حاورته: غادة حلاوي
قبل تسع سنوات تقريبا كانت حادثة عين بورضاي الشهيرة التي انتهت الى تصفية "ثورة الجياع" وتحويل الشيخ صبحي الطفيلي الذي طرد من صفوف حزب الله بعد ان كان من مؤسسيه واول امين عام على رأسه، الى متمرد فار من وجه العدالة
.
.
قضائيا يعد الشيخ الطفيلي مطلوبا للعدالة بموجب مذكرات جلب وتوقيف صدرت آنذاك في حقه، لكن واقعه يدعو الى التساؤل كيف ان مطلوبا يعيش على بعد امتار عن القوى الأمنية، ويتجول حرا طليقا متحديا من يريد توقيفه؟
رغم كونها الشاهد على تغيير نهج حياته اختار الشيخ الطفيلي عين بورضاي محلا لاقامته، وصلها قبل سنة هاجرا مسقط رأسه بريتال ومحل اقامته الاول في دورس.
كانت اقامته وسط العامة والجيران سببا متواصلا في ازعاجهم هذا من ناحية، ومن ناحية اخرى كان الهدف اختيار مكان لا يخضع لسلطة القوى الامنية مباشرة ولا يكون عرضة لدورياتها باستمرار ولو أن هذه القوى اذا ما قصدته كان لها ما ارادت بسهولة
.
.
بمحاذاة منزله الذي يشير نصوع بياض حجارته الصخرية الى حداثته يستقبل الشيخ الطفيلي زواره في غرفة مكتب لا يزال مبناه قيد الإنشاء، داخل هذه الغرفة لا يوجد علم لبناني ولا آخر للمقاومة ولا صورة قائد او رئيس لبناني او غير لبناني.
وحدها الكتب المرصوصة داخل رفوف المكتبة تؤنس المكان وتضفي عليه شيئا من الدفء وحدها "سيرة الآخرين" خالفت الآخرين واعتلت طاولة المكتب في اشارة الى انها لا تزال قيد القراءة.
مكان إقامته يحيطه السكون الا من دردشات حراسه. بضعة رجال اعتلى كتفي احدهم سلاح الكلاشينكوف فيما اكتفى الآخرون بالمسدسات.
الشيخ صبحي الطفيلي لا يزال اليوم يحتفظ بعدائه لقسم من زعماء الشيعة هم من قياديي حزب الله ولإيران ويحملهم مسؤولية استمراره في وضعه الراهن، عداوة كانت قاسمه المشترك مع النائب وليد جنبلاط الذي جرى اتصال بينهما للمرة الاولى منذ احداث عين بورضاي.
ماذا في الاتصال مع جنبلاط؟ وما الجديد في قضية الشيخ صبحي الطفيلي بعد الانسحاب السوري من لبنان؟ ما هي نظرته للمقاومة؟ وسر عدائه لايران؟
*ما الجديد في قضيتك امام القضاء؟
ــ لم يطرأ اي جديد. إتصل البعض بعد اصدار العفو الأخير واقترحوا ان يشملني العفو ولكني رفضت.
*من تقصد بالبعض؟
ــ من الزعماء الشيعة.
*من تحديدا؟
ــ كل الزعماء الشيعة اما بالواسطة او مباشرة.
*هل كان من بينهم سماحة السيد حسن نصرالله؟
ــ لن اسمي. قلت كل زعماء الشيعة اما بالواسطة او مباشرة. وكانت إجابتي ان طرح أسمى للعفو العام في المجلس النيابي هو أسوأ من محاولة قتلي في الحوزة وهذه اهانة لا أقبلها والموت هو افضل منها. حينما ارتكب الحادث كنت رجلا مقاوما ادافع عن الفقراء والمظلومين في البلد، اعتدي علي وكل ما نقل عن حادثة الحوزة كذب بكذب. كان هناك كمين منصوب وانا ذهبت الى الحوزة كالمعتاد طوقت وحوصرت الى ان استدعي الجيش وضربني وعليه فأنا صاحب حق ولست من يطلب العفو واذا كان لا بد من عفو فيجب على الآخرين ان يطلبوا مني العفو لأنهم هم المذنبون ولست أنا.
نعم رفضت عرضا للعفو وحل المشكلة يجب ان يكون من خلال القضاء، اذا كان هذا القضاء نزيها يستطيع ان يكمل التحقيق واذا ثبت علينا شيء فلن نتأخر في دفع الحق لمن له علينا حق، واذا كان لنا حق عند الآخرين فيجب ان نأخذه لا ان نعفو.
*لماذا لا يزال ملف عين بورضاي معلقا؟
ــ هو ملف سياسي وهذه طريقة لاستباحة الأشخاص والقوانين في عالمنا العربي والاسلامي، والا يفترض لهذه المسألة ان تعالج منذ زمن. مضى على حصولها ما يقارب التسع سنوات. ابقاؤها معلقة هو تهديد ومحاولة إسكات وإحراج لأن الكثير من الناس ممكن ان يحرج للتواصل مع شخص مطلوب للقضاء او ان المقصود ان يبقى سيف القضاء مسلطا عليه لإسكاته او ليتمادى الآخرون في نهب البلد وسرقته والإعتداء عليه، والا كل الناس يعترفون ان الفترة الماضية كانت من أسوأ الفترات التي مرت على لبنان وان التسلط وقتل الناس والإعتداء على كراماتهم كانت السمة العامة.
*اذا كنت مصرا على ان يأخذ القضاء مجراه لماذا لا تذهب لتسليم نفسك؟
ــ منذ زمن بعيد قلت هذا الكلام ولكنهم لا يريدون علاج المشكلة بل ابقاء الوضع على ما هو عليه.
*هل لك ان توضح اكثر من المقصود تحديدا؟
ــ الطرح الذي تتحدثين عنه طرحته قبل خروج السوريين وبعد خروجهم، ليفتح هذا الملف لا على قاعدة العفو او التسامح...
*او التسوية السياسية كما حصل مع ابو العينين؟
ــ ارفض التسوية السياسية واريد قضاء نزيها يحكم بالعدل.
*ماذا لو اخذ القضاء مجراه لغير مصلحتكم؟
ــ فليكن ولا اتهرب من الحق حتى ولو كنت من سيدفع الثمن. انا جاد في طرحي ولست مازحا ولا ممن يقول كلاما ويقصد آخر.
*على ماذا تراهن ومما انت واثق؟
ــ المجرم يجب ان يعاقب مهما كان عنوانه وفي اي موقع كان.
*الست تواقا للتحرر من هذا الطوق الأمني الذي تعيش في ظله؟
ــ لست مضطربا امنيا بل مستقر جدا ومرتاح والمهم ان يبقى ضمير الانسان مرتاحا ويقوم بواجبه كاملا ولا يقصر، وليست لدي مشكلة في ان يستمر الوضع على ما هو عليه.
*لكن الا يجد الواقع من حركتكم؟
ــ لست مستعدا لأدفع ثمنا لا يجوز ان أدفعه. معروف في لبنان كيف ان التنازلات وتبادل الخدمات او المنافع يطغى كي تمرر الأمور ولست مستعدا لأدفع شيئا من هذا القبيل.
انا مقتنع بالعدالة الإلهية وما يحق لي يجب ان آخذه وما لا يحق لي لن آخذه.
طبعا لا أحمّل المسؤولية لكل من يقال عنه السلطة في لبنان بل هناك سلطة ذات نفوذ واخرى غير ذات نفوذ. نحن نعرف انه قبل خروج السوريين من لبنان كانت السلطة لعنجر ومن ارادت عنجر ان تشركه في امرها. لهذا لا نستطيع ان نحمّل المسؤولية لكل انسان.
الوضع الذي انا فيه يتحمل مسؤوليته بشكل أساسي بعض زعماء الشيعة في لبنان والسلطة الإيرانية والآخرون ملحقون بهذا الوضع سواء كانوا في حوادث عين بورضاي او في ما لحق حتى الآن.
حوصرت وطوق منزلي واضطررت ان أغادره وتحملت الكثير من الأذى خلال السنوات الماضية. كانت الجهات النافذة اذا عرفت بتحرك بسيط أقوم به ولو لتقديم واجب التعزية كانت تأمر الوحدات العسكرية اللبنانية بنصب حواجز واطلاق النار على الناس ظلما وعدوانا وكنت كثيرا ما اتصل بهم ليرفعوا اذاهم عن الناس، حتى اقلعنا عن مشاركتنا في مناسبات عدة.
اذاً انا احمّل هذه الجهات المسؤولية وليس كل السلطة.
*تغيرت الظروف وشهدت السنة الاخيرة جملة تطورات.
ــ منذ سنة وحتى اليوم أحمّل السلطة النافذة مسؤولية بقاء الملف غير منجز في عهدة القضاء. المفترض انه بمجرد ان زالت السلطة التي كانت تمنع انتهاء التحقيق ان تحل المشكلة بمنطق صحيح وسليم.
*انت تقصد حزب الله وايران؟
ــ ليس حزب الله لجهة شباب الحزب الدراويش وانما اشخاص في الحرب.
*اما آن لهذه الخلافات معهم ان تنتهي مع تغيير الظروف؟
ــ بذل الايرانيون جهدا كي يفصلوا بيني وبين الشباب. سنوات طويلة مارسوا خلالها كل انواع الأعمال السيئة لتحقيق هذا الفصل الذي إعتبروه إنجازا ولهذا لا اعتقد انهم سيتراجعون عن هذا الانجاز بسهولة.
*تقصد ان لا مصلحة لهم في المصالحة؟
ــ ليست لدي مشكلة وكنت ابلغتهم قبل سبع سنوات تقريبا وبواسطة وسائل متعددة اني لست خصما لهم ولا عدوا ولا اريد شراً لأحد لكن من مصلحتهم ان ابقى في المنزل وفي سجني مقيدا لانهم يعتبرون ان الشيعة في لبنان مزرعة لهم فإذا صرت طليقا يمكن ان يخافوا على هذه المزرعة.
*هل يمكن لكلامك ان يستغل سياسيا لتوسع الشرخ اكثر؟
ــ ليس كلامي الذي يستغل وانما تصرف الآخرين الذي قد يستغل. انا اعبر عن واقع قائم ممكن ان يستفيد منه اي انسان وليس غريبا هذا الكلام بل هو الحقيقة.
*اين موقعك في التحالف الشيعي القائم بين حركة أمل وحزب الله؟
ــ اعتقد ان الاصطفاف الطائفي القائم في لبنان سواء كان اصطفافا سنيا او درزيا او شيعيا هو خطير جدا وهنا لا اتحدث عن اصطفاف ماروني لوجود اكثر من تيار ماروني.
واقول انه اصطفاف خطير لانه اصطفاف طائفي وليس سياسيا ولا يصب في صالح البلد وانما في صالح الزعماء وهذا ينذر بحرب أهلية.
لو ان البلد فيه تنوع سياسي لكان وضعنا أفضل بكثير لهذا انا ضد هذا الإصطفاف الطائفي.
*ما تفاصيل الاتصال الذي تلقيته من النائب وليد جنبلاط؟
ــ لا شيء، اتصال طبيعي.
*هل كان يتصل بك في الفترات السابقة؟
ــ لا لم يتصل. فقط حين كنت في موقع المسؤولية لكن الاتصالات هذه توقفت منذ سنوات. وبتقديري ان البلد وصل الى عنق الزجاجة. نحن في وضع صعب وكل جهة متمترسة خلف مواقعها وقناعاتها وتوجهاتها غير مكترثة بأي جهة اخرى فمن الطبيعي لاي انسان ان يحاول تدعيم مواقعه وتحسين وضعه. ومن هنا ليس غريبا ألا يحصل التواصل بين الآطراف.
*الا تعتقد ان لهذا الاتصال دلالات معينة؟ وما الذي اراد جنبلاط تحقيقه بإعادة التواصل معك في هذا الظرف تحديدا؟
ــ هو سياسي يخوض معتركا حاميا ويعتبر نفسه في ظرف صعب جدا يحاول ان يخرج من هذا المعترك الصعب ولو باتصال ومن الطبيعي انه وجد ان من مصلحته الإتصال ففعل.
*ما الذي عرضه عليك؟
ــ لم يعرض غير الذي نشر.
*قيل انه عرض تسوية لوضعك القانوني ومعالجة بعض الأمور في منطقتك؟
ــ انا من طرح هذه المسألة كما اطرحها الآن وكما اطرحها امام وسائل الإعلام وانا لا اقبل ان يخدمني احد ويعالج المشكلة القضائية، وحديثي مع اي انسان سواء كان مع الإعلام او المسؤولين هو بلغة واحدة.
*هل سينجح جنبلاط في كسب حليف شيعي داخل التكتل الذي خرج من تحالفه معه؟
ــ اتحدث عن وجهة نظري انا ولا اريد ان اتكلم عن وجهة نظر الآخرين. انا من الناس الذين يعتبرون ان لبنان يمر بوضع صعب جدا ويجب ان نجد حلولا للمشاكل القائمة وان نؤسس لدولة على غرار الدول المحترمة بأنظمتها وقوانينها وادارتها وكي نصل الى شيء من هذا القبيل لا بد ان يحصل التكاتف والتآزر مع كل الأطراف السياسية. لهذا يجب ان يكون التواصل بين كل الأطراف وان يكون ثمة مسعى لحل المشكلات وهذا ما اؤمن به ويجب ان امارسه ولهذا ليس عندي مشكلة ان اتصل مع اي إنسان او يتصل معي اي انسان طالما عندي مشروعي الذي اؤمن به ويجب علي ان استطعت ان أنفذه.
*الى اي درجة تتوافق مع جنبلاط في مواقفه منذ سنة ولغاية اليوم؟
ــ ليس الامر كذلك ولا أريد ان احاكم الآخرين على مواقفهم فضلا عن ان كثيرا من المواقف هذه تنبع من فعل وردة فعل بين السياسيين، لذا نلاحظ تبدل الآراء بين شهر وآخر احيانا وربما لان بعض الاطراف تعتبر نفسها في حالة حرب فتمارس نوعا من الدفاع عن النفس وهنا لا اتكلم عن وليد (جنبلاط) بل عن السياسيين عموما في لبنان لكن من جهتي ارى ان عندنا مشكلة في لبنان، هناك فريق يقول "لبنان اولا" كشعار وفريق آخر يقول "المقاومة اولا" وما بين الاثنين نجد ان لبنان سيتبخر ونصل الى حرب اهلية وهنا المصيبة. لا استطيع ان أفهم شعار "لبنان اولا" والحرب قائمة بيننا وبين السوريين، اذ لن يبقى شيء من لبنان اذا دخلنا في حرب مع السوريين، المفترض ان لبنان اولا لن يستقيم ونحن في مشكلة مع سورية.
لا اريد القول ان لا مشكلة عند السوريين لكن العلاج له طرق ووسائل اخرى.
اما من جهة المقاومة اولا، فنحن طرحنا تحرير فلسطين، وصلنا الى الحدود فلتكمل المقاومة اذا كانت مقاومة فعلا، هذه ارض مغتصبة ومحتلة.

تعليق