قد تكون أنت إرهابي
الأستاذ علي الصالح * - 25 / 7 / 2005م - 11:37 م

أخي القارئ تريث قليلاً قبل أن ترميني بالعته والجنون حينما أقول لك أنه يوجد عمل إرهابي في كل مكان, في المسجد والمستشفى, والبيت, والمدرسة, والجامعة, والسجن, والسوق, والملعب. بل أنصحك بأن تفتش عنه في جنبات نفسك!!.
نعم يوجد في كل هذه الأماكن, ذلك أن منفذه هو الإنسان البسيط، رجل الشارع.أما كيف يكون هذا العمل فهو يتمظهر بعدة مظاهر, منها ما هو كلامي ينطق به صاحبه، ومنه ما هو وجداني على شكل فكره تخالج المرء دون أن تجد طريقها إلى التعبير الظاهري،أما ماهو هذا العمل الإرهابي؟ فهو«التبرير».
لن أوجع رأس القارئ الكريم بالتعريفات الأكاديمية المملة بل سأختصر وأقول أن الإرهاب هو: «تدمير الآخر».
هذا عن الإرهاب كمصطلح, أما مصطلح الإرهابيين كأشخاص فهو لاينحصر بمن يشد الحزام الناسف ويفجر نفسه، بل إن الإرهابيين يكونون ثلاث شرائح هم:
• المنفذون.
• المحرضون.
• المبررون.
إنه من الغريب أن نلحظ أن أكثر الصفات المشتركة نراها بين المنفذين المباشرين للعمليات الإرهابية هي ليست التدين بل اليأس والإحباط والفشل التي تتطور مع الوقت لتتجلبب بعباءة الدين، حيث أن مشاعر«الحقد والغضب والرغبة في الإنتقام من المجتمع والبيئة المحيطة» القابعة في عمق «اللاوعي» لا تحتاج إلا الى ترجمة بسيطة سريعة في «الوعي» ليتم اعتبارها غضبا لله ولحرمة الدين ورغبة في تدمير المجتمع «الفاسد», فيخدع الفرد نفسه بهذه الترجمة، حيث أنه يصل درجة يرى فيها الموت هو الخلاص الوحيد لمشاكله وبدلاً من الإنتحار المسالم والصامت الذي نراه في أمريكا وبريطانيا واليابان والهند واسكندنافيا، وذلك بتعليق المنتحر رقبته بحبل متدلي أو تجرع كمية من الأقراص الطبية.. فإن هؤلاء الإرهابيين يلجئون إلى انتحار «درامي», «بطولي», «هادف» كما يتوهمون ومع توافر الأدبيات التي تدعم هذه الأوهام، وأي عمل أشرف من الشهادة في ديننا.
وهم في الغالب مجموعة من «المتمشيخين» الذين يكونون عادة أكبر سنا ً من المنفذين وأضّن على أنفسهم وأموالهم وأبنائهم. وتتماهى في شخصياتهم كثير من الصفات من أبرزها: «الجهل، الفهم الخاطىء للدين,التعصب, العدوانية والتعطش للدماء»، كل تلك الصفات السيئة حينما تصدر من رجل طويل اللحية يجلله الشيب يلبس لباس أهل العلم ويتمتم بذكر الله، وإذا نطق فلآيات القرآن الكريم والسنة النبوية نصيب كبير من نطقه، عند ذلك تتحول هذه الصفات عند الكثير الى انفعالات دينيه طاهرة ومقدسة.
وتنحصر وظيفة هذه الشريحه في اطلاق فتاوى التكفير والتفسيق وهدر الدم، والحث المباشر على الارهاب، واعتباره من الجهاد في سبيل الله، والرد على كل كلمة تشكك في هذا الجهاد. ولا تقتصر هذه الفئة على السياسيين والكتّاب والمثقفين غير المتدينين ولكنهم يرون في «الارهاب» وسيلة لتحقيق اهداف يبتغونها ومصالح يتوهمونها.
وهذه هي اخطر شريحة من الارهابيين، لماذا؟ لأن عددها يبلغ أضعاف أضعاف سابقيها، فأفرادها هم من رجال الشارع البسطاء والمسالمين والطيبين الغير متعلمين، أو ذوو حظ قليل من التعليم او من المتعلمين الغير مثقفين او انصاف المثقفين، وهؤلاء يجدون انفسهم منخرطين بوعي او من دون وعي في حالة التبرير التي تقف وراء الارهاب.
• ولكن لماذا يتورط هؤلاء الذين وصفتُهُم بالمسالمين والطيبين بشكل أو بآخر في دعم الارهاب؟
إن ذلك يرجع لعدة أسباب أهمها:
أ- السذاجة: حيث أنهم يفتقرون الى الأدوات الفكرية التي تمكنهم من رد منطق، الارهابيين الذين يدّعون ان اعمالهم تنطلق من الآيات القرآنية، بل إن بعضهم يقتنع أن الأعمال الارهابية هي امتثال للنص الديني.
ب- التشوه الثقافي القيمي: وهذا مبحث معقد, ولكن أبرز مصاديقه هي حالة تبرير فعل «القتل» للوصول لأهداف سياسية، وخاصة إذا كان يُنظر الى من قام بهذه الأفعال في مرحلة من المراحل التاريخية على أنه قدوة ومثال، كبعض خلفاء الدول الاسلامية المتعاقبة بعد حقبة الخلفاء الراشدين.
ج- الفهم الخاطيء للنص الديني: وذلك لوجود نصوص دينية مقدسة يتعذر فهمها اذا عولجت بشكل مجتزأ أو بظاهرها بعيداً عن السياق العام للنصوص ككل.
حيث أن آيات القرآن يكمل بعضها البعض، والأحاديث النبوية الشريفة تفسر القرآن، وتفصل ما أجمل فيه، وتعمم الخاص، وتخصص العام.. وهكذا فإن إستنباط الحكم الشرعي من النص الديني ينبغي فهماً وإلماما ًشاملين بهذه المنظومة الواسعة من النصوص الدينية المقدسة التي تزخر بحركية النص.. قال تعالى:﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾[1] .
ومن الأمثلة على المفاهيم الدينية التي أسيء فهمها وتطبيقها: «الجهاد, النهي عن المنكر، والمقاومة».
د- نظرية المؤامرة: هذه النظرية الملعونة التي رضعت من عصارات الفكر العربي، حتى أصيبت بالتخمة والعملقة، وضُخمت تضخيماً أسطورياً عجائبياً حتى أصبح يُنظر الى كل مصائبنا من جهل، وتخلف، وفقر، و*******، على انها نتاج المخططات ال*******ية، وطبيعي عند ذلك أن يكون الحل السحري لمصائبنا هو تدمير ذلك المستعمر. واتسع المفهوم ليشمل المتعاونين مع المستعمر وعُملائه الذي قد تدخل من ضمنهم شعوب بأكملها حسب فهم هذه الجماعات.
[1] سورة آل عمران الآية 7.
الأستاذ علي الصالح * - 25 / 7 / 2005م - 11:37 م

أخي القارئ تريث قليلاً قبل أن ترميني بالعته والجنون حينما أقول لك أنه يوجد عمل إرهابي في كل مكان, في المسجد والمستشفى, والبيت, والمدرسة, والجامعة, والسجن, والسوق, والملعب. بل أنصحك بأن تفتش عنه في جنبات نفسك!!.
نعم يوجد في كل هذه الأماكن, ذلك أن منفذه هو الإنسان البسيط، رجل الشارع.أما كيف يكون هذا العمل فهو يتمظهر بعدة مظاهر, منها ما هو كلامي ينطق به صاحبه، ومنه ما هو وجداني على شكل فكره تخالج المرء دون أن تجد طريقها إلى التعبير الظاهري،أما ماهو هذا العمل الإرهابي؟ فهو«التبرير».
لن أوجع رأس القارئ الكريم بالتعريفات الأكاديمية المملة بل سأختصر وأقول أن الإرهاب هو: «تدمير الآخر».
هذا عن الإرهاب كمصطلح, أما مصطلح الإرهابيين كأشخاص فهو لاينحصر بمن يشد الحزام الناسف ويفجر نفسه، بل إن الإرهابيين يكونون ثلاث شرائح هم:
• المنفذون.
• المحرضون.
• المبررون.
1.المنفذون:
إنه من الغريب أن نلحظ أن أكثر الصفات المشتركة نراها بين المنفذين المباشرين للعمليات الإرهابية هي ليست التدين بل اليأس والإحباط والفشل التي تتطور مع الوقت لتتجلبب بعباءة الدين، حيث أن مشاعر«الحقد والغضب والرغبة في الإنتقام من المجتمع والبيئة المحيطة» القابعة في عمق «اللاوعي» لا تحتاج إلا الى ترجمة بسيطة سريعة في «الوعي» ليتم اعتبارها غضبا لله ولحرمة الدين ورغبة في تدمير المجتمع «الفاسد», فيخدع الفرد نفسه بهذه الترجمة، حيث أنه يصل درجة يرى فيها الموت هو الخلاص الوحيد لمشاكله وبدلاً من الإنتحار المسالم والصامت الذي نراه في أمريكا وبريطانيا واليابان والهند واسكندنافيا، وذلك بتعليق المنتحر رقبته بحبل متدلي أو تجرع كمية من الأقراص الطبية.. فإن هؤلاء الإرهابيين يلجئون إلى انتحار «درامي», «بطولي», «هادف» كما يتوهمون ومع توافر الأدبيات التي تدعم هذه الأوهام، وأي عمل أشرف من الشهادة في ديننا.
2. المحرضون:
وهم في الغالب مجموعة من «المتمشيخين» الذين يكونون عادة أكبر سنا ً من المنفذين وأضّن على أنفسهم وأموالهم وأبنائهم. وتتماهى في شخصياتهم كثير من الصفات من أبرزها: «الجهل، الفهم الخاطىء للدين,التعصب, العدوانية والتعطش للدماء»، كل تلك الصفات السيئة حينما تصدر من رجل طويل اللحية يجلله الشيب يلبس لباس أهل العلم ويتمتم بذكر الله، وإذا نطق فلآيات القرآن الكريم والسنة النبوية نصيب كبير من نطقه، عند ذلك تتحول هذه الصفات عند الكثير الى انفعالات دينيه طاهرة ومقدسة.
وتنحصر وظيفة هذه الشريحه في اطلاق فتاوى التكفير والتفسيق وهدر الدم، والحث المباشر على الارهاب، واعتباره من الجهاد في سبيل الله، والرد على كل كلمة تشكك في هذا الجهاد. ولا تقتصر هذه الفئة على السياسيين والكتّاب والمثقفين غير المتدينين ولكنهم يرون في «الارهاب» وسيلة لتحقيق اهداف يبتغونها ومصالح يتوهمونها.
3. المبِررون:
وهذه هي اخطر شريحة من الارهابيين، لماذا؟ لأن عددها يبلغ أضعاف أضعاف سابقيها، فأفرادها هم من رجال الشارع البسطاء والمسالمين والطيبين الغير متعلمين، أو ذوو حظ قليل من التعليم او من المتعلمين الغير مثقفين او انصاف المثقفين، وهؤلاء يجدون انفسهم منخرطين بوعي او من دون وعي في حالة التبرير التي تقف وراء الارهاب.
• ولكن لماذا يتورط هؤلاء الذين وصفتُهُم بالمسالمين والطيبين بشكل أو بآخر في دعم الارهاب؟
إن ذلك يرجع لعدة أسباب أهمها:
أ- السذاجة: حيث أنهم يفتقرون الى الأدوات الفكرية التي تمكنهم من رد منطق، الارهابيين الذين يدّعون ان اعمالهم تنطلق من الآيات القرآنية، بل إن بعضهم يقتنع أن الأعمال الارهابية هي امتثال للنص الديني.
ب- التشوه الثقافي القيمي: وهذا مبحث معقد, ولكن أبرز مصاديقه هي حالة تبرير فعل «القتل» للوصول لأهداف سياسية، وخاصة إذا كان يُنظر الى من قام بهذه الأفعال في مرحلة من المراحل التاريخية على أنه قدوة ومثال، كبعض خلفاء الدول الاسلامية المتعاقبة بعد حقبة الخلفاء الراشدين.
ج- الفهم الخاطيء للنص الديني: وذلك لوجود نصوص دينية مقدسة يتعذر فهمها اذا عولجت بشكل مجتزأ أو بظاهرها بعيداً عن السياق العام للنصوص ككل.
حيث أن آيات القرآن يكمل بعضها البعض، والأحاديث النبوية الشريفة تفسر القرآن، وتفصل ما أجمل فيه، وتعمم الخاص، وتخصص العام.. وهكذا فإن إستنباط الحكم الشرعي من النص الديني ينبغي فهماً وإلماما ًشاملين بهذه المنظومة الواسعة من النصوص الدينية المقدسة التي تزخر بحركية النص.. قال تعالى:﴿ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾[1] .
ومن الأمثلة على المفاهيم الدينية التي أسيء فهمها وتطبيقها: «الجهاد, النهي عن المنكر، والمقاومة».
د- نظرية المؤامرة: هذه النظرية الملعونة التي رضعت من عصارات الفكر العربي، حتى أصيبت بالتخمة والعملقة، وضُخمت تضخيماً أسطورياً عجائبياً حتى أصبح يُنظر الى كل مصائبنا من جهل، وتخلف، وفقر، و*******، على انها نتاج المخططات ال*******ية، وطبيعي عند ذلك أن يكون الحل السحري لمصائبنا هو تدمير ذلك المستعمر. واتسع المفهوم ليشمل المتعاونين مع المستعمر وعُملائه الذي قد تدخل من ضمنهم شعوب بأكملها حسب فهم هذه الجماعات.
[1] سورة آل عمران الآية 7.




تعليق