في الوقت الذي تعيث فيه أمريكا فساداً في العراق بحجة تطهيره من والعرب والمسلمين والزرقاويين والبعثيين والسلفيين والتكفيريين ... الخ والمقصود تطهيره من الشعب العراقي، وفي الوقت الذي تسكت فيه على جرائم ربيبتها المدللة اسرائيل، تحدث الرئيس الأمريكي بوش أمام الحشود الشعبية في جورجيا، قبل ثلاثة أيام فقط من مجزرة أنديجون في أوزبكستان، التي راح ضحيتها مئات الأشخاص على يد قوات الأمن الأوزبكية، وتحدث بوش عن الحرية الموعودة والاصلاح والديمقراطية لهم.
وفي كلا الحالين، صدّقه المواطنون الأوزبكيون، فتدفقوا إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والخبز والعمل، ورابط بعضهم قرب السفارة الأمريكية في طشقند، عاصمة أوزبكستان، مطالبين الأمريكيين الوفاء بوعودهم الديمقراطية. بيد أن هؤلاء حصدوا الخيبة والموت، بدل الحرية والحياة. فلا الرئيس بوش إلتزم الخيار الأخلاقي الذي وعد به، ولا حليفه الديكتاتور كريموف كان يخشى أصلاً هذا الالتزام وهو يأمر الدبابات والمدرعات والجنود بفتح النار على المدنيين.
وكانت الحصيلة أزمة صدقية طاحنة، ضربت السياسة الخارجية الأمريكية في نقطة قوتها الهجومية الرئيسية المتعلقة بـ "إستراتيجية الحرية"، وانكشاف المعايير المزدوجة التي تتعاطى بها إدارة بوش مع هذه الإستراتيجية.
فحين وجدت واشنطن نفسها أمام خيار الحرية مع مخاطر، وبين قمع كريموف مع الحفاظ على المصالح، لم تتردد لحظة في الانحياز إلى الديكتاتور.
ولكن لماذا كريموف برغم أنه "يسلق" معارضيه السياسيين في ماء مغلي وهم أحياء، ويصادر كل الحريات ويزّور كل الانتخابات منذ وصوله إلى السلطة عام 1991؟ الجواب هو لأن هذا الديكتاتور يقدم "خدمات جليلة" للولايات المتحدة :
• فهو أبرم معاهدة تحالف إستراتيجي معها، وسمح للقوات الأمريكية بإجراء مناورات عسكرية دائمة على الأراضي الأوزبكية منذ عام 1997.
• أعطى واشنطن، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قاعدة عسكرية جوية في خان أباد، تُـستخدم لشن العمليات العسكرية في أفغانستان.
• وكان سعيداً بأن يلعب لصالح الأمريكيين دور الحامي الذي يعتد به لإمدادات النفط والغاز في وسط آسيا.
• والاهم، أنه سمح بأن تستخدم بلاده كـ "مسلخ" تصدر إليه الدول الغربية كل من تشتبه بأن له علاقة بـ "الإرهاب"، حيث يتم تعريض السجناء لأبشع أنواع التعذيب بلا رقابة قانونية أو حسيب أخلاقي.
في مقابل هذه "الخدمات"، كانت واشنطن تغُـض الطرف عن كل خروقات كريموف لحقوق الإنسان، وتحميه من كل وأي محاولة محاسبة دولية لأعماله القمعية والديكتاتورية.
وآخر تجليات هذه الحماية، برزت مباشرة بعد مجزرة أنديجون، حين اكتفت وزارة الخارجية الأمريكية بـ "إبداء الأسف" لوقوع الضحايا في طشقند، مناشدة الطرفين (أي قوات الأمن والمدنيين!) ضبط النفس، في حين كانت كوندوليزا رايس تقفز فوق المجزرة لتدعو كريموف إلى "فتح بعض الصمامات لإطلاق الضغوط الشعبية" (...).
هل هذه المعايير الأمريكية المزدوجة، قصر على أوزبكستان؟ كلا بالطبع قد تكون هذه (المعايير) فاقعة الوضوح في هذه الدولة الآسيوية الوسطى، لكن هذا لا يعني أنها خصيصة لها.
ففي عدد من الدول العربية الإقليمية الكبرى التي ترتكز إليها المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، تتوالى الأدلة كل يوم تقريباً على كيفية تغليب واشنطن لخيار القمع على خيار الحرية، طالما أن ذلك يخدم هذه المصالح.
ثم هناك مسألة الرئيس الباكستاني برويز مشرف، الذي تتسامح واشنطن كلياً مع ديكتاتوريته العسكرية والقمعية، طالما أنه يواصل دعم الحرب الأمريكية في أفغانستان وضد "الإرهاب".
كل هذه التجارب تؤكّـد لمن يُـريد أن يتأكّـد، أن إدارة بوش تطبّـق معيار الحرية والديمقراطية وفق الرغبة الانتقائية. فحيث يمكن أن تكون هذه الديمقراطية مفيدة للمصالح أو الإستراتيجية الأمريكية (أوكرانيا، جورجيا، لبنان.. الخ) فلتُـطبق، وحين تكون الديكتاتورية هي المفيدة "المثلث الذهبي"، آسيا الوسطى، الخ)، لا بأس من التسامح معها. بيد أن مثل هذه التناقضات الفاقعة لا تستطيع أن تستمر طويلاً.
لماذا؟ ببساطة، لأن التزام واشنطن معيار الحرية، حتى ولو كان على الصعيد اللفظي، يزيد إلى حد بعيد توقعات الشعوب، ويرفع وتيرة آمالها بتحقيق مستويات أعلى من حقوق الإنسان، وهذا سيدفع السياسة الخارجية الأمريكية، عاجلاً أو آجلاً، إلى أحد خيارين: إما إلى المأزق والطريق المسدود (في حال قررت واشنطن مواصلة دعم حلفائها ال*******يين)، أو إلى المغامرة بخسارة بعض مصالحها مع زيادة نفوذها، (في حال قرّرت دعم توقعات الشعوب).
فهل من متعظ أيها المتأمركون الصغار؟؟
وفي كلا الحالين، صدّقه المواطنون الأوزبكيون، فتدفقوا إلى الشوارع للمطالبة بالحرية والخبز والعمل، ورابط بعضهم قرب السفارة الأمريكية في طشقند، عاصمة أوزبكستان، مطالبين الأمريكيين الوفاء بوعودهم الديمقراطية. بيد أن هؤلاء حصدوا الخيبة والموت، بدل الحرية والحياة. فلا الرئيس بوش إلتزم الخيار الأخلاقي الذي وعد به، ولا حليفه الديكتاتور كريموف كان يخشى أصلاً هذا الالتزام وهو يأمر الدبابات والمدرعات والجنود بفتح النار على المدنيين.
وكانت الحصيلة أزمة صدقية طاحنة، ضربت السياسة الخارجية الأمريكية في نقطة قوتها الهجومية الرئيسية المتعلقة بـ "إستراتيجية الحرية"، وانكشاف المعايير المزدوجة التي تتعاطى بها إدارة بوش مع هذه الإستراتيجية.
فحين وجدت واشنطن نفسها أمام خيار الحرية مع مخاطر، وبين قمع كريموف مع الحفاظ على المصالح، لم تتردد لحظة في الانحياز إلى الديكتاتور.
ولكن لماذا كريموف برغم أنه "يسلق" معارضيه السياسيين في ماء مغلي وهم أحياء، ويصادر كل الحريات ويزّور كل الانتخابات منذ وصوله إلى السلطة عام 1991؟ الجواب هو لأن هذا الديكتاتور يقدم "خدمات جليلة" للولايات المتحدة :
• فهو أبرم معاهدة تحالف إستراتيجي معها، وسمح للقوات الأمريكية بإجراء مناورات عسكرية دائمة على الأراضي الأوزبكية منذ عام 1997.
• أعطى واشنطن، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، قاعدة عسكرية جوية في خان أباد، تُـستخدم لشن العمليات العسكرية في أفغانستان.
• وكان سعيداً بأن يلعب لصالح الأمريكيين دور الحامي الذي يعتد به لإمدادات النفط والغاز في وسط آسيا.
• والاهم، أنه سمح بأن تستخدم بلاده كـ "مسلخ" تصدر إليه الدول الغربية كل من تشتبه بأن له علاقة بـ "الإرهاب"، حيث يتم تعريض السجناء لأبشع أنواع التعذيب بلا رقابة قانونية أو حسيب أخلاقي.
في مقابل هذه "الخدمات"، كانت واشنطن تغُـض الطرف عن كل خروقات كريموف لحقوق الإنسان، وتحميه من كل وأي محاولة محاسبة دولية لأعماله القمعية والديكتاتورية.
وآخر تجليات هذه الحماية، برزت مباشرة بعد مجزرة أنديجون، حين اكتفت وزارة الخارجية الأمريكية بـ "إبداء الأسف" لوقوع الضحايا في طشقند، مناشدة الطرفين (أي قوات الأمن والمدنيين!) ضبط النفس، في حين كانت كوندوليزا رايس تقفز فوق المجزرة لتدعو كريموف إلى "فتح بعض الصمامات لإطلاق الضغوط الشعبية" (...).
هل هذه المعايير الأمريكية المزدوجة، قصر على أوزبكستان؟ كلا بالطبع قد تكون هذه (المعايير) فاقعة الوضوح في هذه الدولة الآسيوية الوسطى، لكن هذا لا يعني أنها خصيصة لها.
ففي عدد من الدول العربية الإقليمية الكبرى التي ترتكز إليها المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط الكبير، تتوالى الأدلة كل يوم تقريباً على كيفية تغليب واشنطن لخيار القمع على خيار الحرية، طالما أن ذلك يخدم هذه المصالح.
ثم هناك مسألة الرئيس الباكستاني برويز مشرف، الذي تتسامح واشنطن كلياً مع ديكتاتوريته العسكرية والقمعية، طالما أنه يواصل دعم الحرب الأمريكية في أفغانستان وضد "الإرهاب".
كل هذه التجارب تؤكّـد لمن يُـريد أن يتأكّـد، أن إدارة بوش تطبّـق معيار الحرية والديمقراطية وفق الرغبة الانتقائية. فحيث يمكن أن تكون هذه الديمقراطية مفيدة للمصالح أو الإستراتيجية الأمريكية (أوكرانيا، جورجيا، لبنان.. الخ) فلتُـطبق، وحين تكون الديكتاتورية هي المفيدة "المثلث الذهبي"، آسيا الوسطى، الخ)، لا بأس من التسامح معها. بيد أن مثل هذه التناقضات الفاقعة لا تستطيع أن تستمر طويلاً.
لماذا؟ ببساطة، لأن التزام واشنطن معيار الحرية، حتى ولو كان على الصعيد اللفظي، يزيد إلى حد بعيد توقعات الشعوب، ويرفع وتيرة آمالها بتحقيق مستويات أعلى من حقوق الإنسان، وهذا سيدفع السياسة الخارجية الأمريكية، عاجلاً أو آجلاً، إلى أحد خيارين: إما إلى المأزق والطريق المسدود (في حال قررت واشنطن مواصلة دعم حلفائها ال*******يين)، أو إلى المغامرة بخسارة بعض مصالحها مع زيادة نفوذها، (في حال قرّرت دعم توقعات الشعوب).
فهل من متعظ أيها المتأمركون الصغار؟؟






تعليق