليمية.
    الولايات المتحدة وحلفاؤها أتموا حشدهم في الكويت والخليج العربي، ووزعت البنتاغون عدداً من السفن والبواخر الحربية في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط والخليج العربي، بينما بقيت الجهة الشمالية مغلقة ولم تفلح جهود الحلفاء في اقناع تركيا بفتحها.
    وفي وقت لاحق انسحب مراقبو الأمم المتحدة من المنطقة الحدودية العراقية الكويتية، ودعت واشنطن رعاياها إلى مغادرة الكويت ودبلوماسييها غير الأساسيين إلى مغادرة الكويت وسوريا وإسرائيل وطلبت بريطانيا من رعاياها باستثناء الدبلوماسيين مغادرة الكويت وإسرائيل.
    ونصحت واشنطن هانز بليكس ومحمد البرادعي بسحب المفتشين الدوليين من العراق، جرى كل ذلك على مدى الأسبوع الثاني من آذار، وفي هذا الوقت (نهاية الأسبوع الثاني) أكدت مصادر في البنتاغون، ان التخطيط العسكري للحرب دخل مرحلته النهائية وان القوات العسكرية المتحشدة في المنطقة اكملت استعداداتها للانطلاق حالماً يتخذ الرئيس بوش قرار البدء بالحرب.
    وفي 18 / 3 أعلنت وسائل الاعلام الأمريكية نقلاً عن البيت الأبيض ان الرئيس بوش سيوجه خلال ساعات خطاباً إلى الشعب الأمريكي والعالم ومن المتوقع ان يكون (إعلان حرب)، وفي الوقت المحدد أعلن بوش إنذاره للرئيس العراقي، مانحاً إياه مهلة 48 ساعة للتخلي عن الحكم ومغادرة العراق هو وولداه، وبعكسه ستقوم الحرب، ودعا الجيش العراقي إلى عدم القتال دفاعاً عن صدام.
    سارع صدام إلى رفض الانذار وسخر منه، ووعد بالنصر المؤزر!
    وقال ناجي صبري الحديثي وزير خارجيته (أن أي طفل في العراق يعرف ان الانذار لن يجدي نفعاً) وكان صدام قد رفض قبل ذلك مبادرة القمة العربية التي اقترحها الشيخ زايد بن سلطان رئيس دولة الإمارات العربية، والتي تتلخص في ان يتنحى صدام عن الحكم على ان توفر له دولة الإمارات ولعائلته ولحاشيته وعدد من ازلامه ملجأ آمناً يفد إليه معززاً مكرماً منعاً لإراقة الدماء ولتجنيب البلاد كارثة محققة ـ حسب نص ورقة المبادرة ـ لكن هذه المبادرة الكريمة الحريصة على العراق وأهله، قوبلت بالسخرية والامتعاض وكانت صحيفة الشرق الأوسط اللندنية الصادرة في 27/ 2/ 2003 قد نقلت عن صدام قوله (ولدت هنا... وسأموت هنا) ووصف من يعرض عليه فكرة التنحي بأنه (بلا أخلاق)، اما وزير اعلامه محمد سعيد الصحاف فقد صرح في لقاء اجرته معه قناة الجزيرة في برنامج قضايا الساعة في 17/ 3 تعليقاً على هذه المبادرة (سجلوها علي، سيرحل المجرم بوش، وسيرحل هذا التافه بلير، وسيرحل الكثير من تجار الحروب، والقائد صدام حسين سيبقى واقفاً كالطود الشامخ).
    وفي حينها سمع العراقيون (الهارب) عزة الدوري، نائب صدام وهو يتحدث إلى الرؤساء والملوك العرب في قمتهم، بلغة أين منها (لغة أبناء الشوارع) وهو يرد العرض الكريم للراحل الشيخ زايد.
    وفي 17/ 3 كتبت لجنة النوايا في جهاز المخابرات خطاباً معنوناً إلى ديوان رئاسة الجمهورية/ السكرتارية/ عبد حمود/ تقول فيه أنها حصلت على معلومات مصدرها القنصلية الإسرائيلية في اسطنبول تفيد بان الهجوم على العراق سيبدأ يوم 20/ 3 (نسخة من الكتاب محفوظة لدى الرابطة العالمية الإنسانية للسجناء السياسيين في الكاظمية)، ولم يتأخر عبد حمود كثيراً ففي 18/ 3 سحب هو وقصي بكتاب موقع من صدام مبلغ 900 مليون دولار و 300 مليون يورو من البنك المركزي العراقي.. كما صرح فيما بعد محافظ البنك المركزي العراقي.
    وبدأت الحرب في فجر 20 آذار وفي هذه الصفحة كان للصحاف دور لا ينسى، فقد غابت رموز النظام، وظلت وسائل الاعلام تكرر خطاب صدام الذي استهله بـ(أطلق لها السيف) و(غدر الغادرون) حتى ظهر وزير دفاع صدام سلطان هاشم على شاشة تلفزيون بغداد يختلط صوته بصوت الانفجارات التي كانت تهز أرجاء بغداد، ليعلن ان الأمريكان توغلوا في العمق العراقي وانهم سيكونون على اسوار بغداد في مدة لا تزيد عن عشرة أيام، وعلق صدام على ذلك قائلاً ان معركة بغداد القادمة هي الفيصل وان قوات التحالف ستنتحر لا محالة عند هذه الاسوار!
    وفي هذه الايام برزت مظاهر التسليح الثقيل في شوارع وازقة بغداد واحيائها السكنية، ووضعت الصواريخ في الفراغات بين الدور السكنية، وتوزعت مفارز الحرس الجمهوري وفدائيي صدام والرفاق واجهزة الأمن والمخابرات والشرطة على عقد المدينة وساحاتها، بينما شغلت الدبابات مزاغل خصصت لها، وكانت هذه الحلقة الأخيرة للدفاع عن بغداد، التي امتلأت مدارسها وعدد من جوامعها وبعض بيوتها بالذخيرة والسلاح، واحاطت كتائب مدفعية الحرس الجمهوري وكتائب الصواريخ والدبابات بضواحي بغداد واطرافها وبساتينها مشكلة الحلقة الوسطى للدفاع عن العاصمة، بينما نجحت قوات التحالف في تجاور المدن الجنوبية دون محاولة اختراقها التي فشلت فيها بسبب المقاومة الشرسة التي أبدتها تلك المدن، وقد تقدمت قوات التحالف على عدة محاور باتجاه بغداد من الجنوب والجنوب الغربي وقامت بانزال مفارز من القوات الخاصة التابعة لوحدات المارينز خلف القوات العراقية وبعضها شكلت سيطرات على نقاط شرق وشمال بغداد، ونجحت في ادخال عملائها المزودين بأحدث أجهزة الاتصال عبر الاقمار الصناعية، لارشاد الصواريخ الذكية والطائرات إلى الاهداف المطلوبة، وبحسب تقارير جهاز المخابرات العراقي ـ لجنة النوايا ـ فان عدداً كبيراً من هؤلاء العملاء دخلوا العراق قبيل الحرب ومنهم عدد من المغتربين العراقيين في اميركا ـ وفي هذا الوقت شلت منظومة الاتصالات المدنية ـ البدالات والكيبلات الارضية ـ وجزء مهم من منظومة الاتصالات العسكرية التي كان بعضها مكشوفاً لقوات التحالف وأجهزة استراق السمع، وعزلت قيادات الجيش والحرس عن مراكز السيطرة والقرار والتوجيه والمتابعة، بينما استمرت صواريخ التالف تدك مواقع الجيش والحرس الجمهوري وجهاز الأمن الخاص وحتى يوم 1/ 4 كانت قوات التحالف قد اطلقت على العراق 8700 صاروخ وقذيفة بحسب تصريحات القادة الأمريكان ـ والقت الطائرات الاميركية قنابل عنقودية على عدة مناطق من بغداد، كما استخدمت نوعاً جديداً من قنابل (الصدمة) ذات الصوت الخاص والتأثير الفعال على الجهاز العصبي، إضافة إلى انواع أخرى من الأسلحة الحديثة التي وجدت القوات الأمريكية في الساحة العراقية ميداناً لتجريبها.
    اجواء بغداد حتى نهاية آذار كانت مدلهمة وامطرت السماء مطراً اسود بسبب الدخان الذي لف أجواء العاصمة وكان النظام قد حفر خنادق حول بغداد ملأها بالنفط الأسود واشعل النيران فيها بذريعة ان هذا الدخان سيربك (الصواريخ الذكية) ويضللها عن أهدافها، ولو حصل هذا لكانت الأهداف مدنية بالتأكيد، فالنظام البائد وزع مواقعه العسكرية وأسلحته قريباً من الأحياء السكنية وداخلها.
    هذا هو الموقف تحت مطارق وعواصف آذار العاتية.
    اللهم اعطهم ما يتمنون لنا وزدهم ... اللهم آمين

    تعليق

    مواضيع مرتبطة

    Collapse

    جاري العمل...