عندما يصبح السياسي مفتياً
استخدم الرئيس نفس النبرة الهجومية على القيادات الاشتراكية في الجنوب إو من سماهم المتطرفين منهم وقال إن" الارتداد عن الوحدة كالارتداد عن الإسلام"وهي فتوى مبطنه و تصريح يعتبر من أخطر التصريحات التي أدلى بها الرئيس اليمني منذ بداية المظاهرات والاحتجاجات في جنوب اليمن قبل عامين وهو ما يعبر عن الحالة النفسية المتردية التي وصلت لها القيادة السياسية في اليمن ، و حجم الأخطار ا لتي بدأت تحس إنها تواجهها في الجنوب والشمال ، هذه النبرة الدينية التي ترتكز على الفتوى هي في الحقيقة ليست ا لأولى ،ففي سبعينيات القرن الماضي أفتت الجماعات الدينية في اليمن والتي تمثل الموالاة للرئيس اليمني في وحدة تسعين أن الوحدة مع الاشتراكيين الشيوعيين ا لماركسيين حرام حرام حرام .. لكن الرئيس اليمني بحنكته السياسية استطاع ان يحتويهم ويتعامل معهم وضمهم إليه حتى كان احد مشايخهم بعد وحدة تسعين عضو مجلس الرئاسة .
في عام94م وحينما وصل الطرفين الحكومي الشمالي والجنوبي الاشتراكي إلى طريق مسدود حيث كانت هناك الكثير من التعقيدات السياسية بعد التوقيع على وثيقة العهد والإتفاق من قبل الطرفين واتهام الطرف الجنوبي للشمالي بعدم تطبيق الوثيقة والهروب منها والتنصل من مبادئها التي قامت عليه هذه الوثيقة والتي كان أول بند من بنودها يقضي بتسليم مرتكبي جرائم الاغتيالات بحق الاشتراكيين آنذاك وهو ما لم يكن بل إن بعض القيادات الاشتراكية والتي من ضمنها رئيس الوزراء حيدر أبو بكر العطاس تمت مطاردته أكثر من مرة من أجل ا لقضاء عليه .
ما يهم في الموضوع أن القوات بدأت تشتبك الشمالية والجنوبية بالشمال وان قوات شمالية بدأت تستولي على مواقع في الجنوب حتى جاءت فتوى الشيخ الزنداني والديلمي والتي قضت بجواز الحرب على الجنوب والقضاء على الانفصاليين ونهب الأراضي والتعامل مع الجنوب على أساس الفيد والغنيمة وهذا ما حدث ، وهنا تم توظيف الدين لخدمة ا لسياسية أو ما اسمية بتديين السياسة وتسييس الدين لخدمة الحاكم وأتباعه وكان الناس هم ضحية هذه الحرب .
الآن يقدم الرئيس على خطوة في غاية الجرأة حيث يكرر الفتوى مع الإختلاف الكبير بين هذه الفتوى وتلك حيث هذه المرة هو المفتي وليس المشائخ , فالمشائخ الآن في خندق آخر وأصحاب وجهة نظر أخرى من كل ا لأحداث الدائرة في اليمن...
ويبقى السؤال هل سيستطيع الرئيس اليمني أن ينتزع فتوى لتحريك الجماهير لقتال الجنوبيين والحوثيين كما حدث في عام94م أم إن سحر الساحر قد بطل كما يقولون ..
توظيف الدين لخدمة السياسة ليس شأناً يمنياً فقط لكنه كما يبدو شأناً عربياً وإقليمياً ودولياً أيضاً ففي الصومال مثلاً رئيس البلاد مفتي وهو يفتي بجواز القضاء على التمرد بعد أن فشل الحوار والمعارضين له مشائخ يفتون بالقضاء عليه لأنه خرج عن الثوابت الدينية كما يتصورون والكل يرفع شعار الإسلام لتحقيق مآربه السياسية . في السودان كذلك وفي العراق وفي أفغانستان وباكستان و إيران كذلك تستخدم الفتوى الدينية في أمور لا يقبلها دين ولا مبدأ . في فلسطين أيضاً تم توظيف الدين لخدمة السياسة أيضاً ففي مسألة القضاء على جند أنصارالله بزعامة عبداللطيف موسى وظفت حماس الدين للقضاء عليه وحاصرته في المسجد وقتلته وهي هفوة كبيرة للأخوة في حماس.
في مصر قبل ذلك في حياة الشيخ حسن البناء وأثناء مقتل النقراشي باشا رئيس الوزراء في عهد ا لملك فاروق أيضاً افتت الجماعة بقتل النقراشي بسبب حل جمعية الأخوان المسلمين .
وهلم جرا من المواقف الكثيرة جداً والأحداث الكثيرة التي يتم فيها تديين السياسة وتسيس الدين من اجل مصالح دنيوية ومشاكل عبثية ينبغي أن تحل بدون استخدام الفتوى .
يمكن للسياسي أن يتخذ أي قرار في شأن معين المهم أن يستطيع الدفاع عنه بمنطق سياسي أيضاً وتحت مبررات تؤيد قراره وله أن يستشهد من التاريخ كما يشاء أما أن يتحول إلى مفتي بحيث يكون قراره غير قابل للنقاش والحوار فهذه هي الكارثة الحقيقة والتي تتطلب دق ناقوس الخطر مما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي . وللحديث بقية ..
بقلم / طه الحاج علي الإدريسي