كاتب فرنسي يصف السياسة الأمريكية ( بالدجل )

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • موج عالي
    عضو فعال
    • Dec 2005
    • 289

    #1

    كاتب فرنسي يصف السياسة الأمريكية ( بالدجل )

    عنوان الكتاب : (أمريكا خسرت الحرب في العراق وستخسرها في أفغانستان)

    تأليف: جون فيليب ايمارجيون - عرض وترجمة: بشير البكر


    علينا أن نعترف بأن الكاتب جون فيليب إيمارجيون ليس ودوداً مع الولايات الأمريكية، وقد عبر عن الأمر في العديد من مؤلفاته ومقالاته، وهو موقف يشبه مواقف شرائح كبيرة ومتزايدة من الكّتاب والصحافيين والمثقفين الفرنسيين الحريصين على الاستقلالية الفرنسية. إلا انه في كتابه الجديد “الدجل الأمريكي: عظمة وبؤس العم سام”، الصادر عن دار نشر “بورين” في باريس، يدعو إلى اخراج امريكا من التاريخ، لأنه ببساطة لن تكون ثمة امريكا مرة ثانية. وهو يرى في جميع الأحوال أنه لا يهم ان يكون المرء موالياً أو معادياً لامريكا، ولكن المهم أن يكون لا أمريكيا.


    يبدي المؤلف صراحة كبيرة في التنديد بالتصرفات العسكرية الأمريكية في أفغانستان: “يجب التوقف عن وصف الأمر بأخطاء عسكرية ما ارتكبته، مثلا، يوم 22 أغسطس/ آب 2008 من تصفية ستين طفلا وتسع عشرة امرأة، حسب تقدير الحكومة الأفغانية والأمم المتحدة على الرغم من التشكيك الأمريكي”، ويقدم المؤلف لنا مثالا آخر: “في يوم انتخاب الرئيس أوباما، وقعت مذبحة أدت الى مقتل 40 شخصا ممن شاركوا في حفل زفاف، وكان الأمر، مرة أخرى، يتعلق بنساء وأطفال”، ويقول ان الجميع يعرف ما تفعله القوات الأمريكية في أفغانستان حين تتعرض لكمائن عسكرية من قبل طالبان. الانتقام الجماعي وتدمير القرى الأفغانية. والمسلسل الجهنمي احتلال- تفجيرات- انتقام يتواصل.


    ما الحل؟ في ظل غياب حل سلمي، فإن المأساة ستتواصل. والأمريكيون يصرون على أنه لا يوجد من حل سوى الحل العسكري، على الرغم من أن “عدد القتلى من الجنود الغربيين في أفغانستان تجاوز منذ ربيع 2008 الخسائر التي تكبدتها في العراق. وكل يوم يمضي في أفغانستان يقترب فيه حلف الأطلسي من هزيمة عسكرية لا مفر منها، على الرغم مما يقوله البريطانيون، الذين يصيدون بالمطاردة، من أن الثعلب يجد دائما حظّا في النهاية”.


    المشكلة مع الأمريكيين، في نظر الكاتب، تكمن في أنهم لا يعترفون ببشائر الهزيمة. “يجب العمل كما “لو أنّ” الولايات المتحدة لم تُهْزَم بعدُ في العراق. إنها ضالعةٌ في حرب أهلية ودينية تتجاوزها. ولن تسحب قواتها، بل ستعيد انتشار القوات في المنطقة”.
  • موج عالي
    عضو فعال
    • Dec 2005
    • 289

    #2
    الرد: كاتب فرنسي يصف السياسة الأمريكية ( بالدجل )

    برنامج أوباما


    هذا هو، كما يكشفه لنا الكاتب، برنامج الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما.


    المرشح باراك أوباما، كما يقول المؤلف، أخذ على عهده “الانتصار في أفغانستان في الحرب الذي خسرتها أمريكا بوش في العراق”، ويواصل الكاتب القول بأن باراك أوباما حذّر وهدد أعداء أمريكا بسحقهم. أوباما، لمن لا يعرفه: ليس ضد الحرب، بل هو ضد الحروب التي تخسرها أمريكا. وقد صرح بالأمر، سنة ،2002 وكان حينها من السياسيين الأمريكيين القلائل الذين عارضوا الغزو الأمريكي المعلن للعراق. لكن ليس عن قناعة بعدم جدوى الحروب: “لست ضد كل الحروب. أنا ضد الحروب الغبية”،ويضيف أوباما في تبريره للأمر: “هذا النوع من الحروب هو الذي أرفضه. أي الحرب الغبية. الحرب القائمة ليس على العقل بل على الغضب، القائمة على السياسة وليس على المبادئ”، وهو ما جعل الكاتب يتساءل: “إذا توجد ثمة حروب ترتكز على العقل وعلى المبادئ، أي بصيغة أخرى، ثمة حروب عادلة”، ويقول إن مفهوم “الحرب العادلة” هندسه مفكرون أمريكيون عديدون ومن بينهم مايكل فالزير وفرانسيس فوكوياما. ولهذا السبب يرى أن باراك أوباما يحاول أن يفسر منذ صيف 2007 كيف أنه يتوجب تطبيق سياسة بوش في أفغانستان، حيث الحل لا يمكن إلا أن يكون عسكريا. وقد شدد على الأمر خلال حملته الانتخابية، ووصل به الأمر إلى تحديد عدد القوات التي يتوجب إرسالها إلى أفغانستان: 65 ألف جندي من الجيش الأمريكي و27 ألفاً من المارينز. ويرى الكاتب إن قرار أوباما الاحتفاظ بوزير الدفاع روبرت غيتس دليل على “أمريكا التي لا تريد أن تتغير، أبداً”.


    كيف يمكن لنا أن نفسر هذا العمى؟ “إن تغيير اسم الرئيس الأمريكي لا يكفي لتغيير أُمة، ولم يشأ أحد سماع ولا إدراك الحالة النفسية للشعب الأمريكي”، ويكتب المؤلف: “لا توجد حربٌ قذرة في العراق وحرب أخرى مقدسة في أفغانستان. يتعلق الأمر بنفس الحرب. ولهذا السبب يمكن لباراك أوباما أن يوسع تدخله إلى باكستان وينتقم للهزيمة العراقية”. ويضيف الكاتب أن أوباما كرر الأمر غير ما مرة، وخصوصا أثناء زيارته الأوروبية سنة 2008: “ إن العالم الحر منخرطٌ في حرب كونية ضد الإرهاب”، ولكن الوضعية بالفعل لا تحتمل في أفغانستان، كما يرى الكاتب. وهو ما يدفعه إلى أن يصل إلى هذه التساؤلات الموجعة: “هل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على الانسحاب من أفغانستان، قبل أن تنهي “العمل”، كما يقول الأمريكيون؟ إن الحالة هناك تشبه حالة الهند الصينية حين ألقى الجنرال دوغول خطابه في بنوم بينغ سنة 1966 إن أي محتلّ ليس له من مَخْرَج سوى الإعلان المسبق عن الانسحاب وفتح مفاوضات مع الشعب الخاضع للاحتلال، وليس العكس. وقد قام بذلك مانديس فرانس فيما يخص الهند الصينية، وكذلك فعل دوغول الشيء ذاته مع الجزائر واقترح على الأمريكيين أن يفعلوا نفس الشيء في فيتنام”، ولكن الأمريكيين، وخصوصا بوش-تشيني في العراق، الذين كانوا يرون في البداية هذا السيناريو الرهيب: “علينا غزوُ العراق وعلى الغربيين الأوروبيين الاحتلالُ”، كانوا بالفعل، وأيا كان الرئيسُ الأمريكي بوش أو أوباما، مستعدين “للقتال إلى آخر جندي فرنسي من اللفيف الأجنبي”.


    ويطرح الكاتب اسئلة مشروعة “هل يستطيع رئيسٌ ما أن يتخلى عن فكرة الانتصار، من دون أن يحسّ بأنه يخون الآلاف من الجنود الذين سقطوا في المعارك؟”.


    هل الرئيس باراك أوباما تحرر، بالفعل، كما يدعي، من الغثّ الفكري الذي رَصص أمريكا واللوبيات التي تحكمها، وهو الذي تقلد السلطة في بلدٍ يُواجهُ، حسب كلماته هو، “حربيْن وكوكب مُهدد بالخطر وأسوأ أزمة مالية في القرن”؟


    “لا شيء مؤكد” هذا ما يراه الكاتبُ.

    تعليق

    • موج عالي
      عضو فعال
      • Dec 2005
      • 289

      #3
      الرد: كاتب فرنسي يصف السياسة الأمريكية ( بالدجل )

      الدجلُ الرأسماليّ


      يُصوّر الكاتب مظاهر من الدجل الأمريكي، وخصوصا بعد انبثاق الأزمة المالية الرهيبة، ولكن الساسة الأمريكان غير واعين بما فعلوه، ومن هنا بؤس الحلول التي يقترحونها: “يواصل الاقتصاديون إغداقهم علينا أغانيهم حول أفضال ومزايا العقلانية الاقتصادية التي تُشوّش عليها النزوع الدولتي الزاحف: إذا انفجر النظام فلأنه تعرّض للإفساد حين أكرهت الحكومةُ الأمريكية هيئات الإقراض العقاري على تقديم منتجات لشرائح اجتماعية ما كان لها أبدا أن تصل إليها”، ويضيف إنّ الفقير ما ولد إلا ليظل أكثر فقرا، والغني كي يصبح أكثر غنى. المال يجب أن ينضم إلى المال، إنها القاعدة للرأسمالية الأمريكية، ومنذ بداية القرن العشرين كان ثمة أقل من 5 في المائة من الصناعيين الأمريكيين من أبناء المهاجرين ومن الفلاحين أو العمال.


      ما العمل؟ لا يزال ثمة فردوسٌ رأسمالي بامتياز: الصين. لكننا نكتشف أنها، هي الأخرى، ليست سوى نمر من ورق. ويرى الكاتب بأن العالم يترنح ويستشهد بقول سياتل، وهو قائد هندي أمريكي، ردا على الحكومة الأمريكية سنة 1854: “سيختفي البيضُ هم أيضا ذات يوم، ومن دون شك سيتم ذلك قبل القبائل الأخرى. لوّثوا سريرَكُم وينتهي بكم الأمر، ذات ليلة بالاختناق في فضلاتكم”، ويرى بأن الأزمة الإيكولوجية (البيئية) ليست فقط هي التذكير بأن العالم محدودٌ كما هي محدودةٌ موارده. إنها ليست فقط هي الموت المبرمج لحضارة بددت موارد الكرة الأرضية. إنها فشل، نموذجي، لنمط تفكير أمريكي. أو بالتحديد، هي فشل لتيار تفكير غربي ادّعت أمريكا أنها تمثل بطلته الحصرية والذي يُلصق به العالَم بأسره الحلمَ الأمريكي. ويُعقّبُ الكاتب على هذه النهاية المخيفة:” هذا النمط من التفكير، في أصله، تفكيرٌ فرنسي”، وينتقل للحديث عن الوعد بعالم في قمة الكمال، ويستشهد بما كتبه توكفيل: “أمريكا هي أحد البلدان التي يُقرأ فيها ديكارت بدرجة أقلّ وتُتبَع فيه تعاليمه بشكل أفضل. وهذا الأمر لا يجب أن يفاجئ أحدا. الأمريكيون لم يعودوا يقرأون مؤلفات ديكارت لأن حالتهم الاجتماعية تَصرِفُهم عن دراسات المضاربة، ولكنهم يتتبعون تعاليمه، لأن هذه الحالة الاجتماعية تهيّئ، بشكل طبيعي، عقولهم لتبنّيها. كلّ واحد ينغلق على نفسه وينجح، من دون أي مساعدة، في إيجاد حلّ لكلّ المشاكل الصغيرة التي تُمثّلها حياتهم العملية ويخرجون منها بخلاصة تقول إنّ العالَم يمكن تفسيره، وأن لا شيء يتجاوز حدود الذكاء. ويتساءل الكاتب هل أصبحت أمريكا ذلك الحلم الذي أصبح كابوسا؟ ويجيب: إنّ ما هو مؤكدٌ هو أن هذا العالَم النافع الأبوي والبوليسي والمساواتي والاعتقالي يشبه، بشكل غريب، المجتمع الذي اكتشفه العالم بصفة مفاجئة، في بداية القرن العشرين، ويتساءل كيف تظهر أمريكا أمام الآخرين؟ تبدو أمريكا كدولة تفيض على حدودها، برؤية عن العالم وتنظيم مجتمعي يدير ظهرهُ لحضارة القارة الأوروبية العجوز. وإذا كانت هذه الرؤية (للعالم) وهذا التنظيم يبدون في حالة انسجام وتلاؤم مع انتظارات الكرة الأرضية فلأنها مُلازِمة لِلَحظة من حياة البشرية التي ستكون خلال قرن من الزمان بين أيدي من لا يتأملون التاريخ إلا من زاوية “تحوّل كل القيم تحت علامة القوة”. لهذا السبب فإن القرن العشرين، الذي لا يشبع موتا، كان عصراً ذهبياً أمريكياً.


      وينعى الكاتب هذه العقلية “إن مجتمعا يَهرع إلى الآلات، على الطريقة الأمريكية، ليس هو مجتمع إنسان في قرن صناعي يفخخ نفسه عن ضرورة، والذي يتخلى، شيئا فشيئا، عن جزئه من الإنسانية لأنه يتعين، بالضرورة، إدخال المكننة في وسائل الإنتاج، والتي تؤقلم نمط حياتها مع إيقاع الآلة. ويرى الكاتب أن النظرة إلى التقنية تختلف بين أوروبا وأمريكا”. إن أمريكا هي حضارةٌ لا ترى في التقنية استعبادا وإنما تحررا، ليس الأسوأ وإنما نهاية ما تعتقد أنها الحرية، ويواصل تفسير العقلية الأمريكية: “إن مكننة المجتمع تتماهى مع التقدم، إنها غايةٌ في حد ذاتها، يضيع فيها الإنسانُ، لأن الأمريكيين لا يؤمنون بحرية خارج حتمية عقلانية كبرى، تكون فيها الآلةُ وسيلةَ تفضيل، النموذجَ الذي يتوجبُ إنتاجُهُ”، ويضيف “إن تقديس التقنية ليس سوى منتوج هذه الحضارة اتي لا تكتفي فقط بأن تتعرف على نفسها من خلال تكنولوجيتها، بل وتتفتح فيها”، ويقول صحيح إن المجتمع الأمريكي يبدو معقدا لمن ينظر إليه من الخارج، ومن هنا يشرح لنا الكاتب طرق اشتغاله: “إن مكننة المجتمع ليس سوى نتيجة لمكننة التفكير الذي سبقها، وهو تفكير مُلْجَم، من الآن فصاعدا”.

      تعليق

      • موج عالي
        عضو فعال
        • Dec 2005
        • 289

        #4
        الرد: كاتب فرنسي يصف السياسة الأمريكية ( بالدجل )

        أوروبا العجوز تقاوم


        “تحيا أوروبا سنوات الثلاثينات من القرن العشرين. ولكن الحرب العالمية الثانية قلبت كل شيء. أوروبا، هذه، انتحرت، وأنقذتها أمريكا. وها نحن، من حينها، مذنبين ومتهَمين بأننا لمْ نَرَ الخطر النازي، ولم نعرف كيف نتعامل مع هذا الخطر”، ويتمنى الكاتب “آه لو أن الأمريكيين لم يكونوا هنا... وفجأة اختفى النقد الذي كان يَطَالُ الوحش الأمريكي ولا انسانيته المرعبة ولم يَعُد قطّ. اللوم انصب دائما على القارة العجوز وكل ما استطاعت إنتاجه في هذه السنوات على الرغم من أنه يماثل في غناه القرن الكبير وبداية الأنوار. إن كلّ ما كُتِب وكل ما تم التفكيرُ فيه أثناء هذه السنوات أصابه ختم الفظاعة. لقد فرضت الولايات المتحدة الأمريكية رؤيتها العقلانية على العالم. الخطأ يعود إلى مجموعة من جنود التجسير الألمان، الذين استطاعوا، ذات مساء من شهر مايو ،1940 وضد كل الاحتمالات، في اجتياز نهر “لاموز” في منطقة “سيدان” الفرنسية على الرغم من كثافة النيران التي قاومتهم من الحصون الفرنسية، ويرى بأن مشروع مارشال، الذي أرسته أمريكا بعد نهاية الحرب الكونية الثانية من أجل إعادة بناء أوروبا: سيتيح رواج فكرة الطريقة الأمريكية في الحياةAmerican way of life والوصول إلى الاستهلاك وزيادة الثروة والسعادة كل هذا مصحوبٌ بتقدم غير مشهود في ميدان الصحة، وكل هذا سينتشر في أرجاء الكرة الأرضية. ولكن هذا الانتصار(الأمريكي) يخفي كل تفكير وتأملات سنوات العشرينات والثلاثينات حول المذهب الآليّ (الآلية) وأنْسَتْنا كونَ أن ما تبيعنا إيّاه أمريكا هو تحديدا ما كانت تُدينُه عندها والذي أصبح، في الوقت الراهن، مقبولاً على مستوى الكرة الأرضية: أي عالمٌ مُفْتَرَضٌ أنه مُدارٌ بشكل جيد ومُعوْلَمٌ ورأسمالي، ويسوق المؤلف هذا التعليق المرير: “إنّه هذا العالَم الأمريكي الذي عشنا فيه إلى أن جاءت الأزمة الراهنة”.


        النهاية: أمريكا


        ويواصل الكاتب تحليل الوضع الراهن “ليس هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الولايات المتحدة الأمريكية لأزمة اقتصادية. فقد خسرت حربَ فيتنام كما أن تفكك التصنيع يعود إلى بدايات سنوات الثمانينات، وخلال صيف سنة ،1989 قبيل انهيار جدار برلين، وكان فوكوياما يشرح لنا أن تاريخ البشرية وصل إلى نهايته. وحين كان يسأل فوكوياما عن استمرارية الحروب والأمراض كان يجيب بأنه ليس من المهم كثيرا تحرك العالَم ما دام أنّ الفكرَ يجب أن يكون من الآن فصاعدا جامدا”، ويتحدث الكاتب عن الوهم الذي عاشته أوروبا ومثقفوها الذين صدّقوا نبوءات فوكوياما وفكرته عن نهاية التاريخ. إنه وَهمٌ دام عشرين سنة. “حتى جاء غزوُ العراق. بعض مثقفينا من ذوي النزوع الأطلسيّ حاولوا تفسير أمريكا باستخدام الفيلسوف هيغل، كما لو أن مصفحَات بوش التي كانت تستعرض عضلاتها في شوارع بغداد هي الابنة الروحية للفرسان الذين مرّوا تحت باب براندبورغ”، لكن فوكوياما يصرّ على نجاعة فلسفته. وهو ما يدعو الكاتب للتعليق على الأمر: “نحن نرى في إصراره على الأمر عنادا مثيرا للشفقة من قبل رجل يبحث عن إنقاذ ما يتصور أنه يحقق شهرته ومجده من خلاله”، ولكن الرجل، أي فوكاياما، تغير لأن نبوءاته لم تتحقق، ولأن أمريكا انهزمت في غير مكان. وهو ما يشجع الكاتب على الكتابة: “تتملكنا رغبة في مصارحته، بعد قراءتنا لمقالاته الأخيرة، وخصوصا مقاله الذي نشره في ربيع ،2008 والمعنون ب”دروس تواضع” (أن تأتي متأخرة خيرٌ من أن لا تأتي أبدا)، بأنه من غير المفيد العنادُ وبأنّ حلمه انهار في نفس وقت انهيار جبروت هذه الأمة التي اعتقدت، منذ البدء، أنها منتصرةٌ في تاريخ يتوجب أن يثير الخشية، ويقول “يوجد لدى الساسة الأمريكان نزوعٌ يقترب من التبشيرية التي عبّر عنها جيفيرسون، وهذا بغض النظر عن لون بشرة الرؤساء، ديموقراطيين كانوا أم جمهوريين، سواء كانوا يوصفون بالتدخليين أم الانعزاليين. الطريقة تختلف، ولكن المبدأ يظل هو هو. من وزيرة الشؤون الخارجية في عهد كلينتون، مادلين أولبرايت إلى المستشار السابق للرئيس جيمي كارتر، بريجينسكي، الكلّ عبّر عن نفس الرؤية التي ترى أن لأمريكا قوة وامتيازات يجب أن يتقبلها باقي العالم”.


        هذه رؤية أمريكية تحاول أمريكا فرضها بالقوة على باقي العالم. يكتب شارلز كروتامير، وهو من المحافظين، إنه لا يوجد من بديل لأحادية القطبية، “سوى الفوضى”. كما أن كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية في عهد بوش الابن، صرّحت بقوة أمام نظرائها الأوروبيين: “إن سياسة تعددية الأطراف هي الحرب (بالطبع، ما بيننا)”، وإن من يطلق عليهم، الآن، اسم الكلينتونيين، في طاقم باراك أوباما، يتبنون هذا الخطاب، حتى وإن غيّروا من شكله وحاولوا تدارك حساسيات حلفائهم. “لكن هذا النوع من الأدب المرغمين على إبدائه لا يمكن له أن يخدعنا من كون السياسة الخارجية الأمريكية لم تتغير، ولن تتغير أبدا”، ولن يختلف عن هذه السياسة أي رئيس أمريكي، حتى باراك أوباما، نفسه. “أَلَمْ يصرح أثناء الحملة الانتخابية أنه سيغيّر أمريكا من أجل تغيير العالَم؟”، ويعقّب الكاتب على هذا الطموح عند الرئيس أوباما بتساؤل: “إن تغيير العالم، وتغيير سير التاريخ وعدم رؤيتهما إلا كما تريدهما أمريكا أن يكونا، وليس كمَا هُما حقيقة، أَلَيْس هو دائما نفسُ المرض الأمريكي؟”.


        ويتساءل الكاتب: ما الذي حدث، حقيقة، في كابول وفي بغداد؟ بل هل حدث شيءٌ لأن عدد الذين انتشوا من منظور ألفية أمريكية حين دخل الجنود والمارينز الأمريكان إلى العاصمة العراقية ذات يوم رمادي، كان كبيرا. “نستطيع دائما أن نثق في ضربة خفيفة مُنقِذَة لأمريكا، ونقوم بعزل الحريقين الأفغاني والعراقي وإنكار إمكانية أن يمتد الحريق إلى مجموع البناء(الأمريكي)، والتأكيد، باعتماد الأرٍقام، على أن أُسُس- آه، من هذا الاختراع الجميل الدلالي والبلاغي الذي تُمثّله كلمة أسس - القوة الأمريكية تظل سليمة”، ولكن الكاتب يعتقد بأن أمريكا لا تعرف ماذا تفعل. لأنه كما يقول: لا يكفي من أجل إقفال العالم، استئصال البربري (المتوحش)، ما أنْ ينبثق ويرفض أن يُنسى. إن الفكرة التي تقول بوجود أراضِ ممنوعةٍ على الأمريكان لا يتحملها العقلُ الأمريكي، ما دام أنه من الصحيح “أن الحتمية لا يمكن أن تبقى خاصة بجزيرة فقط ولكنها مفترِسةٌ وليست متناسبة مع الحرية” (كما يقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور). إنه تحديدا ما حدث في 11 سبتمبر ،2001 الذي أصبح “يوما من دون نهاية” لعالم يرفض أن يتقدم.. ويستنتج الكاتب بأن الانقلاب الكبير الذي ورثه أوباما من سلفه الرئيس بوش يتجلى في أن الأسطورة الأمريكية قد ماتت. وبناء على ذلك يتساءل، هل قرّر أوباما أن الوقت قد حان لتسديد حساب أمريكا؟ هل سيشفيها من وهمها الإلهي؟ تفكيرهُ ظل فضفاضا، لقد ظل، بحذر، في استراتيجية التجنب. خطابه، أحيانا، يُذكّرنا بخروتشوف في المؤتمر العشرين، إذ إنه يتضمن بعض الانحرافات ولكننا نستطيع تصويبها والعودة إلى وعد الأيام الأولى. هامشُ مناورته ضيّقٌ، لأنه إذا كان ثمة دجلٌ منذ البداية فإنه لن يستطيع إلا التعجيل بالسقوط وهو يُحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وسيصبح بسرعة ليس خروتشوف وإنما جورباتشوف الأمريكي.

        منقووول من صحيفة الخليج

        تعليق

        مواضيع مرتبطة

        Collapse

        جاري العمل...