جرّب شارون أن يدخل المسجد الأقصى، فانفجرت الانتفاضة الأخيرة، وسبق إحراقه وكذلك الحرم الإبراهيمي في المجزرة الشهيرة بالعشر الأواخر من رمضان، ولعل استفزاز الشعور الديني بهذه الجرائم، هو جزء بسيط من رد فعل آخر بأن يأتي على الجانب الإسلامي متطرفون لديهم القدرة على اعتبار المسلمين ممن لم يعلنوا الجهاد على الكفار، وفق رؤيتهم، مشاركون في السكوت على جرائم إسرائيل، وغزو العراق، وأفغانستان، أي أن توالد العنف حين يكون المستهدف موقعاً روحياً، هو أخطر من الزحف على بلد، أو قطع شرايين مصادر حياته من غذاء، ودواء، وتعليم كما حدث في العراق أثناء حكم صدام..
فوضى الحروب الدينية من الممكن أن تنبعث من جديد، ومن يعتقد أن العالم يمر بحالة مصالحة مع ذاته، وباعتبار العبادات شأناً ذاتياً، لا تدخل فيها الخلافات، أو التهييج السياسي، يخالف الواقع، أي أن كل الأديان السماوية وغيرها لا تزال تعيش في وجدان الشعوب، واعتبار المقدسات غير قابلة للانتهاك، أو الاحتقار حين تنتشر سياسة الإعلام والنشر العدائيين..
إسرائيل، وبسبب اعتمادها مبدأ الخصوصية لقداسة أرضها، والاعتقاد بأن المسجد الأقصى تأسس على حائط المبكى، وتجاوز ذلك من التبشير إلى إزالة هذا المقدس الإسلامي، يعتبر تلاعباً بالمشاعر، بل ودفعاً للعالم الإسلامي لأن يتصرف بما يحفظ له رموزه الدينية..
المحرك الأساسي للإنسان، ليس فقط قوته، وأمنه، وإنما ما يجسد علاقته بمعتقده، ولذلك لا ندري ماذا سيكون رد الفعل الكبير، لو اقتحم مسلمون مسلحون، أو غير مسلمين، الفاتيكان، أو أحد المعابد الكبرى للهندوس، أو البوذيين، أو جاء متطرفون من الجانب الآخر ودمروا الحرمين المكي، والمدني -لا سمح الله - كما كان يتحدث بعض الإرهابيين المسيحيين بتدميرهما كرد فعل على تدمير برجي نيويورك..
التعقيدات التي ستصاحب أي خطأ في التقدير قد تقود إلى معارك كبرى، خارج ساحة المعركة الأساسية، وخاصة ما يتعلق بمراكز دينية مقدسة، ولعل شارون الذي قام بخطيئته الأولى، لا يريد وإنما يؤجل عملية اقتحام الأقصى من قبل متطرفين صهاينة حتى لا يفتح جبهة عريضة داخل وخارج المنطقة، فيما لو تم انتهاك حرمات المسجد الأقصى، أو أنه واجه ضغطاً دولياً بأن التلاعب بمثل هذه السياسات قد تكون نتيجته قيام معارك كبرى بين الغرب والشرق متمثلة بالكنيسة والمسجد، وهذا يجعل القضية أخطر من تنفيذ مشروع خرافي بامتلاك حق مقدس، وتدميره، لإحلال مقدس آخر، وفي هذا مغامرة كبرى ربما تخترق ناموس السلام كله، إلى حروب مقدسة تعيدنا إلى تواريخ الماضي الدامي..




تعليق