يسألونك عن السياسي العربي
السياسي العربي متمرس وراء فكرته يضغط المقص على كل من يخالفها أو يحاول تفنيدها أو يحاول طرحها تحت مجهر العقل والمنطق السياسي المتفق عليه تماماً كحق مقاومة الاحتلال، من السياسيون العرب من يكون وحش ضاري يفترس كل من يختلف معه خاصة لو كان من أبناء جلدته أو عمومته أو من يشتركون معه في الدين والعرق واللغة وحمامة وديعة مع كل من يسلبون حقة وليس رأيه فقط وينهبون ممتلكاته ويجرحون في كرامته ويسوون به التراب ..
السياسي العربي يصنع هذا وهو طائر ظل طريقة ولا يعرف أين يحط رحالة ، يتصرف بإرادة الآخرين ، ويشتغل على وتر التصريحات والمقابلات والحوادث ، وليس له حق بمعرفة المعلومات أو زيارة أرشيفها
لا حرية في بلده ولا أمن.. لا نظام في وطنه ولا قانون ..
أدرك كم ان السياسي العربي مجروح ومصادر حقه ، ويحس بأن لعنة التاريخ تطارده بالإضافة إلى لعنة الجغرافيا ،وأدرك كم هو غير عميق وغير دقيق في كل تصوراته لأمور السياسية حيث كل أمور السياسة ليست في يده هو فقط ينتظر الخبر ليعلق عليه ويفنده ، يوافق عليه أو يعترض عليه ، أدرك كم أن أحساسة بعدم الفاعلية بعدم الجدوى أحياناً يجعله أكثر عويلاً من غيرة ، أكثر تأوهاً ممن سواه ، أكثر تحسراً ممن عداه ، ما أصعب أن تتخبط أي أحد المواقف والأحداث يمنة ويسرة وهو عاجز عن التدخل فقط يسير مع الريح ويطير مع الغبار ..
السياسي العربي مجروح حقاً وهو معذور وغير معذور فمن يقل أو يبدو للعيان أنه سياسي ويقول انه غير مجروح هو ليس سياسي عربي بل سياسي معرب لا يمت للعروبة بصلة ، الجرح عميق ، والنزف طال أمده ، والأشلاء في كل هذا العالم عربية وإسلامية ، والواقفين وراء القضبان ليحاكموا من قبل هذا العالم هم عرب ومسلمين ، ومن يتكبدون المخاطر ويخضعون للتجارب العلمية الغربية عرب ومسلمين ، ليس لأنهم اقل آدمية لا ولكنهم أقل فهماً للسياسة وأقل إدراكاً لمعناها وكينونتها ، وأكثر فهماً للتبعية والانقياد ، وأكثر قدرة على العمل دون فهم ، والتصرف دون وعي .
ليس هذا من باب جلد الذات المجلودة ، ولكنه من باب التشخيص للمرض ومحاولة لإيجاد تبرير لهذا الوضع الذي نعيشه ولا نملك تغييره ، أليس من المحرج أن نقول أننا لا نستطيع تغيير نمط عيشنا ؟ أليس من المعيب أن نصل إلى حال لا نملك فيه قرارنا ؟ أليس هذا حال يصبح فيه العار عارياً حسب وصف الدكتور عزمي بشارة .
السياسي العربي إما واقفاً على باب السلطان ، او رئيس لحزب سياسي يدافع عن فكرته ، أو عضو من أعضاء التنظيمات السياسية ، أو متحدث باسم نظام يمثله رئيس لا يفهم من السياسة إلا اسمها ، أو قابعاً في أحد سجون هذه الدول العربية والإسلامية والتي تفخر بسجن ا لناس ومصادرة حرياتهم ، أو مجنوناً في أحد الشوارع نتيجة التعذيب سواء البدني أو النفسي والذي يتمثل في الحالة العامة التي يعيشها الناس ، أو لاجئاً في أحد الدول الغربية التي تتشدق بحرية الرأي وهي صادقة أحياناً ، أو محللأ في معظم الفضائيات ، أو كاتباً لا تنشر كتبه إلا بعد ان يكتب وصيته ، أو شجاعاً بأسماء وهمية غير حقيقية .
السياسي العربي يمشي وروحة على كفه ، ووصيته في جيبه ، وكفنه على ظهره ، يخرج من بيته وأولاده يبكون ويدعون الله أن يكتب له العودة ، يجلسون دائماً إلى جانب التلفاز ويهرعون جميعاً عند كل رنة تلفون ، يفرحون كثيراً عندما يفتح الباب عائداً ، وكثيراً ما يأخذون إليه أكله وملبسة في السجن ، نادراً ما يرونه مبتسماً فهو دائماً يحمل هم القول ووجع الكلمة ، وكثيراً ما تضطهده السنين كما تضطهده الحكومات .
مسكين هذا السياسي العربي لا يرى شيئاً لوحده ، ولا يصنع شيء لنفسه ولا لمجتمعة ، يتهم من قبل كثيرين بأنه متشدق وصاحب مصالح حتى وإن كان غرضه شريفاً ويريد صناعة حياة أفضل لهذا العالم الذي تعود على حياة الصحراء ويكره المدنية ، ويتهم من قبل آخرين أنه من الامن السياسي أو القومي فلا يأمنه احد ولا يصارحه احد خاصة لو كان من العامة ويلبس لبسهم ويتعاطف معهم ، ويتهم من قبل كثيرين بالجنون والخروج عن نطاق المعقول ...
السياسي العربي يمشي على الجدران ، ويخاف من كل من يمشي في الشارع ، يتوقع كل شيء من المارة ، إذا خاطبه أحدهم يجيبه بفزع ويرد عليه بسرعة تدل على الخوف والقلق ، يخاف ان يمشي في الممرات الليلية ، ولا يحضر السهرات ، يخرج كالعصفور صباحاً ويعود مثله في المغرب ، لا يملك إلا مكتبه وقلمه والجدران إن كان ثمة مكتب ، ليس لديه طموح سوى أن يبقى حياً ليربي أطفاله ويعلمهم كما يريد أي سياسي يدرك أهمية التعليم في تقدم الأمم ورقيها ، لا يسأل من الله سوى الميتة الحسنة ربما لأنه من تجربته يدرك أن الميتة البشعة هي قسمة السياسي العربي إما اغتيال سياسي أو هجوم انتحاري سببه فكر أو رأي ، أو سيارة تعتريه بالخطأ ليخرج المتهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب ..
السياسي العربي يتأوه دائماً من حاله ، يشقى وهو لا يعرف لماذا ، يتساءل دائماً لماذا لم أكن نجاراً او حداداً أو فلاحاً ، لماذا أوجع رأسي بكل هذا الهراء وبكل هذه المتابعات والتنقلات ، صحبته لا تدوم ، وراحته لا تكاد تستمر لساعة ، شغله الشاغل الخبر وهمة الكبير تحليله وتفسيره .......
اللعنة الكبرى تصيب كل من يمارس السياسة في العالم العربي ويطرح رأيه بموضوعية وصدق أما السياسي الزاحف سوف تصيبه لعنة لكنها أخف من سابقتها بكثير..
ولعلم السياسي أنه في السياسة ليس هناك شيء ثابت فالكل خائف ومدجن من يزحف ومن يمشي على ا لجدارن ....
بقلم / طه الحاج علي الإدريسي