يتناول الكثير من المثقفون في العالم العربي موضوع الديمقراطية وآليات التحول إليها ومن بين ما يرصدونه من عوائق ما يصطلحون عليه بضا هرة ترييف المدن وخلاصة هذه الضاهرة كما في كتاب مداخل الانتقال إلى الديمقراطية في الوطن العربي الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية أن الهجرة المكثفة إلى المدن من الريف بدون أن يعني ذلك تحقيق الاندماج الفعلي لهؤلاء المهاجرين والانتقال بهم إلى مرحلة اجتماعية جديدة بكلمة أخرى انتقلت الأرياف إلى المدن وحافظت على أعرافها وتقاليدها وعصبيتها وكأنها لا تزال تعيش في رحاب قراها ود ساكرها ومزارعها التي انتقلت منها
هذا التوصيف العام لظاهرة يصور أن مشكلة العالم العربي وما يخول بينه وبين التحول الديمقراطي سكان الريف الذين وبحسب هذا التوصيف غير قادرين على الاندماج في المجتمع المدني ولا يملكون مقومات المواطن المتطلع إلى التحديث والتطور هذا من جهة ومن جهة أخرى يصور المدينة العربية بأنها على درجة من التحظر والرقي والازدهار وان هؤلاء الريفيين غزوها وقضو على الأخضر واليابس فيها كما لو أنها هجمة تاتارية على بغداد
بصفتي ابن الريف أقف مدافعا عليه وأقول أن المدينة العربية وأبناءها في الغالب لا يعرفون من التطور والرقي إلى المظاهر السطحية التافهة من لباس وغير ذلك من التفا هات و ربما لا تكاد تخلو أي مدينة عربية من الأوساخ والقاذورات فأي تحضر هذا حتى يفسده أبناء الريف كما نلاحظ في أوساط الحركات الطلابية أن معظم النشطين في هذا المجال هم من أبناء الريف و المساهمات الثقافية تصدر منهم وحتى وإن فرضنا جدلا أن المدن العربية على درجة من التحظر فمن المفروض أن تكون لديها الوسائل التي تستطيع من خلالها تكييف الوافدين إليها على ثقافتها هي لا العكس ولما يحصل هذا فإن المشكل في المدينة وليس في الريف
الزاوية الأخرى التي يجب أن نسلط عليها الضوء هي أبناء المدينة الذين يذهبون للعمل في الريف خاصة جانب الو ضيف العمومي كالتعليم والصحة هؤلاء والذين يحسبون على الطبقة المتعلمة والمثقفة هل يقومون بالدور المنوط بهم في نقل ثقافة المدينة وتطوير الريف أذكر ونحن في التعليم الابتدائي ذلك المعلم من المدينة الذي لا يحسن إلا السب والشتم والتوبيخ و الازدراء و الاحتقار والتعالي والتذمر وكل الصفات التي يشترك بها مع جميع زملائه فأي ثقافة وتطور في المدينة يتحدث عنه هؤلاء حتى يلقون باللائمة على أبناء الريف
