لماذا ينجح بوش وبلير رغم الكذب على الشعب؟! عبد المالك سالمان
سوف يقف المؤرخون طويلا أمام صدمة نجاح كل من جورج بوش الابن وتوني بلير في أمريكا وبريطانيا في الفوز مجددا في الانتخابات، على الرغم من السقوط المدوي لمصداقيتهما بشأن قرار شن الحرب ضد العراق.
فكلا الرجلين قام بخداع شعبه والكذب عليه وتلفيق الحجج والمبررات لشن حرب خارجية على بعد آلاف الأميال وراء البحار، ولم تحظ تلك الحرب بأية تغطية أو موافقة من الشرعية الدولية حيث تم تجاهل مجلس الأمن الدولي، وثبت لاحقا عبر كل البراهين أن الذريعة التي استند إليها كل من بوش وبلير لشن الحرب ضد العراق، وهي الادعاء بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الأمن العالمي، لم تكن إلا افتراء محضا وكذبا صريحا، فلم يكن لدى العراق هذه الأسلحة المزعومة واعترف كلا الزعيمين بالقيام بالكذب والخطأ في الحسابات والتقدير ولكنهما حاولا دوما تبرير قرار الحرب بمزيد من المبررات الالتوائية الأخرى. في عالم السياسة، وفي التجارب الديمقراطية، يعتبر قرار شن الحرب هو أخطر قرار يتخذه أي زعيم سياسي، وإذا لم تكن هذه الحرب لها مبرراتها العقلانية والمنطقية التي تقتنع بها الشعوب وتقبل التضحية بأرواح أبنائها من أجلها، وتكبد التكاليف الاقتصادية الباهظة للمجهود الحربي، فإن الشعوب ينبغي ألا تغفر لقائد سياسي أنه غرر بها وخدعها وخان أمانة الثقة التي منحت له لتولي المسئولية الأولى في البلاد. والمتوقع في مثل هذه الحالة، أنه عند أول اختبار تقوم الشعوب بمعاقبة هؤلاء الساسة الكاذبين وتطيح بهم، وتلقي بهم إلى زوايا النسيان. لكن المفارقة، في الانتخابات الأمريكية، ثم البريطانية، ان الناخبين أعادوا انتخاب بوش وبلير رغم قرار الحرب الكاذب ضد العراق، وكأنهم يكافئون الساسة الكذابين. إن هذه سابقة خطيرة في التاريخ الديمقراطي، وتشكل بالفعل وصمة عار في الممارسات الديمقراطية من قبل تجربتين ديمقراطيتين تعتبران من أعرق التجارب الديمقراطية في الغرب الرأسمالي والعالم؟ فلقد كان الكذب في مسألة الحرب على العراق صريحا وفجّاً إلى حد التهريج السياسي، فتوني بلير ربما دخل التاريخ ليس فقط من باب انه قاد حزب العمال البريطاني الى تحقيق فوز تاريخي غير مسبوق، عندما فاز به وعبر قيادته بفترة حكم ثالثة، وهو ما لم يحققه من قبل أي زعيم عمالي آخر، والغريب ان هذا الانجاز غير المسبوق تم بعد «كذبة حرب العراق«، ولكن أيضا لأن توني بلير سوف يسجل له أشهر كذبة في تاريخ الحروب الحديثة حين أعلن أكثر من مرة أن العراق قادر على نشر أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة فقط وتهديد الأمن العالمي. وثبت بعد ذلك أن هذه الكذبة فاقت خيال أي روائي في عالم أدب الخيال العلمي. والأدهى من ذلك، أن كبار المسئولين مثلا في إدارة بوش اعترفوا صراحة انهم قد قرروا عن عمد وسابق تصميم وإصرار انتهاج سياسة الكذب لتبرير شن الحرب ضد العراق. وقد اعترف بذلك صراحة بول وولفوويتز نائب وزير الدفاع الامريكي السابق (خلال فترة الحرب)، حينما أعلن في تصريح شهير له بعد الحرب ما معناه أننا قررنا ان نكذب في مسألة أسلحة الدمار الشامل العراق لأن تلك كانت أفضل ذريعة يمكن ان تجلب تأييدا شعبيا لفكرة شن الحرب. ومن المفارقات، أن هذا الكذاب وولفوويتز بدل أن يتم ابعاده أو التخلص منه وانهاء حياته السياسية، جراء كذبه المفضوح، يتم على العكس من ذلك مكافأته ومنحه منصب رئاسة أعلى مؤسسة تمويل عالمية في مجال التنمية وهي البنك الدولي للانشاء والتعمير. وكأن الكذب بات هو مفتاح الترقي والصعود في الحياة السياسية، ومن الغريب أن يحدث هذا في المجتمعات الديمقراطية التي تعتبر المصداقية والثقة والنزاهة هي معايير أساسية وحاكمة في تولي المسئولية السياسية والمناصب العامة. علينا أن نقارن هذا بوقائع سياسية سابقة في كل من أمريكا وبريطانيا، فعندما تورط الرئيس الجمهوري الأمريكي الأسبق نيكسون في فضيحة ووترجيت بالتجسس على الحزب الديمقراطي المنافس، وأنكر في البداية حدوث ذلك ثم اعترف بالكذب في هذه القضية وأقر بفضيحة التجسس تعرض لأبشع حملة تنكيل سياسي في التاريخ الأمريكي وتم اجباره على الاستقالة وإنهاء حياته السياسية. وعندما أنكر الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون اقامته لعلاقة غرامية مع الفتاة مونيكا بولانسكي ثم تبين بعد ذلك كذبه تعرض لأبشع إذلال سياسي وكان مهددا بالعزل من رئاسة أمريكا وإنهاء حياته السياسية بفضيحة مدوية. وعندما تورط سيسيل باركنسون نائب رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر في علاقة سرية مع سكرتيرته الحسناء وحاول إخفاء ذلك إلى أن فضحته الصحافة البريطانية، اضطر في نهاية المطاف إلى الاستقالة من منصبه واعتزال الحياة السياسية، وأعلنت تاتشر بمرارة أسفها لاستقالة باركنسون وخسارة بريطانيا لذلك الزعيم السياسي المتميز، الذي قالت انه كان سيصبح زعيما بارزا للمحافظين من بعدها. والمفارقة هنا، هي أن كذب زعيم سياسي بشأن علاقة غرامية مع حسناء يقود إل إذلاله سياسيا وربما إنهاء حياته السياسية، في حين أن الكذب في مسألة مصيرية بالغة الخطورة وفي أخطر قرار سياسي وهو شن الحرب يؤدي إلى نجاح الزعيم السياسي الكاذب في الانتخابات وتجديد الثقة السياسية فيه.. فأي وصمة عار تلطخ أثواب الديمقراطية في ظل هذه المفارقات العجيبة والمثيرة؟! نحن، بالفعل، إذن، أمام ظاهرة خطيرة ولافتة للنظر كيف يمكن ان يصبح غياب المصداقية، واحتراف الكذب مفتاحا للنجاح في الانتخابات والصعود السياسي في أرقى التجارب الديمقراطية السياسية في العالم. يحاول الكاتب البريطاني بيتر أوبورن رصد هذه الظاهرة في كتاب حديث صدر له، مؤخرا، صدر في لندن بعنوان: «صعود الكذب السياسي«، فيقول: «ان توني بلير والسياسيين المحيطين به، ينتمون الى تلك النوعية من الساسة الذين احترفوا ليّ عنق الحقائق وتزييفها وعشقوا تلك الممارسة إلى حد الإدمان، فهذه المدرسة من السياسيين قد تخلت تماما عن الفكرة التي تقول: ان الحقيقة أمر يمكن دائما الوصول اليه، بشرط بذل جهد صادق من أجلها، وتوصلوا بدلا من ذلك الى استنتاج مؤداه: انه يمكن دائما الخلط بين الحقيقة وبين الزيف في أي وقت، ومن دون وازع من ضمير«. وإذا صح تفسير الكاتب البريطاني لظاهرة الكذب السياسي، فنحن نكون أمام وقائع بالغة الخطورة في الممارسة السياسية وخاصة في التجارب الديمقراطية. ومما يبرهن على صدق تفسيرات الكاتب البريطاني، ما تم الكشف عنه خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية البريطانية، فبلير لم يكتف فقط بالكذب على الشعب، بل قام بما هو أخطر. فعندما طلب من المدعي العام القانوني الافتاء بشأن مدى شرعية خوض الحرب ضد العراق من دون موافقة مجلس الأمن، أعطاه المدعي العام حكما بأن قرار خوض الحرب لابد ان يستند إلى قرار بالموافقة من مجلس الأمن. ولما كان هذا الرأي لا يتفق مع قرار بلير وبوش المسبق بشن الحرب ضد العراق مهما تكن الأسباب، فقد طلب بلير من المدعي العام تزوير وتعديل رأيه القانوني الصحيح، ليعطيه رأيا آخر يسوقه إلى الشعب يعتبر ان شن الحرب من دون موافقة الشرعية الدولية هو قرار صائب وشرعي وصحيح قانونيا. وهو ما قام به المدعي العام القانوني فعلا وأعلنه بلير أمام الرأي العام لتبرير شن الحرب، وكان له تأثير كبير وقتها في استقطاب تأييد قطاعات عريضة لقرار شن الحرب. اننا بالفعل أمام حالة تزوير متعمد للحقائق والأسانيد القانونية والشرعية في سبيل الركض وراء مغامرة خوض حرب تحت ذرائع ومبررات كاذبة تماما، ومع هذا كله يتم تجديد الثقة بهؤلاء الساسة الكاذبين في الانتخابات العامة. لقد تحدث كثيرون في محاولة تفسير الفوز الغريب لبوش وبلير في الانتخابات رغم فضيحة الكذب في شن حرب العراق، ثم ما أعقبها من فضائح أخلاقية مدوية تمثل انتهاكات صارخة لحقوق الانسان مثل فضائح تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبوغريب، والتي كانت وحدها كافية لإسقاط أي حكومة وخاصة في التجارب الديمقراطية، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وكأن الجماهير في بريطانيا وأمريكا توافق على جرائم بوش وبلير في الكذب وانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، بل وتساندهما وتؤيدهما وتلك كارثة حقيقية وأزمة أخلاقية كبرى لا يمكن التقليل من شدة وقع صدمتها على كل من يتصورون أن صناديق الاقتراع الانتخابية في المجتمعات الديمقراطية هي باب شفاف ونزيه لمعاقبة الساسة الكاذبين والاطاحة بهم.
وفي كل الأحوال فان هذه الظاهرة تحتاج الى مزيد من التأمل والتدبر والتفسير، ويمكننا ايراد بعض التفسيرات لأسباب اعادة انتخاب بوش وبلير رغم الكذب الصريح في قضية حرب العراق على النحو التالي: أولا: ان القوى المناهضة لقرار شن الحرب في العراق في كل من بريطانيا وأمريكا، ورغم نجاحها قبل شن الحرب في تنظيم مظاهرات مليونية في لندن وواشنطون تعارض الحرب، لم تتمكن من تعبئة جهودها وتنظيم عملها بصورة أكثر تأثيرا وإحكاما وفاعلية وانتشارا في أعقاب الحرب بهدف إسقاط بوش وبلير. وبقيت أعلى الأصوات التي تناهض بوش وبلير، هي أصوات أهالي الجنود الأمريكان والبريطانيين الذي قتلوا في الحرب، وهي أصوات لعائلات محدودة ولم تتمكن من تكوين تكتل شعبي عريض وقوي مناهض للحرب ويطالب البريطانيين والأمريكيين باسقاط بوش وبلير. وقد لعبت استراتيجية التعتيم الاعلامي المتعمد التي تتبعها حكومتا بوش وبلير في التغطية على خسائر القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، دورا أساسيا في تقليص اهتمام الناخب البريطاني أو الأمريكي في الاحساس بفداحة وخطأ وكارثية قرار الحرب. ثانيا: ان المواطن في كل من بريطانيا وأمريكا لم يشعر في مسار حياته العادية، بتأثير خسائر التكلفة الاقتصادية للحرب على مستوى معيشته، وهو أمر أساسي في قرار الناخب في أي مجتمع ديمقراطي في التصويت بتأييد أو اسقاط أي حكومة. فحكومة بلير تزهو بأنها حققت أطول فترة نمو اقتصادي ممتدة في تاريخ بريطانيا على مدى أكثر من قرن، بفضل السياسات الاقتصادية التي ينفذها وزير المالية أو الخزانة جوردون براون المرشح لخلافة توني بلير في زعامة حزب العمال، فالاحصاءات تشير الى ارتفاع اجمالي الناتج المحلي البريطاني خلال العام الماضي بنسبة 3.1%، وان مؤشر التضخم لا يتجاوز 1.3% في المتوسط، ومؤشر البطالة تراجع الى نحو 3% فقط، كما ان العجز في الميزانية نتيجة كل ذلك في تراجع. ولهذا، يقال ان الناخب البريطاني أعاد انتخاب سياسات حزب العمال الناجحة اقتصاديا أكثر من انه قام بتجديد الثقة في بلير ذاته. والناخب الامريكي، رغم العجز الكبير والمتزايد الذي سببته موازنة الانفاق على الحرب والذي وصل الى نحو 400 مليار دولار بنهاية عام 2004م، الا ان هذا العجز لم يظهر بعد بصورة ملموسة على حياة الناخب الامريكي الذي كان مازال يستمتع بالنتائج الايجابية للنمو الاقتصادي الكبير وطفرة الانتعاش الاقتصادي التي حققتها ولاية الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون خلال (8 سنوات)، ولم تظهر بعد الانعكاسات السلبية للمغامرة العسكرية في العراق على الاقتصاد الأمريكي أو حياة المواطن الأمريكي وبالتالي لم يشعر الناخب الأمريكي كما البريطاني بتأثير الحرب على حياته المعيشية ومستوى الخدمات التي يستفيد منها في التعليم والصحة والمواصلات وغيرها. ثالثا: ان تأثير فوبيا الارهاب في الاعلام البريطاني والامريكي بعد صدمة أحداث 11 سبتمبر، والترهيب من مخاطر ما يسمى «الارهاب الإسلامي« أو «الإسلاموفوبيا« التي تهدد أمن المجتمعات الديمقراطية الغربية، والادعاء بضرورة التصدي لهذا الخطر الارهابي قبل ان يهدد حياة الأمريكان والبريطانيين في عقر دارهم، هو تأثير مازال قويا رغم مرور نحو 4 سنوات على أحداث 11 سبتمبر، ومازالت الماكينة الاعلامية والتشريعات القانونية تعمل على إثارة الرعب والذعر في مزاج الناخب الأمريكي والبريطاني، ولاسيما كلما ظهرت شرائط ليس معلوما مدى صحتها لأسامة بن لادن والظواهري (زعيمي تنظيم القاعدة) تهدد بالانتقام من «الصليبيين في عقر دارهم«.. إلخ.. كالشريط الذي ظهر لبن لادن عشية التصويت في الانتخابات الأمريكية ولعب دورا محوريا في تعزيز التأييد لبوش وفوزه في الانتخابات. وكل هذه التأثيرات تلعب دورا في أن يتجه الناخب البريطاني أو الأمريكي لأن يغفر لبوش أو بلير أي كذب في قضية الحرب ضد العراق. وإذا أضفنا إلى ذلك الروح العنصرية الخفية والكامنة في نفوس الغربيين عموما منذ الحروب الصليبية ضد ما يعتبرونه «الوحشية أو البربرية الاسلامية« والتي تجعلهم يساندون أي حروب ضد ما يسمى «خطر العدو الإسلامي«، فإن ذلك يفسر لنا، لماذا لا تكترث الشعوب الغربية وخاصة في بريطانيا وأمريكا بأخطاء شن حرب ضد «عدو تقليدي« راسخ في الذهنية الغربية انه يمثل نوعا من التهديد للحضارة الرأسمالية الغربية. وفي تقديرنا، أن الصورة ربما اختلفت كثيرا لو أن كذبة الحرب التي قام بها بلير أو بوش في العراق كانت قد تمت ضد شعب أوروبي أو غربي آخر، فربما أصبحت خطأ لا يغتفر يستوجب محاكمة من قام به كمجرم حرب، وتنظيم محاكمات نورمبرج جديدة! رابعا: في الحالتين البريطانية والأمريكية، لم يكن هناك منافس قوي أو بديل يتمتع بالكاريزما السياسية والحضور السياسي والجماهيري والجاذبية السياسية بدلا من بلير أو بوش، فالمرشحان المنافسان وهما زعيم المحافظين هوارد في بريطانيا أو المرشح الديمقراطي جون كيري كلاهما لم يكن قادرا على التأثير في جمهور الناخبين واقناعهما بأن أيا منهما هو بديل لسياسي يحكم ويمارس الكذب، ولعل هذا في حد ذاته دليل واضح على ضعف كلٍ من هوارد وجون كيري فكلاهما كان أمامهما رئيس يتسم بالكذب ومع ذلك لم ينجحا في هزيمتهما أو الفوز عليهما. ولا يجب أن ننسى هنا الدور الذي لعبته أجهزة الإعلام في تعزيز صورة بوش وبلير، وقد كان الاعلام منذ البداية سلاحا قويا بأيدي المحافظين الجدد الذين يهيمنون على إدارة بوش لتزييف وعي الناخب الأمريكي وتوجيهه في اتجاه تأييد بوش باعتباره زعيما قادرا على التصدي للخطر الارهابي، وقد أنفق المحافظون الجدد أموالا طائلة للسيطرة على الأبواق التليفزيونية والاعلامية النافذة والمؤثرة على اتجاهات الرأي العام الأمريكي، واعتبروا الاعلام السلاح الأبرز في كسب معركتهم السياسية لمصلحة بوش، كما أن هؤلاء أرسلوا فريقا أمريكيا محترفا في الدعاية الانتخابية لدعم بلير في حملته الانتخابية في بريطانيا، بالتركيز على انجازات حكومته الاقتصادية، وتشجيع الاعتبارات البراجماتية لدى الناخب البريطاني ليهتم بشئون حياته ونسيان الحرب على العراق والأخطاء السياسية فيها. وهكذا نلاحظ أن هناك سلسلة من الاعتبارات المتداخلة التي ساهمت في إعادة فوز زعيمين سياسيين مارسا الكذب بصورة صريحة في تجربتين ديمقراطيتين عريقتين، ولاشك ان هذين المثالين سيكونان موضوع دراسة وتحليل أكثر عمقا لمعرفة المغزى والدلالات لهذين التطورين، والإجابة على تساؤل جوهري وهو: هل المصداقية والنزاهة لم تعد معيارا جوهريا لنجاح الزعيم السياسي وان الكذب يمكن ان يكون سلاحا أقوى في كسب المعارك السياسية حتى في أعرق التجارب الديمقراطية في العالم؟
سوف يقف المؤرخون طويلا أمام صدمة نجاح كل من جورج بوش الابن وتوني بلير في أمريكا وبريطانيا في الفوز مجددا في الانتخابات، على الرغم من السقوط المدوي لمصداقيتهما بشأن قرار شن الحرب ضد العراق.
فكلا الرجلين قام بخداع شعبه والكذب عليه وتلفيق الحجج والمبررات لشن حرب خارجية على بعد آلاف الأميال وراء البحار، ولم تحظ تلك الحرب بأية تغطية أو موافقة من الشرعية الدولية حيث تم تجاهل مجلس الأمن الدولي، وثبت لاحقا عبر كل البراهين أن الذريعة التي استند إليها كل من بوش وبلير لشن الحرب ضد العراق، وهي الادعاء بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل تهدد الأمن العالمي، لم تكن إلا افتراء محضا وكذبا صريحا، فلم يكن لدى العراق هذه الأسلحة المزعومة واعترف كلا الزعيمين بالقيام بالكذب والخطأ في الحسابات والتقدير ولكنهما حاولا دوما تبرير قرار الحرب بمزيد من المبررات الالتوائية الأخرى. في عالم السياسة، وفي التجارب الديمقراطية، يعتبر قرار شن الحرب هو أخطر قرار يتخذه أي زعيم سياسي، وإذا لم تكن هذه الحرب لها مبرراتها العقلانية والمنطقية التي تقتنع بها الشعوب وتقبل التضحية بأرواح أبنائها من أجلها، وتكبد التكاليف الاقتصادية الباهظة للمجهود الحربي، فإن الشعوب ينبغي ألا تغفر لقائد سياسي أنه غرر بها وخدعها وخان أمانة الثقة التي منحت له لتولي المسئولية الأولى في البلاد. والمتوقع في مثل هذه الحالة، أنه عند أول اختبار تقوم الشعوب بمعاقبة هؤلاء الساسة الكاذبين وتطيح بهم، وتلقي بهم إلى زوايا النسيان. لكن المفارقة، في الانتخابات الأمريكية، ثم البريطانية، ان الناخبين أعادوا انتخاب بوش وبلير رغم قرار الحرب الكاذب ضد العراق، وكأنهم يكافئون الساسة الكذابين. إن هذه سابقة خطيرة في التاريخ الديمقراطي، وتشكل بالفعل وصمة عار في الممارسات الديمقراطية من قبل تجربتين ديمقراطيتين تعتبران من أعرق التجارب الديمقراطية في الغرب الرأسمالي والعالم؟ فلقد كان الكذب في مسألة الحرب على العراق صريحا وفجّاً إلى حد التهريج السياسي، فتوني بلير ربما دخل التاريخ ليس فقط من باب انه قاد حزب العمال البريطاني الى تحقيق فوز تاريخي غير مسبوق، عندما فاز به وعبر قيادته بفترة حكم ثالثة، وهو ما لم يحققه من قبل أي زعيم عمالي آخر، والغريب ان هذا الانجاز غير المسبوق تم بعد «كذبة حرب العراق«، ولكن أيضا لأن توني بلير سوف يسجل له أشهر كذبة في تاريخ الحروب الحديثة حين أعلن أكثر من مرة أن العراق قادر على نشر أسلحة الدمار الشامل خلال 45 دقيقة فقط وتهديد الأمن العالمي. وثبت بعد ذلك أن هذه الكذبة فاقت خيال أي روائي في عالم أدب الخيال العلمي. والأدهى من ذلك، أن كبار المسئولين مثلا في إدارة بوش اعترفوا صراحة انهم قد قرروا عن عمد وسابق تصميم وإصرار انتهاج سياسة الكذب لتبرير شن الحرب ضد العراق. وقد اعترف بذلك صراحة بول وولفوويتز نائب وزير الدفاع الامريكي السابق (خلال فترة الحرب)، حينما أعلن في تصريح شهير له بعد الحرب ما معناه أننا قررنا ان نكذب في مسألة أسلحة الدمار الشامل العراق لأن تلك كانت أفضل ذريعة يمكن ان تجلب تأييدا شعبيا لفكرة شن الحرب. ومن المفارقات، أن هذا الكذاب وولفوويتز بدل أن يتم ابعاده أو التخلص منه وانهاء حياته السياسية، جراء كذبه المفضوح، يتم على العكس من ذلك مكافأته ومنحه منصب رئاسة أعلى مؤسسة تمويل عالمية في مجال التنمية وهي البنك الدولي للانشاء والتعمير. وكأن الكذب بات هو مفتاح الترقي والصعود في الحياة السياسية، ومن الغريب أن يحدث هذا في المجتمعات الديمقراطية التي تعتبر المصداقية والثقة والنزاهة هي معايير أساسية وحاكمة في تولي المسئولية السياسية والمناصب العامة. علينا أن نقارن هذا بوقائع سياسية سابقة في كل من أمريكا وبريطانيا، فعندما تورط الرئيس الجمهوري الأمريكي الأسبق نيكسون في فضيحة ووترجيت بالتجسس على الحزب الديمقراطي المنافس، وأنكر في البداية حدوث ذلك ثم اعترف بالكذب في هذه القضية وأقر بفضيحة التجسس تعرض لأبشع حملة تنكيل سياسي في التاريخ الأمريكي وتم اجباره على الاستقالة وإنهاء حياته السياسية. وعندما أنكر الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون اقامته لعلاقة غرامية مع الفتاة مونيكا بولانسكي ثم تبين بعد ذلك كذبه تعرض لأبشع إذلال سياسي وكان مهددا بالعزل من رئاسة أمريكا وإنهاء حياته السياسية بفضيحة مدوية. وعندما تورط سيسيل باركنسون نائب رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارجريت تاتشر في علاقة سرية مع سكرتيرته الحسناء وحاول إخفاء ذلك إلى أن فضحته الصحافة البريطانية، اضطر في نهاية المطاف إلى الاستقالة من منصبه واعتزال الحياة السياسية، وأعلنت تاتشر بمرارة أسفها لاستقالة باركنسون وخسارة بريطانيا لذلك الزعيم السياسي المتميز، الذي قالت انه كان سيصبح زعيما بارزا للمحافظين من بعدها. والمفارقة هنا، هي أن كذب زعيم سياسي بشأن علاقة غرامية مع حسناء يقود إل إذلاله سياسيا وربما إنهاء حياته السياسية، في حين أن الكذب في مسألة مصيرية بالغة الخطورة وفي أخطر قرار سياسي وهو شن الحرب يؤدي إلى نجاح الزعيم السياسي الكاذب في الانتخابات وتجديد الثقة السياسية فيه.. فأي وصمة عار تلطخ أثواب الديمقراطية في ظل هذه المفارقات العجيبة والمثيرة؟! نحن، بالفعل، إذن، أمام ظاهرة خطيرة ولافتة للنظر كيف يمكن ان يصبح غياب المصداقية، واحتراف الكذب مفتاحا للنجاح في الانتخابات والصعود السياسي في أرقى التجارب الديمقراطية السياسية في العالم. يحاول الكاتب البريطاني بيتر أوبورن رصد هذه الظاهرة في كتاب حديث صدر له، مؤخرا، صدر في لندن بعنوان: «صعود الكذب السياسي«، فيقول: «ان توني بلير والسياسيين المحيطين به، ينتمون الى تلك النوعية من الساسة الذين احترفوا ليّ عنق الحقائق وتزييفها وعشقوا تلك الممارسة إلى حد الإدمان، فهذه المدرسة من السياسيين قد تخلت تماما عن الفكرة التي تقول: ان الحقيقة أمر يمكن دائما الوصول اليه، بشرط بذل جهد صادق من أجلها، وتوصلوا بدلا من ذلك الى استنتاج مؤداه: انه يمكن دائما الخلط بين الحقيقة وبين الزيف في أي وقت، ومن دون وازع من ضمير«. وإذا صح تفسير الكاتب البريطاني لظاهرة الكذب السياسي، فنحن نكون أمام وقائع بالغة الخطورة في الممارسة السياسية وخاصة في التجارب الديمقراطية. ومما يبرهن على صدق تفسيرات الكاتب البريطاني، ما تم الكشف عنه خلال الأسابيع الأخيرة من الحملة الانتخابية البريطانية، فبلير لم يكتف فقط بالكذب على الشعب، بل قام بما هو أخطر. فعندما طلب من المدعي العام القانوني الافتاء بشأن مدى شرعية خوض الحرب ضد العراق من دون موافقة مجلس الأمن، أعطاه المدعي العام حكما بأن قرار خوض الحرب لابد ان يستند إلى قرار بالموافقة من مجلس الأمن. ولما كان هذا الرأي لا يتفق مع قرار بلير وبوش المسبق بشن الحرب ضد العراق مهما تكن الأسباب، فقد طلب بلير من المدعي العام تزوير وتعديل رأيه القانوني الصحيح، ليعطيه رأيا آخر يسوقه إلى الشعب يعتبر ان شن الحرب من دون موافقة الشرعية الدولية هو قرار صائب وشرعي وصحيح قانونيا. وهو ما قام به المدعي العام القانوني فعلا وأعلنه بلير أمام الرأي العام لتبرير شن الحرب، وكان له تأثير كبير وقتها في استقطاب تأييد قطاعات عريضة لقرار شن الحرب. اننا بالفعل أمام حالة تزوير متعمد للحقائق والأسانيد القانونية والشرعية في سبيل الركض وراء مغامرة خوض حرب تحت ذرائع ومبررات كاذبة تماما، ومع هذا كله يتم تجديد الثقة بهؤلاء الساسة الكاذبين في الانتخابات العامة. لقد تحدث كثيرون في محاولة تفسير الفوز الغريب لبوش وبلير في الانتخابات رغم فضيحة الكذب في شن حرب العراق، ثم ما أعقبها من فضائح أخلاقية مدوية تمثل انتهاكات صارخة لحقوق الانسان مثل فضائح تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبوغريب، والتي كانت وحدها كافية لإسقاط أي حكومة وخاصة في التجارب الديمقراطية، ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، وكأن الجماهير في بريطانيا وأمريكا توافق على جرائم بوش وبلير في الكذب وانتهاكات حقوق الإنسان في العراق، بل وتساندهما وتؤيدهما وتلك كارثة حقيقية وأزمة أخلاقية كبرى لا يمكن التقليل من شدة وقع صدمتها على كل من يتصورون أن صناديق الاقتراع الانتخابية في المجتمعات الديمقراطية هي باب شفاف ونزيه لمعاقبة الساسة الكاذبين والاطاحة بهم.
وفي كل الأحوال فان هذه الظاهرة تحتاج الى مزيد من التأمل والتدبر والتفسير، ويمكننا ايراد بعض التفسيرات لأسباب اعادة انتخاب بوش وبلير رغم الكذب الصريح في قضية حرب العراق على النحو التالي: أولا: ان القوى المناهضة لقرار شن الحرب في العراق في كل من بريطانيا وأمريكا، ورغم نجاحها قبل شن الحرب في تنظيم مظاهرات مليونية في لندن وواشنطون تعارض الحرب، لم تتمكن من تعبئة جهودها وتنظيم عملها بصورة أكثر تأثيرا وإحكاما وفاعلية وانتشارا في أعقاب الحرب بهدف إسقاط بوش وبلير. وبقيت أعلى الأصوات التي تناهض بوش وبلير، هي أصوات أهالي الجنود الأمريكان والبريطانيين الذي قتلوا في الحرب، وهي أصوات لعائلات محدودة ولم تتمكن من تكوين تكتل شعبي عريض وقوي مناهض للحرب ويطالب البريطانيين والأمريكيين باسقاط بوش وبلير. وقد لعبت استراتيجية التعتيم الاعلامي المتعمد التي تتبعها حكومتا بوش وبلير في التغطية على خسائر القوات الأمريكية والبريطانية في العراق، دورا أساسيا في تقليص اهتمام الناخب البريطاني أو الأمريكي في الاحساس بفداحة وخطأ وكارثية قرار الحرب. ثانيا: ان المواطن في كل من بريطانيا وأمريكا لم يشعر في مسار حياته العادية، بتأثير خسائر التكلفة الاقتصادية للحرب على مستوى معيشته، وهو أمر أساسي في قرار الناخب في أي مجتمع ديمقراطي في التصويت بتأييد أو اسقاط أي حكومة. فحكومة بلير تزهو بأنها حققت أطول فترة نمو اقتصادي ممتدة في تاريخ بريطانيا على مدى أكثر من قرن، بفضل السياسات الاقتصادية التي ينفذها وزير المالية أو الخزانة جوردون براون المرشح لخلافة توني بلير في زعامة حزب العمال، فالاحصاءات تشير الى ارتفاع اجمالي الناتج المحلي البريطاني خلال العام الماضي بنسبة 3.1%، وان مؤشر التضخم لا يتجاوز 1.3% في المتوسط، ومؤشر البطالة تراجع الى نحو 3% فقط، كما ان العجز في الميزانية نتيجة كل ذلك في تراجع. ولهذا، يقال ان الناخب البريطاني أعاد انتخاب سياسات حزب العمال الناجحة اقتصاديا أكثر من انه قام بتجديد الثقة في بلير ذاته. والناخب الامريكي، رغم العجز الكبير والمتزايد الذي سببته موازنة الانفاق على الحرب والذي وصل الى نحو 400 مليار دولار بنهاية عام 2004م، الا ان هذا العجز لم يظهر بعد بصورة ملموسة على حياة الناخب الامريكي الذي كان مازال يستمتع بالنتائج الايجابية للنمو الاقتصادي الكبير وطفرة الانتعاش الاقتصادي التي حققتها ولاية الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون خلال (8 سنوات)، ولم تظهر بعد الانعكاسات السلبية للمغامرة العسكرية في العراق على الاقتصاد الأمريكي أو حياة المواطن الأمريكي وبالتالي لم يشعر الناخب الأمريكي كما البريطاني بتأثير الحرب على حياته المعيشية ومستوى الخدمات التي يستفيد منها في التعليم والصحة والمواصلات وغيرها. ثالثا: ان تأثير فوبيا الارهاب في الاعلام البريطاني والامريكي بعد صدمة أحداث 11 سبتمبر، والترهيب من مخاطر ما يسمى «الارهاب الإسلامي« أو «الإسلاموفوبيا« التي تهدد أمن المجتمعات الديمقراطية الغربية، والادعاء بضرورة التصدي لهذا الخطر الارهابي قبل ان يهدد حياة الأمريكان والبريطانيين في عقر دارهم، هو تأثير مازال قويا رغم مرور نحو 4 سنوات على أحداث 11 سبتمبر، ومازالت الماكينة الاعلامية والتشريعات القانونية تعمل على إثارة الرعب والذعر في مزاج الناخب الأمريكي والبريطاني، ولاسيما كلما ظهرت شرائط ليس معلوما مدى صحتها لأسامة بن لادن والظواهري (زعيمي تنظيم القاعدة) تهدد بالانتقام من «الصليبيين في عقر دارهم«.. إلخ.. كالشريط الذي ظهر لبن لادن عشية التصويت في الانتخابات الأمريكية ولعب دورا محوريا في تعزيز التأييد لبوش وفوزه في الانتخابات. وكل هذه التأثيرات تلعب دورا في أن يتجه الناخب البريطاني أو الأمريكي لأن يغفر لبوش أو بلير أي كذب في قضية الحرب ضد العراق. وإذا أضفنا إلى ذلك الروح العنصرية الخفية والكامنة في نفوس الغربيين عموما منذ الحروب الصليبية ضد ما يعتبرونه «الوحشية أو البربرية الاسلامية« والتي تجعلهم يساندون أي حروب ضد ما يسمى «خطر العدو الإسلامي«، فإن ذلك يفسر لنا، لماذا لا تكترث الشعوب الغربية وخاصة في بريطانيا وأمريكا بأخطاء شن حرب ضد «عدو تقليدي« راسخ في الذهنية الغربية انه يمثل نوعا من التهديد للحضارة الرأسمالية الغربية. وفي تقديرنا، أن الصورة ربما اختلفت كثيرا لو أن كذبة الحرب التي قام بها بلير أو بوش في العراق كانت قد تمت ضد شعب أوروبي أو غربي آخر، فربما أصبحت خطأ لا يغتفر يستوجب محاكمة من قام به كمجرم حرب، وتنظيم محاكمات نورمبرج جديدة! رابعا: في الحالتين البريطانية والأمريكية، لم يكن هناك منافس قوي أو بديل يتمتع بالكاريزما السياسية والحضور السياسي والجماهيري والجاذبية السياسية بدلا من بلير أو بوش، فالمرشحان المنافسان وهما زعيم المحافظين هوارد في بريطانيا أو المرشح الديمقراطي جون كيري كلاهما لم يكن قادرا على التأثير في جمهور الناخبين واقناعهما بأن أيا منهما هو بديل لسياسي يحكم ويمارس الكذب، ولعل هذا في حد ذاته دليل واضح على ضعف كلٍ من هوارد وجون كيري فكلاهما كان أمامهما رئيس يتسم بالكذب ومع ذلك لم ينجحا في هزيمتهما أو الفوز عليهما. ولا يجب أن ننسى هنا الدور الذي لعبته أجهزة الإعلام في تعزيز صورة بوش وبلير، وقد كان الاعلام منذ البداية سلاحا قويا بأيدي المحافظين الجدد الذين يهيمنون على إدارة بوش لتزييف وعي الناخب الأمريكي وتوجيهه في اتجاه تأييد بوش باعتباره زعيما قادرا على التصدي للخطر الارهابي، وقد أنفق المحافظون الجدد أموالا طائلة للسيطرة على الأبواق التليفزيونية والاعلامية النافذة والمؤثرة على اتجاهات الرأي العام الأمريكي، واعتبروا الاعلام السلاح الأبرز في كسب معركتهم السياسية لمصلحة بوش، كما أن هؤلاء أرسلوا فريقا أمريكيا محترفا في الدعاية الانتخابية لدعم بلير في حملته الانتخابية في بريطانيا، بالتركيز على انجازات حكومته الاقتصادية، وتشجيع الاعتبارات البراجماتية لدى الناخب البريطاني ليهتم بشئون حياته ونسيان الحرب على العراق والأخطاء السياسية فيها. وهكذا نلاحظ أن هناك سلسلة من الاعتبارات المتداخلة التي ساهمت في إعادة فوز زعيمين سياسيين مارسا الكذب بصورة صريحة في تجربتين ديمقراطيتين عريقتين، ولاشك ان هذين المثالين سيكونان موضوع دراسة وتحليل أكثر عمقا لمعرفة المغزى والدلالات لهذين التطورين، والإجابة على تساؤل جوهري وهو: هل المصداقية والنزاهة لم تعد معيارا جوهريا لنجاح الزعيم السياسي وان الكذب يمكن ان يكون سلاحا أقوى في كسب المعارك السياسية حتى في أعرق التجارب الديمقراطية في العالم؟




تعليق