الصلف الأمريكي ... إلى أين؟

Collapse
X
 
  • الوقت
  • عرض
Clear All
new posts
  • جريح السرب
    عضو جديد
    • Feb 2002
    • 8

    #1

    الصلف الأمريكي ... إلى أين؟

    في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمر شهد العالم تعيراً ملحوظاً في الخطاب السياسي الأمريكي أقرب إلى الفظاظة منه إلى القوة الحكيمة المتزنة. وشهدت الولايات المتحدة الأمريكية تغييرات داخلية مجتمعية أكثر فظاظة حولت المجتمع الأمريكي إلى عقلية عسكرية أكثر من أن تعيده إلى رشده.
    لا شك أن أحداث 11 سبتمر كانت صفعة قوية للحلم الأمريكي ، ولا شك أن منفذيها أياً كانو قد وجهوا إهانة كبيرة إلى الحكومة الأمريكية وإلى الشعب الأمريكي ، ولا شك أن تغيير العقلية الأمريكة وتغيير الخطاب السياسي الأمريكي كان نتيجة مباشرة وآنية لهذا الحدث. إنما التساؤل المطروح ماهو التأثير بعيد المدى لضربة 11 سبتمبر على أمريكا وليس على العالم؟
    من خلال الواقع يمكن استقراء المستقبل ، فهل الواقع الأمريكي الآن يعكس مايمكن أن تصل إليه الولايات المتحدة في المستقبل القريب؟
    هل سيؤدي الصلف الأمريكي إلى هزيمة نكراء تتمثل في انهيار الحلم الأمريكي من الداخل؟ المراقب للأحداث وللحالة الأمريكية يمكنه ملاحظة أن السياسيين الأمريكيين ورجال المال والأعمال وصانعي القرار الإقتصادي ووسائل الإعلام الأمريكي على حافة انهيار عصبي جماعي اذا جاز لنا التعبير.
    خلال الأشهر القليلة الماضية حققت الولايات المتحدة مكاسب كبيرة لم تكن تحلم بها نتيجة للتعاطف الدولي الذي حظيت به ونتيجة للتحالفات الواسعة التي استطاعت بناءها من خلال هذا التعاطف أو من خلال نقاط تقاطع المصالح بين الدول المختلفة. تمكنت الولايات المتحدة كذلك من التعامل مع الحدث على الصعيد الإجتماعي ببراعة حيث استطاعت تجيير الإهانة التي لحقت بالشعب الأمريكي لصالح وحدة إجتماعية تحت هدف واحد. ونجحت في منع حدوث كارثة اقتصادية عالمية على غرار كارثة ثلاثينات القرن الماضي.
    ورغم هذه النجاحات الآنية التي تحققت إلا أن الثقة التي اهتزت اكبر بكثير من ان يعالجها الصلف الأمريكي وفظاظة التعامل مع دول العالم. فرغم كل النجاحات التي تحققت إلا أن الخوف من المستقبل المجهول مرتبطاً مع غرور يمنع الولايات المتحدة من النظر بتبصر وحكمة إلى نتائج التعامل الجائر على المدى المتوسط والبعيد ، سيجعل من سقوط الحلم الأمريكي اسرع مما يعتقد الأمريكان أنفسهم وسيجعل من أحداث 11 سبتمبر المنتصر الحقيقي في الحرب الدائرة الآن ضد الإرهاب.
    الشعب الأمريكي بطبيعته شعب مسالم لايحب الحرب ولنكن أكثر وضوحاً يخشى الحرب ويخافها ، ولكن حجم الإهانة التي تلقاها وساعات الرعب التي عاشها زرع في داخله خوفاً أكبر أدى إلى تحول المجتمع الأمريكي بكامله إلى مجتمع عسكري التفكير. وإلا فما الذي يجعل شعبية رئيس أمريكي كان إلى ماقبل 11 سبتمبر غير مرغوب فيه من 50% من اشعب الأمريكي ترتفع بشدة إلى درجات لم يكن لها أن تحدث في السابق؟ العارف بالشأن الأمريكي الداخلي وطبيعة ونمط التفكير الأمريكي يلاحظ هذا التغيير سريعاً ، ففي الوقت الذي يخشى فيه الرئيس الأمريكي عادةً أن يخبر شعبه أنه سيدخل في حرب ما ولمدة اسبوع أو شهر على الأكثر ، نجد أن الرئيس الأمريكي الحالي يخبر شعبه بأن الحرب ستستمر عشر سنوات ، ومع ذلك ترتفع شعبيته حسب استطلاعات الرأي إلى درجات غير متوقعة وغير مسبوقة.
    هناك خلل في نمطية التفكير الإجتماعي أفرزته احداث الحادي عشر من سبتمر يكمن في خوف جماعي هستيري من القادم.
    وهناك خلل في نمطية تفكير الساسة الأمريكيين أفرزه الخوف من المجهول يكمن في فظاظة التعامل مع الأحداث الدولية.
    النهج الذي تسلكه أمريكا الآن وإطلاق ما اسماه بوش ( محور الشر ) على دول معينة في العالم ماهو إلا إنعكاس لحالة الخوف الجماعي الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية ، فالقلق الناتج من إحتمال إمتلاك بعض المنظمات للأسلحة البيولوجية والنووية والكيميائة من دول كالعراق وإيران وكوريا الشمالية تجعل من إسقاط حكومات هذه الدول أو تدميرها أحد المطالب الساسية للإدارة الأمريكية لتحقيق جزء من الأمن المفقود إلا أن الضريبة التي ستدفعها أمريكا على المدى البعيد ستكون غالية جداً وتتمثل في سقوط أهم مبادئها التي قامت عليها وحدتها واكتسبت احترام العالم وتقديره بسببها.
    فحينما تتحول أمريكا لأن تصبح القوة الوحيدة في العالم ، وعندما تسعى إلى تحقيق احتياجات شعبها الأمنية على حساب القانون الدولي والتحالفات الدولية، وحينما تسعى إلى تأكيد تفوقها على جميع الأمم. وحينما تسعى إلى أن تتعامل مع الأحداث وفق تعريفات خاصة بها كتعريف مفهوم الإرهاب. وحينما تفرض سياستها على الحكومات والشعوب في العالم أجمع. ... حينما تقوم بكل ذلك وبهذا الصلف والغرور فإنها تسير بخطى مؤكدة نحو هزيمة للذات أولاً ونحو سقوط مريع ثانياً. فالعالم الذي أحب أمريكا ووجد الحلم الأمريكي رمزاً لقوتها وعلامة لصحتها وسبباً لكل مجد حققته ، سيتحول إلى عالم يرى أن كل مكاسب أمريكا هي حقوق مسلوبة وإرادات شعوب مصادرة ، وكلما زادت القوة الأمريكية زاد حجم معرضتها وزاد حجم مقاومتها وزادت حدة الهلع الأمريكي في الداخل وزاد حجم عسكرة العقلية الأمريكية وتحول مجتمعها من مجتمع مدني منتج لأعرق حضارة علمية وتقنية في التاريخ إلى مجتمع عسكري أحادي التوجه ضيق الفكر قصير النظر نمطي الوتيرة.
    وكنتيجة طبيعية لمثل هذه التحولات الجذرية في الخطاب السياسي الأمريكي وفي العقلية المجتمعية الأمريكية فإن العدو الحقيقي لولايات المتحدة الأمريكية هي القوة الأمريكية. أي أن نهاية الحضارة الأمريكية الذي بدأت أولى بوادره بفرض الهيمنة على العالم وعلى الشعوب في العالم سيكون بيد القوة الأمريكية التي يغذيها الصلف والغرور ويدعمها فظاظة التعامل مع الأحداث دون إعتبار لأمم العالم أجمع.
    الخطر الحقيقي الذي يواجه امريكا هو أن احداث 11 سبتمبر أخرجت المارد الفظ من قمقمه ليصول ويجول بصلافة حتى إذا لم يبقى مايدمره دمر نفسه، أي أنالنتيجة الحتمية لذلك كله هو انتزاع هزيمة منكرة من وسط نصر مطلق.
    القادة لايصنعون أتباعاً بل قادة.

مواضيع مرتبطة

Collapse

جاري العمل...