خطورة الخلط بين الإفساد المؤسسي المنظم
والإفساد الفردي الشخصي
يعتبر التأصيل العلمي في مختلف المعارف والعلوم من أهم سمات الشريعة الإسلامية التي يجب الحرص عليها كل الحرص، وليس من العلم في شيء تجاهل هذا الموضوع الخطير أو تطبيقه في جانب دون آخر، فإن ذلك سيؤدي إلى فساد في القول والعمل والاعتقاد. ولكن المطلوب الالتزام التام بهذا المنهج ألتأصيلي في جميع الجوانب الشرعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية سواء بسواء.
والموضوع مدار البحث، هو أحد الموضوعات التي أصابها التشويه لعدم إخضاعه للقواعد الأصولية الضابطة من قبل الناس عامة، وغثاء المسلمين خاصة. فالخلط بين الإفساد المؤسسي المنظم والإفساد الفردي الشخصي يؤدي إلى فساد في التصورات والعقائد وبالتالي ينتقل هذا الفساد إلى الأقوال، ومن ثم إلى الأعمال. وأخطر ما فيه، أنه يعد من أهم أساليب الدعاية التي بها يجيش الغثاء من الناس، لإسقاط تلك الأنظمة العربية أو الأجنبية، التي تقف شوكة في حلق إسرائيل، وتحول دون توسعها في العالم، وخاصة في أرض إسرائيل الكبرى، ما بين الفرات والنيل، تطبيقا للعقيدة اليهودية (اليهود شعب الله المختار، والأرض ملك لهم، والبشر بهائم خلقوا لخدمتهم). ولخطورة الأمر سنناقش الموضوع بأسلوب علمي بحت لا بالعواطف المتأثرة بالدعايات المغرضة.
أولا: يقصد بالإفساد المؤسسي المنظم، الفساد الذي تقف خلفه جماعة أو حزب أو دولة، فهو بالتالي يعبر عن هوية وفكر وسلوك تلك الجماعة أو الحزب أو الدولة، وإن ظهر للناس أو أظهر لهم أنه إفساد فردي شخصي.
أما الإفساد الفردي الشخصي فهو ذلك الإفساد الصادر عن شخص ما لا علاقة ولا رابط يربط بين فعله وأية جماعة أو حزب أو دولة. وإن ظهر للناس أو أظهر لهم أنه إفساد مؤسسي منظم.
على سبيل المثال:
يعتبر القتل والسرقة والاغتصاب من الجرائم الكبيرة في المجتمع، فلو أن فردا من أفراد أسرة محافظة ملتزمة بدينها اقترف إحدى هذه الجرائم، فإن من الجهل اتهام إدارة الأسرة بالتحريض عليها والوقوف خلفها. وكذا الحال بالنسبة للجماعة أو الحزب أو الدولة المحافظة، إذ لا يجوز تحميلها وزر فرد من أفرادها، ما دامت تنهى عنه، أو أنها لا ترضاه، قال تعالى
ولا تزر وازرة وزر أخرى)، ويعتبر هذا الإفساد إفسادا شخصيا فرديا.أما إن صدرت هذه الجرائم ولو من فرد واحد باسم جماعة أو حزب أو دولة، فإنها تتحمل المسوؤلية عن هذه الجريمة أو الإفساد، ما دامت ترضاها أو تدعمها، ويعتبر هذا الإفساد إفسادا مؤسسيا منظما، كإفساد الخوارج والشيعة الرافضة والقرامطة والفاطميين و(التتر)[1]، وكإفساد الدول والأحزاب الاشتراكية المعاصرة، أو الدول ال*******ية. فإنه من الجهل اعتبار هذا النوع من الفساد إفسادا فرديا يعبر عن شخصية الفاعل دون غيره، فإن في هذا من الخطورة ما فيه، وذلك لصرف الأنظار عن الفاعل الحقيقي إلى أحد أدواته الفاعلة، فلو أن هذه الأداة قُتلت لسبب أو لآخر، لبقي الفساد المؤسسي قائما، بتجنيد غيره للقيام بالإفساد مرة أخرى. بينما لو قتل صاحب الإفساد الفردي الشخصي لانتهى دون رجعة.
ثانيا: تضع الأحزاب في أنظمتها الداخلية وكذا الدول في قوانينها ما يعكس هويتها ويحفظ لها أهدافها وغاياتها، وترعى بها شؤون رعاياها، وخاصة ما وضع من قوانين تتعلق بالعقوبات الجزائية، وما يتطلب القيا م به من إقامة المحاكم الشرعية والنظامية وتعيين القضاة عليها، وهذا كله يدل دلالة واضحة على أن الفساد الشخصي مرفوض من قبل تلك الأحزاب أو الدول، ولا يعبر بالضرورة إن وقع من بعض أفرادها عن رأي ذلك الحزب أو تلك الدولة، ولو كان الأمر كذلك لما احتيج إلى وضع هذه القوانين ولا تلك الأنظمة الداخلية لمعاقبة المجرمين.
ثالثا: قصص واقعية
1- نادى نوح عليه السلام ابنه ( يا بني اركب معنا) لينجو من الغرق، ولكنه أصر على الكفر وغرق. وكذا إبراهيم عليه السلام حين دعا أباه للإسلام، لم يطعه وأصر الأب على الكفر. وزوجة لوط عليه السلام، رفضت دعوة زوجها النبي، وخانته بكفرها، وغير ذلك من القصص التي تدل على براءة الأنبياء عليهم السلام من الإفساد الفردي الذي صدر من ذوي القربى.
2- نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والأطفال في الحروب، ولكن في إحدى الغزوات وجدت امرأة من المشركين مقتولة، فقال
ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل)[2] منكرا على من قتلها، وعليه لا تتحمل القيادة النبوية مسؤولية هذا الحادث بحجة صدورها عن فرد من المسلمين.3- قام الخوارج بقتل المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين، ولم يقل عاقل أن هذا القتل كان بدافع من القيادة السياسية، ولكنه إفساد يعبر عن تلك الفئة الضالة من المسلمين فقط.
4- قامت دولتا القرامطة والفاطميين بنشر مختلف الفساد بين المسلمين حين استلمتا الحكم، وعليه من الجهل إلقاء المسؤولية على النظام الإسلامي نفسه، فالإسلام يحرم الجرائم التي ارتكبت باسمه.
5- قامت حركة جهيمان في السعودية بفتنة الحرم المكي في عام 1400 هـ، مدعية المهدية، وتبين سقوط ادعائها، وعليه فإنه من الجهل تحميل النظام المسؤولية عن الحادث، الذي طالما حذر مرتكبيه من عواقب سوء صنيعهم من خلال الأجهزة الأمنية والعلماء الكبار، وها هو تنظيم القاعدة في السعودية يخطو خطوات أمثاله.
6- تراجعت جماعات التطرف الجهادية في مصر عن المضي في أسلوبها من خلال إطلاق مبادرة نبذ العنف. فليس من المعقول أبدا أن يُحمل النظام المصري المسؤولية في حين كان يقف ضد هذه الأعمال ولا يزال.
7- يسعى النظام الأردني إلى محاربة التمييز العنصري والطائفي بين مختلف فئات الشعب، وعليه لا يجوز اتهامه بالعمل على إثارة النعرات الطائفية والعنصرية بحجة وجود بعض أفراد الشعب- حتى لو كان بعضهم من أفراد المؤسسة الحاكمة- ممن يقومون بذلك.
8- من المثير للجدل في الأوساط الإعلامية والسياسية هذه الأيام وبالتحديد، في التاسع من شهر أيار الجاري، ما نشرته مجلة نيوزويك الأمريكية من قيام بعض المحققين الأمريكان في سجن غوانتانامو بتدنيس القرآن الكريم، وما ترتب على نشر هذا الخبر من تداعيات واستنكارات صدرت عن مختلف الجهات الرسمية والشعبية في العالم الإسلامي، كله وهذا حسن يحمد عليه الجميع. واعتبر البعض أن هذا الفساد وهذه الجريمة هي جريمة منظمة تعكس نوايا الإدارة الأمريكية الحقيقية تجاه الإسلام والمسلمين. في حين لم تعتبرها الجهات الرسمية كالجامعة العربية وكل من مشيخة الأزهر في مصر، ومشيخة الحجاز في السعودية إفسادا مؤسسيا منظما، وطالبوا الإدارة الأمريكية بإجراء التحقيقات اللازمة، ومعاقبة كل من ثبت تورطه في هذه الجريمة.
فالسؤال الذي يفرض نفسه. كيف نقرأ هذا الحدث، وأي الموقفين أعقل وأصوب؟ هل هو موقف من قال أن تدنيس المصحف الشريف جريمة تقف خلفها الإدارة الأمريكية وتعكس نواياها الحقيقية تجاه الإسلام؟ أم أنها جريمة تعبر فقط عن سلوك فاعلها ومواقفه؟ لنناقش الأمر من خمسة أوجه ونختم بالرد على شبهة.
1- تعتبر الحكومة الأمريكية من الدول العلمانية التي تفصل الدين عن الدولة، وأقول عن الدولة لا الحياة كما يردده البعض[3]، وهي دولة ذات تعددية حزبية وسياسية، لا تتدخل في فرض دين أو منعه، كما نص عليه الدستور الأمريكي في التعديل الذي أقر في15/12/1791م، ونصه:
" لا يصدر الكونغرس أي قانون خاص بإقامة دين من الأديان أو يمنع حرية ممارسته، أو يحد من حرية الكلام أو الصحافة أو من حق الناس في الاجتماع سلميا..."
وفي الشرح: " قامت دول عديدة بإعلان أحد الأديان ديناً (رسميا) معتمدا للبلاد، ودعمته بأموال الحكومة، لكن هذا التعديل يمنع الكونغرس من إقامة دين ما أو اعتماده رسميا في الولايات المتحدة. وقد فسر على أنه يمنع تأييد الحكومة أو دعمها للمعتقدات الدينية. وبالإضافة إلى ذلك، لا يجوز للكونغرس إقرار قوانين تحد من العبادة وحرية الكلام والصحافة، أو تمنع الناس من الاجتماع بشكل سلمي...".أ.هـ
وعليه فان جميع أصحاب الديانات على تعددها يمارسون شعائرهم وعباداتهم مستغلين هذا الهامش الواسع من الحرية ومنهم الجالية الإسلامية، فترتب عليه ازدياد أعداد المسلمين، حتى قدر عدد المسلمين هذه الأيام بـ ( 6-7 ) مليون مسلم ما بين مهاجر وأصلي[4]. والبعض يشير إلى أن عددهم يتراوح ما بين (15-20) مليون مسلم.[5] وقال زعيم امة الإسلام لويس فرقان: "أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة تجاوز الثلاثين مليونا".[6] كما وازدادت أعداد مساجدهم من صفر إلى (1250) مسجد[7] في عام 1997م. وازدادت مراكزهم الدعوية مع الزمن، وزاد انتشار اللغة العربية، بل وصل الأمر إلى وجود عشرات الآلاف من الجنود المسلمين في المؤسسة العسكرية الأمريكية يقوم على رعاية شؤونهم الدينية ضباط ووعاظ وخطباء ودعاة. وهذا يعبر ضرورة عن موقف الحكومة الأمريكية من الإسلام لأنه ينسجم مع ما ورد في الدستور الأمريكي ولا يناقضه.
وعليه فان قيام رجل أمريكي مدني أو عسكري بقتل مسلم أو انتهاك عرضه أو انتهاك حريته الدينية. يجب أن ينظر إليه من خلال هذا الثابت المؤسسي القائم على احترام الأديان جميعها، وان هذا العمل والتصرف يعتبر إفسادا فرديا لا يمثل إلا صاحبه وأهدافه هو، ولا يحق لأحد كائنا من كان اعتبار هذا الإفساد إفسادا مؤسسيا يعكس النوايا الحقيقية للإدارة الأمريكية وحكومتها، حتى لو كان موقف الإدارة الأمريكية من الإسلام غير واضح، فلا يجوز الجزم بوقوفها خلف هذه الجريمة حتى يثبت لنا ذلك، فكيف إذا كانت هذه الجريمة تناقض موقف الحكومة الأمريكية الرسمي والمعُاش من الإسلام؟.
2- فلو قبلنا جدلاً اعتبار هذا الإفساد الشخصي الفردي إفساداً مؤسسياً للزم الأمر أن نكيل بهذا المكيال في كل مواقفنا، ولو استخدمنا هذا المكيال للزم القائم به أن يعتبر ما تقوم به الجماعات والأفراد الأمريكان من عمل يقومون من خلاله بالدعوة إلى الإسلام ونشره في مختلف وسائل الأعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في أمريكا، للزمه أن يعتبر ذلك، إصلاحاً مؤسسياً يعكس النوايا الحقيقية لأمريكا تجاه الإسلام والمسلمين.
وعليه فلماذا يصر صاحبنا على اعتبار الإفساد الفردي الشخصي الذي يقوم به أمريكي إفسادا أمريكيا مؤسسياً ولا يعتبر الإصلاح الفردي الذي يقوم به المسلمون الأمريكان إصلاحا مؤسسيا؟! مع العلم أن الإدارة الأمريكية قد عينت في مؤسستها العسكرية من الضباط المسلمين للقيام برعاية الشؤون الدينية والوعظ والإرشاد والإفتاء للعسكريين المسلمين العدد الكثير. فقد أشار المفكر فهمي هويدي إلى وجود (10-30) ألف مسلم في الجيش الأمريكي، وأن إدارة السجون الأمريكية عينت (80 ) إماما مسلما للوعظ والإرشاد في السجون[8]. في حين لا تجد مثل ذلك في الدول الاشتراكية العربية، وعلى رأسها النظام الاشتراكي السوري الحالي، والنظام الاشتراكي السابق في العراق.
وعليه فجريمة تدنيس القرآن الكريم وغيرها من الجرائم التي ترتكب ممن يحملون الجنسية الأمريكية لها الاحتمالات التالية: -
أ- أنها جريمة مؤسسية تعكس النوايا الأمريكية الحقيقية تجاه الإسلام والمسلمين وقد ثبت أن ذلك يناقض الدستور الأمريكي والواقع المعاش من قبل المسلمين فيها.
ب- أنها جريمة شخصية فردية ارتكبت في حكومة تحترم الأديان في دستورها نصاً فقط دون نوايا أصحابها فهم يضمرون السوء للإسلام والمسلمين وجوابه:
*- لمعرفة النوايا لا بد من وجود القرائن الدالة على ذلك0
*-من أوضح القرائن أن موقف هؤلاء الأفراد في المؤسسة الأمريكية تجاه المسلمين في أمريكا التسامح وعدم مقاتلتنا في الدين أو إخراجنا من ديارنا. ولا يوجد من القرائن ما يدل على عكس ذلك، مع العلم انك تجد في المؤسسة الأمريكية من المنافقين والمندسين والمأجورين الذين يتربصون بالإدارة الأمريكية وبالمسلمين سوءً من يهود واشتراكيين وأمثالهم.
جـ- إنها جريمة شخصيه فرديه تعبر عن دوافع وأهداف وغايات فاعلها فقط، أو من أوحى له بذلك، ولا ترضاه المؤسسة الأمريكية وهذا الاحتمال ينسجم مع الواقع تماماً وهذا ما عبر عنه المسؤولون الأمريكيون مراراً0
3- في الوقت الذي أثيرت فيه جريمة تدنيس القرآن الكريم قام الجيش الشيوعي في أوزبكستان بقمع التظاهرات التي قام بها مسلمو البلاد للمطالبة بأبسط حقوقهم الدينية والإنسانية، فقتلت (750) متظاهرا، ونشر الخبر في مختلف وسائل الإعلام كخبر عابر لم يأخذ من الاهتمام والاستنفار وردة الفعل بمقدار واحد من ألف من ردة الفعل على جريمة تدنيس القرآن الكريم. ولتحليل هذا الموقف لا بد من بيان الحقائق التالية:-
* أن جريمة قتل المسلم من أعظم الكبائر عند الله[9].
* أن ما قام به الجيش الاشتراكي في أوزبكستان يعتبر إفسادا مؤسسياً منظماً يعكس النوايا الحقيقية للمؤسسة الشيوعية تجاه الدين الإسلامي.
وعليه أقول:-
[1] -في بداية أمرهم، ولكن بعد ذلك أسلموا وحسن إسلامهم.
)-[2] غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس، فأفرجوا له فقال: ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل ثم قال لرجل انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك يقول لا تقتلن ذرية ولا عسيفا) صحيح ابن ماجة، للشيخ الألباني رحمه الله.
-إن الشيوعية الاشتراكية هي التي تفصل الدين عن الحياة وعن الدولة، ولكنها تهادن الدين مرحليا إذا اقتضى الأمر.[3]
[4] - جريدة الدستور الأردنية في 28/4/2001).
[5] - الإسلام والمسلمون في أمريكا، للدكتور معين القدومي ص 8 نقلا عن مجلة زهرة الخليج- أبو ظبي، 15/9/1990، ص 72.
[6] - المصدر السابق، ص8، نقلا عن جريدة المسلمون، العدد (5)، في 9/3/1985.
[7] - حسب ما ذكر موقع وزارة الخارجية الأمريكية / مكتب برامج الإعلام الخارجي. وحسب إحصائية أمريكية نشرتها جريدة الدستور الأردنية بتاريخ 28/4/2001، وصل عدد المساجد في أمريكا في سنة 2000 م إلى، ( 1209) مسجد..
[8]- مجلة المجلة 23-29/11/2000.
[9] - ( صحيح ) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم" رواه مسلم والنسائي والترمذي مرفوعا وموقوفا ورجح الموقوف،(صحيح الترغيب والترهيب).

تعليق