أود في البداية ان أشير على قراء هذا التقرير بزيارة موقع "مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية" وحفظ محتوياته في أجهزتهم أو طباعتها على ورق. وهذا الإقتراح يأتي استباقا لأي تغييرات في محتويات موقع المؤسسة. ولكي يتمكن الاخوة من المقارنة.
أوردت وسائل إعلام مختلفةفي سنه 2001 خبرا مفاده أن "مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية" أعلنت - في 24 أكتوبر 2001 - أنها أرسلت مساعدات إنسانية للاجئيين الافغان في باكستان، ومنحتهم هبة بقيمة مائة ألف دولار.
وصرح مسؤول في "المؤسسة" – رفض الكشف عن هويته!! - بأن المساعدات وصلت بالفعل الى اللاجئين في مدينتي كويتا وبيشاور على الحدود الباكستانية الأفغانية.
نُقل هذا الخبر عن صحيفة الشروق التونسية ، ونقلته عنها وكالة الأنباء الفرنسية (فرانس برس) ومنها الى وسائل إعلام عربية ومن ثم تصدر وسائل إعلام "الجماهيرية" الصادرة في ليبيا.
وبما أن وراء هذا الخبر تفاصيل كثيرة لم يتم إرفاقها معه، ورأينا أن نتناولها بشيء من التفصيل في هذا التقرير.
- لم يكن سبب نشر الخبر خارج ليبيا، ونقله بعد ذلك الى الرأي العام، عفويا أو بريئا. فالهدف من ذلك هو الإيحاء الى الشعب الليبي المسلم بأن القذافي وأبناءه يقدمون الدعم الى الشعب الافغاني المسلم ويقفون معه في محنته. خاصة بعد أن أثارت تبرعات القذافي لأمريكيا استياء الليبيين واتستهجانهم في الداخل قبل الخارج. وإن كانت هناك فسحة للذين في الخارج للتعبير عن آرائهم علنا.
- هذا الخبر في الحقيقة عار من الصحة تماما. وهو أكذوبة من أكاذيب "مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية" التي يترأسها سيف الاسلام معمر القذافي. وتكذيب الخبر ليس من قبيل التجني على هذه المؤسسة المشبوهة - التي سنوضح أمرها ونكشف عن حقيقتها من خلال هذا التقرير - ولكن لأن مؤسسة سيف الاسلام تكذّب نفسها بنفسها.
ففي موقع المؤسسة على الانترنت، وتحت عنوان: "القافلة الخضراء: ساحة بيشاور/قندهار – الباكستان"، نشر خبر المساعدة المزعومة في بيان صحفي ولكن بتاريخ 24 يوليو 2001 في تمام الساعة 12:43 – وبعد 3 أشهر أعلن عن هذه المساعدة. هل تعتبر هذه المساعدة سارية المفعول بتاريخ رجعي كما هو الحال بالنسبة لقوانين جماهيرية العقيد؟
وجاء في البيان: "إن فريق عمل من المؤسسة أنهى مهمته الإنسانية الإغاثية….الخ". أي أن المهمة أنجزت قبل تاريخ 24 يوليو 2001.
وقد تم إرفاق البيان الصحفي بعدد كبير جدا من أقوال الصحف الباكستانية حول وفد سيف الاسلام المكون من 12 شخصا. تضمن ذلك تعليق 16 صحيفة باكستانية تناولت خبر الوفد ومساعداته!! ومعظم هذه الصحف قامت بنشره في "4 يوليو 1369ور" كما جاء في موقع مؤسسة القذافي الخيرية على الشبكة العالمية.
وعند قراءتنا لما نشرته الصحف الباكستانية في التاريخ المذكور (4 يوليو) وجدنا بعض التضارب في أقوالها. فإحداها قدرت حجم المساعدات بـ 750 ألف دولار أمريكي!!
ويحق لنا وضع علامة استفهام كبيرة أمام هذا العدد الهائل نسبيا من الصحف الباكستانية التي نشرت الخبر. خاصة إذا عرفنا أن الشعب الأفغاني كان – ومايزال - يعيش على المساعدات الدولية منذ سنوات طويلة. فما هو – يا ترى - السبب الذي تلقي فيه مساعدات مؤسسة سيف كل هذا الاهتمام من الصحافة الباكستانية... بعكس ما تلقاه مساعدات المؤسسات الاخرى العربية والدولية رغم أن حجم مساعداتها أكبر بكثير من مساعدات مؤسسة القذافي.
احتمال أن يكون النشر قد تم بطريقة "الخدمات الإعلانية" غير مستبعد. خاصة من قبل نظام لا يتعامل مع الصحافة إلا بمنطق البيع والشراء كنظام القذافي؟
كما لا يمكن المرور على الإهتمام الباكستاني فوق العادة بالوفد الليبي التابع – علنا - لمؤسسة القذافي الخيرية دون الوقوف على خبر آخر ذي علاقة. الخبر هو اعتقال السلطات الباكستانية لأربعة مواطنين ليبيين سلمتهم فيما بعد للسلطات الليبية رغم كل الجهود والمحاولات التي بذلتها منظمات دولية وإقليمية لإقناع باكستان بالعدول عن قرارها. وهذا الأمر يشكك في كون وفد سيف القذافي يتبع لمؤسسة خيرية "غير حكومية" ولا يتبع لأحد أجهزة الإستخبارات القذافية.
يراجع بهذا الخصوص:
http://www.libyanhumanrights.com/R2000.htm
وقد فطن الكثيرون الى الكذب الصريح الذي اتبعته مؤسسة القذافي الخيرية في استخدام أخبار قديمة واستغلالها بشكل دعائي كأنها جديدة. ولذا سارعت المؤسسة لتغطية الفضيحة في الأول من شهر نوفمبر الماضي وأرسلت طائرة ليبية الى إسلام أباد تحمل على متنها 75 طنا من الأغطية!! أي أن المساعدة في الواقع هي عبارة عن "شوية بطاطين" على حد قول الليبيين في الداخل وليست 750 ألف دولار كما جاء في الخبر المزور.
ولايزال سيف يبحث حتى الان عن دور كبير، او عظيما (بالمنطق الثوري على وزن الجماهيرية العظمى)، فسافر الى باكستان ويحاول من هناك القيام باي دور، مستعدا في نفس الوقت لدفع اي ثمن، لكي يستلم الافغان العرب المحاصرين. وقد افسد والده عليه عندما القى خطابا وصف فيه هؤلاء الافغان العرب "بالكلاب المسعورة"، واعلن ان من حقه، كما امريكيا، ملاحقة معارضيه وتصفيتهم. وقد اغضبت هذه التصريحات ابن القذافي سيف، الذي يحاول ان تظهر مؤسسته بمظهر الجمعية ذات الطابع الانساني، رغم قول القذافي – بدون وعي – ان لمؤسسة سيف مندوب في منطقة الاحداث لاستلام الليبيين المتواجدين في افغانستان ونقلهم الى ليبيا لمحاكمتهم!!!. وقد كانت ردة فعل سيف على كلام والده ان "الجماهيرية" قد اصدرت عفوا عاما على المشاركين في احداث افغانستان!! علما بان هذا العفو لم يصرح به اي مسؤول في "الجماهيرية" ولم ينشر في وسائل اعلامها!!!
وبعد أن كشفنا أكذوبة خبر مؤسسة القذافي الخيرية المتعلق بمنح مساعدة للأفغان كمثال لنهج وسلوك هذه المنظمة نأتي الى إلقاء بعض الضوء على هذه المؤسسة، التي خرجت للوجود فجأة كالنبتة الشيطانية.
كانت البدايات أثناء أزمة الرهائن الغربيين في الفلبين في العام الماضي 2000. فقد أعلن في حينها في وسائل الإعلام الغربية أن مؤسسة - لم يسمع بها من قبل - تدعى "مؤسسة القذافي للجمعيات الخيرية" هي التي ستتولى دفع مبلغ من المال كفدية للخاطفين الذين عرفوا باسم جماعة بوسياف من أجل إطلاق سراح الرهائن الغربيين الذين وقعوا في قبضتها.
بعد ذلك بدأ يتردد اسم سيف الإسلام القذافي كرئيس لهذه الجمعية. وماهي إلا فترة قصيرة حتى ظهر لهذه المؤسسة موقع على الإنترنت. قام بحجز اسم الموقع في كندا المدعو كمال فرحات الذي أعطي عنوان المؤسسة كالتالي: ذات العماد - البرج الثالث - الدور الاول. طرابلس 100 ليبيا.
شرع المشرفون على موقع المؤسسة في تعبئة صفحاته. فبدأوا بالتعريف بالمؤسسة على أساس أنها اتحاد لجمعيات خيرية غير حكومية، من ضمن مهامها النهوض بالإنسان والدفاع عن حقوقه. وحددت أهدافها في 12 نقطة يغلب عليها الطابع الإنشائي ويسودها التكرار بصياغات متشابهة. وللمؤسسة شروط للعضوية، وهي نوعان: عضوية كاملة وعضوية شرفية. الأولى للجمعيات فقط والثانية للجمعيات والأفراد.
ومصادر تمويل مؤسسة - القذافي الخيرية – كما هي منشورة على الإنترنت – هي: "اشتراكات المساهمين" و "الهبات التي توافق عليها لجنة الإدارة" و "شركاتها الإستثمارية وعلى رأسها شركة 1/9 القابضة". (لاحظ اسم هذه الشركة ذي الدلالة الخاصة إذ يرمز للأول من شهر سبتمبر وهو الذكرى السنوية للإنقلاب العسكري الذي جاء بمعمر القذافي الى الحكم في ليبيا عام 1969). لا تنتظروا منا شرحا للشركات الاستثمارية، التي هي عديدة ولم يُذكر منها سوى واحدة قابضة، فليس لدينا الا عددا من علامات التعجب، نضع نحن هاتين !!" وليضع كل قاريء العدد الذي يشاء من علامات التعجب او الاستفهام.
وبالنظر الى المصدرين الاولين للتمويل نجد أن الإشتراكات مهما بلغت تظل محدودة. وفي المؤسسات المماثلة ينفق هذا البند من الدخل عادة على القرطاسية والمصاريف الداخلية وما شابه. أما المصدر الثاني وهو الهبات فهي الأخرى مهما بلغت لا تكاد تكفي للمصروفات الإدارية والتسييرية مثل مرتبات الموظفين المتفرغين والإيجارات والكهرباء والماء والسفر والضيافة وغيرها... خاصة وأن للمؤسسة عددا كبيرا من المكاتب. فمكتبها الرئيسي يقع في برج الفاتح "العظيم" الدور الخامس رقم 57، ولها مكاتب خارج ليبيا ورد ذكرها في موقع المؤسسة كالتالي: الساحة الفلبينية (كذا!) - مكتب تاهيتي (هكذا بدون تحديد) - مكتب غزة (قيد الإنشاء) - مكتب برلين.
أما المصدر الثالث وهو "الشركات الإستثمارية" التابعة للمؤسسة فلا توجد - كما ذكرنا سابقا – أي تفاصيل أو معلومات عنها. ولكن يبدو أن هذا المصدر ذو عائد مالي كبير جدا. فالمؤسسة قامت بدفع فدية الرهائن الغربيين في الفلبين ومولت عشرات المشاريع في كل قارات العالم!! وسوف نتطرق الى هذه المشاريع في فقرة تالية من هذا التقرير. وتجدر هنا الإشارة الى نقطة في غاية الأهمية ألا وهي أنه من المعروف في جميع أنحاء العالم أن الجمعيات والمؤسسات الخيرية تقوم على الشفافية المطلقة. فميزانياتها معلنة ومصادر أموالها وتمويلها معلنة يستطيع الأعضاء وغير الأعضاء الإطلاع عليها. وحتى لا تفقد تلك الجمعيات والمؤسسات مصداقيتها تحرص مرة في السنة على الأقل على الإعلان عن تلك المصادر والمبالغ المستلمة كي تكسف تعاطف الجمهور ليقوم بالتالي بالتبرع لها ودعمها.
وتتكون إدارة مؤسسة القذافي الخيرية التي يترأسها ابنه سيف من مجلس تنفيذي يضم 10 أشخاص، يتم اختيارهم من قبل الجمعية العمومية للمؤسسة. ومنذ أن خرجت هذه المؤسسة للوجود لم تعلن عن أي اجتماعات لجمعيتها العمومية أو اختيار لرئيسها (سيف الاسلام القذافي) أو لمجلسها التنفيذي. وهذه معلومات تندرج هي الأخرى تحت ما يجب إعلانه وتعريف الناس به بصورة دورية. غير أن وثائق المؤسسة تشير الى وجود رئيس واحد فقط (لا ندري ولم تحدد الوثائق كيف تم اختياره أو تعيينه) وشخص آخر يدعى صالح عبدالسلام، تردد اسمه في مراسلات الجمعية، ويبدو أنه هو السكرتير الخاص لسيف القذافي أو المدير التنفيذي للمؤسسة، وإن كان لا يسمح له بالإعلان عن منصبه هذا. وينحصر عمل السيد صالح عبدالسلام في إدارة موقعها على الإنترنت ومراسلة ومقابلة وسائل الاعلام، على شرط أن يظهر أمامها بصفة "مصدر مسؤول رفض الكشف عن هويته"!!
ورغم الغموض الذي يحف هوية هذا الشخص بإمكان رواد الموقع تكوين صورة عنه. فالمدعو صالح عبدالسلام يبدو ذا ثقافة محدودة، جيء به الى هذه المؤسسة للقيام بعمله هذا كفني كومبيوتر. وأوكلت اليه فيما بعد مهمة تغذية الصفحة. ويظهر ذلك على سبيل المثال فيما كتبه عن الجمعيات المؤسسة لمؤسسة القذافي الخيرية. فهو يذكر - على سبيل المثال - أسماء 7 جمعيات (يبدو من أسمائها أنها كانت وليدة لحظتها) ينحصر وجودها في خياله فقط. هذه الجمعيات هي: جمعية أخوة الجنوب - جمعية الشهيد - جمعية المستضعفين في الارض – جمعية الأسير - جمعية ضحايا الطائرة الليبية...الخ. ولكنه يستطرد ليضيف كجمعيات مؤسسة: "أي جمعية أخرى تتفق أهدافها مع أهداف المؤسسة".
فكيف تكون جمعية مؤسسة وهي لاتزال تحت بند "أي"؟ لاحظ أن الجمعيات المذكورة غير معروفة على أي مستوى من المستويات، ولم نسمع عنها من قبل لا في أجهزة إعلام سيف، ولا أجهزة أبي سيف!!
ونسوق مثالا آخر للتدليل على مستوى الأداء في مؤسسة سيف، إذ أوردت خبرا يبدأ بعبارة: "اليكم الخبر المطلوب"! ولا مناص من الاستنتاج أن شخصا ما قد كُلف بصياغة هذا الخبر وإرساله الى صالح عبدالسلام، الذي نقله بطريقة "انسخ والصق" المتبعة في الكومبيوتر باستعمال الفأرة، ووضعه مباشرة في الموقع دون إعطاء أي اهتمام لصياغته أو فحواه أو محتواه.
هذا قليل من كثير مما يحفل به هذا الموقع. ولكن دعونا من الشكليات - رغم أهميتها - ولنذهب الى الجوهر. اسم الجمعية – مرة اخرى – هو: "مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية". وكما يتضح من الاسم، ومن الأهداف المعلنة، ومما يتردد بين الفينة والأخرى في وسائل الاعلام، نستطيع أن نقول – تجاوزا – أنها جمعية تقوم بدور يتشابه مع ما تقوم به جمعيات دولية أخرى كالهلال الأحمر والصليب الأحمر.
وهنا سؤال يطرح نفسه بقوة يقول: لماذا قامت مؤسسة سيف هذه، رغم أنه في ليبيا توجد جمعية الهلال الأحمر الليبي، وقد تأسست منذ الاستقلال، وهي عضو في الهئيات الدولية، وتعمل بتنسيق مع مثيلاتها من جمعيات الهلال الأحمر في الدول العربية والإسلامية وجمعيات الصليب الأحمر في الدول الغربية؟ وهذه جميعها خاضعة لعدد من القوانين والمواثيق التي تجعلها محايدة، وتحصر مهامها في تقديم العون والإغاثة والمساعدات الإنسانية الى مستحقيها؟
الإجابة التي تقفز الى الذهن مباشرة هي أن قيام مؤسسة سيف هو محاولة – في أضعف الاحتمالات – للقفز على دور جمعية الهلال الأحمر الليبي.
ولكن دعونا نمضي في البحث قليلا لعلنا نجد إجابة غير هذه تحفظ ماء وجه هذه المؤسسة ومن وراءها. ولنطلع على "إنجازات" المؤسسة، لعلنا نعرف الأسباب التي دعت الى قيامها. فلربما نكون مخطئيين في ربطها بفدية رهائن أبي سياف... وربما تكون وسائل إعلام القذافي لم تتناول المؤسسة قبل موضوع الفدية بسبب أن سيف كان قد أنشأها بشكل سري. فهو" ثائر" إبن "ثائر". ألم تكن الحركة التي نظمها أبوه من قبله (وهو ما يزال في المرحلة الإبتدائية!) لتحرير الإنسان وتحقيق الإنعتاق النهائي للبشرية حركة سرية قبل أن تتحول الى ثورة عالمية؟!
قام رئيس المؤسسة سيف الاسلام القذافي بزيارة الى منطقة "فايا" ومنطقة "قرو" ومنطقة "اوجانقا" بتشاد في منتصف شهر ديسمبر 2000. (ولا يفوتنا هنا تقديم الشكر لسيف عن مراعاته لمشاعر الشعبين الليبي والتشادي بعدم زيارته لمناطق وادي الدوم وفيالارجو وأبشا التي شهدت سقوط مئات القتلى من الشعبين بسبب حماقات والده خلال عقد الثمانينيات ومحاولته احتلال الأجزاء الشمالية من تشاد وتنصيب حكومة عملية له في انجامينا).
عودة الى الموضوع. فقد زار سيف المناطق المذكورة في17 ديسمبر 2000، وحشد له عدد من الأهالي والمسؤولين التشادين ليلقي فيهم خطابا ثم وضع حجر الأساس لعدد من المشاريع كالتالي:
مستوصف المجاهد محمد عبدالسلام احميد ابومنيار (الاسم الرباعي كما ورد في موقع مؤسسة سيف)
ثانوية سيف الاسلام معمر القذافي
بئر المرحومة عائشة أبو النيران
أؤكد مرة أخرى على أن الأمر لا يتجاوز وضع حجر الأساس، الذي كان على حساب دولة تشاد. وحتى كتابة هذا التقرير لم يعلن عن إنجاز أي شيء من مشاريع سيف وجده وجدته. والإعلان هنا مهم لأن مؤسسة سيف لم تعودنا على التواضع أو تفادي الأضواء أو إخفاء الصدقات، وهي لم تتوان في الإعلان عن إنجازات أقل أهمية بكثير من هذه. فقد نشرت المؤسسة – مثلا - رسالة شكر أرسلت إليها على تبرع بـ 75 كيس أرز!!
وقد نشرت المؤسسة في صفحتها على الانترنت برقية، يتضح أنها هي الأخرى كُتبت على عجل لملء صفحات موقع المؤسسة بإنجازات وهمية. فالراسل هو جمعية سيف الاسلام معمر القذافي الثقافية – بمحافظة بوركو–فايا في تشاد، وموجه الى "معالي السيد سيف الاسلام معمر القذافي". وفي ختام البرقية نقرأ العبارة التالية: "الفاتح أبدا، وعاشت ثورة التحديات، والكفاح الثوري مستمر"!! لاحظ أن أعضاء الجمعية التشاديين هم الذين ذيلوا برقيتهم بهذه المقولات الثورية!! ولا داعي لسرد التبجيل والتعظيم الثوري لسيف.
وحيث أننا لا نزال بصدد سرد إنجازات المؤسسة، فقد قام رئيس الجمعية سيف القذافي بزيارة لمدينة هانوفر الالمانية بتاريخ 20 سبتمبر 2000 وشارك في معرض اكسبو 2000 الذي أقيم هناك. وكان للمؤسسة جناحها الخاص في المعرض، ومن ضمن إنجازاتها في ذلك المعرض توزيع 15000 نسخة من الكتاب الاخضر!! ومئات الفانيلات التي تحمل شعار المؤسسة وصورة "الاخ القائد"، ومئات من صور القائد! وكل هذه بالطبع مشاريع ونشاطات خيرية!!
كما يبدو التخلف واضحا على كاتب تقرير هذا "الإنجاز" حيث ذكر أن جناحهم كان متميزا من خلال "ثلاثة مواضيع نموذجية مختلفة" أحدها: وضع كومبيوترات تعمل باللمس. الغريب أنه يفتخر بهذا الأمر في ألمانيا إحدى الدول الرائدة في مجال الكومبيوتر.
كما كان بالطبع "النهر الصناعي العظيم" أحد المنجزات الت حظيت بموقع متميز في الجناح. فبه "استطاعت الجماهيرية قهر الصحراء وإنعاش البيئة بفضل التغلب على مشكلة المياه التي تعاني منها معظم دول العالم". ويأتي هذا الكلام في الوقت الذي أمر أبوسيف بسحب لقب مهندس النهر العظيم من ألقابه بعد ثبوت فشل مشروع النهر وتسرب المياه من أنابيبه. وتتولى شركة كندية حاليا مهمة ترقيع الأنابيب التي كان من المحتمل ان تتولاها شركة المانية. (راجع ملف النهر الصناعي).
ومن الإنجازات كذلك: "تقوم المؤسسة بالإشراف على بناء مسجد في تاهيتي". وتقرأ في الموقع عبارة غريبة تحتاج الى علماء الفلك والفيزياء لتفسيرها تقول إن المسجد هو "أول بقعة أشرقت عليها شمس الألفية الثالثة" !!
يتضح من خلال قائمة إنجازات المؤسسة أن جميعها مشاريع وهمية. وهي في أحس الأحوال مشاريع دعائية - "للفاتح والثورة" فقط كما كان الحال في السابق - وإنما لسيف وأجداده ومؤسسته التي ينفق عليها من أموال الدولة والشعب بلا رقيب ولا حسيب. وبعض هذه المشاريع صبيانية تتناسب مع شخصية سيف وعقليته ومنها مشروع مسجد تاهيتي الذي يبدو أنه زارها في مطلع الألفية وعندما أشرقت الشمس وهو هناك راقت له الفكرة فقرر أن ينشرها على أساس أنها مشروع بدأ فهلا في تنفيذه... و.. "إنما الأعمال بالنيات"!!
ولكن أكبر إنجازات المؤسسة بلا منازع هي تلك التي حققتها في الفلبين. وكيف لا؟ وهي السبب الأول في قيام كيان المؤسسة وتأسيسها أصلا.
كما ذكرنا في بداية التقرير فإن مؤسسة القذافي العالمية للجمعيات الخيرية أنشئت أولا وقبل كل شيء لتكون جهة وسيطة لدفع فدية الرهائن الغربيين المحتجزين من قبل جماعة أبي سياف المنشقة في الفلبين. وهي الفكرة التي أوحت بها دول أوربية لا تسمح لها قوانينها بدفع فدية للجماعات التي تمارس الخطف بغرض الإبتزاز وتحصيل الأموال لتمويل نشاطاتها. وكانت حسابات القذافي تقوم على أن دفع هذه الفدية سوف يعيد جماهيريته الى وضع تصبح به مقبولة لدى العالم الذي يعتبرها – في العموم - دولة مارقة تمارس إرهاب الدولة وتساند الإرهابيين. ويقول هذا المنطق إذا لم ترفع أمريكيا الحظر الذي تفرضه على ليبيا القذافي، فإن أوروبا – على الأقل - سوف تحتضن الجماهيرية من جديد وتغير من سياسة تعاملها معها.
وقصة الرهائن الغربيين بدأت عندما قامت عصابة فلبينية منشقة تحمل اسم جماعة أبي سياف، وتدعي الإسلام بخطف مجموعة من السياح الغربيين الذين قدموا الى المنطقة لممارسة هواية الغوص. وجماعة أبي سياف لا علاقة لها بالفصائل الفلبينية التي تناضل من أجل حقوق المسلمين في الفلبين. وينتمي المخطوفين الى عدة جنسيات كان من بينها الفرنسية والألمانية والفنلندية وجنوب أفريقيا. وهذه دول لا تسمح قوانينها - كما ذكرنا - بدفع الفدية في حالات من هذا القبيل. وهي دول مؤثرة في اتجاهات السياسة العالمية، والفرصة مؤاتية للطرفين الأوربيين حيث ضغوط الرأي العام المحلي وأجهزة الإعلام المختلفة على الأحزاب المشاركة في الحكومة لتقوم بعمل ما ينقـذ مواطنيها من جماعة أبي سياف. وقد تعالت أصوات أحزاب المعارضة للضغط على هذه الحكومات. وكانت استطلاعات الرأي تحتم على الحكومات القيام بأي عمل من شأنه إنقاذ الرهائن، حتى لا تضعف شعبيتها بين الناخبين.
كما أنها – كما يرى نظام القذافي – فرصة مواتية يجب استغلالها للظهور بمظهر المحرر وفكاك الأسرى ورافع المعاناءة عن الآخرين. والهدف هو الفوز بالقبول لدى الأوربيين.
وهكذا قررت حكومات الدول المعنية استغلال الفرصة والايحاء للقذافي بانهم سيسعون لمكافاته غلى خدماته، ولكن لم يعلنوا ذلك بشكل صريح حتى لا تتهمهم احزاب المعارضة وصحافة بلدانهم بانتهاك القوانين التي تحضر مكافات الارهابيين.
وتم على عجل كما اوضحنا انشاء المؤسسة، وبدأ الاتصال مع جماعة ابي سياف التي لا يهمها الا الحصول على الأموال من أي جهة كانت، وأرسل لتلك المهمة رجب عبدالعزيز الزروق الدبلوماسي الليبي الذي عمل بالفلبين لعدة سنوات. ورحبت الحكومة الفلبينية بالفكرة لأنها كانت تتعرض لضغوط دولية لكونها المسؤول المباشر على حياة الرهائن، وكانت مكتوفة الايدي غير قادرة على الهجوم على عصابات ابي سياف خوفا على حياة الرهائن.
وبدأت المفاوضات المباشرة، وكانت محصورة في "كم تدفع على الرأس؟". وأوامر سيف القذافي للزروق كانت: "ادفع أي مبلغ ولا تعد إلا والرهائن معك؟".
في البداية كانت مؤسسة القذافي الخيرية تعتقد أن الأمر محصور في دفع الفدية، ولكن المفاوضات طالت وتعقدت بعدما تقدم الجناح السياسي لجماعة أبي سياف بمطالب سياسية من بينها اعتراف الفلبين بالحركة ومنحها الحكم الذاتي. وهنا كادت الفلبين أن تلغي مهمة الزروق لأن دوره المتفق عليه بين الحكومة الفلبينية ومؤسسة القذافي الخيرية ينحصر في دفع الفدية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
واخيرا قررت جماعة أبوسياف قبول المبالغ المغرية التي سلمت اليهم نقدا في حقائب سفر. وهذا ليس غريبا لأن القذافي نفسه تعود منذ زمن طويل على التعامل بأسلوب "الكاش". وقد تندرت الصحافة العربية والدولية على أسلوبه هذا اثناء زيارته للأردن في خريف عام 2000 وطلبه من مساعديه إحضار حقائب النقود من السيارة وتسليمها "كاش". كما أن قصة وزير الوحدة الأفريقية عبدالسلام التريكي في غرب أفريقيا التي كان يوزع فيها الدولارات علنا معروفة لدى المتابعين.
عند اطلاق سراح الرهائن الغربيين، قامت مؤسسة سيف باستئجار طائرة الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين، المجهزة بأحدث الأجهزة، لاستخدامها في نقل الرهائن من الفلبين الى طرابلس، وطلب من الدول التي لها رهائن إرسال وفود عالية المستوى لاستلامهم.
ولكن احد الرهائن الفنلنديين، سيبو فرانتي، رفض السفر الى طرابلس وصرح للصحافة بأنه لا يريد أن تستغل مأساتهم بهذا الشكل البشع وقال إنه لا يرغب في السفر الى طرابلس. وكاد "عرس" مؤسسة سيف أن يفشل، لولا الجهود الكبيرة التي بذلت لإقناع سيبو فرانتي بالذهاب الى طرابلس. وكان كرم المؤسسة الحاتمي من أنجع وسائل الإقناع.
بالطبع قوبل تصريح فرانتي هناك بالعتاب واللوم من قبل الزروق وسيف. فأنكر ما أوردته وكالات الأنباء العالمية وأرجع ذلك الى خطأ في الترجمة، رغم أن جميع الصحف الفنلندية أوردت تصريحه بحذافيره ونشرته بالفنلندية والسويدية (اللغة الرسمية الثانية في فنلندا) والإنجليزية (صحيفة هلسنكي سانومات).
ولكن – على ما يبدو - لا أحد في مؤسسة القذافي يقرأ ما يكتب حتى وإن كُتب بالعربية. ولذا طلبوا من فرانتي أن يكتب ورقة يكذّب فيها ما تناقلته وسائل الاعلام. وبالفعل كتب فرانتي الورقة المطلوبة ووقع عليها مع مواطنه ريستو فاهنين، وهي منشورة في موقع المؤسسة على الإنترنت. (انظر الملاحق)
بعد تكذيب الفنلندي فرانتي أقيم حفل "بهيج" في انتظار أن تفتح لهم أوروبا أبوابها. وما إن غادر الرهائن طرابلس حتى بدأت الصحافة الأوروبية تنشر التقارير وراء التقارير عن المبالغ التي دُفعت، وعن قدرة النظام الليبي أن يسرق مبالغ كبيرة من خزينة شعبه لينفقها على رهائن لا تربطه بهم أي صلة أو مسؤولية؟ وبدأت المقالات والروبرتاجات والتعليقات تكشف للرأي العام عن الفساد الفاضح الذي يمارسه النظام الليبي.
وجاء رد المؤسسة في صورة إعلان "متحرك" وبالألوان على موقعها في الإنترنت تقول فيه: "ترقبوا.. صدور كتاب حقائق عن رهائن الفلبين! المفاوضات السرية والعلنية". وذُكر بأن المؤسسة ستقوم بفضح الحكومات الأوربية، التي "ضحكت عليهم"، بنشر ما دار من محادثات بينها وبين المؤسسة. ولكن يبدو أن الوقت طال وأصبح متأخرا. كما أن بعض هذه الحكومات قد تغير في انتخابات منذ فترة. فهذه الدول تختلف عن جماهيرية القذافي وجمعية ابنه الخيرية حيث يظل الشخص الواحد في السلطة مدى الحياة!!
الشعب الليبي بطبعه شعب كريم، من شيمه إغاثة الملهوف ومساعدة الغريب ومد يد المساعدة للمحتاج. والتاريخ الليبي، قبل مجيء القذافي للسلطة، مليء بنماذج مضئية من هذه الصفات والشيم. فموقف ليبيا من الثورة الجزائرية مثال صارخ لم يجد ما يستحقه من التغطية الإعلامية في حينه، ويكاد الكثير من الليبيين لا يعرف عنه شيئا. وموقف الشعب الليبي من القضية الفلسطينية (قبل مجيء القذافي للسلطة) خلده القائد الفلسطيني الشهيد أبوجهاد في مذكراته عندما أعلن أن أول رصاصة أطلقتها حركة فتح كانت بأموال ليبية. ومواقف شعبنا الكريم تجاه إخوانه وجيرانه في الوطن العربي والإسلامي وفي أفريقيا أكثر من أن تعد أو تحصى. ولكن ما إن جاء القذافي الى السلطة حتى سخر كل شيء لخدمته، واستغل كل شيء في الدعاية لنفسه، ولعشيرته ولعائلته التي يجهز لها أن تخلفه في حكم ليبيا وترث عنه ثروتها وإمكانياتها.
ملحق (1)
إليكم الخبر المطلوب/!!!
صدور بيان من الرهائن بالفلبين / بمدينة سيبو يكذبون فيه مانشرته الصحافة تحت عنوان( رهينة فنلندي لايريد الذهاب إلى ليبيا).
تصحيحاً للخبر الذي أوردته وكالة الصحافة المشتركة / أ ب/ بتاريخ 9/9/2000 بشأن تصريح أدلى به سيبو جوهاني فرانتي بتاريخ 9/9/2000 ونقلته وكالة الصحافة المشتركة / خلال رحلة عالية الضجيج بطائرة عمودية من جزيرة جولو / إلى زامباونجا ، وترجم من اللغة الفنلدية إلى الإنجليزية / فعليه يعتر ذلك الخبر باطلاً.
والتصريح الصحيح ترجمته كما يلي:// إننا كلانا فنلنديان وكنا رهائناً فيما مضى نعترف بالدور الحيوي الذي قام به رجب الزروق وليبيا ، تجاه حل أزمة الرهائن، إننا نرغب في تحية كل من الأخ : الزروق الذي أصبح بمثابة أب ثانٍ لنا خلال الأزمة وكذلك ليبيا لما قاما به في الإحتفالات بطرابلس .
التوقيع:
1- رستو ميركو فاهانين
2- سيبو حوهاني فرانتي.
النسخ الانجليزية من بيان الرهائن الفنلنديين الذي ضحكوا فيه على سيف القذافي

